المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إن الأرض لا تقدّس أهلها , وإنما يقدّس الرجلَ عملُهُ ,,, الشام


أم شيماء
2014-01-01, 04:11 AM
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ،
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.

جاءت في كتاب الله جلّ وعلا آياتٌ، وفي السنّة النبويّة المطهّرة أحاديث كثيرةٌ في فضل الشّام، وأهله، نذكر منها شيئاً إن شاء الله، منبّهين على مسألة مهمة جدّا يغفل عنها الكثير من النّاس، أو يتغافل عنها بعض الناس، أقصد الحزبيين منهم والحركيين، تتلخّص فيما جاء عن أبي الدرداء لمّا كتب إلى سلمان الفارسيّ رضي الله عنهما: " هلمّ إلى الأرض المقدسة " ( يقصد الشّام )، كتب له سلمان رضي الله عنه: " إن الأرض لا تقدّس أهلها، وإنما يقدّس الرجلَ عملُهُ ".

فكون الرجل من الشّام لا يجعله أصالةً أفضل من غيره من المسلمين أو أنه من المقصودين في تلك النصوص التي جاءت في الثّناء على الشّام، الشيء الذي سمعناه من بعض الحزبيين في أيّام حرب غزة، حيث أنزلوا ذلك الثّناء كلّه ولم يتركوا منه شيئا، بل وأكثر منه، على حركة "حماس" الإخوانية المتحاملة على السنّة وأهلها في غزة وفي غيرها من المناطق الفلسطينية. والصحيح أنّ تلك الأوصاف التي جاءت في الثناء على تلك البقاع، كانت مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، أو ما هو دونها من البقاع، كاليمن أو غيرها، أو الأوصاف التي جاءت على سبيل الذم، كذمّ العراق مثلا، ليست لازمة، بل هي أوصاف عارضة، قد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتوى شافية في المسألة، في مجموع الفتاوى (27/39-40). حين سُئل:

ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين‏؟‏ هل تفضل الإقامة في الشام على غيره من البلاد‏؟‏ وهل جاء في ذلك نص في القرآن أو الأحاديث أم لا‏؟‏ أجيبونا مأجورين‏.‏

الجواب:

(( الحمد لله، الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله، وأفعل للحسنات والخير، بحيث يكون أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك‏.‏ هذا هو الأصل الجامع، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم‏.‏
والتقوي هى‏:‏ ما فسرها الله تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏177‏]‏، وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله‏.‏ وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان‏.‏ فقد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل؛ إذا كان مجاهدا في سبيل الله بيده أو لسانه، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته، ولم يكن فيها مجاهدا، وإن كان أروح قلبا‏.‏ وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع‏.‏

ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى، أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 19، 20‏]‏‏.‏ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ثم ماذا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏حج مبرور‏)‏‏.‏

وهكذا لو كان عاجزا عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل التي لو انتقل إليها لكانت الطاعة عليه أهون، وطاعة الله ورسوله في الموضعين واحدة، لكنها هناك أشق عليه‏.‏ فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما، وبهذا ناظر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم، فقالوا‏:‏ كنا عند البغضاء البعداء، وأنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يعلم جاهلكم، ويطعم جائعكم، وذلك في ذات الله‏.‏

وأما إذا كان دينه هناك أنقص فالانتقال أفضل له، وهذا حال غالب الخلق، فإن أكثرهم لا يدافعون، بل يكونون على دين الجمهور‏.‏ وإذا كان كذلك، فدين الإسلام بالشام في هذه الأوقات وشرائعه أظهر منه بغيره‏.‏ هذا أمر معلوم بالحس والعقل، وهو كالمتفق عليه بين المسلمين العقلاء الذين أوتوا العلم والإيمان، وقد دلت النصوص على ذلك؛ مثل ما روي أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم‏)‏‏.‏ وفي سننه ـ أيضا ـ عن عبد الله بن حوالة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنكم ستجندون أجنادا‏:‏ جندا بالشام، وجندا باليمن، وجندا بالعراق، فقال ابن حوالة‏:‏ يا رسول الله، اختر لى، فقال‏:‏ عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه يجتبى إليه خيرته من خلقه، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليتق من غدره، فإن الله قد تكفل لى بالشام وأهله‏)‏‏.‏‏ وهذان نصان في تفضيل الشام‏.‏

