المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (56)


ابو محمد العراقي
2014-04-16, 02:29 PM
الوسـائل لهـا أحكـام المقاصـد (1)

هذه من القواعد الفقهية المهمة والتي يدخل تحتها الكثير من مسائل الفقه وأحكامه، حتى قيل: يدخل تحتها رُبْعُ الدِّينِ،
قال العلامة السعدي - رحمه الله-: "وهذه القاعدة من أنفع القواعد وأعظمها وأكثرها فوائد، ولعلها يدخل فيها ربع الدين (2)".إهـ
الوسائل: ما يتوصل به إلى الغاية قطعاً أو ظناً(3).
المقاصد: هي الغايات التي يُراد التوصل إليها بالوسائل.

دليل القاعدة:
من الأدلة الصريحة على هذه القاعدة، قوله تعالى: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (4)}،
قال العلامة السعدي: "وفي هذه الآية الكريمة، دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم، ولو كانت جائزة تكون محرمة، إذا كانت تفضي إلى الشر (5)".إهـ

المعنى العام للقاعدة:
تبيِّن هذه القاعدة أنَّ العبادات وسائر الأعمال تتألف من ركنين للقيام بها: هي الوسائل والغايات، ولا يمكن التوصل إلى الغاية - مشروعة كانت أو ممنوعة- إلاَّ بوسائل معينة، وهذه الوسائل في أصلها تكون مباحةً –غالباً-، إلاَّ أنَّ أحكامها تتغيَّر بما جُعِلت وسيلةً له.
قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: "الأمور قسمان: أمور غائية، وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية فهي التي هي غاية ومقصودة لذاتها، فإنها لا تفعل إلا بإذن من الشرع، ولا يمكن لأحد أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
وأما الأمور التي هي وسيلة فيقصد بها الوصول إلى الغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها قاعدة شرعية وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد (6)، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان، واختلاف الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح (7)".إهـ

قال ابن القيم - رحمه الله-: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل (8)".إهـ

أجر الوسائل تتفاضل بحسب تفاضل المقاصد:
بما أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، فكذلك أجر الوسائل يتفاوت بحسب علو المقصد ودنوه، فكلما كان المقصد عالٍ كان أجر الوسيلة الموصلة إليه كبيراً وكلما قَلَّتْ فضيلةُ المقصد كان أجر الوسيلة بحسبه.

قال العلامة العز ابن عبد السلام رحمه الله (9)-: "يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسعي إلى الجُمُعات، والتوسل بالسعي إلى الجُمُعات أفضل من التوسل بالسعي إلى الجَمَاعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل بالسعي إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين (10) والكسوفين، وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل؛ لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل...".إهـ

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: مكبرات الصوت: قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: "ونستنبط من قوله (11): «صيِّتاً» أن مكبرات الصوت من نعمة الله؛ لأنها تزيد صوت المؤذن قوةً وحسناً، ولا محذور فيها شرعاً، فإذا كان كذلك وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد؛ ولهذا أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين: «أين أصحاب السمرة (12)»؛ لقوة صوته.
فدلَّ على أن ما يطلب فيه قوة الصوت ينبغي أن يختار فيه ما يكون أبلغ في تأدية الصوت. ولكن ما يتخذ من تفخيم الصوت بما يسمونه «الصدى» فليس بمشروع، بل قد يكون منهيا عنه إذا لزم منه تكرار الحرف الأخير لما فيه من الزيادة (13)".إهـ

المثال الثاني: تصنيف الكتب وطبعها وتقسيمات الفقهاء للأحكام الشرعية كالشرط والواجب ونحو ذلك فهذا كله داخل تحت هذه القاعدة، قال الشيخ ابن عثيمين: "العلماء لما ذكروا الشروط والأركان والوجبات؛ لم يأتوا بشيء زائد على الشرع، غاية ما هنالك أنهم صنفوا ما دلَّ عليه الشرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها؛ وبالتالي إلى فهمها.
فهم يصنعون ذلك لا زيادة على شريعة الله، وإنما تقريباً للشريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أن المسلمين لا زالوا ـ وإلى الآن ـ يبنون المدارس، ويؤلفون الكتب وينسخونها، وفي الأزمنة الأخيرة صاروا يطبعونها في المطابع ( 14)".إهـ

المثال الثالث: التصوير الفوتوغرافي: أدخله الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- تحت هذه القاعدة، وجعلها خاضعةً للأحكام التكليفية، فقال –رحمه الله-: "إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئاً محرماً فهو حرام، وإن قصد به شيئاً واجباً كان واجباً، فقد يجب التصوير أحياناً، فإذا رأينا مثلاً إنساناً متلبساً بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد؛ كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك، ولم نتوصل إلى إثباتها إلا بالتصوير، كان التصوير حينئذ واجباً، خصوصا في المسائل التي تضبط القضية تماماً؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وإذا صور إنسان صورة - يحرم تمتعه بالنظر إليها- من أجل التمتع بالنظر إليها فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول: إنها غير صورة؛ بل هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ( 15)".إهـ
_____________________________
(1) الشرح الممتع (1/65).
(2) رسالة في القواعد الفقهية للسعدي (31).
(3) أنظر: شرح الأصول من علم الأصول للعثيمين (171).
(4) سورة الأنعام (108).
(5) تيسير الكريم الرحمن (268).
(6) تنبيه: قال الشيخ عبد السلام برجس –رحمه الله- في كتابه: الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية (): "أنَّ لفظة «الوسائل» هنا، لا تعني أي وسيلة - ولو محرمة - إذا استخدمت في مقصد حسن: أخذت حكمه و إلا فليلزم على ذلك إهدار النصوص الشرعية والعمل بالهوى، فتتخذ المحرمات - مثلاً - في معالجة المرضى، وترتكب المحرمات - كالمعاملة بالربا وإسبال الثياب - من أجل الدعوة ومصالحها ... وهكذا.
والمعني الصحيح للقاعدة:
أن الوسائل بالنسبة للمقاصد الحسنة، لا بد أن تكون مشروعة - واجبة أو مندوبة أو مباحة- وقد تكون الوسيلة مكروهة، أما أنها تكون محرمة فلا.
ثم أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها فقد تكون الوسيلة محرمة أو مكروهة، وما جعلت وسيلة إليه ليس كذلك. يقول العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - عندما قرر أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين، بل إما راجحة وإما مرجوحة: "فإن قيل: فإذا كان الفعل - أي الغاية - متساوي الطرفين كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة إليه كذلك إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم. قيل: لا يلزم ذلك؛ فقد يكون الشيء مباحاً، بل واجباً ووسيلته مكروهة، كالوفاء بالطاعة المنذورة وهو واجب مع أن وسيلته - وهو النذر - مكروه منهي عنه، وكذلك الحلف المكروه مرجوح مع وجوب الوفاء به أو الكفارة. وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة، وهذا كثير جداً. فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها، وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرامٍ ولا مكروه".إهـ
(7) الشرح الممتع (3/380-381).
(8) إعلام الموقعين (3/102-103).
(9) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (118-119).
(10) على قول من يقول بمندوبية صلاة العيد، وإلاَّ فالصحيح وجوبها على الأعيان.
(11) أي: صاحب متن الزاد.
(12) أخرجه مسلم، رقم (1775).
(13) الشرح الممتع (1/368-369).
(14) الشرح الممتع (1/396-397). وأنظر: غاية المنة في شرح عقيدة أهل السنة للشيخ ابن عثيمين (39-40).
(15) الشرح الممتع (1/466-467).

فجر الإنتصار
2014-04-16, 07:11 PM
بارك الله فيكم ووفقكم
جزاكم الله خيرا واحسن اليكم

مناي رضا الله
2014-04-16, 08:53 PM
جزاكم الله خير

الحياة أمل
2014-04-16, 10:31 PM
بوركت جهودكم
ونفع الله بكم الإسلآم والمسلمين ...~

الـحـربـي24
2014-04-16, 11:44 PM
https://fbcdn-photos-d-a.akamaihd.net/hphotos-ak-prn1/t1.0-0/1382128_1459712147594231_925674383_a.jpg