المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها.....المشقــةُ تَجْـلِبُ التَيْسيــرَ


ابو محمد العراقي
2013-09-29, 03:57 PM
سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها........ القاعدة رقم (5)
المشقــةُ تَجْـلِبُ التَيْسيــرَ(1 )

هذه القاعدة الكلية الكبرى الرابعة، والتي تتخرج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته؛ لأن الحرج منفيٌّ عن الشريعة من الأصل، قال الشاطبي –رحمه الله-: "أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع(2)".إهـ، وقال في الاعتصام(3 ): " أن العمل المورث للحرج عند الدوام منفى عن الشريعة، كما أن أصل الحرج منفى عنها؛ لأنه  بُعِثَ بالحنيفية السمحة، ولا سماح مع دخول الحرج".إهـ
أدلة القاعدة:
وردت أدلةٌ تدلُّ بمنطوقها على أنَّ الحرج منفي عن الشريعة، وأنَّ الشريعة مبناها على اليسر في سائر أحكامها، وأنَّ العسر مدفوعٌ عنها ابتداءً وانتهاءً، ومن جملة هذه الأدلة:
قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر( 4) قال العلامة السعدي –رحمه الله-: " أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله(5 )".إهـ
وقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( 6) قال العلامة الشنقيطي –رحمه الله-: "وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد ، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج(7 )".إهـ
ومنها ما ثبت من حديث بريدة أن النبيَّ  قال: «يسّرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا( 8)»، وكذلك قوله  في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ(9 )».إهـ
قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله-: "دين الإسلام ذو يسر أو سمي الدين يسراً مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم ومن أوضح الامثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم(10 )".إهـ
معنى القاعدة:
إنَّ المشقة التي تلحق العبد نتيجة العمل، وتمنعه من إتمامه أو توقعه في الحرج والضرر سواء في النفس أو المال، فهي منتفية عن الشريعة، وأما المشقة التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية كمشقة الغُسل في البرد والصوم في الحر والجهاد ونحو ذلك فهذه لا تعتبر مشقة مانعة من القيام بالعمل، بل هذه لا بد منها.
المشاق الموجبة للتخفيفات الشرعية(11 ):
المشاق ضربان:
أحدهما: مشقةٌ لا تنفك العبادةُ عنها: كمشقة الوضوء والغسل في شدة السَّبَرات، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيَّما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالباً، ولا انفصال منها، وكمشقة الجهاد والمخاطرة بالأرواح، وثبوت الواحد لاثنين، وكمشقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لا ينفك عنها غالباً، وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه...
الضرب الثاني: مشقةٌ تنفك عنها العباداتُ غالباً، وهي أنواع:
النوع الأول: مشقة عظيمة فادحة،كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف؛فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ الـمُهَج والأطراف لإقامة مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالُها.
النوع الثاني: مشقة خفيفة، كأدنى وجع في إصبع، أو أدنى صداع، أو سوء مزاج خفيف، فهذا لا التفات إليه ولا تعريج عليه؛ لأنَّ تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة التي لا يؤبه لها.
النوع الثالث: مشاق واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة، فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف إلا عند أهل الظاهر، كالحمى الخفيفة ووجع الضرس اليسير وما وقع بين هاتين الرتبتين مختلف فيه، ومنهم من يلحقه بالعليا، ومنهم من يلحقه بالدنيا، فكلما قارب العليا كان أولى بالتخفيف، وكلما قارب الدنيا كان أولى بعدم التخفيف.
وقد تتوسط مشاقُّ بين الرتبتين بحيث لا تدنو من أحدهما، فقد يُتوقَّفُ فيها، وقد يُرجَّحُ بعضها بأمر خارج عنها، ومثال ذلك: ابتلاع الريق في الصوم، وابتلاع غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإنه عامٌّ للطارقين، ولا أثر لها؛ لشدة مشقة التحرز منها... ولا تختص المشاق بالعبادات بل تجري في المعاملات، مثاله: الغرر في البيوع...
الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين( 12):
أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.
والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أُخَر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلاً عنها، وقاطعاً بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما.
تطبيقات فقهية على القاعدة:
ورد في الشرح الممتع( 13) مجموعة من الأمثلة تحت هذه القاعدة منها:
أولاً: المرض الذي يلحق المريض منه مشقة لو ذهب يصلي الجمعة أو الجماعة، ودليله: قول الله تعالى:  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(14 ).
ثانياً: مدافعة أحد الأخبثين، هذا يعذر فيه بترك الجمعة والجماعة، لأنَّ المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، لأن الجماعة واجبة للصلاة، والمحافظة على ما يتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على ما يتعلق بأمر خارج عنها(15 )، فلهذا نقول: المحافظة على أداء الصلاة بطمأنينة وحضور قلب أولى من حضور الجماعة أو الجمعة.
ثالثاً: من كان بحضرة طعام محتاج إليه فهذا يعذر بترك الجمعة والجماعة.
مثاله: رجل جائع حضر عنده الطعام وهو يسمع الإقامة، فهو بين أمرين: إن ذهب إلى المسجد انشغل قلبه بالطعام لجوعه، وإن أكل اطمأن وانسد جوعه، فنقول: كل ولا حرج، وقد قال النبيُّ : «إذا قدم العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب( 16)» فأمرنا بأن نبدأ به.
رابعاً: من خاف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه فهذا مما يعذر فيه بترك الجمعة والجماعة، أي: إذا كان عنده مال يخشى إذا ذهب عنه أن يسرق، أو معه دابة يخشى لو ذهب للصلاة أن تنفلت الدابة وتضيع، فهو في هذه الحال معذور في ترك الجمعة والجماعة؛ لأنه لو ذهب وصلى فإن قلبه سيكون منشغلاً بهذا المال الذي يخاف ضياعه.
خامساً: ومن ذلك أيضا: لو أنَّ إنساناً وضع الخبز بالتنور، فأقيمت الصلاة، فإن ذهب يصلي احترق الخبز؛ فله أن يدع صلاة الجماعة من أجل أن لا يفوت ماله بالاحتراق.
والعلة: انشغال القلب، لكن يؤمر الخباز أن يلاحظ وقت الإقامة، فلا يدخل الخبز في التنور حينئذ.
سادساً: ومن المشاق المعاصرة ما يجده سواق سيارات الأجرة اليوم، إذ يعسر على أحدهم أحياناً أن يتوقف لأداء صلاة الفريضة في المسجد إما لضيق المكان أو لسوء الحال، فهذا وإن كان هذا عذراً يترك به صلاة الجماعة، إلاَّ أنَّه ينبغي عليه مراعاة وقت الصلاة وأن يتفطن لمكانٍ مناسب للوقوف قبلها.
سابعاً: النقود التي تكتب عليها بعض الآيات ونحوها، فهذه إذا دعت الحاجة إلى أن يدخلها الرجل معه عند قضائه لحاجته، فلا حرج عليه، قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: "الدراهم المكتوبة عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يجوز للمحدث لمسها وإذا كانت معه في منديل أو خريطة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء(17 )".إهـ.
_______________________________________________
(1 ) الشرح الممتع (1/230).
(2 ) الموافقات (1/520).
( 3) (1/313).
(4 ) سورة البقرة (185).
(5 ) تيسير الكريم الرحمن (86).
(6 ) سورة الحج (78).
(7 ) أضواء البيان (5/306).
( 8) أخرجه البخاري، رقم (3038).
(9 ) أخرجه البخاري، رقم (39).
( 10) فتح الباري (1/172).
( 11) نقلاً عن القواعد الكبرى للإمام العز ابن عبد السلام (260-262) باختصار. ولك أن تنظر بقية كلامه بتمامه في موضعه فإنَّه مفيدٌ.
(12 ) الموافقات (2/233).
(13 ) أنظر هذه الأمثلة الخمسة (2/222-225).
(14 ) سورة التغابن (16).
(15 ) هذه قاعدة فقهية، سيأتي بيانها وشرحها وأمثلتها.
(16 ) أخرجه البخاري، رقم (672) ومسلم، رقم (557).
(17 ) الفتاوى الكبرى (5/306).

ابو محمد العراقي
2013-09-29, 03:57 PM
نسأله تعالى العافية

نسائم الهدى
2013-09-29, 07:37 PM
بارك الله فيكم وجزاكم خيراً

أبو صديق الكردي
2013-09-30, 05:04 AM
جزاكم الله خيراً وزادكم علماً

ام عبد المجيد
2013-09-30, 09:49 AM
بارك الله فيكم , شرح موفق ومفيد

جزاكم الله خيراً

الحياة أمل
2013-09-30, 10:00 AM
[...
بآرك الرحمن فيكم
ونفع بكم الإسلآم والمسلمين
::/

مناي رضا الله
2013-09-30, 05:05 PM
جزاك الله خير

ابو محمد العراقي
2013-09-30, 07:36 PM
بارك الله فيكم جميعا
وأحســـــــــــــن إليـــــــــــــــــــــــــكم

ابو محمد العراقي
2013-09-30, 07:37 PM
الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل