المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مبادئ قيادية لقادة الاعتصامات الاحتجاجية


عبد الله الدليمي
2013-02-05, 09:22 PM
مبادئ قيادية لقادة الاعتصامات الاحتجاجية





http://www.alqadisiyya3.com/q3/images/abd1.jpg



عبد الله شاكر الدليمي – خاص بالقادسية




القيادة والإدارة من أهم العلوم التي تدخل في أغلب- أو ربما جميع- مجالات الحياة البشرية، بل والحيوانية إلى حد ما.
لذلك لا غرو أن نجد المجتمعات المتحضرة تولي هذا العلم اهتماما كبيرا يتجسد في الميزانيات الضخمة ومراكز التدريب الفخمة التي أوصلتها إلى ما وصلت إليه من تقدم ورقي.

أود تذكير إخواني القائمين على تنظيم الاعتصامات وتنسيقها ببعض المفاهيم والنظريات المهمة في مجال القيادة والإدارة- لا لأني فارس الميدان دونهم، ولكن من باب "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".

لا شك أن توجيه الحشود وقيادتهم أمر ليس بالهين، خاصة إذا كان العدد كبيرا وفي أماكن عامة واسعة كالملاعب الرياضية وميادين التظاهرات والاعتصامات، وكان الدافع انفعالات نفسية متراكمة كبتت لعقد من السنين.

نعم.. التنظير شيء والواقع العملي شيء آخر، لكن الأول شرط لضبط الثاني.. إن لم يكن قبل حدوثه، فعلى الأقل أثناءه أو حتى بعده لاستقاء الدروس تحسبا لأحداث قادمة. وحراك بهذا الحجم لا بد له من أسس وتأصيلات تجعله ضمن السياق الصحيح، وإلا أتى بنتائج عكسية.
من هذه المفاهيم:

أولا: الرؤية، الرسالة، الأهداف، والشعار (تعاريف مختصرة)

الرؤية (Vision) هي الهدف العام الأسمى (الطموح) المراد تحقيقه. وفي حالة الحراك السني الحالي، فإن الرؤية يجب أن تكون خلاص أهل السنة واستعادتهم لحقوقهم الدينية والدنيوية المستباحة.

الرؤية تجيب على السؤال (ماذا).. أي: ما الذي نريد تحقيقه كغاية عليا.

الرسالة (Mission):وهي الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق الرؤية. والمطلب السني الذي هو أقرب الطرق نحو تحقيق الرؤية هو تطبيق الفدرالية. لكن الغريب أن قادة حراكنا السني قد غفلوا عن هذا المطلب الاستراتيجي رغم معرفتهم النظرية والعملية بجدواه وبكونه ورقة ضغط تخيف طرف المفاوضات الآخر.

الرسالة تجيب على السؤال (كيف).. أي: كيف يمكننا تحقيق الرؤية. وهنا يأتي الحديث عن:

الاستراتيجية Strategy: التي هي الخطة التي على ضوئها تسير الرسالة لتمضي قدما نحو الرؤية.

الأهداف(Objectives):هي غايات فرعية ذات نتائج واقعية قابلة للقياس من شأنها تحقيق الغاية العامة. وهي على ثلاثة أنواع من حيث المدة الزمنية: قصيرة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى.

وإذا أنزلنا هذا التعريف على الانتفاضة السنية المباركة لوجدنا أن أهداف المنتفضين هي المطالب التي حددوها مثل إطلاق سراح المعتقلات والمعتلقين (السنة الأبرياء) وإلغاء المادة 4 – إرهاب (4- سنّة) وإلغاء قانون المساءلة والعدالة (إجتثاث السنة بحجة البعث) وتحقيق التوازن في الوزارات والمؤسسات.. إلخ.

وهذه المطالب – فضلا عن كونها قصيرة المدى قليلة الإنتاجية – لا صلة لها بالرؤية والرسالة الغائبتين أصلا، وهي مؤشر على نظرة ضيقة وقاصرة لقادة التظاهرات – مع جل احترامي لهم وتقديري لجهودهم.

وبالتالي فإن هذه الأهداف – على أهميتها – لن تفضي إلى نيل أهل السنة لحقوقهم لأنها: -

1-قاصرة، جزئية، ومؤقتة. فلو فرضنا تحققها جميعا خلال شهر واحد، فما الذي يضمن عدم تكرارها وربما بدرجة أكبر؟

2-غير مندرجة ضمن رؤية ورسالة – مع توابعهما (كمشروع استراتيجي متكامل).

3-ليست مقترنة بعوامل قوة وتأثير كأوراق ضغط، وبالتالي فجميع المهل التي يحددها المطالبون بها تذهب أدراج الرياح دون تحقيق لأي من المطالب (بل على العكس، نرى الطرف المعتدي يوسع نطاق اعتداءاته كماً ونوعا). لذلك علينا أن نثبت للمالكي أنه لم يكن مصيبا في وصف حراكنا بالفقاعة.

كان الأجدر بالمعتصمين الضغط باتجاه الإقليم الذي يختصر عليهم المسافة؛ فبدون هذا المطلب الاستراتيجي الشمولي فإن كل المطالب الأخرى غير مجدية حتى وإن تحققت جميعها.

الشعار (Mission Statement): وهو جملة أو عبارة مختصرة تلخص الرسالة. وأسمى شعار يجب أن نرفعه هو (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؛ فإن زهد فيه المعتصمون لأي سبب كان، فلا أقل من شعار (الإقليم حق وواجب) لأنه الوسيلة المثلى لحفظ الضرورات الخمس.
راية التوحيد أحق أن ترفع من العلم العراقي – بنوعيه – لسببين: الأول أن هويتنا سنية (إسلامية) لا ينبغي أن تأخذ مكانها أي راية دنيوية ثانوية- خاصة عندما تكون زائفة لا واقع لها كما هو الحال اليوم؛ وثانيا: إن العلم المرفوع هو علم الدولة السابقة التي لا يقر بها من نستجديهم حقوقنا، فلماذا نستجلب غضب الله بغضب أعدائه؟!

ويأتي في هذا السياق مصطلح " المهمة أو الفعالية" (Task/Activity) الذي يعني النشاط أو التصرف الفعلي الرامي إلى تحقيق التغيير المطلوب؛ وهو في هذه الحالة الخروج إلى الشارع وما يتضمنه من شعارات وهتافات (غير منسجمة مع بعضها).

قناعتي الشخصية هي أن التظاهر والاعتصام - بدون كل ما سبق من شروط وضوابط - لا قيمة كبيرة له رغم كونه سلوكا حضاريا له تأثيره على الحكومات.. لكن الحكومات التي يهمها رأي الشعب وتراعي حقوق الإنسان، وهذا ما لا ينطبق على حكومة المليشيات الشيعية الإجرامية.

ثانيا: الهيكلية القيادية (Command Structure): هذا المفهوم واسع يحتوي تفاصيل كثيرة، لكن ما يهمني منه هنا هو تقسيم القادة إلى ثلاثة مستويات: القائد الذهبي، القائد الفضي، والقائد البرونزي (Gold, Silver, Bronze).

فالقائد الذهبي هو رأس الهرم القيادي المسؤول عن وضع الرؤية (التخطيط الاستراتيجي)؛ ودوره الإشراف العام على العمليات (المشروع) وضمان سيرها وفق الآليات المرسومة وصولا إلى الأهداف المنشودة. ويجب عليه عدم الانخراط في عمل القادة الفضيين أو البرونزيين على حساب دوره.

هذا المستوى القيادي يجب أن يناط بشخص واحد يمتلك صفات قيادية وإدارية تؤهله للقيام بهذا الدور - مع إمكانية وجود قائد ثانٍ أو ثالث (كفريق قيادي مصغر) في حالات محدودة مثل الأزمات والكوارث والمواقف الحرجة وإدارة الحشود كالتظاهرات.

المستوى القيادي الثاني هو القائد الفضي؛ ويكون مسؤولا عن تنفيذ الرؤية وفقا للاستراتيجية التي يضعها القائد الذهبي. وهذا يتطلب عددا من القادة الفضيين حسب مقتضى الموقف.

يعمل الفضيون تحت إمرة الذهبي؛ ومسؤوليتهم توصيل استراتيجيته إلى البرونزيين (العملياتيين) الذين يقومون بالتنفيذ الفعلي لها على الأرض. أي أن الفضيين هم حلقة الوصل بين الذهبي والبرونزي.

أما المستوى الثالث فهم القادة البرونزيون؛ وهم الأفراد العاملون على مستوى القاعدة، ويتحركون وفق توجيهات القادة الفضيين.
ولو طبقنا هذا التصنيف على منظمي التظاهرات فسنجد أن القادة الفضيين هم قادة ومنظمو الاعتصامات من مشائخ الدين وزعماء العشائر والسياسيين. أما القادة البرونزيون فهم كل من يعمل على تطبيق توجيهاتهم – فرقا وأفرادا- كحراس مواقف السيارات ومنظمي الدخول إلى ساحة الاعتصام، والمراقبين الأمنيين، ومسؤولي الإعلام والعاملين على إعداد الطعام وسائر الاحتياجات اللوجستية، إلخ.

وإنه لأمر مفرح أن نجد هذا الكم من القادة الفضيين والبرونزيين الذين يقومون بأدوار يشكرون عليها.. لكن السؤال الكبير هنا: أين القائد الاستراتيجي (الذهبي) للحراك السني، وماهي رؤيته وآلياته وأدواته؟

قد يكون هناك قائد ذهبي لكنه غير معلن لدواع أمنية؛ لكن المشكلة ليست في غيابه كشخص – إن وجد - وإنما في غياب دوره وتأثيره. وغياب هذا القائد يعني افتقادا لرأس الهرم والبوصلة؛ وسهم بلا رأس تكون انطلاقته مضطربة لا يصل إلى هدفه - وإن وصل نبا عنه.

ثالثا: توزيع الأدوار والمسؤليات (Roles and responsibilities)

لابد من وضوح الرؤية بشأن أدوار ومسؤوليات كل قائد وفقا لمستويات القيادة الثلاثة ووظيفة كل قائد ضمن المستوى الواحد. وأي تداخل في الأدوار يربك العمل ويعيق تحقيق الأهداف.

ما لاحظته على الاعتصامات السنية الحاشدة أن هناك عددا كبيرا من القادة الفضيين (قادة اللجان التنظيمية مثلا) والذين لا ينكر دورهم، لكن جهودهم تكتيكية عملياتية أكثر مما هي استراتيجية.

وفي سياق العمل الجماعي، تجدر الإشارة إلى نظرية مهمة هي (أدوار الفريق لبلبين) – نسبة للدكتور ميريديث بلبين Meredith Belbin، وهو كاتب ومنظّر بريطاني معروف في مجال الإدارة.

يصنف بلبين أدوار الفريق إلى تسعة أصناف هي: المبتكر، المنسق، المراقب المقيّم ، المنفذ، المنهي المتمم، المحقق في الموارد، المشكـِّل، العامل ضمن الفريق، والاختصاصي.

إذا طبقنا هذه الأدوار على عمل لجان تنسيق الاعتصامات لوجدنا غياب أكثرها. وسأركز على ثلاثة منها لأهميتها وغيابها عن الأذهان:

1-المبتكر Plant: إن عملا بحجم المظاهرات بحاجة إلى شخص (أو مجموعة أشخاص) يكون دوره فقط التفكير والتأمل العميق للإتيان بكل ما هو جديد ومؤثر. لإن الاقتصار على الأنشطة والمشاهد المكررة مثل اللافتات والشعارات وسائر الفعاليات يولد الملل لدى المتظاهرين الذين هم بحاجة إلى إدامة معنوياتهم وتفاعلهم مع الحدث.

يمكن اعتماد الآليات التالية - مثلا:

-الاستعانة بشاشة كبيرة يتم من خلالها عرض مقاطع صوتية ومرئية تتعلق بدواعي وحيثيات اعتصامهم، مثل صرخات المعتقلات السنيات في سجون الحكومة ومناشدات المعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب والإهانة، الخ. هذا من شأنه المحافظة على دوافع المتظاهرين وحماستهم لمواصلة اعتصامهم وتمسكهم بالمطالب ورفع سقفها.

فمن المحزن أن نرى معممي الشيعة يستثيرون عواطف أتباعهم بقصص وتمثيليات مفبركة لتحشيدهم ضدنا، في حين يعجز معممونا وقادة اعتصاماتنا عن الرد عليهم بما هو حقيقي ومعاصر وموثق!

-إعداد فرق من الشباب لأداء أنشطة متنوعة مثل الأناشيد والأهازيج الشرعية المنتقاة بعناية لتركز على قضايا أهل السنة وبطريقة احترافية لإيصال الصوت بطريقة أفضل.

- الخروج عن المألوف وكسر الجمود في الخطب والخطابات (التفكير خارج الصندوق)، فبدلا من الطرق التقليدية في الإلقاء والتلقين التي لم تعد تناسب العصر، يمكن اعتماد التكنلوجيا الحديثة التي أقلها شرائح العرض (Power Points)، واختيار بعض المتضررين من الاستهداف الطائفي الموجه ضد أهل السنة ليرووا معاناتهم أمام المعتصمين، كيتيم يعرض جانبا من مأساته، أو معتقل مفرج عنه يروي قصص التعذيب، أو أرملة تحكي مأساتها، أو ضحايا قوات "سوات" أو غيرها من افواج المالكي.. الخ. حيث إن ذلك يبقي صور المأساة السنية حية في أذهان الغاضبين ويؤجج روح الثأر الشرعي ورد الاعتبار.

2-المراقب المقيّم Monitor Evaluator: يجب أن يكون هناك شخص - أو أكثر – يقوم بدور المراقبة والتقييم. ولكي يؤدي هذا الدور جيدا، يستحسن تمركزه في مكان مرتفع لتتسنى له مراقبة كافة جوانب الاعتصام وتسجيل ملاحظاته مستعينا بكاميرا وسجل توثيق أو موبايل أو لابتوب، إلخ.

إن حصيلة ما يجمعه هذا المراقب من ملاحظات- حتى تلك التي قد لا يراها مهمة - مفيدة للقائد الفضي (في ظل غياب الذهبي) الذي قد لا ينتبه للكثير من الزوايا والخفايا في خضم انهماكه في إدارة الحدث.

3-المنهي المتمم Completer Finisher: كل جهد بشري يعتريه النقص، وهنا يأتي دور هذا الشخص (أو أكثر) في إكمال كل ما يمكنه رصده من هفوات وثغرات تستوجب التدارك لكي لا تؤدي إلى نتائج عكسية.

عبد الله الدليمي
2013-02-05, 09:33 PM
رابعا: تحليل مجال القوى Force Field Analysis

هذه النظرية من أهم الأدوات الفاعلة في إدارة التغيير Change Management، تعزى إلى عالم النفس الأمريكي "كيرت ليوين "Kurt Lewin - أحد رواد علم النفس الاجتماعي والمؤسسي والتطبيقي.


تقوم هذه النظرية على تحديد القوى المؤثرة على أي مشروع للتغيير وتصنيفها إلى قوى دافعة باتجاه التغيير (مؤيدين) وأخرى مانعة له (معارضين) من أجل تحليلها وتقييمها سعيا إلى تعزيز الدوافع وإزالة الموانع.


مثلا: الإقليم مشروع تغيير استراتيجي وثيق الصلة بمصير أهل السنة، لكن المؤسف أنه ليس محل اتفاق بين جميع المعتصمين. وهنا يأتي دور قادة الاعتصامات في التركيز على الفريق الممانع لكسب تأييده – أو على الأقل تحييده – من خلال طرح الموضوع من زوايا مختلفة وبوسائل متنوعة.


لكن مهلا! القادة أنفسهم غير متفقين على كون الإقليم مطلبا استراتيجيا مهما؛ والمؤمنون بضرورته لا يفصحون عن ذلك، وهذا يعود بنا إلى إشكالية غياب الرؤية والرسالة وانعدام منظومة العمل الاستراتيجي الشمولي.


بل إن من أهل السنة من يرى حرمة الخروج في تظاهرات واعتصامات، استنادا إلى آراء (فتاوٍ) غريبة هي محل نظر صدرت من بعض العلماء في وضع غير طبيعي.


هؤلاء الممانعون بحاجة إلى طرح شرعي حر ومستنير ليذيب حالة الجمود الفكري الذي أوردنا المهالك – ليس من جهة العوام فقط، وإنما من جهة "النخب" كذلك!


وقد كفى الدكتور طه الدليمي – مشكورا – مؤيدي الفدرالية عناء البحث في مزاياها في مؤلفات كثيرة منها مطوية مختصرة ومعبرة (اضغط هنا لتحميلها من موقع القادسية). (http://www.alqadisiyya3.com/q3/index.php?option=com_k2&view=item&id=2262:%D9%85%D8%B7%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D 8%A9-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D 9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-pdf&Itemid=238)

ولأخيكم كاتب المقال بحث يتناول خيار الفدرالية من زاوية شرعية (اضغط هنا لقراءته). (http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=145019)



وفي إطار الحديث عن التغيير والسعي لإقناع المعارضين له، تبرز مهارة مهمة هي "التفاوض والتأثير" Negotiation and Influencing.


الناس بطبعهم – الجموديون وعديمو الهمة والرؤية تحديدا - يميلون إلى اعتياد الوضع الذي يألفونه على ما فيه من مثالب خوفا من "المجهول"، وبالتالي فإن إحداث تغيير في قناعاتهم يتطلب وقتا وجهدا ومهارات في التحاور والإقناع- وقبل ذلك كله: إخلاصا وهمة؛ فالإنسان عدو ما يجهل، والخوف من التغيير أمر وارد يجب التعامل معه بحكمة وطول نفس.


هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مرحلة تاريخية تغييرية حاسمة في التاريخ الإسلامي؛ فقد هجر أحب البقاع إليه بما فيها من أجل العقيدة، ولم يؤثر عشيرته وقرابته وبيته (وطنه) على دينه، وفي ذلك درس للمتشبثين بالتراب على حساب الدين والهوية. والإقليم السني هجرة لكن في مواضعنا بدون وعثاء سفر وغربة. فالغربة.. كل الغربة هو التعايش مع وحوش بشرية لا تعترف بحقنا في الحياة.


من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير هو مستوى الوعي لدى الفئة المستهدفة بالتغيير؛ والأهم من ذلك - لدى أدواته (البشرية).


مأساتنا أن المتصدين لأمرنا - من سياسيين وشيوخ عشائر ومشائخ دين - هم أنفسهم عقبات كأداء في سبيل التغيير المنشود (إلا من رحم ربي.. وقليل ما هم)، فكيف نرجو إصلاح أمر بأدوات هي نفسها بحاجة إلى إصلاح؟!


وإذا عدنا إلى مثال الإقليم (لأهميته)، فبإمكان دعاته من المؤثرين في الحراك السني إقامة ندوات حوارية هادئة مع رافضيه لمناقشة الموضوع من كل جوانبه لإبراز مزاياه والوقوف على ما لدى الطرف المعارض من تحفظات وشبهات للرد عليها بكل احترام وسعة صدر.


خامسا: العمل بالشراكة Partnership

لا يمكن للأعمال والمشاريع أن تتم بدون شركاء أو أصحاب مصلحة (Stakeholders)؛ وكلما كان المشروع ضخما كلما تشعبت أواصر الشراكة مع مختلف الجهات.


فالحشود الضخمة من المعتصمين بحاجة إلى خدمات الكثير من الجهات لإدامة الاعتصامات وخدمة جماهيرها – مثل الخدمات الطبية والبلدية (النظافة) والدفاع المدني والنقل والاتصالات ووسائل الإعلام وتوفير المواد الغذائية واللوجستية.. إلخ.


التنسيق بين هذه الجهات مهم جدا؛ لذا يجب تعيين قائد فضي لكل من هذه الجهات ليرتبط بدوره بقائد فضي مركزي (في ظل غياب الذهبي) يشرف على التنسيق بينها والتواصل معها لضمان سلاسة العمل.


وفي هذا السياق يأتي الحديث عن مبدأ مهم هو: تحليل أصحاب المصلحة (Stakeholder Analysis)، ويعني تحديد وتحليل وتقييم عمل كل من هذه الجهات ودراسة الحلول والبدائل الممكنة في حالة تقصير أو تلكؤ أي منها في عملها.


فمثلا، الإعلام من أهم جوانب الحراك، وتحديدا الفضائيات والانترنت؛ واذا استعرضنا طريقة تعاطي قنواتنا الفضائية مع الاعتصامات لوجدناها تبعث على الغثيان – وبالتالي فلا بد من بدائل. وهذا هو مفهوم الخطة البديلة (Plan B ) فيما يخص التغطية الإعلامية – الذي يمكن تطبيقه على جميع الجوانب الأخرى.


أتمنى من قادة اللجان التنظيمية تشكيل فريق إعلامي من المتظاهرين ممن لديهم خبرة في مجال التصوير والتوثيق لرفع المواد الإعلامية وبثها عبر الفضائيات واليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات. وحبذا اقتباس الممارسات الرائعة في هذا المجال لإخواننا السوريين الذين برعوا في توظيف الإعلام لصالح قضيتهم. فأنا لم أر – مثلا – متظاهرا يحمل ورقة صغيرة مكتوبا عليها اسم المدينة والتاريخ لعرضها أمام الكاميرا؛ وهذه حركة بسيطة جدا لكنها وسيلة توثيقية مهمة.


سادسا: التواصل الفعال Effective Communication

حياة الإنسان – والحيوان- لا معنى لها بلا تواصل يتم من خلاله تبادل الرسائل بمختلف الوسائل.


هناك ثلاثة عناصر أساسية للتواصل: المرسل Sender، والمستقبل Receiver، والرسالة Message.


وإذا ما تحدثنا عن الحراك السني، فإن المرسل- بالمعنى الأشمل – هم المتظاهرون المتضررون؛ والمستقبِل هو الحكومة (مصدر الضرر) وكل من يتابع الحدث؛ والرسالة هي رفض الظلم والمطالبة بالحقوق.


ما يهمني هنا المرسل والرسالة. يجب على المرسلين – والقادة تحديدا - أن يرتقوا إلى مستوى استراتيجي في طرحهم لأن التخبط في الطرح، والمراوحة في النطاق التكتيكي، والتعويل على الأهداف الجزئية قصيرة المدى سينتج رسالة قاصرة عديمة الجدوى (وقد تكون أقرب إلى الفقاعة فعلا!).


