المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم 6


ابو محمد العراقي
2013-10-01, 06:37 PM
سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (6)

إنَّ ما أتى، ولم يحددْ بالشرعِ فمرجعهُ إلى العرفِ(1 )

هذه من القواعد الفقهية الكبرى والمهمة في الفقه والتي يُرجع إليها في كثير من مسائل الفقه وتطبيقاته، وتعرف أيضاً بـ (العادةُ مُحَكَّمةٌ)، قال ابن نجيم -رحمه الله-: "واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في مسائل كثيرة، حتى جعلوا ذلك أصلاً(2 )".إهـ
واعتبار العرف مهمٌ في الفتوى، فلا يجوز للمفتي أن يُفتي من غير أن يعرف عرف المستفتي ليحمله عليه، قال ابن القيم –رحمه الله-: "لا يجوز له – أي المفتي- أن يفتى في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل( 3)".إهـ
معنى القاعدة لغة واصطلاحاً:
العرفُ: لغةً ضد النكر وهو كلُّ ما تَعْرِفه النفس من الخيْر وتَبْسَأُ به وتَطمئنّ إليه( 4).
اصطلاحاً: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول وهو حجة أيضا لكنه أسرع إلى الفهم(5 ).
أو: هو كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة(6 ).
وقال أبو المظفر السمعاني( 7): العرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة.
أدلة القاعدة:
ورد في القرآن الكريم عددٌ من الآيات التي يأمر بها الله –تعالى- عبادة بإناطة الأحكام بالعرف منها:
قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(8 )، قال أبو حيان في تفسيره(9 ): "ومعنى: بالمعروف أي: بالوجه، الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفاً له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به".
وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(10 )، قال ابن كثير( 11): "أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهنّ من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا(12 )".إهـ
ومنها قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ(13 ) قال الشوكاني في تفسيره( 14): "والمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ويبالغ في التنعم بالمأكول، والمشروب، والملبوس، ولا يدع نفسه عن سدّ الفاقة، وستر العورة".إهـ
وأما من السُّنة فقد ثبت من حديث حديث عائشة رضي الله عنها أن هنداً بنت عتبة رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال النبيُّ : «خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف( 15)»". فأوكل لها رسول الله  أن تأخذ ما يكفيها وأولادها إلى العرف، والعرف بالنفقة متباين بين الإعسار والإيسار، وكل بحسبه.
مسألة: الألفاظ إذا أُطلقت فلا تخلوا من إحدى حالاتٍ ثلاث( 16):
1- إما أن يكون النص قد بيَّن أنَّ المرجع في ذلك إلى العرف، فهنا نرجع إلى العرف.
2- وإما أن يكون النص قد بيَّن أنَّ المرجع في ذلك إلى الشرع، فهنا نرجع إلى الشرع.
3- وإما لا نعلم هذا ولا هذا، فيرجع إلى العرف(17 ).
المعنى الإجمالي للقاعدة:
أنَّ ما ورد في الشرع من أحكام ولم يوجد ما يُبيَّن حدودها في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع في إثبات حدودها إلى العرف الصحيح الذي لا يتعارض مع الشرع، قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: "وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حد باللغة كالشمس، والقمر، والبر، والبحر، والسماء، والأرض، ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وكالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما لم يكن منه له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس( 18)".إهـ
وقال السيوطي: "قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف(19 )".إهـ
وكذلك مما ينبغي الإشارة إليه، أنَّ العرف يُعدُّ مخصصاً لبعض العمومات، خاصةً فيما يتعلق ببعض الألفاظ العامة التي يستعملها الناس في كلامهم كالأيمان والنذور وغيرها، فإذا تعارض اللفظ المستعمل مع المعنى الموضوع له في اللغة فهنا يراعى استعمال العرف للفظ ويُقدم على المعنى اللغوي، قال الشاطبي: "والقاعدة في الأصول العربية أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للاستعمالي(20)".إهـ
شروط العمل بالعرف( 21):
أولاً: أن يكون مطرداً بين الناس أو غالب على عاداتهم.
ويصح إذا كان عرفاً خاصاً معمول به بين جماعة معينين كأصحاب المهن، قال السيوطي: "العرف الخاص إن كان محصوراً لم يؤثر في الأصح، وإن كان غير محصور فإنه يعتبر وينزل منزلة العام في الأصح(22 )".إهـ
ثانياً: أن يكون عند مجيء الخطاب لا قبله بحيث يكون منقطعاً عنه، ولا بعده بحيث يكون طارئاً، قال ابن نجيم –رحمه الله-: "ولذا قالوا لا عبرة بالعرف الطارئ(23 )"إهـ.
ثالثاً: أن يكون ظاهراً غير خفي، لتقاس به الأمور.
رابعاً: أن لا يخالف نصاً شرعياً.
تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: البحث عن الماء من حيث قربه وبعده لمن يبحث عنه، فقد اعتبر الشيخ ابن عثيمن قرب الماء وبعده مرجعه إلى العرف، فقال: "قوله(24 ): «وقربه» أي: يجب عليه أن يطلب الماء فيما قرب منه، فيبحث هل قربه، أو حوله بئر، أو غدير؟ والقرب ليس له حد محدد، فيرجع فيه إلى العرف، والعرف يختلف باختلاف الأزمنة. ففي زمننا وجدت السيارات فالبعيد يكون قريبا. وفي الماضي كان الموجود الإبل فالقريب يكون بعيدا، فيبحث فيما قرب بحيث لا يشق عليه طلبه، ولا يفوته وقت الصلاة(25 )".إهـ
المثال الثاني: الحركة في الصلاة في غير أفعالها، فإن معرفة كثرت الحركات وقلتها ومنافيتها للصلاة مرده إلى العرف، قال الشيخ ابن عثيمن –رحمه الله-: "قوله( 26): «وعمل مستكثر عادة» «عادة» أي: في عادة الناس، فإذا قال الناس: هذا العمل كثير في الصلاة. فهذا مستكثر عادة، وإن قالوا: هذا عمل يسير. فهو يسير. إذاً؛ ليس لهذا ضابط شرعي، بل هو راجع إلى العادة.
فإذا قال قائل: كيف نرجع إلى العادة في أمر تعبدي؟
فالجواب: نعم؛ نرجع إلى العادة؛ لأن الشرع لم يحدد ذلك.
فلم يقل الشارع مثلا: من تحرك في صلاته ثلاث مرات؛ فصلاته باطلة. ولم يقل: من تحرك أربعا فصلاته باطلة. ولم يقل: من تحرك اثنتين فصلاته باطلة. إذا؛ يرجع إلى العرف، فإذا قال الناس: هذا عمل ينافي الصلاة؛ بحيث من شاهد هذا الرجل وحركاته؛ يقول: إنه لا يصلي. حينئذ يكون مستكثراً، أما إذا قالوا: هذا يسير، فإنه لا يضر( 27)".إهـ
المثال الثالث: مسافة السفر التي يقصر فيها المسافر الصلاة مرجعها إلى العرف؛ لأن الشرع لم يحدد مسافةً يعتبر عندها السفر، فما تعارف عليه الناس في عرفهم أنَّه سفر فهو سفر(28 ).
المثال الرابع: اللباس مرجعه إلى العرف ما لم يخالف الشرع، كلبس العمامة ونحوها، قال الشيخ ابن عثيمن –رحمه الله- وهو يتحدث عن لبس النبيِّ  للعمامة-: "ولكن هل لباسه إياها كان تعبداً، أو لباسه إياها؛ لأنها عرف؟
الجواب: الثاني هو الصحيح، وإتباع العرف في اللباس هو السنة ما لم يكن حراماً؛ لأنا نعلم أن الرسول  إنما لبس ما يلبسه الناس، والإنسان لو خالف ما يلبسه الناس لكانت ثيابه ثياب شهرة( 29)".إهـ
المثال الخامس: حرز المال، فالمعتبر بحرز المال وعدمه العرف، قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: "مثلا: أودعتك وديعة، ووضعتها في مكان غير محرز، وسرقت فعليك الضمان، فإذا قال الناس: هذا الرجل مفرط في وضعه المال في هذا المكان، فهذا غير محرز فعليه الضمان، والذي يدلنا على أن المكان محرز أو غير محرز العرف(30 )".إهـ
المثال السادس: التفرق في البيع فمرجعه إلى العرف، لأن التفرق لم يحد شرعاً، قال الشيخ عند حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا(31 )»: "فإن تفرقا فلا خيار، ولكن بماذا يكون التفرق، هل هو محدود شرعاً؟
الجواب: يقول العلماء: إنه محدود عرفاً؛ لأنَّ الشرع لم يحدده، وكل شيء يأتي به الشرع من غير تحديد، فإنه يرجع فيه إلى العرف(32 )"إهـ.
المثال السابع: لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معيَّنة حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بغير خلاف( 33).

ويدخل تحت هذه القاعدة، قاعدة أخرى ذكرها الشيخ:
أنَّ المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العرف(34 ).
مثاله: إذا كان عرف التجار أنهم إذا قالوا: «إلى الغد» ، أي: إلى افتتاح السوق، فالأمد إلى افتتاح السوق، نعم إذا لم يكن هناك عرف أو كان العرف غير مطرد فنرجع إلى اللغة، واللغة أن الغد يبتدئ من طلوع الفجر، وإلى الليل إلى غروب الشمس، فإن قدر أن هناك عرفاً يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أن الآجال المؤجلة في الليل، أي: جلسة ما بعد العشاء فإنه يتقيد به(35 ).
_____________________________________________
(1 ) الشرح الممتع (1/178).
( 2) الأشباه والنظائر لابن نجيم (37).
( 3) إعلام الموقعين (4/466).
(4 ) لسان العرب (9/236).
( 5) التعريفات للجرجاني (193).
(6 ) شرح الكوكب المنير (4/448).
(7 ) قواطع الأدلة في الأصول (1/15).
( 8) سورة البقرة (228).
( 9) تفسير البحر المحيط (2/174).
(10 ) سورة البقرة (233).
(11 ) تفسير القرآن العظيم (1/634).
(12 ) سورة الطلاق (7).
( 13) سورة النساء (6).
(14 ) فتح القدير (1/427).
( 15) أخرجه البخاري، رقم (5364).
(16 ) شرح منظومة أصول الفقه وقواعده للشيخ ابن عثيمين (263).
( 17) ما لم يوجد له حد في اللغة، كما تقدم.
( 18) مجموع الفتاوى (29/15).
( 19) الأشباه والنظائر (1/181).
( 20) الموافقات (4/19). وأنظر: قواعد ابن رجب (2/555) بتحقيق الشيخ مشهور –حفظه الله-.
( 21) أنظر: مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد البهية، للشيخ صالح بن محمد بن حسن الأسمري، والقواعد الكلية والضوابط في الفقه الإسلامي (169-171).
( 22) الأشباه والنظائر (95).
( 23) الاشباه والنظائر لابن نُجيم (101).
(24 ) أي: صاحب متن الزاد.
( 25) الشرح الممتع (1/250).
(26 ) أي: صاحب متن الزاد.
(27 ) الشرح الممتع (1/783).
(28 ) أنظر: مجموع الفتاوى (24/47) والشرح الممتع (2/253).
( 29) الشرح الممتع (2/360).
( 30) الشرح الممتع (2/329).
( 31) أخرجه البخاري، رقم (2112) ومسلم، رقم (1531).
( 32) الشرح الممتع (3/646).
(33 ) قواعد ابن رجب (2/570).
(34 ) الشرح الممتع (3/655).
(35 ) الشرح الممتع (3/655).

ابو محمد العراقي
2013-10-01, 06:38 PM
اللبيب تكفيه الإشارة.. والبليد لا تكفيه مائة إشارة!!!!

الحياة أمل
2013-10-01, 09:20 PM
[...
أثآبكم الرحمن
ونفع بكم الإسلآم والمسلمين
::/

ام عبد المجيد
2013-10-01, 09:37 PM
جزاكم الله خيراً

فجر الإنتصار
2013-10-01, 11:05 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
أحسنتم أخي الكريم أحسن الله اليكم

أبو صديق الكردي
2013-10-02, 03:13 AM
جزاك الله خيراً وبارك فيك

طوبى للغرباء
2013-10-02, 11:03 AM
بارك الله بكم وجزاكم الله كل خير

ـآليآسمين
2013-10-02, 11:17 AM
http://www.sunnti.com/vb/islamicstyle_by_biaarq/rating/rating_5.gif
أسال الله سبحانه أن يباركـ في طرحكمـ ـآلقيمـ
و يجزيكمـ خير ـآلثواب و اجزله
شكر الله لكمـ
:111:

ابو محمد العراقي
2013-10-02, 02:17 PM
بارك الله فيكم جميعاً

ابو محمد العراقي
2013-10-02, 02:18 PM
الحمد لله على نعمة الإسلام والسنة

مناي رضا الله
2013-10-02, 04:32 PM
جزاك لله خير

ابو مالك
2013-10-02, 10:15 PM
جزاك الله خيرا

نسائم الهدى
2013-10-02, 10:45 PM
ماشاء الله

بارك الله فيكم وجزاكم خيرا