المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (60)


ابو محمد العراقي
2014-04-22, 01:13 PM
إن كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعديا من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله-تعالى-بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة(1)

توضح القاعدة: أنَّ عقود الإجارة على نوعين:
1- إجارة ممنوعة: وهي الإجارة على الطاعات والقربات، كالذي يستأجر شخصاً ليصلي له أو لغيره أو يقرأ له القرآن ويهدي له ثوابه أو يصوم عنه أو عن غيره، أو يحج عنه أو عن غيره ونحو ذلك؛ "لأنَّ هذا عمل يقصد به ثواب الآخرة ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يراد به عمل الدنيا(2)".إهـ
2- إجارة مشروعة: وهي الإجارة العامة ذات النفع المتعدي للغير، لا يقصد بها الطاعة لله –تعالى-، كمن يستأجر من يبني له داراً أو مسجداً، ونحو ذلك، وهذا العقد يجوز وقوعه حتى لو كان الأجير كافراً(3).
:111:
دليل القاعدة:
من الأدلة على عدم جواز الإجارة في الطاعات قوله : «اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به(4 ) » فالنبيُّ  أمر بقراءة القرآن، ولكنه نهى عن الأكل به والاتجار به.
:111:

تطبيقات فقهية على القاعدة:
المثال الأول:
الإجارة لأجل الارتزاق بالنيابة في الحج لم يجزها كثير من العلماء وهذا ما عليه مذهب الحنابلة والأحناف خلافاً للإمام مالك والإمام الشافعي فهم يجيزون أخذ الأجرة على الحج(5).
ولشيخ الإسلام كلمة جامعة في هذه المسألة في جواب عن سؤال عمن حج عن الغير ليوفي دينه، فأجاب رحمه الله(6 ): " أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما أفضل؟ والأصح أن الأفضل الترك، فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئاً من النفقة ليس من أعمال السلف حتى قال الإمام أحمد: ما أعلم أحداً كان يحج عن أحد بشيء. ولو كان هذا عملاً صالحاً لكانوا إليه مبادرين والارتزاق بأعمال البر ليس من شأن الصالحين، أعني إذا كان إنما مقصوده بالعمل اكتساب المال وهذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ليأخذ دراهم يوفي بها دينه. ولا يستحب للرجل أن يأخذ مالاً يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين:
إما رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز، فيأخذ ما يقضي به وطره الصالح ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج.
أو رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج إما لصلة بينهما أو لرحمة عامة بالمؤمنين ونحو ذلك فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك.
وجماع هذا أن المستحب أن يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح فمن ارتزق ليتعلم أو ليعلم أو ليجاهد فحسن، كما جاء عن النبي  أنه قال : «مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها(7 )» شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية. وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأنْ يرتزق فهذا من أعمال الدنيا. ففرق بين من يكون الدِّينُ مقصوده والدنيا وسيلة ومن تكون الدنيا مقصوده والدِّينُ وسيلة. والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها".إهـ
فشيخ الإسلام يُجيز ذلك للحاجة(8) لكن من غير أن يكون ذلك وسيلة للارتزاق والربح.
أما الأرزاق التي كانت تأتي لطلاب العلم والعلماء ونحو ذلك فهي تعطى كجعل من غير سؤال منهم ومن غير عقد إجارة، وإلاَّ فالصحيح أن أخذ الأجرة على التعليم ممنوع شرعاً، وهذا ما سنبينه بـ.
المثال الثاني:
أخذ الأجرة على التعليم ونحوه، فالعلماء في هذه المسألة على قولين:
الأول: جواز أخذ الأجر على ذلك وهو مذهب المالكية والشافعية(9) وبه يقول ابن حزم(10)، واستدلوا بأدلة منها: حديث الرقية وقوله  فيه: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله(11)» وهذا ما رجحه الشيخ ابن عثيمن؛ معللاً ذلك بقوله: "إذا كانت العبادة ذات نفع متعد، وأراد الإنسان النفع المتعدي، فلا بأس أن يأخذ عليه أجراً، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة(12)".إهـ
وخالف بذلك الأحناف والحنابلة فلم يجيزوا أخذ الأجرة على التعليم، معللين أنَّ حديث الرقية خاص بالرقية، وهذا منهم نظر إلى سبب ورود الحديث واعتباره قيداً لمطلق جواز الأخذ. وبه يقول الشيخ الألباني(13)، مضافاً إليه استدلاله بحديث عبادة بن الصامت  قال: «عَلَّمتُ ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله عز وجل، لآتين رسول الله  فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله؟ قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها(14)».
وهذا الأخير هو الراجح أنَّه لا يجوز للمعلم في العلوم الشرعية أن يسأل الأجرة على تعليمه، أي: بأن لا يُعلم إلاَّ بأجر.
أما إذا عُيِّن للمعلم راتباً شهرياً أو عطاءً؛ لسد حاجاته وتفرغه للتعليم فهذا مما لا حرج فيه، بل المصلحة الشرعية تدعو إليه، وقد أورد ابن حزم(15) –رحمه الله- جملة من الآثار تدل على عمل السلف بهذا.
___________________________

