المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (58)


ابو محمد العراقي
2014-04-18, 01:03 PM
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، عند التساوي أو رجحان المفاسد، أما إذا رجحت المصالح فإنه تغتفر المفاسد بجانب تلك المصالح (1)

هذه من القواعد المهمة التي تصلح في باب الدعوة والفقه. والشريعة جاءت لدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكميلها. والشيخ رحمه الله تعالى جمع في هذه القاعدة القيود التي يُعتبر عندها إعمال القاعدة وأنَّها ليست على إطلاقها، بل إعمالها يكون عند أمرين:
الأول: عند تساوي المصلحة مع المفسدة فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
الثاني: إذا رجحت المفسدة على المصلحة فعندها تترك المصلحة دفعاً للمفسدة المتحققة.
أما إذا رجحت المصلحة على المفسدة فعندها نقدم المصلحة على المفسدة؛ لأنَّ المفسدة تصبح وكأنها ملغاة بجانب المصلحة (2).

يقول الإمام العز ابن عبد السلام: "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (3) } ، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (4) } حرمهما؛ لأنَّ مفسدتهما أكبر من منفعتهما ( 5)"إهـ

وللإمام ابن القيم –رحمه الله- كلمة جامعة له، في مدى ارتباط الأعمال بالمصالح والمفاسد، إذ يقول: "فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها فهذه أقسام خمسة منها أربعة تأتي بها الشرائع، فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به مقتضية له وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه، فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة أو تكميلهما بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة ( 6)".إهـ

دليل القاعدة:
يمكن أن يستدل على صحة القاعدة بترك النبيِّ صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خشية من تنفير الناس الذين كانوا حديث عهد بكفر، كما جاء هذا في حديث عائشة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟. فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟. قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت (7)».
يقول العلامة بن القيم: "وقد أمسك النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم؛ لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأنَّ ذلك ربما نَفَّرَهم عنه بعد الدخول فيه (8)".إهـ

وكذلك من الأدلة ترك النبيِّ صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين وما فيه من مصلحة خشية المفسدة التي ستترتب على قتلهم من حديث الناس أنَّه صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه (9)،
يقول شيخ الإسلام: "فإنَّ الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحداً من أصحابه قد قُتِلَ، فيظنُّ الظانُّ أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك؛ فينفر الناسُ عن الدخول في الإسلام، وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة؛ ليقوم دين الله وتعلو كلمته، فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى (10)".إهـ

ويقول ابن القيم: "إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَكُفُّ عن قتل المنافقين -مع كونه مصلحة-؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم إنَّ محمداً يقتل أصحابه، فإنَّ هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل (11)".إهـ

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول: جواز بيع العرايا مع ما فيه من الربا لحاجة الناس إلى التفكه بالرطب، لمن لا يجد المال لشرائه فله إبدال التمر بالرطب تخريصاً فيما دون خمسة أوسق.

المثال الثاني: لو جاء شخص وقال: هذا الدواء أو هذا الطعام يتساوى فيه المنفعة والمضرة. قلنا هذا ممنوع لدرء المفسدة؛ لأنَّ درء المفسدة أولى من جلب المصلحة؛ وذلك لأنَّ المفسدة المساوية للمصلحة، والمضرة المساوية للمنفعة، قد تغلب وتزيد على المصلحة في المستقبل؛ لأنَّ خبثها قد يؤثر على القلب وعلى العمل فيحصل بذلك الشر (12).

المثال الثالث: جواز تحلية السيف وحمائله والخوذة ونحو ذلك بالفضة، لما فيه من إغاضة للكفار (13).
______________________
(1) أنظر: الشرح الممتع (6/115، ط: ابن الجوزي).
(2) جاء في شرح الكوكب المنير (4/447-448) ما نصه: "إنَّ الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وإذا دار الأمر أيضاً بين درء إحدى مفسدتين، وكانت إحداهما أكثر فساداً من الأخرى، فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا واضح يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولو العلم".إهـ
(3) سورة التغابن (16).
(4) سورة البقرة (219).
(5) قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (98).
(6) مفتاح دار السعادة (2/14).
(7) أخرجه البخاري، رقم (1506)، ومسلم، رقم (1333).
(8) إعلام الموقعين (4/413).
(9) كما في حديث جابر الذي أخرجه البخاري برقم (3330).
(10) الصارم المسلول (1/243).
(11) إعلام الموقعين (3/105).
(12) شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (52).
(13) أنظر: الشرح الممتع (6/115، ط: ابن الجوزي). ويمكن أن يُقال: أنَّ هذا يدخل تحت قاعدة: يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً.

فجر الإنتصار
2014-04-18, 01:19 PM
أحسنتم الطرح أحسن الله اليكم وبارك فيكم

الحياة أمل
2014-04-18, 02:06 PM
أثآبكم الله وبآرك في جهودكم
ونفع بكم الإسلآم والمسلمين ...~

الـحـربـي24
2014-04-18, 03:24 PM
الـــلـــه يـــشـــرررح صـــدرررك ووويـــسر امـــرررك اااخــــوووي ابو مــحــمــد
عــلى مجهـوداااتــك جعلها الله في موااازيين حسنااااتك

ـآليآسمين
2014-04-20, 04:48 PM
شكر الله جهودكمـ ـآلقيمة
جزاكمـ الله خيرا ورضي عنكمـ
:111: