المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (31)


ابو محمد العراقي
2014-01-20, 11:06 PM
فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب(1)



هذه من القواعد العامة المتعلقة بفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتي من منطوقها يمكن تقسيم أفعال النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى فعل مجرد مشروع، فهذا في أصله يدل على الاستحباب، أما إذا جاء مقروناً لبيان أمر فهو بحسبه فهو إما واجب أو مستحب، وفعلٍ مجرد غير مشروع، كالأفعال الجبلية،
قال ابن حزم: "ليس شيء من أفعاله صلى الله عليه وسلم واجباً وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به صلى الله عليه وسلم فيها فقط، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر، إلا ما كان من أفعاله بياناً لأمر أو تنفيذاً لحكم فهي حينئذ فرض، لأنَّ الأمر قد تقدمها فهي تفسير الأمر، وهذا القول الصحيح الذي لا يجوز غيره(2)".إهـ
وللشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- تقسيم رباعي لأفعال النبيِّ صلى الله عليه وسلم وذكر لكل قسم حكماً وهي(3):
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة والطبيعة، فهذا في حد ذاته لا يتعلق به امر ولا نهيٌ مثاله: النوم والأكل والشرب، هذا شيء فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضى الطبيعة والجبلة، فهو في حد ذاته لا يتعلق به أمر ولا نهي، لكن قد يُطْلَبُ أن يكون على شكل معيَّن، أو على صفة معينة فيكون مأموراً به على هذه الصفة، وقد يُنهى على صفة معيَّنة فيكون منهياً عنه على هذه الصفة.
فالنوم مثلاً: مما تقتضيه الطبيعة والجبلة، وعليه فلا حكم له في حد ذاته، لكن كونه ينام على الجنب الأيمن، وعلى ذكر الله، هذا سُنَّة، تفعل في هذا الفعل الجبلي.
الثاني: ما فعله على وجه العادة فهذا نَصِفُه بأنه مباح، ولكن هل هو سُنَّة؟
الجواب: ليس بسُنَّةٍ، بل السنة فعل العادة في المكان الذي أنت فيه، والزمان الذي أنت فيه، ما لم تخالف الشرع، ولهذا لو قال قائل: أيهما أفضل الآن إزاراً ورداءً وعمامة، أو أن نلبس قميصاً وسروالاً؟
الجواب: الثاني؛ لأنَّ هذا هو السنة فالسنة في اللباس تكون في الجنس أو النوع، لا في العين، وذلك بأن يكون الإنسان موافقاً للعادة في لباسه وهيئته؛ لأنَّه لو خالف العادة صار لباسُه شهرة، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة(4).
الثالث: من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله امتثالاً لأمر الله صلى الله عليه وسلم، فحكمه حكم ذلك الأمر، ندباً فالفعل ندب، وإن كان الأمر واجباً فالفعل واجب، إلاَّ أنَّه إذا كان بياناً لمجمل فهو واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا ورد أمر مجمل لم يتبيَّن إلاَّ بالفعل، فالفعل واجب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لوجوب البيان والتبليغ عليه، ثم بعد هذا يكون مندوباً في حقه وحقنا، إذا كان الأمر للندب، وإن كان الأمر للوجوب فهو واجب علينا وعليه صلى الله عليه وسلم.
الرابع: ما فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم فعلاً مجرداً يظهر فيه التعبُّد لله صلى الله عليه وسلم، فهذا يكون للاستحباب، لكنه واجب عليه لأجل الإبلاغ، وبعد أن يبلِّغ الأمة يكون ندباً له ولنا.
مثاله السواك عند دخول البيت، إذا دخل بيته أول ما يبدأ بالسواك، هذا فعل مجرد من الرسول صلى الله عليه وسلم فليس بواجب، لكنه مستحب؛ لأنَّه عبادة..؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، ومرضاة للربِّ(5)».
دليل القاعدة:
يمكن أن يُستدل على هذه القاعدة بحديث ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأقامني عن يمينه(6 )».
فالحديث فيه فعلٌ مجردٌ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم غير مقرون بأمر ولا بيان لواجب، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم حينما أخذ ابن عباس من رأسه وأقامه إلى يمينه، لم ينهاه أن يعود إلى ما فعل،
يقول الشيخ ابن عثيمين: "إنَّ فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب، لأنَّه لو كان للوجوب لقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: لا تعد لمثل هذا... وهذا القول قول جيد جدا، وهو أرجح من القول ببطلان صلاته عن يساره مع خلو يمينه؛ لأنَّ القول بتأثيم الإنسان أو ببطلان صلاته بدون دليل تطمئن إليه النفس فيه نظر، فإن إبطال العبادة بدون نصٍّ كتصحيحها بدون نصٍّ(7 )".إهـ
تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: ورد في حديث أبي الدرداء صلى الله عليه وسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ(8 )»، فتوضئ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من القيء لا يدل على أنَّه ناقضٌ للوضوء ولا يدل على الوجوب أيضاً؛ لأنَّه مجرد فعل، يدل على الاستحباب لا غير.
المثال الثاني: اختلاف العلماء في صحة الطواف حول البيت من غير وضوء، والذي رجحه الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- أنَّ ليس بشرط ولا واجب، وعلل بجملة أمورٍ منها(9): أنَّه مجرد فعل منه صلى الله عليه وسلم ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، مع الاتفاق على أنَّ الطهارة للطواف أكمل من الطواف من غير وضوء.
المثال الثالث: الغسل من الإغماء ونحوه فإنَّه لا يدل على الوجوب وإن فعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبيد الله بن عبد الله قال: «دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت بلى: ثقل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل...(10 )».
يقول الشيخ ابن عثيمين: "فهذا دليل على أنه يغتسل للإغماء، وليس على سبيل الوجوب، لأن فعله صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب(11 )".إهـ
___________________________________
( 1) الشرح الممتع (2/189).
(2 ) الإحكام (1/458).
(3 ) ننقله مختصراً من شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (118-123).
(4 ) كما في الصحيح الجامع رقم (6526) من حديث ابن عمر  أنَّ النبيَّ  قال: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبا مثله ثم يلهب فيه النار»
( 5) صحيح، الصحيح الجامع برقم (3695) من حديث أبي أُمامة .
(6 ) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (540).
(7 ) الشرح الممتع (2/189).
(8 ) مسند الإمام أحمد (5/195) وصححه الشيخ الألباني في الإرواء برقم (111).
(9 ) أنظر بقية ما علل به في الشرح الممتع (1/212-213).
(10 ) أخرجه البخاري، رقم (687)، ومسلم، رقم (418).
(11 ) الشرح الممتع (2/434).

ابو محمد العراقي
2014-01-20, 11:07 PM
نسأله تعالى أن يسترنا في الدنيا والآخرة.. إنه هو الستير

الدنيا فانيه
2014-01-21, 02:26 AM
بارك الله فيكم

فجر الإنتصار
2014-01-21, 08:34 AM
بارك الله فيكم وأحسن اليكم

الحياة أمل
2014-01-21, 09:36 AM
كتب الله أجركم ونفع بكم الإسلآم والمسلمين
وفقكم الرحمن لكل خير ...~

أم سيرين
2014-01-21, 06:16 PM
جزاك الله خير على كل ما تقدمه أخونا الفاضل

فتحي الجبوري
2014-01-21, 06:18 PM
بارك الله بك

وجزاك كل خير