المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة القواعد الفقهية وتطبيقاتها


ابو محمد العراقي
2014-03-29, 11:06 PM
مَدْخلٌ إلى القواعدِ

أولاً: تعريفُ القاعدة الفقهية والأصولية:
القاعدةُ لغةً: هي فاعلة من قَعَدَتْ قعوداً ويجمع على قواعد، والقاعِدَةُ أَصلُ الأُسِّ، والقَواعِدُ الإِساسُ، وقواعِد البيت إِساسُه وفي التنزيل { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل (1)} ومنه قوله تعالى: { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ (2) } (3).
هذا معنى القاعدة فيما هو محسوس، واستعير للدلالة على القواعد معنوياً، ومنها القواعد الفقهية والأصولية؛ لأنَّ "الابتناء كما يشمل الحسي كابتناء السقف على الجدران، كذلك يشمل العقلي كابتناء الحكم على دليله (4)".إهـ

والقاعدة اصطلاحاً: الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته (5).
وأما الفقهية، فباعتبار نسبتها إلى الفقه، فالفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، وغلبَ على عِلْم الدين؛ لسِيادَتِه وشرفه وفَضْلِه على سائر أَنواع العلم ،كما غُلِّبَ النجمُ على الثُّرَيَّا، والعُودُ على المَنْدَل،
قال ابن الأَثير: واشْتِقاقهُ من الشَّقِّ والفَتْح، وقد جَعَله العُرْفُ خاصّاً بعلم الشريعة شَرَّفَها الله –تعالى- وتَخْصيصاً بعلم الفروع منها،
قال غيره: والفِقْهُ في الأَصل الفَهْم يقال: أُوتِيَ فلانٌ فِقْهاً في الدين أَي فَهْماً فيه، قال الله عز وجل: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (6) } أَي: ليَكونوا عُلَماء به (7) ... ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس فقال: «اللهم فَقِّهه في الدِّينِ (8)» أَي فَهِمْه الدين.
واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية (9).

وأما القاعدة الفقهية باعتبارها لقباً لهذا الفن، فتعرف بأنها:
هي حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها (10).
فبهذا التعريف يظهر أنَّ القاعدة الفقهية أخذت صورة دليل شرعي؛ لأنَّ منطوقها أُخذَ من نصوص الشريعة، أو من مقاصدها، فكونها حكماً لا لذاتها، وإنما لما تستند عليه من دليل شرعي، ومقصدٍ ديني.
وكذلك يتبيَّن أنَّ القاعدة الفقهية تكون أغلبية وليست كلية في دلالتها على المسائل الفقهية التي تندرج تحت حكمها، إضافةً إلى أنَّ موضوع القاعدة الفقهية متعلق بأعمال المكلفين؛ لتعلق الفقه بهم أصالةً (11).

وأما القاعدة الأصولية فتعرف بأنها: قواعد كلية يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها (12).

ثانياً: أهمية القواعد الفقهية وخصائصها ومميزاتها:
لهذه القواعد الفقهية خصائص ومميزات منها:
1- أنها موضوعة بعبارة موجزة، فهي تمتاز بمزيد من الإيجاز في صياغتها، فقد تصاغ بكلمتين مثل: (العادة محكمة)، أو ببضع كلمات من كلمات العموم مثل: (المشقة تجلب التيسير).
2- أنَّ في دراستها خير عون على الحفظ والضبط للمسائل الكثيرة المتناظرة، بحيث تكون القاعدة وسيلة لاستحضار الأحكام.
3- تعتبر موارد خصبة في باب الإفتاء والقضاء فضلاً عن أنَّها تسهل على رجال التشريع غير المختصين الإطلاع على الفقه الإسلامي بروحه ومضمونه وأسسه وأهدافه وتقدم العون لهم، لاستمداد الأحكام منه ومراعاة الحقوق والواجبات فيه.
4- تُكَوِّنُ القواعد الفقهية عند الباحث مَلكَةً فقهية قوية تنير أمامه الطريق لدراسة الأحكام الشرعية في المسائل المعروضة عليه واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة.
5- تساعد القواعد الفقهية على ربط مسائل الفقه بأبوابه المتعددة بوحدات موضوعية يجمعها قياس واحد مما يساعد على حفظ الفقه وضبطه.
6- مما تتميَّز به القواعد الفقهية: العمومية فالقاعدة لا توجه إلى شخص أو أشخاص بذواتهم ولا وقائع معيَّنة؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلاَّ ما ورد به نص يدفع هذه الحقيقة وهي العمومية والتجريد.
7- أنَّها تتضمن أحكاماً عامة تتخذ أدلة لإثبات المسائل الفقهية.
8- لما كانت أكثر القواعد الفقهية لها ارتباط بعلم أصول الفقه؛ فإنها تساعد الباحث في دراسة بعض المسائل الأصولية وتهيء له فرصة الإطلاع على أُصول الفقه (13).
9- الوقوف على مواضع الاتفاق والاختلاف بين الفقهاء ومعرفة أسبابه وتربية ملكة القدرة على المقارنة بين مختلف المذاهب الفقهية بعد معرفة مواطن الاتفاق والاختلاف بين الأقوال (14).

ثالثاً: أقسام القاعدة الفقهية:
تُقَسَّم القاعدة الفقهية من حيثيتين (15):
الأولى: من حيث مصدرها؛ إذ أنها تأتي عن طريق أحد مصدرين:
الأول: النص الشرعي، كقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار).
والثاني: الاستنباط الاجتهادي، وأكثر القواعد مأخوذة عن هذا المصدر، ومثالها (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه).

