المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعبير القرآني


ياسمين الجزائر
2014-04-14, 01:24 AM
التعبير القرآني


http://im60.gulfup.com/QJBNut.gif

لا خلاف بين أهل العلم أن التعبير القرآني تعبير فريد في عُلُوِّهِ وسُمُوِّهِ وأنه أعلى كلام وأرفعه. وأنه بهر العرب فلم يستطيعوا مداناته والإتيان بمثله مع أنه تَحدَّاهم أكثر من مرة.


لقد انتبه القدماء إلى أن السور التي بدأت بالحروف المفردة بنيت على ذلك الحرف، فإن الكلمات القافيّة ترددت في سورة (ق) كثيراً والكلمات الصاديّة تردّدت في سورة (ص) كثيراً وهكذا (1).


وانتبهوا إلى شيء آخر وهو أن عدد هذه الحروف أربعة عشر حرفاً أي بمقدار نصف حروف المعجم ترددت في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.

ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشرة حرفاً وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. وبيان ذلك أن فيها من الحروف المهموسة نصفها، ومن المجهورة نصفها، ومن الشديدة نصفها، ومن الرخوة نصفها، ومن المطبقة نصفها، ومن المنفتحة نصفها، ومن المستعلية نصفها، ومن المنخفضة نصفها، ومن حروف القلقلة نصفها، وقد ذكر من هذه الأنصاف ما هو كثير الدوران في الكلام، فسبحان الذي دَقَّتْ في كل شيء حِكمتُه (2).


وليس هذا كل شيء في الإحصاء بل هناك شيء آخر وربما أشياء. أفلم تقرأ لإحصاءات الأخرى في كتاب الله العزيز لترى العجب؟
لقد تبين أنه لم توضع الألفاظ عبثاً ولا من غير حساب، بل هي موضوعة وضعاً دقيقاً بحساب دقيق دقيق.


لقد تبين:
أن (الدنيا) تكررت في القرآن بقدر (الآخرة) فقد تكرر كُلُّ منهما 115 مرة.
وأن (الملائكة) تكررت بقدر (الشياطين) فقد تكرر كل منهما 88 مرة.
وأن (الموت) ومشتقاته تكرر بقدر (الحياة) فقد تكر كل منهما 145 مرة. وهل الموت إلا للأحياء؟
وأن (الصيف) والحر تكررا قدر لفظ (الشتاء) والبرد فقد تكرر كل منهما خمس مرات.
وأن لفظ (السيئات) ومشتقاتها تكرر بقدر لفظ (الصالحات) ومشتقاتها فقد تكرر كل منهما 167 مرة.
وأن لفظ (الكفر) تكرر بقدر لفظ (الإيمان) فقد تكرر كل منهما 17 مرة.
وتكرر لفظ (كفراً) بقدر لفظ (إيماناً) فقد تكرر كل منهما ثماني مرات (3).
وأنه تكرر ذكر (إبليس) بقدر لفظ الاستعاذة فقد تكرر كل منهما 11 مرة.
وأن ذكر (الكافرين) تكرر بنفس عدد النار. وهل النار إلا للكافرين؟
وأن ذكر (الحرب) تكرر بعدد الأسرى (4). وهل الأسرى إلا من أوزار الحرب؟
وأن لفظ (قالوا) تكرر 332 مرة "ومن عجبٍ ن يتساوى هذا مع لفظ (قل) الذي هو أمرٌ من الله إلى خلقه، فسبحان من قال (قل) 332 مرة فكان القول 332 مرة".
وأن لفظ (الشهر) تكرر 12 مرة بعدد شهور السنة.
وأن لفظ (اليوم) تكرر 365 يوم بعدد أيام السنة (5).
وأن الفظ (الأيام) تكرر 30 مرة بعدد أيام الشهر (6).


ثم إن القرآن له خصوصيات في استعمال الألفاظ: فقد اختص كثيراً من الألفاظ باستعمالات خاصة به مما يدل على القصد الواضح في التعبير فمن ذلك أنه:
استعمل (الرياح) حيث وردت في القرآن الكريم في الخير والرحمة، واستعمل (الريح) في الشر والعقوبات (7) قال تعالى:


{وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} (الأعراف) (57)
وانظر الفرقان (48) والنمل (63) .
في حين قال: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} (آل عمران: 117) .
وغير ذلك وغيره.


ومع هذا الاستعمال الرياضي الإحصائي العجيب للألفاظ فالتعبير القرآني هو في قمة الأدب والفن.
فإنك إذا نظرت إلى أَيِّ ضَرْبٍ من ضروب التعبير فيه وجدته وحدة متكاملة ليس فيها نُبوٌّ ولا اختلاف.
فلو نظرت إلى التوكيد في القرآن لوجدته لوحة فنية عالية متناسقة على سعة التوكيد واختلاف المؤكدات وتنوعها.


