المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (35)


ابو محمد العراقي
2014-02-22, 04:28 PM
إنَّ العبادات الواردة على وجوه متنوعة، ينبغي للإنسان أن يفعلها على هذه الوجوه(1 )
تقسم العبادات من حيث ورودها إما أن تكون بكيفية أو صيغة واحدة، أو أن تكون لها كيفيات وصيغ متنوعة؛ لثبوت الأدلة في تنوع كيفياتها وصيغها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهذا الأخير هو ما يتعلق بالقاعدة، والعلماء اختلفوا في العمل بهذا التنوع إلى أقوال( 2):
الأول:إما أن نختار إحدى هذه الكيفيات والصيغ.
الثاني: أن نختار التنوع بأن نفعل هذا تارة وهذا تارة بدون أن نجمع بينها.
الثالث: أو أن نجمع بينها جميعاً.
والراجح: أن نختار التنوع؛ لأنَّ بهذا العمل نكون قد فعلنا بجميع السنن التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-( 3)، ورجحه تلميذه العلامة ابن القيم –رحمه الله-(4).

وقد بسط العلامة ابن القيم الكلام على هذه القاعدة في كتابه "جلاء الإفهام (5)"، مبيناً أنَّ القول بجواز الجمع لجميع الصيغ المتنوعة أنَّه ضعيف، فقال:
"في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بأنواع مختلفة كأنواع الاستفتاحات وأنواع التشهدات في الصلاة وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظها وأنواع الأذكار بعد الاعتدالين من الركوع والسجود... قد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقة في بعضها، وهو أن الداعي يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها قال ليصيب ألفاظ النبيِّ يقيناً فيما شك فيه الراوي ولتجتمع له الأدعية...
ونازعه في ذلك آخرون وقالوا هذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن هذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
الثاني: أن صاحبها أن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات وان يتشهد بجميع أنواع التشهدات وان يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه وهذا باطل قطعاً؛ فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم، وهو بدعة وان لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين.
الثالث: أن صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها قالوا ومعلوم أن المسلمين متفقون على انه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر، وإنما يفعل ذلك القراء أحياناً ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات وإحاطته بها واستحضاره إياها والتمكن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبد يستحب لكل تال وقارئ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك، وكذا الداعي إذا قال: "ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" مرة ومرة قال: "كبيراً"، جاز ذلك. وكذلك إذا صلى على النبيِّ مرة بلفظ هذا الحديث ومرة باللفظ الآخر... وقد احتج غير واحد من الأئمة منهم الشافعي على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن النبيِّ انه قال: «انزل القرآن على سبعة أحرف» فجوز النبيُّ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف واخبر انه شاف كاف ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع كما كان الصحابة يفعلون.
الرابع: أنَّ النبيَّ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فإتباعه يقتضي أن لا يجمع بينها بل يقال هذا مرة وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإنَّ ترجح عند الداعي بعضها صار إليه وان لم يترجح عنده بعضها كان مخيراً بينها، ولم يشرع له الجمع فإنَّ هذا نوع ثالث لم يرو عن النبيِّ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنَّه قصد متابعة الرسول ففعل ما لم يفعله قطعاً...
الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبَّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود فلا يجمع بين العبارات المتعددة.
السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معاً، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال. والله تعالى اعلم".

أدلة القاعدة:
يُستدل على هذه القاعدة بفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ إذ أنَّه عليه السلام في بعض العبادات لم يقتصر على ذكر معيَّن، بل كان ينوع في الأذكار، ولا يجمع هذه الأذكار في موطن واحد، بل كان يفعل هذا أحياناً ويفعل الآخر أحياناً أُخر.
الفائدة من فعلها جميعاً وعدم الاقتصار على صفة واحدة(6 ):
أولا: حفظ السنة، ونشر أنواعها بين الناس.
ثانيا: التيسير على المكلف، فإن بعضها قد يكون أخف من بعض فيحتاج للعمل.
ثالثا: حضور القلب، وعدم ملله وسآمته.
رابعا: العمل بالشريعة على جميع وجوهها.