التواصل على قسمين رئيسين: تواصل لفظي Verbal، وتواصل غير لفظي Non- Verbal؛ حيث تكون نسبة الأول 45% والثاني 55% من مجموع دورة التواصل Communication Cycle (نسب تقريبية).


يقسم التواصل اللفظي بدوره إلى: الكلمات ( بنسبة 7%) ونبرة الصوت Tone (بنسبة 38%).


من هذه المعادلة يتضح أن الكلمات التي يلقيها الخطباء – على أهميتها - ليست كل شيء؛ فهي تمثل المكون الأقل نسبة من بين مكونات التواصل، وبالتالي فلن تكون مؤثرة بدون الاهتمام بنبرة الصوت (طريقة الإلقاء والتحكم بالصوت حسب السياق.. إلخ) - والأهم من ذلك الاهتمام بطريقة التواصل غير اللفظي (لغة الجسدBody ********).


ما تقوم به قنواتنا الفضائية هو التجوال بكامراتها بعيدا عن خطيب مفوه يلتهب حماسا تنقله قسمات وجهه وإيماءات يديه وارتعاد جسمه (لغة الجسد) أكثر مما تنقله كلماته (التي قد تضيع وسط الهتافات)، وتنشغل بلقطات تافهة تلهي المشاهد عن فحوى الرسالة التي يبذل المتحدث جهدا في إيصالها.


بل صدر من هذه الفضائيات ما هو أفضع؛ فهي تعرض صورة خطيب يهز الجموع بخطبة عصماء تضج لها حناجر الجماهير، لكن مع صوت أغان "وطنية" راقصة؛ وفي كثير من الأحيان تتطابق حركات الخطيب وإيماءاته مع تلك الأغاني فيظهر كأنه يرقص على أنغامها!


وبمعادلة حسابية بسيطة، نستنتنج أن هذه القنوات تعمل – من خلال تغطيتها السلبية للحدث- على قتل الرسالة المراد إيصالها وتقزيم تأثيرها من 100% إلى 7%.. فتخيلوا حجم الجناية التي ترتكبها قنواتنا بحق أهل السنة وقضاياهم!

عبد الله الدليمي
2013-02-05, 09:49 PM
سابعا: القيادة الموقفية Situational Leadership

حسب هذه النظرية، القائد الذي يكون ناجحا في قيادة مجال أو مرحلة لها ظروفها وخصوصيتها قد لا يكون بالضرورة قائدا ناجحا في جوانب أو مراحل أخرى.

فعالم الشريعة - مثلا - قد يكون قائدا مبرّزا في تخصصه، لكن قد يتخبط إذا ما أقحم نفسه في مجال السياسة أو الاقتصاد. مثال ذلك الشيخ عبد الملك السعدي، فهو عالم كبير في تخصصه لكنه بتدخله السلبي في الحراك السني أساء للشريعة والسياسة معا - بل ولمبادئ الحق والعدل والكرامة.

ومن هنا فإن التعويل على أشخاص معروفين في مجالاتهم - كشيوخ دين أو سياسيين أو شيوخ عشائر - كقادة للاعتصامات قد يحتاج إلى إعادة نظر. والأفضل هو البحث عن قائد يحمل صفات القيادة ويعي أدواره ويحظى بالمقبولية لدى الجماهير.

للقائد وظيفتان رئيستان: التوجيه والتشجيع. فمن خلال التوجيه يعرف الأتباع "ماذا" عليهم فعله، و"كيف" و"متى" (العقل). أما التشجيع فهو الشحن المعنوي المطلوب لتأدية المهام (القلب / الروح).

تعتمد درجة التوجيه والتشجيع من قبل القائد على عاملين أساسيين متعلقين بالأتباع: الكفاءة والحماس. وفي ذلك حالات أربع:

1- إذا كان الأتباع ذوي حماس مرتفع وكفاءة متدنية، فعلى القائد التركيز على التوجيه أكثر من التشجيع.
2- إذا كانوا ذوي كفاءة عالية وحماس منخفض، فعلى القائد التركيز على التشجيع أكثر من التوجيه.
3- إذا كان الأتباع ضعاف الحماس والكفاءة معا، فعلى القائد التركيز على التوجيه والتشجيع معا.
4- إذا كان الأتباع ذوي كفاءة عالية وحماس مرتفع، وجب على القائد التفويض مع شيء من التوجيه والتشجيع.

والتفويض (Delegation) هو التخويل أو منح الصلاحية- بمعنى أن القائد يخول أتباعه ويأتمنهم على تأدية مهامهم على أساس الثقة بمهاراتهم ومعنوياتهم.

