المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... القاعدة رقم (34)


ابو محمد العراقي
2014-02-21, 05:22 PM
قطع نية العبادة بعد فعلها لا يؤثر، وكذلك الشك بعد الفراغ من العبادة، إلا مع اليقين(1).

تُبيِّن القاعدة في شطرها الأول أنَّ العبد إذا أدى العبادة على وجهها الصحيح وأتمها ثم نوى قطعها فقطعه لنية العبادة لا يؤثر في صحتها والاعتداد بها، وأما من نوى قطع العبادة أثناء فعلها، فالعبادة لا تصح(2)؛ لعدم استصحابه للحكم لقطعه النيَّة في أثناء العبادة. وأما من شك بتمام العبادة ونحو ذلك بعد الفراغ منها، فهذا الشك لا يؤثر، إلاَّ بيقينٍ يُبيِّنُ صحة ما شك فيه.

الشك لغة واصطلاحاً:
الشكُّ: لغةً نقيض اليقين(3 ).
اصطلاحاً: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك وقيل الشك ما استوى طرفاه وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين(4 ).

وقد بيَّنَ الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- المعنى الإجمالي لهذا الجزء من القاعدة فقال(5): "الشك بعد فعل المشكوك فيه وانتهائه منه لا يؤثر؛ لأن الأصل أنَّ ما وقع إنما وقع على وجه السلامة والصحة(6)، ولذلك لما شكا الصحابة رضي الله عنهم إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم الرجل يُخيَّلُ إليه أنَّه يجد الشيءَ في الصلاة –أي في نفس العبادة دون أن ينصرف منها- ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يلتفت إليه؛ لأنه شك، والشك لا يرفع اليقين، ولو فُتِحَ بابُ الشكِ بعد الفعل، لكان فتحاً لوسواس لا نهاية له.
لكن لو زال الشك وتبيَّنَ له الأمر فإنه يرجع إلى اليقين؛ لأنَّ مراد العلماء بالشك هنا إذا دام شكه".إهـ

وقال الشوكاني –رحمه الله- في السيل الجرار(7 ) تحت قول: "ولا حكم للشك بعد الفراغ"، "الأصل صحة الصلاة التي فرغ منها فلا يعمل بما يعرض من الشكوك فإن الشك الاصطلاحي الذي هو استواء الطرفين هو مجرد تردد والتردد لا يمكن العمل بأحد طرفيه لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وإذا لم يكن العمل بأحد طرفيه فلا يحتاج فيه إلى أن يقال: لا حكم له لأنه ينفي حكم ما يمكن العمل به لا ما لا يمكن العمل به من الأصل فإنه لم يثبت بحال حتى ينفي.
إذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا يجوز العمل بالشك بمعنى إذا تردد في شيء، ما كان لتردده معنى وفائدة لا بعد الفراغ من الصلاة ولا قبل الفراغ منها ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة الأمر باطراح الشك والبناء على اليقين(8). وفي بعضها البناء على الأقل وورد في بعضها الأمر بتحري الصواب(9). والجمع بين هذه الروايات ظاهر واضح وهو أن من عرض له الشك إن أمكنه تحري الصواب وذلك بأن ينظر في الأمور التي تفيده معرفة الصواب كان ذلك واجباً عليه(10 ) فإن لم يفده التحري وجب عليه البناء على اليقين وهو البناء على الأقل ويجب عليه السجود لمجرد عروض هذا الشك كما صرحت به الأحاديث الصحيحة(11)".إهـ

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: من نوى قطع الوضوء بعد انتهائه من جميع أعضائه، فهذا لا ينتقض وضوءه، لأنه نوى القطع بعد تمام الفعل، وكذلك من نوى قطع الصلاة بعد انتهائها، فإن صلاته لا تنقطع.

المثال الثاني: رجل بعد أن صلى الظهر قال: لا أدري هل نويتها ظهراً أو عصراً شكاً منه؟ فلا عبرة بهذا الشك ما دام أنه داخل على أنها الظهر فهي الظهر، ولا يؤثر الشك بعد ذلك.
ومثله لو شك - بعد الفراغ من الصلاة- هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فإن هذا لا يؤثر(12).

المثال الثالث: رجل بعد أن فرغ من صومه شك هل نوى أنه عن القضاء أو أنَّه عن نفل؟ فنقول: لا يلتفت لهذا الشك.

المثال الرابع: رجل بعد فراغه من الطواف وانصرافه من مكان الطواف شك هل طاف سبعاً أو ستاً فنقول: لا يلتفت، ويُحْكَمُ أنَّه طاف سبعة(13).
___________________________________
( 1) الشرح الممتع (1/135).
( 2) ستأتي قاعدة أُخرى توضح تأثير النية في قطع العبادة أثناء فعلها.
(3 ) لسان العرب (10/450).
(4 ) التعريفات للجرجاني (168).
(5 ) شرح منظومة أصول الفقه (163).
( 6) إلاَّ إذا ثبت ما يؤكد هذا الشك، إما باليقين أو القرائن.
(7 ) السيل الجرار (1/281).
(8 ) لما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ».
(9 ) لما أخرجه أحمد (3/123) وغيره وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (3/341) من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله  يقول: «إذا شك أحدكم في الاثنتين والواحدة فليجعلها واحدة وإذا شك في الاثنتين والثلاث فليجعلها اثنتين وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا حتى يكون الوهم في الزيادة ثم ليتم ما بقي من صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم».
(10) وهنا يلتقي الشوكاني مع الشيخ الألباني كما في تمام المنة (273-274).
(11 ) هذا إذا كان داخل الصلاة، وأما بعد انتهاء الصلاة، فإن طروء الشك لوحده من غير مرجح لا عبرة له، لأن اليقين هو إتمام العبادة.
( 12) أنظر: الشرح الممتع (1/135)، والمغني (1/159).
(13 ) شرح منظومة القواعد الفقهية (164).

ابو محمد العراقي
2014-02-21, 05:23 PM
التقوى بمخالفة الهوى

عبدالرحمن
2014-02-21, 06:25 PM
جَزآكُمْ الرَّحمنُ خَيراً

مناي رضا الله
2014-02-21, 07:34 PM
جزاك الله خير

نمر
2014-02-21, 08:11 PM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خير

الحياة أمل
2014-02-21, 09:21 PM
بآرك الرحمن فيكم ونفع بعلمكم
زآدكم ربي من فضله ...~

ياسمين الجزائر
2014-02-22, 12:37 AM
جزاكم الله خيرا

ابو الزبير الموصلي
2014-02-22, 05:12 AM
حيالله اخوي ابو محمد العراقي نورتنا

ـآليآسمين
2014-02-22, 01:28 PM
أحسن الله إليكمـ وغفر لكمـ
نسأل الرحمن أن يوفقكمـ لما يحبه ويرضاه
جزاكمـ الله خيرا
:111: