المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفدرالية... والعروس الروسية!


عبد الله الدليمي
2013-02-04, 10:53 PM
الكاتب: عبد الله الدليمي (*) :: خاص بالقادسية

دليمي في روسيا

حدثني صديقٌ أن صديقا دليميا له قد حط رحاله في بلاد الروس - جمهورية تتارستان تحديداً - في رحلة ظاهرها العلاج وباطنها (الجواز) والزواج. وبما إنني متأكد من مصداقية الراوي والمروي عنه كتأكدي من استطاعتي (أن أعد للعشرة وآني مغمض) فإني على استعداد للقسم على صحة الرواية سندا ومتنا- خلا بعض الرتوش التزويقية والتبهيرات الأدبية. وإليكم القصة على لسان الراوي الدليمي الأصلي نفسه (سبحان الله! دليمي وراوي في نفس الوقت!):

"كان بمعيتي في روسيا صديقان، أحدهما عراقي والآخر روسي من أصل مصري (أبو عبدالله)، الذي كان الدليل والمترجم، والأهم من ذلك كله....الخاطب.

أخبرني أبو عبد الله أن هناك فتاة مناسبة (لئطة)... وأنه رتب لي موعدا مع أهلها لكي أراها في اليوم التالي (عملا بمبدأ "خير البر عاجله"). فسألته عن مواصفاتها: دينها، جمالها، مستواها الثقافي، ونسبها (حيث أن سكان تتارستان خليط من الروس والتتر)، فأجابني بما سرني سماعه وجعلني أتلهف لرؤيتها. وبدت الساعات التي تفصلني عن الموعد وكأنها أسابيع، وتمنيت أن لي قدرة على إقناع الشمس بمضاعفة سرعتها مئة ضعف لتغيب وتشرق خلال ربع ساعة (كان الأجدر به محاولة إقناع الأرض لتضاعف سرعة دورانها، فهي التي تدور حول الشمس وليس العكس... بس لحد يلومه)!

الدليمي يلتقي بعروسه

في اليوم التالي، موعد اللقاء المرتقب مع فتاة أحلامي، ذهبت (كاشخا) مع أبي عبدالله وصديقي العراقي إلى بيت (القصيد). طرق أبو عبد الله الباب.. وبعد لحظات مرت علي طويلة، خرجت إلينا أم البنت - وهي من أصل ألماني حسب التقرير الذي أفادني به أبو عبد الله عن تاريخ العائلة. جلسنا نحن الثلاثة (الوفد العربي الزائر) على أريكة، بينما جَلستْ حماة المستقبل.. المحتملة (حماة: بفتح الحاء لا ضمها) على الكرسي المقابل، وإلى جانبها جلست العروسة المستقبلية (هم المحتملة).

بدأ أخونا المصري بجهوده الدبلوماسية "الفهلوية" في تعريفنا ببعض، وبإسلوب المصريين المعروف. فقدمني لها على أني صحفي عربي (وكان صادقا في ذلك نوعا ما). فرحبت بنا أم البنت وأعربت عن سعادتها للتعرف على عرب، حيث إن مسلمي روسيا عموما ينظرون إلى العربي على أنه حفيد الصحابة (مساكين، ما يدرون النار تخلف رماد!).
نسيت أن اقول لكم بأننا اتفقنا - قبل الدخول الى بيت العروسة - أنه إذا أعجبتني الفتاة فإني أغمز لأبي عبد الله غمزة واحدة، وغمزتين ان لم تعجبني .. على ألا أثير انتاه أهل البيت.

بعد مرحلة التعارف، دخل أبو عبد الله مع أهل البيت في حديث طويل كنت فيه (أطرش بالزفة)، ورغم أني لم أكن حينها أفهم من الروسية شيئا، إلا أني فهمت أن الحديث كان يدور حول ما جئنا من أجله (لم يخبرني أحد بذلك، لكنه الذكاء الفطري، فلا تعجبوا).. ليس هذا فحسب، بل اكتشفت كلمة ترددت على لسان محدثهم أكثر من مرة.. أتدرون ما هي؟ إنها....... (اسمي).

طيلة الجلسة، كنت أختلس نظرات ثعلبية إلى الفتاة... فقمت بمسح جيولوجي لها من أعلى الى أسفل وبالعكس، ومن اليمين الى اليسار وبالعكس، ثم تحولت بنظري إلى أبي عبد الله – الذي أظنه وصل في حديثه مع أم العروس إلى مرحلة أقنعها فيها بأني على بعد خطوتين من عبد الله بن المبارك - فغمزت له بدلا من الغمزتين ثماني غمزات أو أكثر (على مقياس رختر)، للتأكيد على عدم قناعتي بها. وقد أديت حركة الغمز بطريقة كوميدية أجبرت أبا عبد الله على وضع يده على فمه ليكتم ضحكة عاجلة فلم يفلح، فأطلق ضحكة مدوية اهتزت لها الأريكة التي كانت تئط تحتنا. فلما تمكن– بعد جهد كبير- من لملمة أطراف فمه، عبر لأهل البيت - بخجل شديد - عن أسفه وتظاهر بأنه تذكر موقفا طريفا ربطه بالموضوع وأشركهم به لينقذ نفسه من ذلك الموقف (البايخ)، وأظنه نجح هذه المرة – فهو مصري!

