المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (57)


ابو محمد العراقي
2014-04-17, 03:49 PM
ما حـرم تحريم الوسائـل أباحته الحاجة (1)

تُبيِّن القاعدة: أنَّ الشيء إذا كان محرماً خشيةً من أن يكون ذريعةً للوقوع في المحرم، فإن الشريعة تبيحه لمصلحة راجحة، إذا دعت إليه الحاجة الخاصة أو العامة.

المحرمات التي حرمها الشرع على قسمين:
1- محرم لذاته كالخمر والزنا وربا النسيئة ونحو ذلك.
2- محرم لغيره كتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال ونحو ذلك (2).
فما كان محرماً لذاته تبيحه الضرورة، وما كان محرماً لغيره تبيحه الحاجة.

لكن ما هي الضرورة وما هي الحاجة؟
الضرورة: معناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين (3).

فالممنوع يباح للضرورة، ولكن بشروط:
الأول: أن نضطر إلى هذا المحرم بعينه، بمعنى: أن لا نجد شيئاً يدفع الضرورة إلاَّ هذا الشيء المحرم، فإن وجد سواه فإنه لا يحل، ولو اندفعت الضرورة به.
الثاني: أن تندفع الضرورة به، فإن لم تندفع الضرورة به فإنه يبقى على التحريم، وإن شككنا هل تندفع أو لا، فإنه يبقى أيضاً على التحريم؛ وذلك لأنَّ ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة به مشكوك فيه، ولا ينتهك المحرم المتيقن لأمر مشكوك فيه (4).
الثالث: ألاَّ يكون المحرم منهي عن استعماله ولو ضرورة، كالتداوي بالخمر ولحم الخنزير ونحو ذلك، لحديث طارق بن سويد الجعفى أنَّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء (5)».
قال ابن القيم –رحمه الله-: "المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلاً وشرعاً، أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها. وأما العقل، فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيباً عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ (6) } وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه له حمية لهم، وصيانةً عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.

وأيضاً فإنَّ تحريمه يقتضى تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفى اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع، وأيضاً فإنَّه داءٌ كما نص عليه صاحبُ الشريعة، فلا يجوز أن يتخذ دواء.

وأيضاً فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأنَّ الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالاً بيِّنَاً، فإذا كانت كيفيته خبيثة، اكتسبت الطبيعة منه خبثاً، فكيف إذا كان خبيثا فى ذاته، ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة، لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته.

وأيضاً فإنَّ في إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها، فهذا أحب شيء إليها، والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله، وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضاً وتعارضاً(7)...".إهـ

وأما الحاجة: معناها أنها مُفْتَقَرٌ إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة (8).

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: لبس الحرير للرجال إذا دعت الحاجة لذلك؛ لأنَّ تحريم لبس الحرير من باب تحريم الوسائل، وذلك لأن الحرير نفسه من اللباس الطيب ولباس الزينة، ولكن لما كان مدعاة إلى تنعم الرجل كتنعم المرأة؛ بحيث يكون سبباً للفتنة؛ صار ذلك حراماً، فتحريمه إذاً من باب تحريم الوسائل، وقد ذكر أهل العلم أنَّ ما حُرِّمَ تحريم الوسائل أباحته الحاجة (9).

المثال الثاني: بيع العرايا: وهي بيع الرطب بالتمر، وبيع الرطب بالتمر حرام؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع التمر بالرطب، قال: «أينقص الرطب إذا يبس؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (10) لأنه ربا؛ إذ إن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لكن العرايا أبيحت للحاجة، والحاجة هي أن الإنسان الفقير الذي ليس عنده نقود إذا كان عنده تمر، واحتاج إلى التفكة بالرطب، كما يتفكه الناس أباح له الشارع أن يشتري بالتمر رطباً على رؤوس النخل، بشرط ألا تزيد على خمسة أوسق، وأن يكون بالخرص، أي: أننا نخرص الرطب لو كان تمراً بحيث يساوي التمر الذي أبدلناه به.
فهذا شيء من الربا، ولكن أبيح للحاجة. لماذا؟ لأنَّ تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، بخلاف ربا النسيئة، فإن تحريم ربا النسيئة من باب تحريم المقاصد (11).

