المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( من أسباب ضعف الشعر ولينه ) باختصار وايجاز


نمر
2014-02-21, 03:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه صفحة سيتناول فيها الكاتب بشيء من الإيجاز والاختصار بادي الرأي بعضا من أسباب ضعف الشعر ولينه ونزوعه إلى النثرية بقدر ما ظهر له منها.

والمرجو من الفصحاء الكرام والفصيحات إثراء هذه البذرة بمزيد إضاءاتهم وتعليقاتهم.
والله من وراء القصد.

من أسباب ضعف الشعر ولينه واقترابه من النثر على تفاوت في ذلك:
عدم وجود الموهبة أساسًا، أو عدم نضجها:
أما الأول فيقال له كما يقال لكل من يتعنى ما ليس يعنيه، ويتغنى بما ليس له مغنى فيه :
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع
وكل ميسر لما خلق له.

وتروى في تاريخنا النقدي طرائف في هذا المقام جنى على أصحابها تعاطيهم ما لم يعطوه وتناديهم إلى محفل ليسوا من أهل ناديه.

منقول

نمر
2014-02-21, 03:52 PM
وفي قصة الفرزدق مع سائله ما يضحك الثكلى وينفس عن المكروب:

ذكر أن رجلاً أتى الفرزدق فقال: إني قلت شعراً فانظره، قال: أنشد، فقال:

وَمِنْهُم عمرٌو المَحْمُودُ نائِلُهُ ... كأنَّما رَأْسُهُ طِينُ الخَواتيمِ

قال: فضحك الفرزدق ثم قال: يا ابن أخي! إن للشعر شيطانين يدعى أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره، وإنهما قد اجتمعا لك في هذا البيت فكان معك الهوبر في أوله فأجدت، وخالطك الهوجل في آخره فأفسدت،

وإن الشعر كان جملاً بازلاً عظيماً فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفة ولبيد كركرته. ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوزعناهما بيننا، فقال الجزار: يا هؤلاء! لم يبق إلا الفرث والدم، فأمروا لي به، فقلنا: هو لك، فأخذه ثم طبخه، ثم أكله ثم خريه، فشعرك هذا من خرء ذلك الجزار!
فقال الفتى: فلا أقول بعده شعراً أبداً.

انتهت القصة

أما عدم نضوج الموهبة فيعود كما سيأتي في النقطة التالية إلى الكسل وخمود القوة المفكرة؛ فيلوك الناظم أشعار القدماء تقليدأ لا أصالة، ويصبح في أحسن الأحوال نسخة مكررة من سابقيه. وليست كذلك روح الشعر؛ إنما هي أصالة وتفرد ونسخة إنسانية جديدة تضاف إلى النسخ المبدعة في كل مجالات الحياة. فخلايا الجسم على سبيل المثال تتجدد باستمرار؛ ولكن من داخل منظومتها. فلا تجديد يكون من خارج نطاقه أبدا. وهنا تكمن صعوبة الإبداع؛ فليس شرطًا أن يكون كل بـِدْع إبداعا، والعكس صحيح. فما كل شيء يقال فيه: نعمت البدعة هي.

نمر
2014-02-21, 03:54 PM
الكسل أو الارتجال:

أن يصبح الشعر عادة يسطيعها الشاعر متى شاء وكيف شاء. وهي مرحلة يصل إليها الشعراء الحاذقون بتقليب أطراف القول حتى يصبح كالعجينة بين يدي الخباز الماهر.

وهو سلاح ذو حدين؛ فأغلب هؤلاء الشعراء تأخذهم هذه الأخذة فيحسبون أن الشعر قد يؤخذ بحدة الخاطر وسرعة البديهة؛ مع أن سلفهم في ذلك كزهير وأضرابه كانوا على وعي بأن الشعر كما يؤخذ بالمخالسة والمبادهة يؤخذ كذلك ـ وهو أخذ عظيم ـ بالأناة والتحكيك والمثاقفة.

فأين للشعراء بمثل صبر زهير صاحب الحوليات، وما استعجالهم في عرض بنيات أفكارهم ونتاج أعمارهم، وقد قيل: لا يزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا، أو يصنف كتابا !

نمر
2014-02-21, 03:55 PM
أن يكون الناظم عالمًا أو فيلسوفا:

فيطغى علمه على أدبه، كما نجد ذلك عند الخليل وهو صاحب العروض، وهي ميزان الشعر؛ على أنه ليس بشاعر؛ لأن العلم مبني على الحقائق والشعر مبني على التخييلات.

وقد يقف الشاعر موقفا وسطا؛ فيسلك سبيل الإقناع بطريق التخييل، وهؤلاء هم الشعراء الحكماء، وهم بوصف الحكمة أولى كما سئل المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن البحتري فأجاب: أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري.

وإذا استحكمت آلة الفلسفة من صاحبها وجمع إلى ذلك مزاجًا سوداويا وشخصية فصامية كان ذلك المزيج العجيب لشاعر كالمعري لا تدري كيف انتقل من رواء شعره في (سقط الزند) وحلاوته إلى جفائه ومرارته في (اللزوميات)؛فهو إلزام عجيب وتقييد مر من رهين المحبسين. رحمه الله وعفا عنه.

