المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفاتٌ في الصعلكة وشعر الصعاليك في العصر الجاهلي و الإسلامي


محب العراق
2014-01-29, 10:23 PM
الصعلكة ظاهرة وحركة من حركات التمرد على الواقع الحياتي والمعاشي الذي يعيش الانسان في كنفه ، فالانسان لا يملك كفاف عيشه وطعامه لتدفعه الحياة لكي يواجه مخاطرها ويسيح في عرض البلاد وطولها طالباً الحصول على رزقه بكافة السبل ليبقى وهو يسعى في مناكب الارض كريماً عزيزاً لا يتذلل لأحد .


وفي الارض منأى للكريم عن الاذى .. وفيها لمن خاف القلى متعزل‏


ويعد شعر الصعاليك في ادبنا العربي دعوة لنبذ الواقع المحبط واخذ مال الاغنياء والموسرين وتوزيعه على اصحاب الحاجة لسد رمق معيشتهم .‏


ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً .. من المال يطرح نفسه كلّ مطرح‏


والصعاليك طوائف متعددة فمنهم الخليع الذي تبرأت عنه عشيرته واهدرت دمه ومنهم الغرباء ابناء السبايا الذين تنكر لهم اباؤهم ولم يعترفوا بهم ، والفقراء الذين تمردوا على الواقع نتيجة للظروف التي كانوا يعيشونها ليحترفوا الصعلكة وينضموا الى من تصعلك قبلهم فهو يدعوا للحصول على طعامه ولو ادى ذلك الى امتشاق السيف‏


ذريني اطوف في البلاد لعلني .. اخليك أو اغنيك عن سوء محضري‏


وفي هذا الشعر نجد رفضاً واقعياً للمعيشة المرة والفقر المحدق ونداء يطلب المساواة بين الجميع ودعوة الى رابطة اجتماعية يسودها العز والكرامة .‏


إذا المرء لم يبعث سواماً ولم يرح .. سوماً ولم تعطف عليه اقاربه‏


فللموت خير للفتى من حياته .. فقيراً ومن مولى تدب عقاربه‏


ثم يمضي الشاعر في فضاء رحب فسيح ساعياً للحصول على ما يسد به رمقه دون سؤال الناس و استجدائهم :‏


متى تطلب المال المقنع بالقنا .. تعش ماجداً أو تحترمك المخارم‏


ثم اننا نجد ان هناك ظاهرة اخرى في اشعارهم و هي التشرد و النأي عن الاهل و بعدهم عنهم لتثور فيهم ظاهرة الشجاعة و الغزو لاعدائهم و مهاجمتهم للقوافل التجارية :‏


مطلاً على اعدائه يزجرونه .. بساحتهم زجر المنيع المشهر‏


أمّا شعرهم فهو مليء بالواقعية الصادقة و الصور الحقيقية حيث انه المتنفس الوحيد لما كانت تضيق به الصدور و تجيش به قرائحهم و تعبر عنه خباياهم حيث تصبح و بشكل دائم دعوة لاخوانهم للانضمام اليهم:‏


و ما نلتها حتى تصعلكت حقبة .. و كدت لاسباب المنية اعرف‏ُ


و شعرهم ذو مزية رتيبة عالية مصبوغة بوحدة موضوعية متناغمة لتعبر عن واقعهم و افعالهم من غزوات و سرعة و مهاجمة القوافل ونهبها‏

ومن الشعراء الصعاليك قيسُ بن الحدادية وحاجزٌ الأزدي، والشنفرى، وعروة بن الورد، وتأبط شرًّا والسليكُ بن السُّلكَة، وربما كان أشهرم جميعًا عروة بن الورد، "الذي يلقب بعروةِ الصعاليك"؛ لأنه كان بارًا محسنًا للفقراء وبخاصة الصعاليك منهم.

وشعر الصعاليك يدورُ حولَ محاورَ موضوعات متعددة، منها الفخر بالنفسِ، والبطولةِ، والقدرة الذاتية، والشجاعةِ، والمهارةِ في الغارات، والقتالِ، والمناورةِ، والمداورةِ والانفلات من أيدي طالبيهم ومطارديهم.

ومنها : هجاء الأشحاء على غناهم، والفخر بالكرم على الفقر والجوع مع التعفف، والخروجُ دونَ الثبات في مكانه، ومنها التعبيرُ عن شدة الحذَر من الآخرين وسوءِ الظن بالناس، مع الاستهانة بالأخطار والموت.
ومنها: تبريرُ خروجهم على القبيلة ، وتمردهم على المجتمع ، ولياذُهُمْ بالجبال، وتصويرُ مشاعرهم النفسية في ملاجئهم ومراقبهم.

**********
وقد آن لنا أن نعيش مع قطوفٍ من شعر هؤلاء الصعاليك تكشف عن منحاهم الموضوعي وأبعادهم النفسية، وطوابعهم الفنية:

يقول الشنفرى: وقد أنزل هزيمةً نكراء بفرسان من خثعم ومعه جماعةٌ من الصعاليك:

دَعيني وقُولي بعْدمَا شِئْتِ، إنني
خرجْنَا فلمْ نَعْهَدْ، وقَلَّْت قَضَاتُنا
فَـشَنَّ عليهم هَزَّةَ السيفِ ثابتٌ
وَظَـلْـتُ بفتيانٍ معي.. أتَّقِيهُم
وقـد خرَّ منهمْ راجلان وفارسٌ
نـسـوقُ بِنَسْر كلَّ ريع وتلقه
فـلـما رآنا قومُنا قيلَ: أفْلِحَوا

سـيُـغْدَى بنَفْسي مَرةً فأغيَّبُ
ثـمـانـيـةٌ ما بَعْدَها مُتَعَتَّبُ
وصـمم فيهم بالحسامِ المسَيَّبُ
ُ بـهـنّ قليلاً ساعةً ثم جَنَّبُوا
كـمـيٌّ صَرَعْناه، وقَرْمٌ مُسَلَّب
ثـمـانيةً والقومُ رجلٌ ومقنب
فـقلنا اسألواعن قائلِ لا يكذبُ

**********
وتكثر مثل هذه المغامرات والإغارات على الأحياء والقوافل والبيوت، فلا يخلو منها شعرُ شاعرٍ صعلوك، ولكن الشاعر ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي المضري الذي غلب عليه لقبُه فاشتهر في التاريخ ب (تأبط شرَّا) ينفرد عن الشعراء جميعًا بمغامرةٍ غريبةٍ ، تتلخص في أنه خرج في إحدى غاراته، ولكنه فاجأته ليلة شديدة الظلام، والرعد، والبرق، فاضطر إلى المبيت في مكان يقال له (رحى بطان)، وإذ بالغول تعترضهُ وتراوغه، فيعاركها، ويضربها بسيفه حتى يقتلها، ولكنه من شدة خوفه ظل متكئًا عليها حتى الصباح، وهو يروي تفاصيل هذه المغامرة الغريبة فيقول:

ألا مَـنْ مُـبـلغٌ فتيانَ فَهْمٍ .... وإنـي قد لقيت الغول تهوي

فـقـلت لها: كلانا نضو أي ... فَـشـدَّت شدة نحوي فأهْوَى

فـأضربها بلا دهش، فخرت .. فـقالتْ: عُدْ، فقلْتُ لها رُوْيدًا

فـلـم أنْـفَـك متكِئًا عليها
إذا عـيـنانِ في رأسٍ قبيح
وسـاقا مخترع، وشَواةُ كلب
بـما لاقَيتُ عند رَحَى بطانَ
بِسَهبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ
أخُـو سفَرٍ، فخلِّي لي مَكاني
لـهـا كفِّي بمصقولٍ يماني
صـريـعا لليدين. وللجران
مـكـانَكِ. إنني ثَبتُ الجنانِ
لأنـظـر مُصْبحًا ماذا أتانِي
كرأس الهر، مشقوق اللسانِ
وثـوبٌ مـن عَبَاءٍ أو شِنانِ

ويردد فتي شعر الصعاليك الإيمان بحتمية الموت، والاستهانة بالأخطار دونما خوف من الموت، فهو حقيقة الحقائق التي لا يستطيع أن ينكرها منكر.


ويلخص الشنفرى حتمية الموتِ في البيتين التاليين:

يا صاحبي هل الحذارُ مُسلِّمي .. أو هل لحتف منية من مَصْرِفِ ؟

إني لأعلمُ أن حتفي في التي .. أخشَى لَدَى الشُّرب القليل المُنْزفِ

وبلا جزع يخوضون غمار الموت، حتى أن أحدهم وهو: "السليك بن السلكة" حينما أحيط به، وتيقن أنه مقتول، أخذ قبيل مقتله يعددُ مفاخره فيقول:

مـن مبلغ جذمي أني مقتولْ
ورب قرن قد تركت مجدول
ورب عانٍ قد فككت مكبول
يا رب نهب قد حويت عثكول
ورب زوج قد نكحت عطبول
ورب وادٍ قـد قطعتُ مسيول

فهو في لحظاتِ الموت يفخر بقائمة أمجاده التي سجلت كثرة ما أغار وما نهب، وما قتل من أبطال، وما تزوج من جميلات، وما أطلَق من أسرى، وما خاضَ من وديان غمرتها السيول.

ومما يروي عن هذا الشاعر الصعلوك الذي ينسب إلى أمَّه السلكة: عجيبتان:

الأولى: أنه كان أسرعَ العدائين، حتى إنه إذا جرى لم تدركه أسرع الخيل.

والثانية أنّه كان يأتي ببيض النعامِ فيفرغه من محتواه بنقرة صغيرة يحدثها فيه، ثم يخزن فيه الماء في الشتاء، ثم يدفنه في أماكن متفرقة، فإذا حل الصيف وانقطع المطر كشف عن مخزنه، وحمله معه في غاراته.

ونقفُ على مضامينَ أخرى في شعرهم، فنرى أن التجارب والمعاناة علمتهم كثيرًا من العظاتِ والحكم ذات لون خاص. كهذه الحكمة التي يعرضها الشاعر الصعلوك تأبط شرا:

إذا المرءُ لم يْحتَلْ وقد جَدَّ جِدُّهُ .. أضاعَ ، وقاسى أمْرَهُ وهْو مُدبر

ولكنْ أخُو الحزْمِ الذي ليس نازلاً .. به الخطبُ إلا وهْوَ للقصدِ مُبْصرُ

ولأنهم ذاقوا مرارة الحرمان والفقرِ، والمطاردة، نراهم يطلبون المالَ شتى الوسائل، ويحملونَ على الفقر، وقد رأوا الفقير ضائع المكانة، مفقودَ الهيبة في مجتمعهم على حد قول الشاعر:

دَعيني للغِنَى أسْعى فإني ... رأيتُ الناس شرُّهمُ الفقيرُ

ويُلفَى ذو الغنى ولهُ جلالٌ ... يكاد فؤادُ صاحبِه يطيرُ

**********

ويلح " عروة بن الورد " الملقبُ " بعروةِ الصعاليك " على هذا المعنى مرات متعددة، ويرى أن القعودَ يجلب الفقر، أما طريقُ الغنى فهو طريقُ الخروج، والتنقل، والغارة، والمخاطرة، ومن شعره في ذلك:

قالت تُماضِرُ إذْ رأت مَالِي خَوَى
مَـالِـي رأيتُكَ في الندِيِّ منكسًا
خاطر بنفسِك كي تصيبَ غنيمةً
الـمـالُ فـيه مهابةٌ .. وتجلةٌ

وجَـفَـا الأقاربُ، فالفؤادُ قريحُ:
وصـبًـا، كأنك في الندِيِّ نطيحُ
إن الـقـعـودَ مـعَ العيالِ قبيحُ
والـفـقـرُ فـيه مذلَّةٌ وفُضُوحُ

**********
ولكن المال في ذاته ليس غاية، إنما هو وسيلة لإمتاع النفس، وإسعادها، وسد حاجات المحتاجين وإكرام الضيوف:

إذا آ ذاكَ مالُكَ فامتهِنْهُ .. لجادِيه ، وإن قَرَعَ المراحُ

وإن أخنْىَ عليكَ، فلم تجدهُ .. فَنَبْتُ الأرضَ والماءُ القراح

**********

وكان الكرم من أهم القيم الإنسانية التي لهج بها الصعاليك في الجاهلية ، وخصوصًا عروة بن الورد، وله في ذلك روائعُ خالدة مثل قوله:

فِراشِي فراشُ الضيفِ، والبيتُ بيتُهُ ... ولم يُلهني عنُهُ غَزَالٌ مقنَّعُ

أُحدثُهُ ، إنَّ الحديَث من القِرى .... وتعلمُ نفسِي أنَّهُ سوفَ يَهجعُ

**********

وأشهر شعره الأبياتُ التالية في الفخر والهجاء،لا سيّما البيت الأخير:

وإنـي امـرؤٌ عافي إنائي شركة
أتـهزأ مني إن سمنت وأن ترى
أقـسِّـم جسمي في جُسوم كثيرة

