المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حُسن السؤال .. نصف العلم


ابو الزبير الموصلي
2013-10-29, 09:33 PM
حُسن السؤال .. نصف العلم
روى الإمام البخاري في صحيحه عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قـــال : (إن الله حــــرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ، ومنعاً وهات : وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال)(1) .

هذا الحديث الشريف شامل لبيان جمل مهمة عــــن المحرمات ، والمكروهات التي يجب على المرء المسلم أن يتجنبها، ويتحتم عليه أن يباعــد نفسه عنها، وأن يحذر من مقارفتها أشد الحذر. أما قوله -صلى الله عليه وسلم- : (وكثرة السؤال).. فقد قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عند شرحه لهذا الحديث ما نصه: "وقد ثبت عن جمع من السلف كراهته تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جـــــداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع ، والقول بالظن ، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ"(2).
فالتنطع في السؤال وتكلفه ، والسؤال عن الأغلوطات ، والأمور المشكلات ، وما ليس للمرء حاجة فيه من الأمور - أمر منهي عنه ، ومحذر منه لما فيه من حصول الزلل والغلط ،
وقد روي عن الحسن البصري قوله : "شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يُعَمّون بها عـبـــاد الله"، كما روي عن مالك قوله : "قال رجل (للشعبي) : إني خبأت لك مسائل. فقال : خبّئها لإبليس حتى تلقاه ، فتسأله عنها"(3)،
وقد ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ما يدل على أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ما سألوا رسول الله -صلى الله عـلـيــه وسلم- إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلهن في القرآن ، وأنهم ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم(4). ومراده بقوله : "ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة"، أي : المسائل التي حكاها الله فـي الـقـرآن عنهم ، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيَّن لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى كما بينه ابن القيم - رحمه الله - (5) .
روى (اللالكائي) بسنده عن (جعفر بن عبد الله) قال : "جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله : ((الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى))[طه:5] ، فكيف استوى؟ قال : فـمـــا رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته ، وعلاه الرحضاء - يعني العرق - قال: وأطرق القوم ، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه. قال : فسُرِّي عن (مالك) فقال : "الكـيـف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً" . فأمر به فأُخرج" (7).

وروى (القاضي عياض) في : (ترتيب المدارك)(8): قال حبيب : كنا جلوساً عند (زياد) (9)، فأتاه كتاب من بعض الملوك ، فمد مدة، فكتب فيه ، ثم طبع الكتاب ، ونفذ به مع الرســـــــول. فقال زياد: ألا تدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة: أمن ذهب ، أم من وَرِق؟ فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه)، وسترد فتعْلَم .

وردت عبارات كثيرة عن الأئمة تدل على كراهية السؤال عما لا ينفع السائل ، فمن ذلك ما روي عن الإمام أحمد - رحمه الله - قال : "سألني رجل مرة عن "يأجوج ومأجوج ": أمـسـلـمـــون؟ فقلت له : أحكمتَ العلم حتى تسأل عن ذا؟" (10)..
هذا من جانب ومن جانب آخر نجد بعض الناس لا يبالون بما يفعلون ، ولا يسألون عما يجهلون من أحكام دينهم وأمور دنياهم ، فنراهم يتخبطون في مستنقعات الردى، وينزلقون في مزالق الذنب والمعصية، بسبب البعد عن شريعة الله - سبحانه وتعالى - وإغفال السؤال عن حكم الله ، وحكم رسوله -صلى الله عليه وسلم- في الأعمال قبل القيام بها، مما يؤدي إلى كثرة وقوع الحوادث المخالفة، التي لا أصل لها في الكتاب والسنة.

يقول ابن رجب - رحـمـــه الله - : "واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنما هن من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله ، واجتناب نواهي الله ورسوله ، فلو أن من أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله - تعالى - في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه : وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة.
وإنما يعمل العامل بمـقـتـضى رأيه وهواه ، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله ، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها (11)، لذا وجب على المرء المسلم أن يتورع عن الســــؤال الذي لا حاجة له به ولا نفع ، وأن يهتم بالسؤال عن الأمور النافعة التي يقوم بحسن القيام بها أَوَد أعماله ، وأقواله وأحواله ، وما يؤدي إلى معرفة ما يجب عليه من أمور عباداته ومعاملاته ، والعلم بالله وصفاته ، وما يجب له من القيام بأمره، مع المحافظة على لــــزوم الحدود الشرعية، والآداب العلمية عند السؤال، وليعلم أن العلم سؤال وجواب ، وأن حسن السؤال نصف العلم .

الهوامش :
1- انظر:صحيح البخاري (كتاب:الأدب)، باب: عقوق الوالدين من الكبائر (8/5)، ط . المنيرية .
2- انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري (10/421)، ط. دار الريان، المكتبة السلفية.
3- انظر هذين الأثرين في كتاب:"الآداب الشرعية والمنح المرعية" لابـن مـفـلـــح الحنبلي (2/82) ، ط.دار العلم للجميع ، سنة1972م.
4- انظر نص كلامه في (سنن الدارِمي)(1/63) ، باب (كراهية الفُتيا)، ط.دار الريان للتراث.
5- وذلك فـي كـتابـه القيم : "إعلام الموقعين عن رب العالمين"(1/77)،ط.دار الفكر عام 1374هـ ، هـذا ، وقد ذكر - رحمه الله - في آخر كتابه المشار إليه فصلاً ذكر فيه عدداً كبيرًا مـن المسائل التي سُئل عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفتى فيها، وقال في أوله : ""فصل" ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها، من فتاوى إمام المفـتـين ، ورسول رب العالمين ، تكون روحاً لهذا الكتاب ، ورقماً على جلة هذا التأليف.." ثم سرد ذلك فجاء في زهاء 152 صفحة من الكتاب.
6- انظر: في ظلال القرآن ،2/986 ، ط.دار العلم ، ودار الشروق ، الطبعة الثانية عشرة، سنة 1406هـ .
7- شـــرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي (8/398) نشر دار طـيـبــة (بالريـاض). قال المحقق (أحمد سعد حمدان) : قال ابن تيمية في الفتاوى (5/365): "ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك".
8- 3/120 ، ط.المغربية.
9- هو : زياد بن عـبـــد الرحمن ، أحد تلاميذ الإمام (مالك )، وهو أول مَن أدخل إلى الأندلس (موطأ مـالـك) متفـقـهاً بالسماع منه ، ثم تلاه (يحيى بن يحيى) .. انظر : (ترتيب المدارك)، 3/116 وما بعدها.
10- انظر : الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ، 2/76.
11- انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ، ص94 ، عند شرحه للحديث التاسع .

مجلة البيان

أبو صديق الكردي
2013-10-30, 03:15 AM
جزاك الله خيراً وبارك فيك (أبا الزبير)

ـآليآسمين
2013-10-30, 03:25 AM
انتقاء طيب ,
أحسنتمـ مشرفنا ..\
جزاكمـ الله خير ولكل خير وفقكمـ
سدد الله خطاكمـ
:111:

الحياة أمل
2013-10-31, 06:33 AM
موضوع قيّم
كتب ربي أجركم .. ونفع بكم ...~