المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تخريج أحاديث الرايات السود والسفياني


أم شيماء
2013-12-24, 11:10 PM
تخريج أحاديث الرايات السود والسفياني

تحقيق القول في مرويات الرايات السود الواردة في أحاديث الفتن المرفوعة والموقوفة ؟

وكذا الأحاديث التي ورد فيها ذكر السفياني ؟ وجزاكم الله خيراً .

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :

إن أحاديث وروايات ظهور ( الرايات السود ) و( السفياني ) من الأحاديث التي تعددت طرقها وألفاظها في كتب الملاحم وأشراط الساعة ، حتى إن طرقها لتكاد تملأ مصنفاً كاملاً ، وقد فرح بها فرق وطوائف ، فزادوا فيها ، وما زالوا !!

ومن طالع تلك الأحاديث تذكر قول الإمام أحمد : ( ثلاثة كتب ليس لها أصول : المغازي ، والملاحم ، والتفسير ) " الجامع " للخطيب رقم ( 1536 ) ، وهو يعني بذلك : كثرة الكذب والروايات المردودة في هذه الأبواب الثلاثة ، وقلة ما يصح فيها من الأحاديث .

فحديث ( الرايات السود ) له طرق وألفاظ بالغة الكثرة ، وقد امتلأ بها كتاب ( الفتن ) لنعيم بن حماد .
لكني لم أجد فيها حديثاً صالحاً للاحتجاج ، لا مرفوعاً ، ولا موقوفاً على أحد الصحابة .
وأقوى ما ورد فيها من المرفوع ـ وليس فيها قوي ـ ، الأحاديث التالية :

أولاً : حديث ثوبان ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فأتوها ، فإن فيها خليفة الله المهدي ) ، وله ألفاظ أخرى مطولة .

وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ( 5 / 277 ) من طريق شريك بن عبد الله ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي قلابة ، عن ثوبان به .

وهذا إسناد منقطع ، حيث إن أبا قلابة لم يسمع من ثوبان شيئاً ، كما قال العجلي رقم ( 888 ) .

وقد ذكره ابن الجوزي من هذا الوجه في ( العلل المتناهية رقم 1445 ، وأعله بعلي بن زيد بن جدعان ) .

وأخرجه ابن ماجة رقم ( 4084 ) ، والبزار في مسنده ( المخطوط –النسخة الكتانية ـ 223 ) ، من طرق صحيحة عن عبد الرزاق الصنعاني ، عن الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان ، بنحوه مطولاً مرفوعاً .

وقال البزار عقبه : ( إسناده إسناد صحيح ) .

وقال البيهقي عقبه في ( الدلائل 6/515 ) : " تفرد به عبد الرزاق عن الثوري " .
قلت : إســـــناده أقل أحواله الحُسن في الظاهر، وحتى التفرد الذي ذكره البيهقي منتقض بما أخرجه الحاكم في ( المستدرك 4 / 463 ـ 464 ) ، قال : " أخبرنا أبو عبد الله الصفار : حدثنا محمد بن إبراهيم بن أورمة : حدثنا الحسين بن حفص : حدثنا سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ... " ، وقال الحاكم عقبه : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين " .

وقد نقل هذا الإسناد ـ كما ذكرته ـ الحافظ ابن حجر في ( إتحاف المهرة 3/53 رقم 2513 ) ، مما يُبعد احتمال وقوع خطأ مطبعي فيه .

وإسناد الحاكم رجاله ثقات ، إلا محمد بن إبراهيم بن أورمة ، فلم أجد له ذكراً ، إلا في هذا الإسناد الذي صححه الحاكم .

لكن للحديث وجه آخر أخرجه الحاكم ( 4/502 ) ، وعنه البيهقي في ( الدلائل 6/516 ) ، من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان موقوفاً عليه غير مرفــــوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

قلت : فمع هذا الاضطراب في إسناده ، مع نكارة متنه ، وعدم قيام إسناد من أسانيده ، بتحمل هذا الحد من التفرد لا أستطيع أن أطمئن إلى قبول هذا الحديث ، خاصة مع عبارات لبعض أئمة النقد ، تدل على تضعيف الحديث من جميع وجوهه .

بل قد وقفت على إعلالٍ خاصّ واستنكار خاص لهذا الحديث على خالد الحذاء ( مع ثقته ) فقد جاء في العلل للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله رقم ( 2443 ) : " حدثني أبي ، قال : قيل لابن عُليّة في هذا الحديث : كان خالد يرويه ، فلم يلتفت إليه ، ضعف ابن عليّه أمره . يعني حديث خالد عن أبي قلابة عن أبي أســـــماء عن ثوبان عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الرايات " وانظر الضعفاء للعقيلي ـ ترجمة خـــــالد بن مهران الحذاء ـ ( 2 / 351 رقم 403 ) والمنتخب من علل الخلال لابن قدامة ( رقم 170 ) .

ثانياً : حديث عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً ، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ، معهم رايات سود ، فيسألون الخير ، فلا يُعطونه ، فيقاتلون فيُنصرون ، فيُعطون ما سألوا ، فلا يقبلونه ، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها قسطاً ، كما ملؤوها جوراً ، فمن أدرك ذلك منكم ، فليأتهم ولو حبواً على الثلج ".
أخرجه ابن ماجة ( رقم 4082 ) ، والبزار في مسنده ( رقم 1556- 1557 ) ، والعقيلي في ( الضعفاء ) ترجمة يزيد بن أبي زياد ( 4/1494 ) ، وابن عدي ، ترجمة يزيد بن أبي زياد ( 7 / 276 ) ، من طريق يزيد بن أبي زياد ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس النخعي ، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً .

وقال عنه ابن كثير في ( البداية والنهاية 9/ 278 ) : "إسناده حسن " ، وحسنه الألباني أيضاً في ( سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 85 ) .

قلت : وهو كما قالا عن إسناده ، في الظاهر قابل للتحسين .

لكن أول ما يلفت الانتباه إلى ما في هذا الإسناد من النكارة هو ما قاله البزار عقب الحديث ، حيث قال : "وهذا الحديث رواه غير واحد عن يزيد بن أبي زياد ، ولا نعلم روى يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود إلا هذا الحديث " .

ومع هذا التفرد الذي صرح به ابن عدي أيضاً عقب الحديث ، فإن المتفرد به – وهو يزيد بن أبي زياد - لئن رجحنا حسن حديثه ، فإن مثله لا يحتمل التفرد بمثل هذا الإسناد والمتن .

ولذلك ضعف هذا الحديث جماعة ، وعدوه في مناكير يزيد بن أبي زياد .

فقد قال وكيع بن الجراح – وذكر هذا الحديث - : " ليس بشيء " .

وقال الإمام أحمد : " ليس بشيء " أيضاً .

وبلغ إنكار أبي أسامة حماد بن أســـامة لهذا الحديث أن قال عن يزيد بن أبي زياد بخصوص روايته لهذا الحديث : " لو حلف عندي خمسين يميناً قسامة ما صدقته !! أهذا مذهب إبراهيم ؟! أهذا مذهب علقمة ؟! أهذا مذهب عبد الله ؟! " ( الضعفاء ) للعقيلي ( 4/1493- 1495) .

ولما أنكر الإمام الذهبي هذا الحديث في ( السير ، 6 / 131 ـ 132 ) ، قال بعد كلام أبي أسامة : " قلت : معذور والله أبو أسامة ! وأنا قائل كذلك ، فإن من قبله ومن بعده أئمة أثبات ، فالآفة منه : عمداً ، أو خطأ " .

لذلك فإن الراجح ضعف هذا الحديث بل إنه منكر .

ومع هذه الأحكام من هؤلاء النقاد ، لا يصح الاعتماد على المتابعة التي أوردها الدارقطني في ( العلل ) معلقة ( 5 /185 رقم 808) ، وأنه قد رواه ، عمارة بن القعقاع عن إبراهيم ، موافقاً يزيد بن أبي زياد .