الثانية: من حيث اتفاق العلماء عليها وعدمه، إذ من القواعد ما اتفقت المذاهب الفقهية عليها، وتُسمى بالقواعد الكلية الكبرى. ومنها ما حصل الاختلاف فيها.

مثال القواعد الكلية المتفق عليها: (اليقين لا يزول بالشك)، وهذه القواعد قصرها الأكثر على خمس قواعد، وهي: (الأمور بمقاصدها)، و(اليقين لا يزول بالشك) و(المشقة تجلب التيسير)، و(لا ضرر ولا ضرار)، و(العادة مُحَكَّمة).

ومثال القواعد المختلف فيها، قاعدة: (المستقذر شرعاً كالمستقذر حِسّاً)، كبسط الذراعين انبساط الكلب؛ فإنه مُسْتَقْبَح حِسّاً عند الناس، وكذلك هو مستقبح لدى الشرع كما في حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (16)».

رابعاً: الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية:
إنَّ التفريق بين القاعدة الفقهية والأصولية مهمٌ للناظر في الأدلة والتطبيقات الفقهية، لتضبط بذلك المصطلحات، ويكتمل التصور العلمي لكل قاعدة تحت بابها. وهذا الفرق يمكن الوقوف عليه ومعرفته من عدة جوانب منها:
1- من جهة الاستمداد: فعلم الأصول مستمد من ثلاثة أشياء هي: علم الكلام، والعربية، وتصور الأحكام الشرعية.
أما القواعد الفقهية فإنها مستمدة من الأدلة الشرعية، ومقاصد الشرعية العامة، والأحكام الفرعية المتشابهة.
2- من جهة التعلق: القواعد الأصولية متعلقة بأدلة التشريع.
أما القواعد الفقهية فمتعلقة بأفعال المكلفين.
3- من جهة الاستعمال: القواعد الأصولية تستعمل في الأحكام من حيث إثبات شرعيتها، وأدلتها، واستنباطها.
أما القواعد الفقهية فتستعمل في ضبط مسائل منتشرة في أبواب الفقه تحت مناط واحد وحكم واحد.
4- من جهة المستفيد منهما: القواعد الأصولية يستفيد منها المجتهد خاصة، فيستعملها عند استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة.
أما القواعد الفقهية فيستفيد منها المجتهد، والقاضي، والمفتي، والمتعلم، لأنَّ القواعد أحكام كلية (17) لفروع متناثرة، يعتمد عليها بدلاً من الرجوع إلى حكم كل فرع على حده.
5- أن القواعد الأصولية مصدر لتأسيس الأحكام واستنباطها، فيفترض فيها- ذهنياً- أنها سابقة في وجودها الفروع الفقهية؛ لأنَّ الفروع مبينة عليها.
أما القواعد الفقهية فهي تقرير لأحكام ثابتة ورباط لمسائل متفرقة، فهي متأخرة في وجودها عن الفروع الفقهية (18).
6- من جهة كون كل منهما كلية أم لا، فالقواعد الأصولية كلية مطردة خلافاً للقواعد الفقهية فليست كلية، بل هي أغلبية أكثرية؛ لأنَّ لها استثناءات (19).
__________________________
(1) سورة البقرة (127).
(2) سورة النحل (26).
(3) أنظر: لسان العرب (11/239).
(4) تيسير التحرير، محمد أمين، المعروف بأمير بادشاه (1/11).
(5) المصباح المنير (2/510). وأنظر: التعريفات للجرجاني (140).
(6) سورة التوبة (122).
(7) لسان العرب (10/304).
(8) أخرجه البخاري، برقم (143) ومسلم، برقم (2477) من حديث ابن عباس رضي الله عنه .
(9) الأصول من علم الأصول (7).
(10) القواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (43). وقد عُرفت بتعاريف كثيرة، لكن هذا ما اخترناه. وقد وجدت أنَّ الشيخ السدلان قد اختاره ورجحه في القواعد الفقهية الكبرى (13).
(11) وهذا ما سنذكره في الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية.
(12) أنظر: القواعد الأصولية عند ابن تيمية للدكتور محمد التمبكي (1/250).
(13) القواعد الفقهية الكبرى للشيخ السدلان (33-34).
(14) القواعد الكلية والضوابط في الفقه الاسلامي (23).
(15) مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية للشيخ صالح بن محمد بن حسن الأسمري (21-22) بتصرف.
(16) أخرجه البخاري، برقم (788) ومسلم، برقم (493).
(17) والذي نختاره أنها أغلبية، كما في الفرق السادس.
(18) دراسة وتحقيق عُمْدَةُ النَّاظِر على الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، رسالة ماجستير لعبد الكريم جاموس بن مصطفى (37).
(19) مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية (8).

ابو محمد العراقي
2014-03-29, 11:11 PM
نفعني الله وإياكم

ابو محمد العراقي
2014-03-29, 11:12 PM
أرجو التفضل بجعل هذه المقدمة في أول فهرس سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها

بارك الله فيكم

الحياة أمل
2014-03-29, 11:48 PM
أحسن الله إليكم وجزآكم كل خير
تم إدرآج المقدمة في الفهرس
بوركتم ...~

فجر الإنتصار
2014-03-30, 11:21 AM
نفع الله بكم وأحسن اليكم
جزاكم الله خيرا