فالقرآن قد يؤكد بـ (إنّ) وحدها مثلاً، أو قد يؤكد باللام أو يجمع بينهما
ويحذف ويؤكد في تعبيرات أخرى تبلغ المئات وهو يراعي في كل ذلك الدقة في التعبير ووضع كل لفظ في مكانه حسبما يقتضيه السياق بحيث لا يصح وضع تعبير مُؤكَّد في مكان غير مؤكد، ولا ما أُكِّد بأكثر من مؤكد في موطن أُكد بمُؤكدٍ واحد.


وكذا الأمر في غير (إنّ) فهو يقول مثلاً:



{وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين} (هود: 47) بلا توكيد.
ويقول مرة أخرى:
{وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} (الأعراف: 23) بتوكيد الجواب.

وقُلْ مثل ذلك عن الاستفهام.
فهو قد يستفهم مرة بالهمزة ومرة بـ (هل) فهو مرة يقول:


{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله} (المائدة: 60) .
ومرة يقول: {أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم} (الحج: 72)


وقُلْ مثل ذلك عن التقديم والتأخير.
فهو قد يُقدِّمُ كلمةً في مكان ويُؤخِّرها في مكان. أو يقدم عبارة في مكان ويؤخرها في مكان
وهو قد يذكر كلمة أو عبارة في موطن لا يذكرها في موطن آخر يبدو شبيهاً به فهو يقول مثلاً في موطن:



{وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174)
و يقول في موطن آخر :
} وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 77) فيزيد عبارة (ولا ينظر إليهم) . وغير ذلك وغيره.


عجيب أمر هذا الكتاب!
يراه الأديبُ معجزاً ويراه اللغوي معجزاً، ويراه أرباب القانون والتشريع معجزاً، ويراه علماء الاقتصاد معجزاً، ويراه المربون معجزاً، ويراه علماء النفس والمَعْنيون بالدراسات النفيسة معجزاً، ويراه علماء الاجتماع معجزاً، ويراه المصلحون معجزاً، ويراه كل راسخٍ في علمه معجزاً.


لقد كشف لهم وهم يبحثون في وجوه إعجازه عن بحار ليس لها ساحل، وغاصوا في لُجَجٍ ليس لها قعر، وكُلٌّ عاد بلؤلؤةٍ كريمة أو عقد نظيم، وبقيت ثُمَّةَ خزائن تفوق الحصر لم يَلِجها الوالجون وكنوز لا يطيقها إحصاء، لم تمتد إليها الأيدي، تفنى الدنيا ولا تفنى، ويبلى كل جديد ولا تبلى. فيها من عجائب صنع الله ما لو اطَّلعتَ عليه لم تعرف كيف تصنع ولا سْتبَدَّ بكَ عَجَبٌ لا ينتهي وتمكن منك انبهار لا ينقضي. ومفتاحُ ذلك تَدَبُّرهُ والنظرُ فيه.


فامنحه شيئاً من التدبر والنظر يمنحك من أسراره ما لم يكن منك ببال. إنه يعطيك أضعاف ما تعطيه.


إن هذا الكتاب يمنحُ مَنْ نظر فيه وتدبره خزائن بغير حساب ويفتح الله عليه من ألطافه ما يَجِلُّ عن الوصف فلا تُضيِّع هذه الصفقة الرابحة وإلا فأنت والله مغبون.


أأدركتَ الآن سر قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} (محمد: 24) .


أمّا أنهم لو تدبروه لَفُتحت أقفال القلوب ولان ما كان عصيّاً من الأفئدة، وَلأُوقدت مصابيح عهدُها بالنور بعيد، وأشرقت دروب لم يسقط عليها فيما مضى نور، ولحيت نفوس ما عرفت قبل ذلك حياة.


ألم يُسَمِّهِ اللهُ نوراً فقال: {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} (النساء: 174) .



أولم يُسَمِّه الله روحاً فقال:

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولاكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52) ؟


فهو روح ونور - وهل بعد ذلك شيء! وهل قبله شيء!


ليت شعري هل يفقه الناس؟
ألا ليت الناس يفقهون.





http://im60.gulfup.com/QJBNut.gif

(1) انظر البرهان 1/169.
(2) انظر الكشاف 1/78-79
(3) انظر الاعجاز العددي للقرآن الكريم ج1/ 21،15، 180،124،70،58،35،
(4) المصدر السابق 2/ 49،15
(5) المصدر السابق
(6) المصدر السابق
(7) البيان و التبيين 1/20.
http://im60.gulfup.com/QJBNut.gif


من كتاب "التعبير القرآني"
للدكتور فاضل السامرائي

الحياة أمل
2014-04-14, 10:15 AM
سبحآن من دقت حكمته في كل شيء !
شرح الله صدرك وزآدك من فضله ...~

ياسمين الجزائر
2014-04-16, 06:10 PM
بارك الله فيك و جزاك الله نعيم جنّته

شكرا للمرور الطيب