وأنـت امـرؤ عـافي إنائِكَ واحدُ
بوجهي شحوبَ الحق، والحقَّ جاهدُ
وأحـسُو قَرَاحَ الماءِ، والماءُ باردُ

**********
ويتكفل عروة بن الورد بعرض الآراء والقيم التي يؤمن بها الصعاليك ويسلكون سبيلها، فيقول:

وسـائـلـة أيـن السبيلُ، وسائل
مـذاهـبـه أن الـفجاجَ عريضة
فلا أترك الإخوان ما عشت للردى
ولا يستضام الدهر جاري، ولا أرَى
وإنْ جـارتـي ألوت رِياحٌ ببيتها

ومـن يسأل الصعلوك أين مذاهبه؟
إذا ضـن عـنـه بـالفعال أقاربه
كـمـا أنـه لا يـترك الماء شاربه
كـمن بات تسري للصديق عَقَاربُهْ
تـغـافَلْتُ حتى يستر البيتَ جانبُهْ

**********

وكل ما قدمناه قطوفٌ من شعر الصعاليك في العصر الجاهلي.

فلما جاء الإسلام ضعفت أو زالت الصعلكة لزوال أسبابها، ولكنها أطلتْ برأسها في قوة بعد صدر الإسلام، وتردد في شعر الصعاليك في العصر الأموي بخاصة كثيرٌ من المعاني التي عالجها صعاليك العصر الجاهلي :

كتصوير حالة الوجل والفزع التي يعيشها الصعلوكُ في بلاده بالصحراء وكهوف الجبال، وفي ذلك يقول عبيد بن أيوب العنبري:

لَقَدْ خفت حتى خلتُ أن ليس ناظرٌ
ولـيـس فـمٌ إلا بسري محدث
إلـى أحـد غـيـري فكدت أَطيرُ
ولـيـس يـدٌ إلا إلـىَّ تُـشـيرُ

**********
ويبيح السلطانُ دم الأحمر السعدي، ويطارده بجنوده لجناية جناها، فيبلغ به الفزع حدًا يجعله، يأنس لصوت الوحش الكاسر، ويفزع من صوت البشر، فيقول:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
رأى الله أنـي لـلأنـيـس لـشانئ
فـلـلـيـل إذ وارانـي الليل حكمه

وصـوت إنـسـانٌ فـكـدت أطـيرُ
وتـبـغـضـهـم لي مقلة .. وضميرُ
ولـلـشـمـس إن غـابتُ على نذور

**********
وقد ظفرت الدولة بكثير من هؤلاء الصعاليك، فوضعوا في القيود، وألقى بهم في السجون، فراحوا يتحدثون عن محابسهم، ويصورون مشاعرهم في السجون، كما نرى في الأبيات التالية "لعبيد الله بن الحر الجعفي":

مـن مـبـلـغ الفتيان أن أخاهمو
بـمـنـزلـة ما كان يرضى بمثلها
على الساق فوق الكعب أسود صامتٌ

أتـى دونـه بـاب شـديد وحاجبه
إذا قـام غـنـتـه كـبـول تجاوبه
شـديـدٌ يـدانـي خطوه.. ويقاربه

**********
وبعض هؤلاء الصعاليك المساجين يثوب إلى رشده، فيستغفر ربه، ويضرع إليه، ويدعوه أن ينقذه مما يلاقي من شدة وبلاء كما نرى في قول: جحدر الحنفي:

إنـي دعـوتـك يا إله محمد
لتجيرني من شر ما أنا خائف
تقضي ولا يقضى عليك وإنما
كـانـت منازلنا التي كنا بها
سـجن يلاقي أهله من خوفه

دعـوى فـأولـهـا استغفارُ
رب الـبـرية ليس مثلك جارُ
ربـي بـعـلمك تنزل الأقدار
شـتـى وألـف بيننا دوارُ..
أزلاً، ويـمـنـع منهم الزوارُ

**********
وغير ذلك نجد لهؤلاء الصعاليك من المعاني الجديدة قصائد ومقطوعات في الحنين إلى الأهل ومرابع الطفولة، وأيام الهدوء والاستقرار. وأخرى في مدح الأمراء، والولادة، والعمال، واستعطافهم طمعًا في العفو عنهم، وإخراجهم من سجونهم إلى نور الحرية والحياة. وفي أدب هؤلاء الصعاليك كتبت عشرات من الدراسات والكتب.

**********

الحياة أمل
2014-01-30, 09:48 AM
جولة مآتعة في هذآ اللون من الشعر !
جزآكم ربي كل خير ...~