وللحديث أوجه أخرى عن ابن مسعود – رضي الله عنه - ، كلها ضعيفة ، ومرجعها إلى حديث يزيد بن أبي زياد ، كما يدل عليه كلام الدارقطني في العلل – الموطن السابق - .

وانظر: الأحاديث الواردة في المهدي للدكتور : عبد العليم البســــتوي ( قسم الصحيحة : 158-162، وقسم الضعيفة : 30-39 ) .

ثالثاً : حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : " تخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء ، حتى تنصب بإيلياء " أخرجه الإمام أحمد ( رقم 8775 ) والترمذي ( رقم 2269 ) والطبراني في ( الأوسط رقم 3560 ) ، والبيهقي في ( الدلائل 6 /516 ) ، كلهم من طريق رشدين بن سعد ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي هريرة به .
وأشار الترمذي إلى ضعفه بقوله عقبه : "غريب " .

وقال الطبراني :" لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس ، تفرد به رشدين " .

قلت : ورشدين بن سعد اختلف فيه بين الضعف والترك ، وانفراده بهذا الحديث يقتضي نكارة حديثه .

ولذلك تعقبه البيهقي بقوله : " ويروى قريب من هذا اللفظ عن كعب الأحبار ، ولعله أشبه " ثم أسند رواية كعب الأحبار موقوفة عليه .

وبهذا تبين أن أصل هذا الحديث من الإسرائيليات .

وللحديث بعد ذلك روايات أشد ضعفاً من التي سبقت فإني اخترت أمثل الروايات ، ليقاس عليها ما هو دونها .

وبذلك يُعلم أنه لم يصح في الرايات السود حديث مرفوع ، ولا حديث موقوف على الصحابة – رضي الله عنهم - .
وأما أحاديث السفياني :

فلم أجد فيه حديثاً ظاهر إسناده القبول ، إلا حديثاً واحداً ، أخرجه الحاكم في ( المستدرك 4/520 ) من طريق الوليد بن مسلم الدمشقي ، قال: حدثنا الأوزاعي ، عن يحيي بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة –رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق ، وعامة من يتبعه من كلب ، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ، ويقتل الصبيان ، فتجمع لهم قيس ، فيقتلها ، حتى لا يمنع ذنب تلعة ، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة ، فيبلغ السفياني ، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم ، فيسير إليه السفياني بمن معه ، حتى إذا صار ببيداء من الأرض ، خُسف بهم، حتى لا ينجو منهم إلا المخبر عنهم " .

وصححه الحاكم على شرط الشيخين ، ولم يتعقبه الذهبي .

ولكن تدليس الوليد بن مسلم تدليس التسوية ، مع نكارة حديثه هذا الذي لم أجده إلا من طريقه ، يجعلني أتوقف في حديثه ، إذ لعله أسقط ضعيفاً بين الأوزاعي ويحيي بن أبي كثير ، وهذا هو تدليس التسوية .

وهناك حديثان آخران فيهما ذكر السفياني ، أخرجهما الحاكم وصححهما ( 4 /468-469-501-502 ) ، لكن تعقبه الذهبي فيهما ، فانظر: مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن ، مع حاشية تحقيقه (7/3325-3326 رقم 1109) (7/3387 رقم 1127) .

هذه أقوى أحاديث السفياني ، وأنت ترى أنه لم يصح منها شيء ، والله أعلم ، والحمد ل له، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه .

د. الشريف حاتم بن عارف العوني .. .. .. 23 / 7 / 1423 هـ

ـآليآسمين
2013-12-25, 05:02 PM
أحسنت أخية .’
أحسن الله عملكـ وغفر لكـ
:111:

العراقي
2013-12-25, 05:57 PM
بارك الله فيكم على هذا النقل

نسأل الله السلامة من الفتن
وان يتوفنا اليه غير فاتنين ولا مفتونين

أم شيماء
2013-12-25, 08:58 PM
آمين يا رب