الدليمي يفقد البوصلة (أحول)

وبعد سلسلة الغمزات تلك، سألت صديقَيّ المصري والعراقي، وبلهجتي العراقية ذات النكهة الدليمية: "أكَللكم.. الجماعة يحچون عربي؟" فجاء الجواب: "لا".. فقلت: "لعد متكَللولي شكو خابصين نفسنا ونتخاطب بلغة الغمز واللمز؟؟ ليش ما نحچي بلغتنا بدل الغمزات و (الكَمزات) ما دام الجماعة ما يفهمون عربي؟؟" فقالا مبتسمين: "إي والله صحيح (اكتشاف مذهل!)، إحنا عليش نتفلسف ومعقدين السالفة؟" فالتفتَ إلي أبو عبد الله فقال بلهجة مصرية ذات نكهة صعيدية: "طب كَلي دلوكَت يا عريس، وبالعربي، إيه رأيك في البنت؟" فقلت له: "والله يا أخي بصراحة الأخت (صارت الأخت!) الله يستر عليها تبين خجولة وخلوقة، بس كبيرة بالعمر.. أكبر مني بكثير". فقال مستغربا: "يا راكَل إنت بتئول إيه.... كبيرة ازي؟! دي حتى أصغر منك بخمس سنين أو أكتر." فقلت له دون أن أنظر أو أشير اليها: "يمعود دشوف وجهها .. منين أصغر مني؟." فقال لي: " يراكَل متجننيش... بصّلها كويس... ده وشها زي الكَمر." فأعدت النظر اليها، وهو يراقبني، فقال لي باستغراب: " أي ده.. إنت بتبص فين؟"... فقلت "يعني وين أبص.. غير بوجه العروس اللي تريد تكَبعها براسي؟" فقال وهو يكتم فمه بيده: "يراكَل دي مش العروسة... دي أمها!" ..... فصدرت منا (أحفاد الصحابة!) قهقهة مدوية دمعت لها عيوننا، وسط استغراب - وربما استهجان - أهل البيت. وبخجل شديد، حاول (عمي المسكين) ترقيع الموقف كما فعل في المرة الأولى، ولا أدري هل أفلح أم لا".

بعد أن زالت عنا نوبات الضحك، قلت له (وسأعود إلى العربية الفصحى): "وأين البنت إذن؟" فقال لي "يا أخي، تلك التي في الزاوية، أتترك النظر إلى هذه الفتاة الجميلة وتنظر إلى أمها طيلة الجلسة؟!" فقلت له: "يا أخي هذه صغيرة العمر جدا، ظننتها أخت العروس الصغرى". فقال "بل هي العروس، وهي ليست صغيرة جدا كما تتصور". فقلت له: " إذن من تلك الجالسة إلى جانب أمها (التي كنت قبل دقائق أظنها العروس المعروضة للزواج)؟" فقال: "إنها عمة البنت". فقلت: "إذن فهي غمزة واحدة لا ثاني لها". فضحكنا ثلاثتنا ضحكة شاركنا بها أهل البيت هذه المرة، بعد أن (فضحني) العم أبو عبد الله أمامهم وأخبرهم بـ (بسالفتي اللي ما يلبس عليها عكَال)."

في نهاية الأمر.. ولكي أشبع فضولك - عزيزي القارئ- تمت الموافقة بين الطرفين الدليمي والروسي.. لكن القصة بأكملها – من أولها حتى آخرها- ليست المقصود بذاتها، وإنما المقصود هو...

الشاهد من القصة (رباط السالفة):

وهنا أعود بكم سريعا على بساط الريح من تتارستان إلى دليمستان (وضواحيها). فما ذكرني بهذه الرواية الدليمية المتن والسند (والمصنف) - والتي دارت أحداثها قبل ما ينوف على عشر سنين - هو موقف أهل السنة الرافضين لمشروع نظام الحكم اللامركزي (الفدرالية)، والذي تعالت أصوات الغيورين من إخوانهم مطالبة بتطبيقه كحل وسط متاح للتخفيف من معاناة المحافظات السنية المستهدفة - من قبل حكومة المليشيات الصفوية - في عقيدتها وهويتها وكرامتها.

وسبب رفض أكثر هؤلاء المعترضين على الفدرالية ليس الفدرالية نفسها، وإنما سوء فهمهم لها وظنهم أنها تقسيم جغرافي، وهي - في الحقيقة -عكس ذلك. ولو كان مسيئو فهمها من العوام لهان الخطب، لأننا سنعول حينها على نخبهم في توعيتهم والأخذ بأيديهم، لكن المصيبة أن سوء الفهم هذا يتركز بأجلى صوره وأعلى درجاته في نخب نصبوا أنفسهم وصاة عليهم وولاة لأمرهم وناطقين باسمهم، وهم في الحقيقة بأمس الحاجة إلى حملة توعية من قبل العوام. ففي حين نجح الكثير من العوام في إدراك الخطر، وأجادوا التشخيص والعلاج، فشل الخواص فشلا لو خصص له مسابقة دولية لحصلوا على جائرتها بلا منازع ... ولا أدري من الأحق بقيادة من! (لم أذكر الهيئة صراحة هنا، نزولا عند رغبة بعض الأخوة الذين يفضلون التلميح على التصريح)

على هؤلاء الرافضين أن يدركوا - قبل فوات الأوان - أن رفضهم غير المدروس هذا قد يحرم الشعب السني المسحوق فرصة ثمينة ستفوتهم مع فوات الأيام التي قد تأتي بمتغيرات دستورية وسياسية وعسكرية تجعل من الفدرالية- التي يسيء بعضنا فهمها اليوم – حلما مَثُلَ بين أيدينا فركلناه بأرجلنا.

وعلى الغيورين من أهل السنة المثقفين أن يجتهدوا في توعية هؤلاء – خواصهم وعوامهم- بحقيقة الفدرالية وأبعادها وميزاتها، كما اجتهد أبو عبد الله المصري في تصحيح فهم صاحبنا الدليمي، الذي ظل لفترة طويلة رافضا (للعروس المسكينة) لا لعلة فيها، وإنما لعلة في فهمه، فلما صحح (وصحصح) واستعاد البوصلة (والأصح: أعيد إليها من قبل صاحبه)، تبين له أن الأمر عكس ما كان يظن، فحظي بما كان سيحرم منه لولا.... استجلاء الصورة .. وإن كان من خلال (الاستعانة بصديق).

فما أحوج أولئك "النخب" إلى مساعدة (صديق).. بل مساعدة (الجمهور)!

------------------------------------------------------


(*) : مدير لجنة القادسية الثقافية

العراقي
2013-02-04, 11:28 PM
طبعا يا اخي موضوع امتعني كثيرا جدا
وكان موضوع شيّق وطريف

كثيرا ما حاولت تغيير مفاهيم اقراني واصدقائي حول تفعيل الهوية السنيه في نفوسنا ويجب ان نعمل كل شيء من اجلها
وحسب تقدير
فكل شخص يفهم ويفكر بما قد فكرت فيه فيجب عليه ان يقوم بدور ( ابو عبدالله المصري )
ويحمل هذه الامانه في توعية الناس لأن عدد كبير لا يزال يتغنى ب ( الوحدة الوطنية والاخوة مع الرافضة )
ولكن ارى بوادر خير حتى مع ( شيوخ ) كانوا موالين للمالكي سابقا فيبدوا ان ( ابو عبدالله المصري ) قد اخذ دوره

بارك الله فيك ونفعنا الله بما تقدم من جهد كبير

ابو العبدين البصري
2013-02-04, 11:47 PM
مبدع أنت دائما يا عبد الله .
والحجي بيناتنا دوختني بالروسية والحمد لله الجماعة نايمين.

الحياة أمل
2013-02-05, 10:24 PM
[...
بآرك الله فيكم على هذآ الطرح
ونسأله تعآلى أن يجد هذآ الحل دعم وصدى
حتى يمكن تطبيقه على أرض الوآقع
وفقكم الله
::/

عبد الله الدليمي
2013-02-05, 11:09 PM
جزاكم الله خيرا ورزقكم الجنة

الدعم الفني
2013-02-17, 06:07 PM
دمت متألق أخي
بارك الله في قلمك

عبد الله الدليمي
2013-02-17, 10:54 PM
أخي ابن الاسلام
جزاك الله خيرا ووفك لما يرضيه

هدايا القدر
2013-02-20, 05:03 PM
يعطيك العافيه على موضوعك الجميل
بارك الله فيك وفي مجهوك المميز
دمت بحفظ الرحمن ..,

عبد الله الدليمي
2013-02-20, 10:31 PM
حياك الله يا اختي هدايا القدر وجزاك خيرا على متابتعتك ودعمك المتواصل

بنت الحواء
2013-03-04, 08:26 PM
بارك الله فيك وشكر لك ونفع بك
بارك الله في قلمك النابض بالحق
يعطيك العافيه

عبد الله الدليمي
2013-03-05, 11:31 PM
جزاك الله خيرا وبارك بك اختي بنت الحواء

أبو عائشة أشرف الأثري
2013-03-31, 09:25 AM
هذا أول مقال أقرأه لك وأعجبني وراق لي

وفقك الله الى مرضاته