وفي مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لايزال أهل المغرب ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة‏)‏‏.‏ قال الإمام أحمد‏:‏ أهل المغرب هم أهل الشام، وهو كما قال‏:‏ فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية في ذاك الزمان، كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق، ويسمون أهل الشام أهل المغرب؛ لأن التغريب والتشريق من الأمور النسبية، فكل مكان له غرب وشرق؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك في المدينة النبوية، فما تغرب عنها فهو غربه، وما تشرق عنها فهو شرقه‏.‏

ومن علم حساب البلاد ـ أطوالها وعروضها ـ علم أن المعاقل التي بشاطئ الفرات ـ كالبيرة ونحوها ـ هي محاذية للمدينة النبوية، كما أن ما شرق عنها بنحو من مسافة القصر كحرام وما سامتها مثل الرقة وسميساط فإنه محاذ أم القرى مكة ـ شرفها الله‏.‏ ولهذا كانت قبلته هو أعدل القبل، فما شرق عما حاذى المدينة النبوية فهو شرقها، وما يغرب ذلك فهو غربها‏.‏

وفي الكتب المعتمد عليها مثل ‏[‏مسند أحمد‏]‏ وغيره عدة آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأصل‏:‏ مثل وصفه أهل الشام ‏(‏بأنه لا يغلب منافقوهم مؤمنيهم‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏رأيت كأن عمود الكتاب ـ وفي رواية‏:‏ عمود الإسلام ـ أخذ من تحت رأسي، فأتبعته نظري فذهب به إلى الشام‏)‏‏.‏ وعمود الكتاب والإسلام ما يعتمد عليه، وهم حملته القائمون به‏.‏ ومثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عقر دار المؤمنين الشام‏)‏‏.‏ ومثل ما في الصحيحين عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم /أنه قال‏:‏ ‏(‏لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة‏)‏‏.‏
وفيهما ـ أيضا ـ عن معاذ بن جبل قال‏:‏ ‏(‏وهم بالشام‏)‏‏.‏ وفي تاريخ البخاري قال‏:‏ ‏(‏وهم بدمشق‏)‏‏.‏ وروي‏:‏ ‏(‏وهم بأكناف بيت المقدس‏)‏‏.‏ وفي الصحيحين ـ أيضا ـ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه أخبر ‏(‏أن ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام‏)‏‏.‏
والآثار في هذا المعنى متعاضدة، ولكن الجواب ـ ليس على البديهة ـ على عجل‏.‏

وقد دل الكتاب والسنة وما روي عن الأنبياء المتقدمين ـ عليهم السلام ـ مع ما علم بالحس والعقل وكشوفات العارفين‏:‏ أن الخلق والأمر ابتدءا من مكة أم القرى، فهي أم الخلق، وفيها ابتدئت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وهي جعلها الله قياما للناس‏:‏ إليها يصلـون، ويحجـون، ويقـوم بها مـا شـاء الله من مصالح دينهم ودنياهم، فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها‏.‏ فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر‏.‏ وهناك يحشر الخلق‏.‏ والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام‏.‏ وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس، فأول الأمة خير من آخرها‏.‏ وكما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام، كما أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى‏.‏ فخيار أهل الأرض في آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو بالشام‏.‏ فالأمر مساسه كما هو الموجود والمعلوم‏.‏

وقـد دل القـرآن العظيم على بركـة الشام في خمـس آيـات‏:‏ قـوله‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 137‏]‏، والله تعالى إنما أورث بني إسرائيل أرض الشام، وقوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 71‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 81‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 18‏]‏‏.‏ فهذه خمس آيات نصوص‏.‏ و‏[‏البركة‏]‏ تتناول البركة في الدين، والبركة في الدنيا‏.‏ وكلاهما معلوم لا ريب فيه، فهذا من حيث الجملة والغالب‏.‏

وأما كثير من الناس فقد يكون مقامه في غير الشام أفضل له، كما تقدم‏.‏ وكثير من أهل الشام لو خرجوا عنها إلى مكان يكونون فيه أطوع لله ولرسوله لكان أفضل لهم‏.‏ وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي ـ رضي الله عنهما ـ يقول له‏:‏ هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان‏:‏ إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الرجل عمله‏.‏ وهو كما قال سلمان الفارسي؛ فإن مكة ـ حرسها الله تعالى ـ أشرف البقاع، وقد كانت في غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها، وحرم بعد الهجرة أن يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها، وقد كانت الشام في زمن موسى ـ عليه السلام ـ قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين، وفيها قال تعالى لبني إسرائيل‏:‏ ‏{‏سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏145‏]‏‏.‏

فإن كون الأرض ‏[‏دار كفر‏]‏ أو ‏[‏دار إسلام‏]‏ أو ‏[‏إيمان‏]‏ أو ‏[‏دار سلم‏]‏ أو ‏[‏حرب‏]‏ أو ‏[‏دار طاعة‏]‏، أو ‏[‏معصية‏]‏ أو ‏[‏دار المؤمنين‏]‏ أو ‏[‏الفاسقين‏]‏، أوصاف عارضة، لا لازمة‏.‏ فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس‏.‏

وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 62‏]‏‏.‏ وقال تعالى ‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏111، 112‏]‏‏.‏ وقال تعال‏:‏‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 125‏]‏‏.‏ وإسلام الوجه لله تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 10‏]‏‏.‏

ومنذ أقام الله حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجب على أهل الأرض الإيمان به وطاعته، واتباع شريعته ومنهاجه‏.‏ فأفضل الخلق أعلمهم، وأتبعهم لما جاء به‏:‏ علما، وحالا، وقولا، وعملا، وهم أتقى الخلق‏.‏ وأي مكان وعمل كان أعون للشخص على هذا المقصود كان أفضل في حقه، وإن كان الأفضل في حق غيره شيئاً آخر‏.‏ ثم إذا فعل كل شخص مـا هـو أفضل في حقـه، فـإن تساوت الحسنات والمصالح التى حصلت له مع ما حصل للآخر فهما سواء، وإلا فإن أرجحهما في ذلك هو أفضلهما‏.‏

وهذه الأوقات يظهر فيها من النقص في خراب ‏[‏المساجد الثلاثة‏]‏ علما وإيماناً، ما يتبين به فضل كثير ممن بأقصى المغرب على أكثرهم‏.‏ فلا ينبغى للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة في فضل أهلها مطلقا، بل يعطى كل ذي حق حقه، ولكن العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب، ثم قد يكون بعض البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله تعالى على الطواف والصلاة المضعفة ونحو ذلك‏.‏

وقد يحصل في الأفضل معارض راجح يجعله مفضولا؛ مثل من يجاور بمكة مع السؤال والاستشراف، والبطالة عن كثير من الأعمال الصالحة، وكذلك من يطلب الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمة نفسه، لا لأجل عمل صالح، فالأعمال بالنيات‏.‏
وهذا الحديث الشريف إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الهجرة فقال‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏)‏‏.‏ قال ذلك بسبب أن رجلا كان قد هاجر يتزوج امرأة يقال لها‏:‏ أم قيس، وكان يقال له‏:‏ مهاجر أم قيس‏.‏

وإذا فضلت جملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد، كتفضيل القرن الثانى على الثالث، وتفضيل العرب على ما سواهم، وتفضيل قريش على ما سواهم‏.‏ فهذا هذا، والله أعلم‏.‏ )).
إنتهى كلامه رحمه الله.

