المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ )


ابو العبدين البصري
2013-02-03, 11:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الموحدين وعلى آله وصحبه والتابعين .
وبعد: فقد قال تعال في محكم كتابه العظيم:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي? أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}.(النساء: 65).
فإن الناظر في سبب نزول هذه الآية العظيمة يدرك خطر مقولة كثير من الناس اليوم ( لا نريد حكومة إسلامية ) ! فإن هذه الآية نزلت بسبب: ما ذكره الإمام البخاري رحمه الله قال: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ أَرْسِلْ»، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: نَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ]، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ الجَدْرَ، ثُمَّ أَمْسِكْ» فَقَالَ الزُّبَيْرُ:" فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] (2361).
قال ابن كثير _رحمه الله تعالى_:" يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
فإذا كان من لا يرضى بحكم النبي صلى الله عليه وسلم بجزئيةٍ صغيرة ينزل فيه كلام المولى جل وعلا بنفي الإيمان عنه فعلى المسلم أن يراعي لفظه وقوله فرب كلمة تهوي بصاحبها سبعين خريفاً في نار جهنم وهو لا يعلم حرمتها !
وهذا هو الظن بكثير من المسلمين أنه لا يعلم حرمة الكلمة التي يتفوه بها أحيناً أو يقولها مجاملةً !
أو كي يرضي فئةً معينة !
والحقيقة أن على العبد أن يرضى ربه سبحانه وتعالى وإن سخط الناس كلهم عليه.
روى البخاري في عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (6478). لا يلقي لها بالا: لا يبالي بها ولا يلتفت إلى معناها خاطره ولا يعتد بها ولا يعيها بقلبه.
فالواجب على المؤمن الذي رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً أن يرضى بجميع شرعه ويحكمه في جميع شؤن حياته فليس مكان الدين في المسجد فقط بل الإسلام معك في كل مكان ويجب على المسلم أن يدخل في الإسلام جميعه لا ينتقي منه انتقائا يؤمن ببعض ويكفر ببعض بل عليه كما قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (البقرة:208) . قال مُجَاهِدٍ:{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} ، يَعْنِي: «فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعاً».
وقال الحق سبحانه منكراً على طائفة جزئت الدين بحسب هواها :{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:85).
ومن لطيف ما ذكر في تفسير الآية ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال:"فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه وقال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10].
وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده وهو الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه وقال جل وعلا {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]." الصواعق المرسلة: ( ج3_828).
فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا ممن يؤمنون بجميع ما أنزل وممن رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.
وأن نحكم شرعه في كل صغيرة وكبيرة اللهم آمين.

هدايا القدر
2013-02-03, 03:57 PM
http://www.karom.net/up/uploads/13280967593.gif

ابو العبدين البصري
2013-02-04, 07:53 PM
http://www.karom.net/up/uploads/13280967593.gif
بارك الله فيك.

الحياة أمل
2013-02-06, 01:28 AM
[...
بآرك الله فيكم على هذآ الطرح
في هذآ الوقت الذي يجري التحذير من الحكومآت الإسلآمية !
كتب الباري أجركم ~ ورفع قدركم
::/

ابو العبدين البصري
2013-04-11, 04:51 PM
وقال _رحمه الله _:" فأقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان ولا يكونون من أهله حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين . فإن لفظة ( ما ) من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم . ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لا يجدون في أنفسهم حرجاً - وهو الضيق والحصر - من حكمه بل يقبلوا حكمه بالانشراح ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخذونه على إغماض ويشربونه على قذى فإن هذا مناف للإيمان بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.

ومتى أراد العبد أن يعلم هذا فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها:{ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره }. فسبحان الله ! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد ؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها ، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها ؟
ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر.

ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى:{ ويسلموا تسليما} فذكر الفعل مؤكداً بمصدره القائم مقام ذكره مرتين. وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به طوعا ورضاً وتسليما لا قهراً ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرهاً ، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شئ إليه يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وابر به منها واقدر على تخليصها. فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسلم له وسلم إليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والانقياد.

وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة بل هو أمر انشق القلب واستقر في سويدائه لا تفي العبارة بمعناه ، ولا مطمع في حصوله بالدعوى والأماني.
وكل يدعى وصلا لليلى **** وليلى لا تقر لهم بذاك"(1 ).

________________
( 1) انظر الرسالة التبوكية : (ص 18).

بنت الحواء
2013-04-15, 05:33 PM
جزاك الله خيرا

ابو العبدين البصري
2013-09-16, 11:40 PM
جزاك الله خيرا


وجزاكم مثله.