المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محنة البلاء


ام عبد المجيد
2014-01-13, 09:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين) َ110
إنها صورة رهيبة , ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل , وهم يواجهون الكفرو العمى والإصرار والجحود .
وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ,
وتكر الأعوام والباطل في قوته , وكثرة أهله ,
والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة.
إنها ساعات حرجة ,
والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر .
والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض .
فتهجس في خواطرهم الهواجس . .
تراهم كذبوا ؟
ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ؟
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر .
وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى:
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله )
ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ,
ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ,
والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ,
وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات , وما يحس به من ألم لا يطاق .
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ,
ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ,
ولاتبقى ذرة من الطاقة المدخرة . .
في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا:

(جاءهم نصرنا , فنجي من نشاء , ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين). .
تلك سنة الله في الدعوات .
لا بد من الشدائد ,
ولا بد من الكروب ,
حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة .
ثم يجيء النصر
بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس .
يجيء النصر من عند الله ,
فينجو الذين يستحقون النجاة ,
ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ,
وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون .
ويحل بأس الله بالمجرمين ,
مدمرا ماحقا لا يقفون له ,
ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .
ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا .
فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا . أو تكلفه القليل .
ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا .
فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ,
ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء .
والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ,
لذلك يشفقون أن يدعوها ,
فإذا ادعوهاعجزوا عن حملها وطرحوها ,
وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون ;
الذين لا يتخلون عن دعوة الله ,
ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة !

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل ;
إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض ,
وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة !
والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية
- والمجتمعات الجاهلية هي التدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان -
يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ,
ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل !
إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال
ويملكون استخفاف الناس حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود !

ويملكون تأليب هذه الناس ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ,
باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات ! . .

ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ,
وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا .

وأنه من ثم لا تنضم إليها -في أول الأمر - الناس المستضعفة ,
إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ,
التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ,
وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا .
وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا .
ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ,
بعد جهاد يطول أو يقصر .
وعندئذ فقط تدخل الناس في دين الله أفواجا .

الحياة أمل
2014-01-13, 09:44 PM
أحسنت .. أحسن الله إليك
بآرك الرحمن فيك ونفع بك ...~