وإذا ربطنا هذا بواقع الحراك السني اليوم، ونظرنا في طروحات الشيخ عبد الملك السعدي (كونه أبرز العلماء الذين يتطلع الكثير إلى دور قيادي له) وبحثنا عما يقابلها من هذه الحالات الأربع لوجدنا أنه لم يفشل في التشجيع والتوجيه فحسب، وإنما أجاد في تخدير الجمهور والتقليل من حماسهم وكفاءتهم معا!

فلكم الله يا سنة العراق، وأعانكم على تحمل طعنات "زعمائكم" قبل خصمائكم!

ثامنا: التوثيق

لتوثيق تفاصيل الحدث أهمية تزداد كلما ازدادت أهمية الحدث؛ لذلك يحرص القائمون على العمليات/المشاريع على الاحتفاظ بسجل توثيق (Log) يقوم عليه شخص (Loggist) وظيفته حفظ وأرشفة كل ما يحدث من وقائع وتفاصيل وقرارات يتم اتخاذها.

يجب أن يكون هذا السجل (ورقي أو إلكتروني) بمثابة مستودع يحتوي تفاصيل متنوعة (وثائق وصور فوتوغرافية وفديوية وصوتية) تجيب على جميع أدوات السؤال: ماذا، وأين، ومتى، ومن، وكيف، ولماذا. فلهذه التفاصيل والحيثيات تأثير كبير على عملية اتخاذ القرارات (Decision Making) وعلى مسار المشروع وأهدافه.

يروى أن ملكا اشتكى لزوجته قائلا: "لن أنسى عناء هذا اليوم ما حييت"، فقالت له: "بل ستنساه .. إن لم تكتبه".
ومع وجود عدو متربص بالمعتصمين يجيد التلفيق واختلاق الأزمات، تزداد أهمية التوثيق من أجل دفع ما يمكن من التهم التي تستهدف الحراك السني من خلال استغلال وسائل الإعلام.

من لا يهتم بالتاريخ – دراسة وتطبيقا وتوثيقا – لا يمكنه إنجاز شيء، بل لا يمكنه حماية كيانه وهويته. فلو كان أهل السنة يهتمون بالتاريخ –القريب على ألأقل – لعرفوا من هو مقتدى الصدر ومدى إيغاله في دماء أهل السنة، ولترفعوا عن الاستغاثة به لتنفيذ مطالبهم! (ضحية تستنجد بالجلاد؟! يا لها من مهزلة!!)

ولو كانت لمستقبلي المجرم حاكم الزاملي (ممثل الصدر) ذاكرة حية مصحوبة بغيرة لما فعلوا ذلك وقدموه إلى المنصة ليخدر الجماهير الغاضبة بمعسول كلامه وهو الذي حوّل وزارة الصحة – مع وزيرها الهارب- إلى مسلخ لأهل السنة ومتجر لبيع أعضائهم وبيع جثثهم!


تاسعا: الإيجاز (التوجيهات) والاستخلاص (مناقشة سير العملية) Briefing and Debriefing:

هذه مبادئ مهمة يجب ألا تغيب عن القادة، خاصة في مشاريع وأحداث بحجم الثورات.

الإيجاز يعني إطْلاع الأشخاص بما هو منوط بهم من مهام وكيفية أدائها وفق الخطة المرسومة لتحقيق الأهداف.
الجانب المعنوي يجب أن يحظى بالاهتمام الأكبر في مرحلة الإيجاز والتوجيه، فبلا تحفيزMotivation) ) لن يقوم الفريق بعمله على الوجه المطلوب. وخير شحنة محركة للمتظاهرين هي عقيدتهم السنية، فلا بد من التركيز عليها نظريا - من خلال دروس العقيدة والقرآن والسيرة والجهاد- وعمليا من خلال تسليط الضوء على حالات الاستهداف الطائفي ضد السنة.

أما الاستخلاص فهو استخلاص نتائج الأداء (الحراك) ومناقشتها للوقوف على الإيجابيات والسلبيات للإبقاء على ما هو صحيح وإدامته، وتصويب ما يحتاج إلى تصويب.

يقضي المعتصمون أوقاتٍ طويلةً بعيدا عن الكامرات (تحت الهواء) وقد تطول فترة الجلوس بلا شاغل؛ وفي هذه المساحات الزمنية فرص ذهبية لالتقاء المنظمين بهم بطريقة معينة لمناقشة مجريات الحدث بشكل يومي وتحديد ما سار منها على ما يرام وما لم يسر على ما يرام.

جهود المعتصمين ضخمة – جزاهم الله خيرا وثبتهم – لكن لكون الجهد البشري معرضا للنقص والتقصير، فلا بد من فرصة للاسترخاء والتقاط الأنفاس والوقوف على السلبيات لتلافيها والإيجابيات للثناء عليها وإدامتها، وتقديم النصائح والتوجيهات.

يمكن مثلا إبراز حادث بارز خلال اليوم، كجريمة ترتكبها مليشيات الحكومة ضد أهل السنة، أو زيارة لجنة "تسويف" مطالب المتظاهرين، أو كلمة ألقاها شخص لم تعجب الجماهير، أو اقتراح فعاليات جديدة تخرج التظاهرات عن إطارها التقليدي الروتيني.. إلخ. كل هذه الأمور وأمثالها يستحن أن تناقش مع الجماهير بطريقة العصف الذهني (Brainstorming).

العصف الذهني هو إطلاق العنان للفكر – بشكل فردي أو جماعي – للإتيان بحلول تجديدية إبداعية للمشاكل واكتساب أفكار ورؤى جديدة تدفع مشروع التغيير/ التطوير إلى الأمام.

وهنا يأتي الحديث عن أمر مهم هو: الملاحظات التقييمية (Feedback) التي هي آلية نقد بناء يجب أن تتبع كل مرحلة من مراحل العمل. هذه العملية يجب أن تكون ثنائية الاتجاه: من القادة إلى الأتباع وبالعكس. ومن المهم ألا تؤخذ الملاحظات التقييمية (يسميها البعض: التغذية الراجعة) على أنها علمية تلاوم ومؤاخذات يلقيها البعض على البعض الآخر للتسقيط والتبكيت؛ فهي عملية تقييم (Assessment) لا بد منها لأي عمل مهما صغر شأنه.

يجب أن تُقبل الملاحظات التقييمية كهدية من مقدمها وليس تجريحا؛ وفي ذلك يقول خبراء الإدارة: (Feedback is a gift) - الملاحظات التقييمية هدية – وقد قال قبلهم سيدنا عمر رضي الله عنه: (رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي).


للعصف الذهني فوائد، منها:

أولا: أنه يرفد قادة اللجان التنظيمية بملاحظات وأفكار قيمة قد تكون غائبة عن أذهانهم؛ والقائد الواعي هو من يشجع مقوديه وزملاءه على الإفصاح عن مكنون أفكارهم بأريحية من دون تجاهل لأي فكرة من أي شخص مهما كان مستواه. هذا هو المنهج النبوي في التشاور (وشاورهم في الأمر)، فقد ضرب لنا– صلى الله عليه وآله – أروع الأمثلة في خفض الجناح ومشاركة أصحابه في الرأي رغم كونه مؤيدا بالوحي.

ثانيا: إن ذلك يعطي الجماهير دفعة معنوية تشعرهم بأنهم ذوو شأن ورأي وليسوا مجرد أرقام عددية لتضخيم الصوت وملء ساحات الاعتصام.

في الاعتصام النسوي لنساء الفلوجة البطلة، ظهرت على الشاشة امرأتان مسنتان عن سخطهما مما يجري، فقالتا كلاما يدل على وعي أكبر بكثير من أكبر عمامة خاطبت الجمهور المحتشد!

وأظن أن مجتمعا يكون فيه الأميون من الجمهور أوعى من (القادة) يستحق التكبير عليه أربعا والدعاء له بالرحمة.

هدايا القدر
2013-02-11, 03:00 PM
بارك الله فيك أخي و في قلمك
جعل الله ما كتبته شاهدا لك لا عليك
وفقكم الله

عبد الله الدليمي
2013-02-13, 11:44 PM
الأخ الفاضلة هدايا القدر.. بارك الله بك على دعمك المتواصل وجزاك الله خيرا

ـآليآسمين
2013-02-16, 02:10 PM
بارك الله فيك استآذنآ وبارك في علمك
كتب الله لكم الخير وسدد خطآكمـ
وآنآر عقلكمـ
رضى الله عنك وعن وآلديكـ
دمتمـ بخير
..//~

عبد الله الدليمي
2013-02-16, 02:57 PM
الأخت الفاضلة le_7thoru

جزاك الله خيرا وبارك فيك

نسائم الهدى
2013-02-19, 12:26 PM
اخونا الكريم عبد الله الدليمي

بارك الله فيك ووفقك لكل ما يحب ويرضاه

عبد الله الدليمي
2013-02-21, 08:57 PM
بارك الله بك أخي العزيز "ارجو رحماك يا الله " وجزاك الله خيرا

بنت الحواء
2013-02-21, 09:30 PM
جعل الله النصر حليفكم
بارك الله فيكم

عبد الله الدليمي
2013-02-22, 12:50 PM
حياك الله اختي بنت الحواء وبارك بك