المثال الثالث: استعمال الإناء الذي أُصلح كسره بشيء من الفضة: إذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر، وأراد أن يلم بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة جاز، مع أنه سوف يستعمل هذا الإناء، وفيه شيء من الفضة، لكن يقال: يجوز للحاجة مع أنه في الأصل محرم؛ لأنه حرم تحريم الوسائل، إذ إنَّ الذهب والفضة استعمالهما في الأواني يؤدي إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ( 12)».

المثال الرابع: النظر إلى وجه المرأة لأجل خطبتها أو للشهادة عليها: النظر إلى وجه المرأة الأجنبية حرام؛ لأنه وسيلة إلى الفاحشة، ولهذا جاز للحاجة، فالخاطب يجوز أن يرى وجه مخطوبته، والشاهد إذا أراد أن يعرف عين المرأة المشهود عليها، يجوز أن يرى وجهها؛ ليشهد على المرأة بعينها؛ لأنَّ التحريم هنا تحريم وسيلة، وما كان تحريمه تحريم وسيلة فإنه يجوز عند الحاجة (13).

المثال الخامس: جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، قال شيخ الإسلام: "تنازع العلماء في ذوات الأسباب؛ فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسدِّ الذريعةِ أُبِيحَ للمصلحةِ الراجحةِ، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها؛ فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له؛ فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت؛ فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه (14)".إهـ

المثال السادس: سفر المرأة من غير محرم خشية الوقوع بمفسدة عند بقائها: قال شيخ الإسلام: "إن ما نُهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعها كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تَخلَّفَتْ مع صفوان بن المعطل؛ فإنه لم يُنه عنه إلا لأنَّه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضياً للمصلحة الراجحة لم يكن مفضياً إلى مفسدة (15)".إهـ

المثال السابع: بيع الحيوان بالحيوان إلى أجل: نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة كما في حديث سمرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم : «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (16)» ونهى أيضاً أن يباع تفاضلاً نسيئة لحديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئاً ولا بأس به يدا بيد (17)».
فالتحريم هنا لسد ذريعة الوقوع في ربا النسيئة؛ ولذا يباح التعامل بهذه البيعة عند وجود مصلحة راجحة، قال ابن القيم –رحمه الله-: "أن النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، إنما كان لأنه ذريعة إلى النسيئة في الربويات، فإن البائع إذا رأى ما في هذا البيع من الربح لم تقتصر نفسه عليه، بل تجره إلى بيع الربوي كذلك، فسد عليهم الذريعة، وأباحه يداً بيد، ومنع من النساء فيه، وما حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة (18)".إهـ
________________________
(1) الشرح الممتع (1/65). وتعرف هذه القاعدة عند بعض العلماء بـ (إذا كان النهي سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة).
(2) من الضوابط التي يمكن من خلالها معرفة ما نهي عنه لغيره، أن يكون الشيء مباحاً للنساء ومحرماً على الرجال، كالحرير مثلاً.
(3) الموافقات (2/18).
(4) شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (68-69).
(5) أخرجه مسلم، رقم (5256).
(6) سورة النساء (160)
(7) زاد المعاد (4/156-157).
(8) الموافقات (2/21).
(9) أنظر: الشرح الممتع (1/474).
(10) رواه مالك وأصحاب السنن، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء برقم (1352) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .
(11) الشرح الممتع (1/474).
(12) أخرجه البخاري، رقم (5426) ومسلم، رقم (2067) من حديث حذيفة رضي الله عنه .
(13) شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (75).
(14) مجموع الفتاوى (1/164).
(15) مجموع الفتاوى (23/186).
(16) صحيح أبي داود للألباني برقم (2869).
(17) صحيح ابن ماجه للألباني برقم (2271).
(18) زاد المعاد (2/261-262).

الحياة أمل
2014-04-17, 04:25 PM
أحسنتم .. أحسن الله إليكم
وفقكم ربي لكل خير ...~

فجر الإنتصار
2014-04-17, 06:06 PM
نفع الله بكم وأحسن اليكم على طرحكم الهادف
جزاكم الله خيراً

الـحـربـي24
2014-04-17, 06:53 PM
باااارك الله فييييييييييييك

ابو عائشة
2014-04-17, 10:41 PM
بارك الله فيك