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: في باب الوضوء ورد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاث مرات، فللمتوضئ أن يتوضأ في كل مرة بصفة.
المثال الثاني: رفع اليدين عند التكبير إلى حذو المنكبين أو إلى فروع الأذنين، وصيغ الاستفتاح والذكر بعد الرفع من الركوع فإنَّ له صيغاً متنوعة هي: «ربنا ولك الحمد(7 )» و«ربنا لك الحمد( 8)» و«اللهم ربنا لك الحمد(9)» و«اللهم ربنا ولك الحمد(10 )». وكذا صيغ التشهد، فالأفضل أن تفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ ليتحقق فعل السنة على هذه الصفات المتنوعة، ولبقاء السنة حية.
المثال الثالث: صلاة الوتر وصلاة الخوف لها صور متنوعة، فالأولى أن تفعل على وجوهها المختلفة.
المثال الرابع: سنة الجمعة البعدية فقد ثبت عن النبيِّ عليه السلام أنه صلاها ركعتي(11 )، وثبت أنَّه أمر أن تصلى أربعاً( 12)، فذهب البعض إلى الجمع بينهما( 13)، والبعض إلى أن تصلى الأربع في المسجد والركعتين في البيت( 14)، والصواب –والله أعلم- كما قال الشيخ الألباني –رحمه الله-: "هذا التفصيل لا أعرف له أصلاً في السنة( 15)".إهـ، وقال الشيخ مشهور عقب كلام الشيخ الألباني في تحقيقه لقواعد ابن رجب(16 ): "فالصواب تخيير المصلي أن يفعل أيهما شاء، والتنوع هو الهدي؛ إذ يدور حينئذٍ بين الامتثال للقول وإصابة الفعل، والله الموفِّق والهادي".إهـ
____________________________
( 1) الشرح الممتع (1/372).
( 2) أنظر: شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (184).
( 3) الفتاوى الكبرى (5/331).
( 4) كما في جلاء الإفهام، وسيأتي كلامه بتمامه.
( 5) (321-325) ونقلنا كلامه باختصار يسير. وأنظر: حاشية شيخنا مشهور بن حسن على قواعد ابن رجب (1/73-75).
( 6) الشرح الممتع (1/372).
( 7) أخرجه البخاري، رقم (732)؛ ومسلم، رقم (411).
فائدة: قال بن دقيق العيد: "كأن إثبات الواو – في قوله: ربنا ولك الحمد- دال على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلاً ربنا استجب ولك الحمد فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر".إهـ فتح الباري (2/282).
( 8) أخرجه البخاري، رقم (789).
( 9) أخرجه البخاري، رقم (796)؛ ومسلم، رقم (409).
(10 )أخرجه البخاري، رقم (795).
( 11) أخرجه البخاري، رقم (937) ومسلم، رقم (729) من حديث ابن عمر: «أن رسول الله  كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين».
( 12) أخرجه مسلم، رقم (881)، من حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : «إذا صلى أحدكم الجمعة؛ فليصل بعدها أربعاً».
( 13) قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله- في القواعد (1/87): "وهذا مذهب غريب لاستحباب الست".إهـ
( 14) وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ونقله عنه ابن القيم في الزاد (1/440) ورجحه.
( 15) تمام المنة (356).
تنبيه: ذهب الشيخ الألباني في صفة الصلاة الأصل (2/650) إلى أنَّ المصلي إذا أطال في الركوع والسجود فله أن يجمع بين الأذكار، أو أن يقتصر على الأذكار التي ورد تكرارها عن النبي  في الركوع والسجود، فقال –رحمه الله-: "قد ثبت في السنة إطالة هذا الركن وغيره؛ لاسيما في صلاة الليل وغيرها حتى يكون قريباً من قيامه ، فإذا أراد المسلم الاقتداء به  في هذه السنة؛ فلا يمكنه إلاَّ على طريقة الجمع الذي ذهب إليه النووي، فأرى أنَّه لا مانع من الجمع بينها في هذه الحال.
أما إن اقتصر على نوع واحد من هذه الأنواع المذكورة؛ فلا يمكنه ذلك، إلاَّ على طريقة التكرار المنصوص عليه في بعض هذه الأذكار؛ وهذا أقرب إلى السنة".إهـ ثم ذكر الشيخ أنَّ الجمع بين أذكار الركوع والسجود ثبت من فعل عطاء.
( 16) (1/89).

ابو محمد العراقي
2014-02-22, 04:29 PM
العلم النافع مفتاح كل خيـــر

عبدالرحمن
2014-02-22, 05:12 PM
لـآ إله إلـآ أنتَ سُبحآنَكَ إنى كُنتُ مِنَ الظآلِمينْ

فجر الإنتصار
2014-02-22, 06:21 PM
بارك الله فيكم ووفقكم
جزاكم الله خيرا

الحياة أمل
2014-02-22, 09:37 PM
بآرك الله فيكم
وجزآكم كل خير على هذه السلسلة النآفعة ...~

مناي رضا الله
2014-02-23, 09:57 AM
جزاك الله خير

ـآليآسمين
2014-02-23, 02:52 PM
باركـ الله فيكمـ ونفع بكمـ
جزاكمـ الله خيرا
:111: