المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها.. قاعدة رقم (32)


ابو محمد العراقي
2014-01-25, 11:19 PM
قضية العين وما وقع مصادفة فإنه لا يعد تشريعاً(1 )


هذه من القواعد الدقيقة والمفيدة في باب الأحوال والأفعال؛ فالقاعدة أخرجت بعض أفعال النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن مقتضى التشريع، حيثُ تُبيِّن القاعدة أنَّ الفعل إذا وقع من النبيِّ صلى الله عليه وسلم عرضاً ليس مقصوداً فإنَّه لا يُعدُّ تشريعاً، وأنَّ من قصد التعبد بهذه الأفعال فقد أوقع نفسَهُ في البدعة.
دليل القاعدة:
ثبت موقوفاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في سفر فرأى قوماً ينتابون مكاناً للصلاة فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فليصلِّ وإلا فليمضِ(2 )». فعمر رضي الله عنه ميَّز بإنكاره على هؤلاء القوم عن أفعالٍ صدرت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عرضاً لم يقصد منها التعبد في هذا المكان وإنما حدث منه ذلك عرضاً، وأنَّه لو تُتُبِّعَت مثلُ هذه الآثار والأفعال لكان فيهم شبهٌ بمن سبقهم من أهل الكتاب، وأنَّه ذريعة إلى إنشاء طاعة لم يقصدها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا مكاناً ولا زماناً وإنما حصلت صدفة، ومعرفة مثل هذه الأحوال يتم بالنظر إلى القرائن التي احتفت بالفعل، فمنها يُتصور التشريع من عدمه.
والسنَّةُ لا تتحققُ بإتباع صورةِ فعلٍ غيرِ مقصودٍ، وإنما يتحقق الإتباع لفعلِ سُنَّةٍ قَصَدَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
يقول شيخ الإسلام –رحمه الله-: "فلما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة،بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. وهذا هو الأصل؛فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل(3 )"إهـ
ولا يُعترض على هذه القاعدة بما صدر عن ابن عمر –رضي الله عنهما- من تتبع ابن عمر لبعض صور أفعال النبيِّ صلى الله عليه وسلم كنزوله في بعض المواطن التي نزلها في الحج ونحو ذلك، فهذا الفعل منه لم يوافقه عليه بقية الصحابة رضي الله عنهم بل هو اجتهادٌ منه؛ لأجل أن يوافق صورة فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا قصداً للعبادة(4).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به، وذلك لأنَّ المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند اسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة والمزدلفة وغيرها، وما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب(5 )".إهـ
تطبيقات فقهية على القاعدة:
من الأمثلة التي ذكرها الشيخ ابن عثيمين قوله: لا يستحب للإنسان إذا دفع من «عرفة» وأتى الشعب الذي حول مزدلفة؛ أن ينزل فيبول ويتوضأ وضوءا خفيفا، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما دفع من «عرفة» في الحج؛ ووصل إلى الشعب نزل فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً(6 )؛ لأنَّ هذا وقع مصادفة، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم احتاج أن يبول فنزل فبال وتوضأ؛ لأجل أن يكون فعله للمناسك على طهارة( 7).
____________________________
( 1) الشرح الممتع (2/60).
(2 ) صحيح، صححه الشيخ الألباني في إصلاح المساجد للقاسمي (204).
(3 ) مجموع الفتاوى (1/281).
(4 ) يقول شيخ الإسلام في المجموع (10/411): "ولم يكن ابن عمر ولا غيره من الصحابة يقصدون الأماكن التي كان ينزل فيها ويبيت فيها مثل بيوت أزواجه، ومثل مواضع نزوله في مغازيه، وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط، وإن كان هو لم يقصد التعبد به، فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه الشارع".إهـ
(5 ) مجموع الفتاوى (1/280).
(6 ) أخرجه البخاري، رقم (179) ومسلم رقم (1280) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا ثم قلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع».
( 7) الشرح الممتع (2/60).

ابو محمد العراقي
2014-01-25, 11:20 PM
((من تواضع لله رفعه))

الحياة أمل
2014-01-26, 02:52 AM
جزآكم الله خيرآ ونفع بكم
زآدكم ربي علمآ وهدى ...~