المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها.. القاعدة رقم (7)


ابو محمد العراقي
2013-10-03, 03:05 PM
الأصل في الأشياءِ حلٌّ وامنعِ **** عبادةً إلا بإذن الشارعِ( 1)


تُبيَّن القاعدة: أنَّ الأصل في الأشياء والعادات والمعاملات أنَّها حلال، إلاَّ أن يرد دليلُ المنع، بخلاف العبادات فإنَّ الأصل فيها المنع(2 )، ولا تصح، بل لا يجوز القدوم إلى عبادة من غير دليل صحيح. وأما في الأشياء لو أنَّ شخصين اختلفا في عين من الأعيان، حيوان أو أشجار أو غيرها، هل أكله حلال أم حرام، فالأصل الحلُّ، فليأكله ما لم يتيقن أنَّه منهي عنه، أو يقيم الدليل على تحريمه(3 ).
وهذه القاعدة من أنفع القواعد؛ لأنها داخلة في شؤون الناس وحياتهم ورافعة لكثير من الحرج لتعاملهم مع الأشياء، يقول شيخ الإسلام: "فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالاً مطلقا للآدميين وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ومماستها وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة وقضية فاضلة عظيمة المنفعة واسعة البركة يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس( 4)".إهـ
إلاَّ أنَّ هذه القاعدة ليست محل اتفاق بين العلماء؛ ففي المسألة مذهبين آخرين:
الأول: أنَّ الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة(5 ).
الثاني: التوقف حتى يرد دليل مبيِّن للحكم(6 ).
والراجح أنها على الإباحة كما قدمنا، وهذا ما سنناقشه في:
دليل القاعدة:
استدلَّ العلماءُ على إباحة الأعيان بأدلة منها:
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا(7 ) يقول العلامة السعدي: "وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان(8 )، يخرج بذلك الخبائث، فإن تحريمها -أيضا- يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا(9 )".إهـ
وقوله تعالى: وَقَدْ فَصلَّ لكُمْ ماحَرَّم عليْكُم(10 )، يقول شيخ الإسلام: "والتفصيل التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام(11)".إهـ
وقوله : «ما أحل الله في كتابه فهو حلال و ما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته(12 )» وقد أوضح العلامة ابن القيم معاني هذا الحديث بكلمات مضيئات فقال: "وقد أخبر النبيُّ  عن ربه تبارك وتعالى أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، يباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياساً على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإنَّ ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه؛ إذ المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفي عنه، ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياساً على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلاً لحكمه، وقد ذم تعالى من بدلَّ غير القول الذي أمر به، فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم( 13)".إهـ
كما دلَّ العقلُ على صحة هذه القاعدة؛ بأنَّ الانتفاع بالحاجات التي خلقها الله –تعالى- لا يعود ضرر الانتفاع بها إلى مالكها وهو الله –تعالى- بخلاف المخلوق الذي يتضرر بتصرف غيره في ملكه، وهذا ممتنع في حق الله  لكمال ملكه وقدرته(14 ).

تطبيقات فقهية على القاعدة:
تطبيقات هذه القاعدة واسعة وأنَّها أصل في الملبوسات كما في الألبسة المستعملة (البالة)( 15) وكذا المطعومات كالمعلبات المستوردة ونحوها(16 ) والحيوانات بجميع أنواعها والنباتات والحاجات ونحو ذلك ولا يخرج شيءٌ عنها إلاَّ بدليل خاص.
_________________________________________
(1 ) الشرح الممتع (5/241).
( 2) يقول شيخ الإسلام في المجموع (29/17): "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ [سورة الشورى (21)]. والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا [يونس: 59]".
( 3) أنظر: شرح منظومة أصول الفقه وقواعده للشيخ (88).
(4 ) مجموع الفتاوى (21/535).
(5 ) أنظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (1/114) ونسب القول فيه إلى أبي حنيفة –رحمه الله-. وقد ذكر الشيخ مشهور في حاشيته على الاعتصام (2/272) جملة من قال بهذا القول.
( 6) أنظر: روضة الناظر (20). وهو ما رجحه ابن قدامة في الروضة، خلافاً لما رُجِّحَ عنه في مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (20).
(7 ) سورة البقرة (29).
(8 ) والامتنان من أدلة العموم، ولا يتم الامتنان إذا حمل على خلاف هذا الأصل وهو الإباحة.
(9 ) تيسير الكريم الرحمن (48).
(10 ) سورة الأنعام (119).
(11 ) مجموع الفتاوى (21/536).
( 12) حسنه الشيخ الألباني في الصحيحة برقم (2256) من حديث أبي الدرداء .
(13 ) إعلام الموقعين (1/192).
(14 ) أنظر: مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (21)، والقواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها للشيخ السدلان (129).
(15 ) أنظر: شرح الورقات للشيخ مشهور (606).
(16 ) وهذه تدخل تحت قاعدة أُخرى وهي: "الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة حتى يقوم دليل الفساد".

ابو محمد العراقي
2013-10-03, 03:06 PM
التواضع سبب للتواصل

ابو الزبير الموصلي
2013-10-03, 05:16 PM
جزاك الله خيرا لي عودة ان شاء الله

الدغمان
2013-10-03, 06:22 PM
جزاكم الله الف الف الف الف خير تقبلو مروري المتواضع غوالي

فجر الإنتصار
2013-10-03, 10:53 PM
جزاكم الله خيراً وبارك فيكم
أحسنتم أخي الكريم

سعيد المدرس
2013-10-04, 12:00 AM
أحسنت أخي وبارك الله فيك وفي علمك
ساسميها ( السلسلة الذهبية )

العراقي
2013-10-04, 12:45 AM
جزاك الله خيرا اخي الغالي ( ابو محمد )
حقا كما وصفها الاستاذ سعيد انها سلسلة ذهبية
قواعد نسمع فيها لكن لم نفهمها بهذا التفصيل
بوركت

أبو صديق الكردي
2013-10-04, 05:10 AM
جزاك الله خيراً ونفع بك

الحياة أمل
2013-10-04, 08:18 AM
[...
كتب ربي أجركم
ونفع بجهدكم
::/

ابو محمد العراقي
2013-10-04, 12:23 PM
أشكر جميع الأخوة والأخوات على هذا الثناء والمدح
أسأله تعالى أن يستر عيوبنا
وأن يفقهنا في ديننا
وأن يستعملنا جميعا في مرضاته
اللهم آمين

ابو محمد العراقي
2013-10-04, 12:24 PM
نعـــــــــــــــم الدنيا قاعة امتحان