المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التقديم والتأخير في التعبير القرآني


ياسمين الجزائر
2014-04-19, 11:32 PM
التقديم والتأخير في التعبير القرآني


http://im81.gulfup.com/90ssHk.jpg

يمكننا تقسيم أحوال التقديم والتأخير إلى قسمين:

الأول: تقديم اللفظ على عامله نحو: (خالداً أعطيتُ) و (بمحمدٍ اقتديتُ).

الثاني: تقديم الألفاظ بعضها على بعض في غير العامل وذلك نحو قوله تعالى:



{وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} [البقرة: 173]



و قوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [المائدة: 3]



ومثل: (أَعرتُ خالداً كتابي) و (أعرت كتابي خالداً).




http://im67.gulfup.com/9r22cw.gif


1- تقديم اللفظ على عامله:

ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله، وتقديم الحال على فعله، وتقديم



الظرف والجار والمجرور على فعلهما، وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك.



و هذا التقديم في الغالب يفيد الاختصاص فقولك: (أنجدت خالداً) يفيد أنك



أنجدت خالداً ولا يفيد أنك خَصَصتَ خالداً بالنجدة بل يجوز أنك أنجدت



غيره أو لم تنجد أحداً معه.



فإذا قلت: (خالداً أنجدت) أفاد ذلك أنك خصصت خالداً بالنجدة وأنك لم



تنجد أحداً آخر.


ومثل هذا التقديم في القرآن كثير.



فمن ذلك قوله تعالى:



{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 5-6]



فقد قام المفعول به (إياك) على فعل العبادة وعلى فعل الاستعانة دون فعل



الهداية فلم يقل: (إيانا اهد) كما قال في الأولين؛ وسبب ذلك أن العبادة



والاستعانة مختصتان بالله تعالى، فلا يُعبَدُ أحدٌ غيره ولا يستعان به.



وهذا نظير قوله تعالى:



{بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين} [الزمر: 66]



و قوله: {واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]



فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى.



ولم يقدم مفعول الهداية على فعله فلم يقل: (إيانا اهد) كما قال: (إياك نعبد)



وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الاختصاص إذ لا يصح أن تقول: اللهم



اهدني وحدي ولا تَهْدِ أحداً غيري أو خصّني بالهداية من دون الناس. وهو



كما تقول: اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك ولم تسأله



أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحداً غيرك ولا يشفيه



ولا يعافيه.



ونحوه قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59]



فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغَيْب) وذلك لاختصاصه



سبحانه يعلم الغَيْب.



ألا ترى كيف أكد ذلك الاختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القَصْر فقال:



(لا يعلمها إلاّ هو) ؟

http://im67.gulfup.com/9r22cw.gif
2- تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل:


إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق

القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به

عنايتك أكبر قَدَّمتَهُ في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث إنها لفظة

معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم

كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال

تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإننا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها

مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة

يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه فن القول وسياق التعبير.



فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة هنا للعناية بها والاهتمام دون تبيين موطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.



فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم الله السماء على الأرض هنا؟قلت: لأن الاهتمام بالسماء هنا أكبر.


ثم إذا قيل لك: ولماذا قدم الله الأرض على السماء في هذه الآية؟
قلت: لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر.



فإذا قيل لك: ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض أكبر؟


وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين، بحيث تُبين أنه لا يصح أو لا يَحْسُنُ تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء، أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتما بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق.



إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أُوتوا حظاً من معرفة مواقع الكلام وليس ادعاء يُدَّعى أو كلمة تقال.



وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن - كما في غيره - الذروة في وضع الكلمات الوضعَ الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي ودرت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فترى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة.



إن القرآن - كما ذكرت - يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام - مثلاً - متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى:



{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)



فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى:



{والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} [الحجر: 27] فذكر الجن أولاً ثم



ذكر الإنس بعدهم.


ونحو قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} (البقرة: 255)



لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم.


ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى:



{وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت: 38] فإن عاداً أسبق من ثمود.


وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى:



{وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر} (الأنبياء: 33)



فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة، وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود.



وقال: {يُقَلِّبُ الله الليل والنهار} (النور: 44) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

ومن ذلك قوله تعالى:

{إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} (الأنفال: 72) .


وقوله:

{الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولائك هُمُ الفائزون} (التوبة: 20) .


فقدم الأموال والأنفس على (في سبيل الله) في سورة الأنفال.



وقدم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس في سورة التوبة.



و ذلك لأنه في سورة الأنفال تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة من مثل قوله



تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا} (الأنفال: 67) وهو المال الذي فدى الأسرى به أنفسهم



وقوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 68) أي: من الفداء،



وقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} (الأنفال: 69)



وغير ذلك فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به.


وأما في سورة التوبة فقد تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله من مثل قوله تعالى:



{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} (التوبة: 14)



وقوله:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
(التوبة: 16) .


وقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله} (التوبة: 19) .(1)


فقدم ذكر: (في سبيل الله) على الأموال والأنفس وهو المناسب ههنا للجهاد كما قدم الأموال والأنفس هناك لأنه المناسب للأموال.


(1) انظر البرهان للكرماني 203، درة التنزيل 189-190

من كتاب "التعبير القرآني"

للدكتور فاضل السامرائي


http://im67.gulfup.com/9r22cw.gif



و هذا الرابط يشرح فيه فضيلة الدكتور فاضل السامرائي

التقديم و التاخير في التعبير القرآني

http://www.gulfup.com/?eXW3VS (http://www.gulfup.com/?eXW3VS)

ـآليآسمين
2014-04-20, 01:07 PM
انتقاء قيمـ
جزى الله ـآلدكتور فاضل عنا كل ـآلخير
وجزاكـ خيرا أختنا
:111:

الحياة أمل
2014-04-20, 03:12 PM
بوركت أخية
وفقك الرحمن لكل خير ...~

ياسمين الجزائر
2014-04-21, 01:09 AM
مرحبا بكما أختاي

أسعدني مروركما الجميل

بارك الله فيكما
http://im56.gulfup.com/Kx3GLx.gif