وأما ما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من ثناءٍ على الشّام وأهله فكثيرٌ، أنقل لكم ما يسّر الله عز وجل لي من نقلٍ، من الأحاديث التي خرّجها الشيخ محمد ناصر الدين والسنّة الألباني رحمه الله رحمةً واسعة وغفر له، في كتاب " تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق "، فأبدأ بسم الله الرحمن الرحيم:

الحديث الأول:

عن زيدٍ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يا طُوبَى للشّام، يا طُوبَى للشّام، يا طُوبَى للشّامِ. قالوا: يا رسولَ الله! وَبِمَ ذلك؟ قال: تِلكَ ملائكةُ اللهِ باسطو أجْنِحَتَها على الشَّامِ )).

أخرجه الترمذي، وقال الألباني: حديث صحيح.

الحديث الثاني:

عن عبدِ الله بن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( سَتُجَنَّدُونَ أَجْنَاداً، جُنداً بالشّامِ، وجُنْداً بالعراقِ، وجُنْداً باليَمَنِ)). قال عبد الله: فقمتُ، فقلتُ:
خِرْ لي يا رسولَ الله! فقال: (( عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْتَقِ مِنْ غُدُرِهِ، فإِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَدْ تَكَفَّلَ لي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ )).
قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث، يقول: " ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه ".

قال الألباني: حديث صحيح جداًّ.

الحديث الثالث:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إِنِّي رَأَيْتُ عَمُودَ الكِتَابِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إِلى الشَّامِ، أَلا إِنَّ الإيمانَ - إِذا وَقَعَتِ الفِتَنُ - بِالشَّامِ )).

قال الألبانيّ: حديث صحيح.

الحديث الرابع:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( الشَّامُ أَرْضُ المَحْشَرِ وَالمَنْشَرِ )).

قال الألباني: حديث صحيح.
وله شاهد أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: " يا نبي الله! أفتنا في بيت المقدس ! قال: (( أرض المنشر والمحشر...)) الحديث - وإسناده صحيح.

الحديث الخامس:

عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إِذَا هَلَكَ [ أَهْلُ ] الشَّامِ فلاَ خَيْرَ في أُمَّتي، وَلا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي عَلَى الحَقِّ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ )).

قال الألباني: هو بهذا اللفظ ضعيف !!
والصحيح في لفظه ما أخرجه الطيالسي في (مسنده) عن شعبة بن معاوية مرفوعا:
(( إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُم، وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَمَّتِي مَنْصُورِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ )).
وإسناده صحيح.

الحديث السادس:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لَنْ تَبْرَحَ هَذِهِ الأُمَّةُ مَنْصَورِينَ أَيْنَمَا تَوَجَّهُوا، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُم مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ، وَأَكْثَرُهُم أُهْلُ الشَّامِ )).

قال الألباني: حديث صحيح دون قوله: (وأكثرهم أهل الشام)، فإن هذه الزيادة منكرة عندي.

وقال رحمه الله: وكذلك صح الحديث عن عمر بن الخطاب، وثوبان، وعمران، وجابر بن سمرة، والمغيرة بن شعبة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، ومعاوية، وغيرهم، وقد ساق بعضها ابن عساكر، وأحاديثهم مخرجة عندي ( أي في السلسلة الصحيحة )، وبعضها في الصحيحين، لكن في حديث معاوية عندهما عن معاذ بن جبل أنه قال: ( وهم بالشام ) !

ويشهد له ما رواه الإمام مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعا:
(( لاَ يَزَالُ أَهْلُ الغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ))، على اعتبار أن أهل الغرب هم أهل الشّام، كما قال الإمام أحمد، وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية في " فضل الشّام وأهله " من وجهين:
- الأول: ورود ذلك صراحة في بعض الأحاديث.
- الثاني: أن لغته صلى الله عليه وسلم وأهل مدينته في أهل الغرب، أنهم أهل الشّام. اهـ

الحديث السابع:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال:
(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مُدِّنَا وَصَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في حَرَمِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في شَامِنَا )).
فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت. ثم أعاد. قال الرجل: وفي عراقنا؟ فسكت. ثم قال:
(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مُدِّنَا وَصَاعِنَا،اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا، اللهم اجعل مع البركة بركة، والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا وعليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا عليها...))
وذكر الحديث.

قال الألباني: حديث صحيح.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم (6/133) وابن عساكر إلى قوله: ( وفي العراق )، وزاد:
فأعرض عنه، وقال: (( فِيهَا الزَّلاَزِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ )). وإسناده صحيح.

وأخرجه أحمد (2/143) مختصراً عنه بلفظ: " قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشير بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة ههنا، ( ثلاث مرات ) من حيث يطلع قرن الشيطان ".
وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وأخرج البخاري وأحمد وابن عساكر من طريق نافع بن عمر مرفوعا:
(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا)). قالوا: وفي نجدنا؟ قال: هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ...)) الحديث.

إلى أن قال الشيخ الألباني رحمه الله: " فيُستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد في "نجد" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الإسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسّره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن" من "صحيح البخاري" للحافظ.

وقد تحقق ما أنبأ به عليه السلام، فإن كثيراً من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا عليّ ومعاوية، وبين عليّ والخوارج، وبين عليّ وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوّته.

الحديث الثّامن:

عن عبد الله بن حوالة أنه قال: " يا رسول الله! أكتب لي بلداً أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر على قربك ". قال: (( عَلَيْكَ بِالشَّامِ (ثَلاثاً) )).

وعنه بلفظ: (( عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُ خِيرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْها خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ )).
رواه أبو داوود وأحمد بسند صحيح.

الحديث التّاسع:

عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( سَتَخْرُجُ نَارٌ في آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ حَضْرَمَوْت تَحْشُرُ النَّاسَ )). قُلنا: فماذا تأمرُنا يا رسولَ الله؟ قالَ: (( عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ )).

قال الألباني: حديث صحيح.

الحديث العاشر:

عن بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: (( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَ تَأْمُرُني؟
قال: (( هَاهُنَا))، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ. قالَ: (( إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رجالاً وَرُكْبَاناً، ومُجْرَوْنَ عَلَى وُجُوهِكُمْ )).

قال الألباني: حديث صحيح.

الحديث الحادي عشر:

عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاء شَرْقِيَّ دِمَشْقَ )).

قال الألباني: حديث صحيح.

الحديث الثاني عشر:

حدّث أبو هريرةَ رضي الله عنه أن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إِذَا وَقَعَتِ المَلاَحِمُ بَعَثَ اللهُ مِنْ دِمَشْقَ بَعْثاً مِنَ المَوِالي أَكْرَمَ العَرَبِ فرسَاً، وَأَجْوَدَهُم سِلاَحَاً، يُؤَيِّدُ اللهُ بِهِمُ الدِّينَ )).

قال الألباني: حديث حسن.

- أسأل الله المعبود الحقّ وحده بأسماءه الحسنى وصفاته العلى أن يُبارك لنا في شامِنا، وأن يطهّره من نجس الروافض المجوس والنصيرية الأنجاس والبعثية الكفرة الفجرة والملاحدة. اللهم إنهم قد طغوا على أهل الشّام وبغوا، وتجرأوا على عبادك فيه وتجبّروا، فدمّرهم اللهم تدميراً، وكفّ بأسَهم عن عبادك الصالحين فإنك أنت (أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً)، اللهم عجّل بعقوبة أعداءك وأعداء المؤمنين في الشّام المبارك يا رب العالمين، اللهم لا معبود حقّ سواك، ولا مجيب للدعاء سواك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، فأنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين،

وصلِّ اللَّهُمَّ عَلَى عَبدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلِّمْ.
تم التعديل بواسطة رامي إبراهيم الجعار, 06 April 2012 - 07:02 AM.