(1 ) الشرح الممتع (4/343).
( 2) الشرح الممتع (4/340)
( 3) كما استأجر النبي  دليلاً له في الهجرة وقد كان هذا الدليل كافراً. وأخرج الحديث البخاري في صحيح برقم (2144) في بَاب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ  يَهُودَ خَيْبَرَ.
( 4) المسند (3/428)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة برقم (260) من حديث عبدالرحمن بن شبل.
(5 ) أنظر: فقه السنة (4/106).
( 6) مجموع الفتاوى (26/19).
( 7) ضعيف، كما في الضعيفة للشيخ الألباني، برقم (4500)، من حديث عن جبير بن نفير مرسلاً.
( 8) والحاجة إذا أردنا أن نتوسع فيها، فلا بد أن تكون من طرفين:
الأولى: من كان محتاجاً لسد حاجته، ولا وسيلة له إلاَّ النيابة في الحج، ففي هذه الحالة تجوز الإجارة التي فيها شيء من الربح، كما قيل: ربح فيه دنائة خير من مسألة الناس.
الثانية: أن لا يجد من عجز عن الحج من ينوب عنه في حجه المفروض إلاَّ هذه الوسيلة، أو من كانت ظروف بلده النيابة فيها ليست بتلك السهولة، التي يُمكن أن ينوب عنه من لا يأخذ ربحاً، كما هو مشاهد في بلدنا. والله أعلم.
(9 ) أنظر: المجموع للنووي (15/15).
( 10) أنظر: المحلى (8/198).
( 11) أخرجه البخاري، رقم (5737).
(12 ) الشرح الممتع (4/341)، وأنظر كذلك (1/590) و(4/304-305).
(13 ) كما في بعض فتاويه المسموعة.
(14 ) صحيح ابن ماجة للألباني برقم (2157).
(15 ) أنظر: المحلى (8/195).

ـآليآسمين
2014-04-22, 01:49 PM
وفقكمـ الرحمن لطاعته ورضاه
جزاكمـ الله خيرا وباركـ فيكمـ
:111:

مناي رضا الله
2014-04-22, 03:32 PM
جزاك الله خير

وبارك الله فيما كتبت

فجر الإنتصار
2014-04-22, 10:00 PM
جزاكم الله خيراً ونفع بكم
بارك الله فيكم

الحياة أمل
2014-04-22, 10:59 PM
كتب ربي أجركم وبآرك فيكم
نفع بكم الإسلام والمسلمين ...~

فايز المالكي
2014-04-23, 05:55 AM
بارك الله فيك وفي علمك اخي الغالي مسائل فقهية نجهل بعض احكمها واختلاف الائمة فيها
شكراً لك ......