المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها.... القاعدة رقم (28)


ابو محمد العراقي
2013-12-29, 07:11 PM
الأحكـام التعبـدية لا يقـاس عليها( 1)

هذه من القواعد المهمة وهي أنَّ القياس ممنوع في العبادات التي لا يعقل معناها وعلتها، وهذه المسألة من جملة المسائل التي وقع فيها الخلاف. فالذي يتتبع كلام العلماء فيها يجد أنهم اختلفوا فيها على قولين مشهورين:
الأول: منع القياس في العبادات مطلقاً؛ لأنهم قالوا: أن العبادات مبنية على نصوص الكتاب والسنة، فلا يدخلها النظر والاعتبار.
الثاني: جواز القياس في جميع الأحكام الشرعية دون تمييز بينها؛ إذا توفرت شروط القياس وانتفت موانعه، وعُلمت علةُ تشريع الحكم في المقاس عليه، قال المزني: "الفقهاء من عصر رسول الله إلى يومنا هذا وهلم جراً، استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم(2 )".إهـ، وقال الأسنوي: "أقول: الصحيح وهو مذهب الشافعي - كما قاله الإمام- أن القياس يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حكم حتى الحدود والكفارات والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها( 3)".إهـ.
وقال الصنعاني: "إنْ تكاملت شرائط القياس وارتفعت موانعه، كان دليلاً على أي مسألة، وإلا فليس بدليل لفوات شرائطه أو وجود موانعه( 4)".إهـ، وقال شيخ الإسلام: "ومن كان متبحراً في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة( 5)"، وفي المسودة (ص357): "القياس الشرعي يجوز التعبد به واثبات الأحكام به عقلاً وشرعاً... وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين".إهـ
ودليل الجواز: أن الشريعة حينما أباحة القياس في الشرع لم تفرق بين حكم وآخر، ومن فرق بينهما فعليه الدليل، لـ"أنَّ أدلة حجية القياس- من إجماع الصحابة، والكتاب، والسنة، والمعقول- دلَّت دلالة واضحة على أن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية بشرط: معرفة علة تشريع الحكم في المقاس عليه، واستكمال شروط القياس الأخرى، فلم تفرق تلك الأدلة بين حكم وحكم.
فيكون القول بأن القياس حجة في بعض الأحكام وليس بحجة في بعضها الآخر إما تخصيص للعام، أو تقييد للمطلق، وقد اتفق العلماء على أن التخصيص والتقييد لا بد له من دليل، وحيث إنه لا دليل لكل منهما فإن أدلة حجية القياس تبقى على عمومها وعلى إطلاقها، فيكون القياس يجري في جميع الأحكام – بعد إستكمال جميع الشروط-( 6)"إهـ.
بل حينما أرسل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- بكتابه إلى أبي موسى الأشعري لم يفرق بين ما يجوز فيه القياس وما لا يجوز من أحكام الشريعة، "فإذا دلَّ نصٌ على حكم واقعة، وعرفت علة هذا الحكم بطريق من الطرق التي تعرف بها علل الأحكام، ثم وجدت واقعة أخرى تساوي واقعة النص في علة تحقق علة الحكم فيها فإنها تسوّى بواقعة النص في حكمها بناءً على تساويهما في علته؛ لأن الحكم يوجد حيث توجد علته( 7)".
والقياس لا بد أن تكون علة إلحاقه بالأصل معقولة المعنى، فإذا ثبتت جاز القياس وإلاَّ أمتنع القياس سواء في العبادات أو المعاملات، قال الشيخ الدكتور عبد الكريم النملة: "القياس لا يجري في جميع الأحكام الشَّرعيَّة؛ لأنَّهُ معلومٌ بالضَّرورةِ أَنَّهُ يتعذَرُ إجراءُ القياس في كثيرٍ من الأحكامِ؛ كعددِ الصَّلَواتِ، وعددِ الرَّكعاتِ، وعددِ الطَّوافِ والسَّعي، وأكثرِ مناسكِ الحجِّ … وما شابه ذلك مما لم نتمكن من عقلِ معناه وإدراك عِلَّتِهِ، ومدار القياس على تعقُّلِ المعنى الذي يُعَلَّلُ بهِ الحكمُ في الأَصْلِ، وهذه الأمور لم نُدرِك العلَّةَ التي من أجلِها شُرِعَ الحكمُ.
وبناء على ذلك: فإنَّ الأَحكامَ تنقسمُ إلى قسمين:
1- قسم يجوز فيه القياس؛ لإدراكِنا العِلَّةَ التي من أجلِها شُرِعَت تِلكَ الأحكام.
