المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثرُ القراءاتِ القرآنيّة في الدرس النحويّ


محب العراق
2013-11-05, 01:46 PM
القراءات القرآنية والدرس النحوي :


ممّا لا شك فيه أنّ الصّلة بين القراءات القرآنية – المشهور منها والنادر – والإعراب متينة، ولعلّ في قول الدكتور عبد العال سالم مكرم ما يؤكّد ذلك: " إنَّ النّحاة الأُوَل الّذين نشأ النّحو على أيديهم كانوا قرّاءً: كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، ويونس، والخليل، ولعلَّ اهتمامهم بهذه القراءات وجّههم إلى الدراسة النّحوية، ليلائمُوا بين القراءات والعربيّة، بين ما سمعُوا وروَوا من القراءات، وبين ما سمعُوا ورَووا من كلام العرب " .



والقرآن الكريم – في قراءاته – خير حافظ للّغات واللّهجات، والفضل في ذلك يرجع إلى عناية القرّاء وتدقيقهم في الضّبط وتخريجهم في التلقّي حتّى إنّهم ليراعون اليسير من الخلاف ويلقّنونه ويدوّنونه .


هكذا كانَ احتواء القرآن للتغيّرات الإعرابية التي تطرأ بتغيّر القبائل، ومثل ذلك: إعمال (ما) عَمَل (ليس) عند الحجازيين، وإهمالها عند التّميميّين، في قوله تعالـى: مَا هُنَّ أمَّهاتِهم . أمَّا مسألة (ضمير الفصل)، فبنو تميم لا يهملونه، بل يعدّونه مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر. قرأ بها الأعمش وزيد بن علي الآية:

إنْ كانَ هَذا هُو الحقّ مِن عِندكَ .


ومن المسائل التي احتواها القرآن تبعاً للتغيّرات الإعرابية التي طرأت عليها بتغيّر القبائل إلزام المثنّى الألف، وهي لهجة بلحارث بن كعب وزيد وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، فهؤلاء كلّهم يلزمون المثنّى الألف ويعربونه بحركات مقدّرة عليها، وبه قرأ ابن كثير الآية: إنَّ هَذانِ

لَسَاحِرَانِ ، وقرأ أبو سعيد الخدري: فَكَان أَبَواهُ مُؤمِنَان .



وهكذا فالقرآن الكريم الذي عُرِف عنه بأنّه معرب، وهل أدلّ على ذلك من قول الرسول الكريم مخاطباً المسلمين: " أعربُوا القرآنَ والتمسُوا غرائبَه "، فطلبه هذا دليل قاطع بأنَّ القرآن معرب، وإعراب القرآن


ضرورة يقتضيها المعنى مثل ذلك قوله تعالى: إنَّمـَا يَخشَى الله مـِن عِبَادِه العُلمَاء ، وقوله:

أَنَّ الله بَريءٌ مِنَ المُشرِكِينَ ورَسولَه ، وقوله عزّ وجل: وَإذَا ابتَلى إبراهِيم رَبّه . هذه الآيات وغيرها لا تفهم الفهم الذي من أجله أنزلت إلاَّ بالإعراب.



ومن هنا كان اعتماد النّحاة في كثير من شواهدهم على القرآن الكريم، فسيبويه ضمَّن كتابه سبعةً وخمسين ومائة شاهدٍ من شواهد القرآن الكريم، وهي تصل إلى أكثر من 60% من مجموع شواهده التي بلغت ستَّةً وتسعين وثلاثمئة شاهدٍ، وهذه النّسبة المرتفعة من شواهد القرآن التي اعتمد عليها سيبويه تدلّ على مدى اهتمامه بالقرآن الكريم لتكون آياته حجّة لعلماء اللغة والنّحو.


ولم يكن الفرّاء أقلّ اهتماماً بالقرآن والقراءات من سيبويه، فهو قد ألّف كتاب (معاني القرآن)، وهو يعني فيه بما كان يشكل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه. وهو ـ أيضاً ـ من ربط المعنى بالإعراب، ففي قوله تعالـى: وزُلزِلُوا حتَّى يقولَ الرّسُولُ . يقول الفـرّاء: " قرأها القرّاء بالنّصب إلاَّ مجاهداً وبعض أهل المدينة ـ هو: نافع ـ، فإنّهما رفعاها. ولها وجهان في العربيّة: نَصْبٌ ورَفْعٌ. أمَّا النَّصب، فلأنَّ الفعل الذي قبلها ممّا يتطاول كالتّرداد، فإن كان الفعل على ذلك المعنى نُصب الفعل بعده بـ: حتّى، وهو في المعنى ماض، فإذا كان الفعل الذي قبل (حتّى) لا يتطاول، وهو فعل ماض رفع الفعل بعد: حتّى إذا كان ماضياً، فأمّا الفعل الذي يتطاول وهو ماض، فقولك: جعل فلان يديم النّظر حتّى يعرفك، ألا ترى أنّ إدامة النّظر تطول، فإذا طال من قبل: حتّى ذهب بما بعدها إلى النّصب، إن كان ماضياً بتطاوله " .
وهكذا رأيت أنَّ النّصب عند الفرّاء دليله على أنّ الفعل قبلها " ممّا يتطاول كالتّرداد "، أي: المستمر يتردّد، ولم ينقطع، وهو في الوقت نفسه ماض؛ أي: استمرت الزلزلة، ودامت إلى أن قال الرسول وهكذا يكون النّصب عنده دليلَ الاستقبال.