ومن النقاد من يصل مرحلة من النقد تجعله يقول كما قال القائل : أنا كالمِسنّ أشحذ ولا أقطع. أوكالقائل : الذي يواتيني لا أريده، والذي أريده لا يواتيني.
فالعلم بالشعر ونقده ليس كممارسته ونسجه وقد قيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه. وهي مقولة نقدية فيها كلام كثير يضيق هذا المختصر عن التوسع فيها؛ وإن كانت من كلامنا في صميمه . وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

نمر
2014-02-21, 03:56 PM
أن يدخل الشعر في باب الخير:

كما نجد ذلك عند حسان في إسلامياته، وعند الشافعي في روحانياته، وعند أبي العتاهية في زهدياته .

وهؤلاء الشعراء مفلقون مبدعون من أول الأمر؛ ولكنهم عرفوا أن من الشعر ما يدعو إلى الخير، ومنه ما يدعو إلى الشر. وهو إلى الشر أقرب؛ بدلالة الاستثناء في آيات سورة الشعراء؛ لأن الاستثناء إنما يكون بقليل من كثير. وبدلالة من التبعيضية في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن من الشعر لحكمة.

وقد عرف هؤلاء الشعراء وأمثالهم ذلك؛ كما قال الشافعي ـ رحمه الله ـ:
ولولا الشعر بالعلماء يزري*** لكنت اليوم أشعر من لبيد

فاختاروا طريق الخير والصدق على طرق الشر والكذب، ولكنهم مع ذلك ظلوا على مسافة قريبة من روح الشعر لسابق قدمهم فيه ومعرفتهم بمداخله ومخارجه. فقد اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسان ـ رضي الله عنه ـ أن يذهب إلى أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ليعلمه أنساب القوم، فكان جوابه: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وحري بمثل صاحب هذا الجواب أن يستل شعره كالشعرة من العجين من مدخلية الشر إلى مدخلية الخير.

وحسبك بحسان ـ رضي الله عنه ـ فقد شهد له أصدق الخلق بتأييد روح القدس له. والتأييد الرباني غالب للتأييد الشيطاني لا محالة.

والكلام في هذه القضية يطول جدا؛ ولكن مؤداه أن الشعر كلام كسائر الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح؛ ولكنه مزين ببهرجة الشيطان وألاعيبه وأكاذيبه وتخييلاته وتهويماته؛ ولذلك طغت عند أغلب نقدة الشعر من بيانيين ومتكلمين مقولة أن: أحسن الشعر أكذبه على مقولة أحسن الشعر أصدقه . وحاول قوم التوسط بين هذا وذاك: فقالوا أحسن الشعر أعذبه.

ويبقى الشعر نشطًا في باب الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف ولان كما أشار إلى ذلك الأصمعي. وعلى ذلك نقدة الكلام وإن خولف فيه، وبه كان للأخطل النصراني وأضرابه، ولامرئ القيس المتهتك وأضرابه مكان على رأس سدة الشعراء. والله أعلم.

نمر
2014-02-21, 03:58 PM
حب الإغراب وغربلة الموروث :

هذه المرحلة يصلها الشعراء المتفردون المغتربون الذين أرادوا أن يخرجوا أناهم الخاصة من منظومة الفكر الجمعي والموروث الفكري. فاستشعرهذا الهم (هم التفرد وخصوصية الإبداع) نفر من الشعراء؛ فكان من قولهم:
هل غادر الشعراء من متردم

ومن قولهم:
ما أرانا نقول إلا مُعارًا *** أو معادًا من لفظنا مكرورا

ووجدنا مع ذلك الاستشعار خطوات تبلورت عمليا على يد أبي تمام الطائي، فلجأ ممعنا غاية الإمعان إلى الحيل العقلية والمنسوجات الفكرية، وبدأ رحلة غربلة معاني القدماء وإجهاد نفسه في إعادة صياغة خارطتها مستعينا بتوهج روح الشعر التي لا تقف عند الحدود المنطقية للغة، فأسرج خيول التصاوير الاستعارية وعانق بين أعناقها؛ حتى لقد قال له القائل : لم لا تقول ما يفهم؛ فكان جوابه له : ولم لا تفهم ما يقال إرهاصا بتبني ريادة مدرسة جديدة للشعر مبنية على النظر والفكر والانتقال من سعة اللغة إلى سعة الخيال، وهي مدرسة لا تزال مستجدة إلى عصرنا الحاضر ونافذة مضيئة نحو التجديد المؤسس المؤصل.

ولأن أبا تمام كان مختطا لخطة لا سلف له فيها ولا منظومة فكرية مؤصلة يأتم بها؛ فقد أوغل في التجريد الفكري والنظر الفلسفي؛ فجف عنده رحيق الشعر في قطافه وجف نداه في أوراقه؛ فكان في أحايين نظمًا لا رونق فيه ولا ماء. وما قيمة الشعر بلا أنداء ولا أضواء!

الحياة أمل
2014-02-22, 03:06 AM
وفقكم ربي لكل خير
ويسر لكم كل أمر ...~

نمر
2014-02-22, 07:46 AM
بارك الله فيكِ وأحسنت وجزاك الله خير