2- وقسم آخر لا يجوز فيه القياس؛ لعدم إدراكِنا لعلَّةِ مشروعيَّتهِ(8 )".إهـ
ومن المسائل العملية التي تثبت أن القياس في العبادات مشروع إذا توفرت شروطه، هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز القياس في الرخص كما في بعض العبادات، كالجمع بين الصلاتين بعذر الثلج أو قياس الاستجمار بالورق والخرق على الاستجمار بالحجر؛ لأنَّ كلاًّ منهم جامد طاهر قالع يُنقي المحل.
وكذلك مما يُثبت أن السلف كانوا يقيسون في العبادات، هو ما ثبت عن حذيفة أنَّه صلى صلاة الآيات في المدائن وكذا ابن عباس في البصرة عند وقوع زلزلة بها(9 )، يقول الشيخ مشهور: "والقول بالجواز قائم على أن النبيَّ علل الكسوف بأنه من آيات الله يخوف بها عباده( 10)". وهذا الأخير رجحه – أيضاً- الشيخ ابن عثيمين كما في الشرح الممتع(11 )وعزاه الى شيخ الإسلام ابن تيمة.
تنبيهات لا بد منها:
الأول: لا يجوز القياس لإنشاء عبادة مستقلة، كمن يستدل بعمومات من الأدلة لإنشاء عبادة لم تشرع أصلاً، قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله-: "فإن قيل: القياس لا يصح في العبادات؟
فالجواب: أن المراد بقول أهل العلم لا قياس في العبادات، أي: في إثبات عبادة مستقلة، أما شروط في عبادة وما أشبه ذلك، مع تساوي العبادتين في المعنى، فلا بأس به، وما زال العلماء يستعملون هذا، كقولهم تجب التسمية في الغسل والتيمم قياساً على الوضوء(12 )".إهـ
الثاني: قال شيخ الإسلام – رحمه الله-: "فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة ويمتنع القياس بمثله...( 13)".إهـ
الثالث: أن لا يلجأ إلى القياس إلاَّ عند الضرورة، كما قرر ذلك الشافعي – رحمه الله-، فـ"أهل الحديث لا يتوسعون في استعمال القياس، وإنما يستعملون القياس حين تضيق السبل بالأدلة الأخرى، قال الإمام أحمد (كما في كتاب أصول البدع والسنن/87 ): "سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة(14 )".إهـ
فإذن ينبغي ألاَّ يُتوسع في القياس وإلاَّ كان التوسع سبباً لدخول البدعة إلى الشرع، فالقياس هو المرتبة الرابعة من حيث الاستدلال فمتى ما أُستُنْزِفَتِ الطاقاتُ في البحث عن دليل المسألة من كتاب أو سنة أو إجماع، ينظر بعد ذلك في القياس بإصوله وضوابطه المقررة عند العلماء.
__________________________________
( 1) الشرح الممتع (3/57).
( 2) إعلام الموقعين (1/164)
(3 ) نهاية السول (2/826)، وأنظر: المحصول (2/246(.
( 4) إجابة السائل شرح بغية الآمل (176(.
( 5) مجموع الفتاوى (19/289(.
( 6) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر (4/2421) للشيخ الدكتور عبد الكريم النملة.
(7 ) أصول الفقه لعبد الوهاب الخلاف (40).
(8 )الجامع لمسائل أصول الفقه (240)، ثم ذكر في حاشيته أن هذا هو مذهب الجمهور.
(9 ) أنظر: شرح الورقات للشيخ مشهور (574-575).
(10 ) شرح الورقات للشيخ مشهور (575).
( 11) (2/438).
(12 ) الشرح الممتع (6، 524، ط: ابن الجوزي).
( 13) القواعد النورانية (102).
(14 ) نقلاً من أصول الفقه على منهج أهل الحديث (10).

ابو محمد العراقي
2013-12-29, 07:12 PM
نسأله تعالى حُسن الخاتمة

ابو الزبير الموصلي
2013-12-29, 09:22 PM
جزاك الله خيرا صديقي العزيز اسال الله ان يفتح عليك اكثر

الحياة أمل
2013-12-29, 09:58 PM
بآرك الرحمن في علمكم
ويسر أمركم ...~

أبو صديق الكردي
2013-12-30, 02:12 AM
جزاك الله خيراً ونفع بك

فجر الإنتصار
2013-12-30, 08:17 AM
جزاكم الله خيراً وأحسن اليكم
وفقكم ربي لكل خير

مناي رضا الله
2013-12-30, 05:07 PM
جزاك الله خير

ياسر أبو أنس
2013-12-30, 09:41 PM
ماشاء الله تبارك الرحمن

اسال الله تعالى لك التوفيق والسداد

موضوع مميز