المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إشاراتٌ مهمة من كلام الأئمة في العلم


ابو الزبير الموصلي
2013-12-05, 08:34 PM
إشاراتٌ مهمة من كلام الأئمة في العلم



د. صالح البهلال
بسم الله الرحمن الرحيم





الحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فلا يشك أحدٌ في فضل العلم ، وشرفه ، فقد جاءت الآيات والأحاديث مُنَوِّهةً بفضله ، والحث عليه، وبيان عظيم قدر أهله ؛ وهي معلومة معروفة ، وهذه إشاراتٌ موجزة مختارة، من كلام الأئمة في العلم ، يحسن بطالب العلم ، أن يفيد منها ، وهي قد لا تنتظم في باب واحد، ولكن يجمعها أنها كلَّها في العلم ، ومن المعلوم أن كلام الأئمة في ذلك كثير وافر، ولكنَّ تجليةَ كلامهم وإبرازَه مهمٌ غايةً ؛ تثبيتاً للعامل ، وتذكيراً للغافل ، وتنبيهاً للوسنان، والله المستعان ، وعليه التكلان :

الإشارة الأولى:
يقول أبو بكر المرُُّوْذي في كتاب الورع ص7 : (سمعت فتح بن أبي الفتح يقول لأبي عبدالله ـ يعني الإمام أحمد ـ في مرضه الذي مات فيه : ادع الله أن يحسن الخلافة علينا بعدك ؟ وقال له : من نسأل بعدك ؟فقال : سل عبدالوهاب بن عبد الحكم . وأخبرني من كان حاضراً ، أنه قال له : إنه ليس له اتساع في العلم ؟!
فقال أبو عبدالله : إنه رجل صالح ، مثله يوفق لإصابة الحق) .
فهذه كلمة عظيمة خرجت من رجل استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه ، لتُبِيْن بجلاء أن الصلاح سبيلٌ للتوفيق في العلم، وإصابة الحق فيه.
ومصداق ذلك في كتاب الله في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] {الأنفال:29}
قال ابن جريج وابن زيد كما في روح المعاني للألوسي 5/196: ( هداية ونوراً في قلوبكم ، تفرقون به بين الحق والباطل )*.
ولا شك أن من أعظم الهداية والنور، هو العلم النافع.


الإشارة الثانية :
يقول الإمام عبدالله بن المبارك كما في السير للذهبي 8/400: ( رب عمل صغير تكثره النية ، ورب عمل كثير تصغره النية ) .
فهذا الإمام الكبير يبين أن للنية دوراً في تكثير العمل وتصغيره ، ولا شك أن المعول في ذلك على الإخلاص، والآيات والأحاديث الآمرة به وافرة معلومة .
وقد غفر الله لبغيٍّ ؛ لأجل أنها سقت كلباً ، كان يلهث من العطش ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في منهاح السنة6/218 ( فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها ، وإلا فليس كل بغيٍ سقت كلباً يغفر لها ...فالأعمال تتفاضل بتفاضل مافي القلوب من الإيمان والإجلال ) .
فمن أراد بركة العلم ، فليلزم الإخلاص فثمَّ العلم .
والمسألة شديدة المطلب ، وعرة المسلك ، تحتاج إلى معالجة ومجاهدة ، لكن الثمرة هداية السبيل، واستنارة الطريق، [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] {العنكبوت:69} .
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 18/261 إلى أن الإخلاص في النفع المتعدي أقل منه في العبادات البدنية .
ولعل تعليل ذلك أن حظ النفس في العمل المتعدي أوفر .
ومن دقيق ما يذكر في تحري بعض أهل العلم للإخلاص ، والبعد كل البعد عما يخدشه ، ما ذكره ابن عبد الهادي ، المعروف بـ ( ابن الْمَبْرد ) في كتابه الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب الإمام أحمد ص52 قال : ( وأخبرت عن القاضي علاء الدين بن اللحام أنه قال : ذكر لنا مرة الشيخ ـ يعني الحافظ ابن رجب ـ مسألة فأطنب فيها ، فعجبت من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعت بعد ذلك بمحضر من أرباب المذاهب وغيرهم ، فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ، فلما قام ، قلت له : أليس قد تكلمت فيها بذلك الكلام ، قال : إنما أتكلم بما أرجو ثوابه ، وقد خفت من الكلام في هذا المجلس ) .
قال الذهبي في السير4/494 : (ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد ، فإن أعجبه كلامه فليصمت ، فإن أعجبه الصمت فليتكلم ، ولا يفتر عن محاسبة نفسه؛ فإنها تحب الظهور والثناء ) .
فاللهم ارحمنا ، وقنا شرور أنفسنا والشيطان .

الإشارة الثالثة:
يقول الإمام مالك كما في السير للذهبي 8/107 ( ليس العلم بكثرة الرواية ، ولكن حيث شاء الله جعله ) .
وفي رواية عنه : ( ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يضعه الله في القلوب ) ذكرها القاضي عياض في الإلماع ص217
ويقول الإمام أحمد كما في الآداب الشرعية 2/59 ـ60 ( إنما العلم مواهب يؤتيه الله من أحب من خلقه ) .
فدلت هاتان الكلمتان من هذين الإمامين، أن نيلَ العلم إنما هو محض توفيق الله وفضله، نسأل الله ألا يحرمنا فضله ، وقد نظم هذا المعنى العلامة ابن القيم في نونيته، فقال :
والعلم يدخل قلب كل موفـق من غير بواب ولا استئذان
ويرده المحروم من خذلانـــــه لا تشقنا اللهم بالحرمـــان
وكلام هؤلاء منطلقٌ من قوله تعالى : [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ...]الآية. {البقرة:269}
قال مجاهد كما في تفسير الطبري 5/9( القرآن والعلم والفقه ) .
وليس معنى هذه الإشارة أن يترك المرء فعل الأسباب ، منتظراً بين عشية أو ضحاها أن يكون حبرَ الأمة ، وعلامةَ الزمان !
لا، بل يتحتم عليه الطرقُ للباب ، والأخذُ بالأسباب ؛ فإن الله ـ سبحانه ـ قال : [...وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ...]الآية. {النور:21} وقال : [...وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ...]الآية. {فاطر:18} .

وإنما القصدُ من هذه الإشارة أمورٌ أربعة :
1ـ ألا يتكل المرء على فعل الأسباب ؛ بل يتوكل على ربه تمام التوكل ، مسلماً إياه زمامه وخطامه ، يدعوه ـ دوماً ـ أن يصلح له شأنه كله، وألا يكله إلى نفسه طرفة عين.
2ـ أن يسأل ربه العلم النافع ، كما سأل نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ربه أن يزيده من العلم النافع ، كما في قوله تعالى : [وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] {طه:114}
3ـ أن يشكر ربه على كل فائدة يستفيدها ، وكل علم يتعلمه ، فالشكر سبيل زيادة النعم، قال تعالى :[...لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ...]الآية. {إبراهيم:7} وقد جاء في تعليم المتعلم للزرنوجي ص 38 عن أبي حنيفة أنه قال: (إنما أدركت العلم بالحمد والشكر ، فكلما فهمت شيئاً من العلوم ، ووقفت على فقه وحكمة ، قلت: الحمد لله ، فازداد علمي ) .
4ـ ألا يعجب بنفسه ، ولا يتكبر على الخلق ، إذا أتقن علماً ، أو حفظ متناً ؛ لأن ذلك من الله ـ سبحانه ـ قال تعالى: [مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ...]الآية. {النساء:79} ، وقال : [وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ...]الآية. {النحل:53} .
بل عليه أن يلزم الذل والمسكنة لله ، فإنه ليس شيء أنفع له من ذلك ، وهذا سَنَن العلماء الراسخين ، وقد نقل ابن القيم كما في المدارج 1/524عن شيخه ابن تيمية، أنه كثيراً ما يقول : ما لي شيء ، ولا مني شيء ، ولا فيَّ شيء ، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت :
أنا المكــدي وابن المكــدي وهكــذا كان أبي وجــدي
ومن جميل ما يذكر في ذم العجب ، وأنه سبيل عاجل لمحق بركة العلم ، ما ذكره الماوردي ـ أحد علماء الشافعية ـ عن نفسه ؛ إذ يقول في كتابه أدب الدنيا والدين ص 81 : ( ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتاباً جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس ، وأجهدت فيه نفسي ، وكددت فيه خاطري ، حتى إذا تهذب واستكمل ، وكدت أعجب به ، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعاً بعلمه ، حضرني - وأنا في مجلسي - أعرابيان ، فسألاني عن بيع عقداه في البادية ، على شروط تضمنت أربع مسائل ، لم أعرف لواحدة منها جواباً ، فأطرقت منكراً ، وبحالي مفكراً ، فقالا : ما عندك فيما سألناك جواب ، وأنت زعيم هذه الجماعة ؟ فقلت : لا . فقالا : واهاً لك ! وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي ، فسألاه ، فأجابهما مسرعاً بما أقنعهما ، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه ، فبقيت مرتبكاً ، وبحالهما وحالي معتبراً ، فكان ذلك زاجر نصيحة ، ونذير عظة ، تَذلَّلَ بهما قيادُ النفس، وانخفض لهما جناحُ العجب ، توفيقاً مُنِحتُه ، ورشداً أُوتيتُه...) إلخ ما قال ـ رحمه الله ـ .

الحياة أمل
2013-12-06, 12:09 AM
انتقآء طيّب .. نآفع
أحسن ربي إليكم .. ولكل خير وفقكم ...~