ونظراً لأهميّة إعراب القرآن، فإنّ كثيراً من النحاة مَن صنَّفوا في إعرابه الكتب، ومن الأوائل نذكر منهم:


" قطرب أبو علي محمد بن مستنير ت206هـ، وأبو مروان عبد الملك بن حبيب القرطبي ت239هـ، وحاتم سهل بن محمد السجستاني ت 248هـ، وأبو العباس محمـد بن يزيد المبـرّد ت286هـ، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ت291هـ، وأبو البركات الأنباري ت 328هـ، وأبو جعفر بن النحاس ت 338هـ، وأبو عبد الله بن خالويه ت 370هـ، ومكي بن أبي طالب القيسي ت 437هـ، وأبو زكريا التبريزي ت 502هـ، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني ت 535هـ، وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي ت 562هـ، وأبو البقاء العكبري ت 616هـ، ومنتجب الدين الهمذاني ت 643هـ، وأبو إسحق الفاقي ت 742هـ " .


وصفوة القول: إنّي أرى أنّ هناك تلازماً بين النّحو والقرآن الكريم، فالنحويّ لا غنى له عن القرآن إذ هو مادة استشهاده للقواعد النحوية، ولا عجب في ذلك التلاحم بين النحو والقرآن الكريم وقراءاته، فالقرآن هو من هذّب اللسان العربي من وحشي الكلام وغريبه، وممّا يخرج عن الفصاحة. قال ابن خالويه: " قد أجمع النَّاس أنّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح ممّا في غيره " .



والقرآن الكريم هو من خلّص اللغة العربية من شتات اللّهجات الكثيرة، وهو إضافة لذلك جعل من اللّغة العربية لغة عالميّة تنطق بها الأمم، إذ تغلغلت في الهند والصين وأفغانستان، وحسبنا ما نعلمه من مشاهير العلماء من تلك البلاد، مثل: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والقزويني، وغيرهم الكثير.

يضاف إلى ذلك أنَّ القرآن الكريم كان له الفضل الكبير في تقعيد اللغـة وضبطـها، وهكـذا ـ وبكل اطمئنان ـ يمكن أنْ أعدَّ القرآن الكريم بمنزلة الروح من الجسد بالنّسبة للّغة العربيّة، بل قل بفضله سادت اللّغة العربيّة وتهذّبت، وضُبِطت قواعدها، واتّصلت حلقات عصورها، وانفتحت للعلوم والمعارف، وحفظت وحدتها.



أمّا القراءات القرآنية التي تعاورها النّحاة، فكانت مادة من مواد الدّرس النّحوي؛ لأنّها ـ وإن تفاوتت النّظرة إليها، واختلفت الآراء في رفضها وقبولها ـأحدثت نوعاً من التفاعل البنّاء بين النّحاة، وما الاختلاف فيها إلاّ السبيل والمنطلق إلى لغة قرآنية سليمةٍ من كلّ زللٍ أو لحنٍ قد يقع فيه من يجهل القراءات القرآنية وما هي عليه من سلامةٍ في اللغة، فالقرآن الكريم الذي جاء على سبعة أحرف كلٌّ منها شافٍ وافٍ، لا سبيل لتخطئة قراءاته إذا ما توافرت لها شروط القراءة الصّحيحة، ولم تخرج عن مقاييس اللّغة نثرها وشعرها.



منقول بتصرّف من



أثـر القـراءات القـرآنيـة فـي الـدّرس النّـحوي



الدكتور مزيد إسماعيل نعيم*أستاذ في قسم اللّغة العربيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة دمشق، سوريا.


روفائيل انيس مرجان**طالب دكتوراه في قسم اللّغة العربيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة دمشق، سوريا.

............................

ـآليآسمين
2013-11-05, 03:45 PM
نقل موفق ..
رزقكمـ ربي عيشة ـآلـأبرار وكفاكمـ شر ـآلـأشرار
باركـ الله فيكمـ
:111:

الحياة أمل
2013-11-06, 11:26 PM
شكر الله لكم هذآ الطرح
دُمتم موفقين لكل خير ...~