المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوكيد في القرآن الكريم


ياسمين الجزائر
2014-04-30, 05:36 PM
التوكيد في القرآن الكريم




http://im84.gulfup.com/NPO6ys.jpg

من المعلوم أن يؤتى بالألفاظ المؤكدة بحسب الحاجة إليها، فقد يكون الكلام لا



يحتاج إلى توكيد، و قد يحتاج إلى مؤكد واحد أو أكثر بحسب ما يقتضيه المقام.



و قد راعى القرآن الكريم ذلك أدق المراعاة في جميع ما ورد من مواطن



التوكيد. فهو في غاية الدقة في اختيار الألفاظ المؤكدة في وضعها في الموضع



المناسب بحسب طريقة فنية متقنة.


و لنضرب أمثلة على ذلك تكون مراقاة لما فوقها و من الله التوفيق:



1- اللــفــظ الــمــؤكــد:


قد يأتي القرآن الكريم بلفظ مؤكد في موطن و ينزعه في موطن آخر يبدو



شبيها به.


و من ذلك مثلاً :


أ‌- الاتيان باللام التي تفيد التوكيد: و ذلك نحو قوله تعالى:


(فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (29:النحل)


و قوله: (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين)

( 72:الزمر)


و قوله: (أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) (76:غافر)


فقد أدخل اللام في آية النحل على (بئس) فقال: (فلبئس مثوى المتكبرين) دون



الآيتين الأخريين إذ قال فيهما: (فبئس مثوى المتكبرين) و ذلك أنه في سورة



النحل وصف قوما أشد كفراً و أكبر جرما من المذكورين في آيتي الزمر و غافر



و ذلك أنهم ضلوا و أضلوا غيرهم و حملوا من أوزار اللذين يضلونهم علاوة



على أوزارهم هم فزاد عذابهم، فناسب ذلك زيادة اللام لتوكيد العذاب لهم



بخلاف المذكورين في الآيتين الأخريين، فإنه لم يصفهم بمثل هذا الوصف.




ب‌- ادخال نون التوكيد على الفعل في الموضع الذي يقتضيه:


نحو قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكوننّ من الممترين) (البقرة :147)


و قوله: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) (آل عمران:60).


ففي آيات البقرة من الأرجاف و الفتنة ما ليس في آية آل عمران،فاحتاج المقام



في البقرة الى التوكيد بخلاف آل عمران.




ت‌- التأكيد ب (إن):


نحو قوله تعالى: (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 129)


(فمن خاف من موص جنفاً أو اثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (البقرة:182).


فأنت ترى أنه في الآية الأولى لم يؤكد المغفرة بل قال (و الله غفور رحيم) أما



الآية الثانية أكد المغفرة بقوله : (إن الله غفور رحيم).


ذلك أن المقام في آية آل عمران هو في إذلال الكافرين و كبتهم و قطع طرف



منهم فلا يناسب ذلك توكيد المغفرة. أما المقام في آية البقرة مقام الإصلاح و



حفظ الموصي من أن يقع في جنف أو إثم. أفترى أن الذي يسعى في هذا لا



يستحق توكيد المغفرة؟.


ث‌- التوكيد بالحروف الزائدة:


من المعلوم أن ما يسمونه بالحروف الزائدة يفيد التوكيد في الأغلب.
و منه قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (282:البقرة).


زيدت (ما) مؤكدة على الشهداء حضور الشهادة عند الدعوة إليها بخلاف قوله تعالى:
(إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه)(282:البقرة).


و قوله: (و أشهدوا إذا تبايعتم) (البقرة:282).


و ذلك أن الشهيد قد يتباطأ أو يتكاسل أو ينكص عن الشهادة لأنه ليست له مصلحة خاصة به أو قد تلحق به ضرراً فاحتاج الى التوكيد(1).




ج‌- و قد يأتي بألفاظ التوكيد المعروفة في المواطن التي تقتضي ذلك و يتركها في مواطن أخرى تبدو شبيهة بها.


و من ذلك قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (البقرة:193)


و قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:39)


فاكّد الدين بلفظ (كل) في الأنفال بخلاف البقرة و ذلك لأن القتال في البقرة مع أهل مكة فحسب، أما في الأنفال فمع جميع الكفار و لذا عمّم (2).




ح‌- استعمال ضمير الفصل:

الذي يفيد التوكيد فتراه يستعمله استعمالا حسبما يقتضيه السياق و الفن.
و من ذلك قوله تعالى: (إن الله ربي و ربكم فاعبدوه) (آل عمران: 51).


و قوله: (و إن الله ربي و ربكم فاعبدوه) (مريم:36).


و قوله: (إن الله هو ربي و ربكم فاعبدوه) (الزخرف:64).


فزاد ضمير الفصل في آية الزخرف دون الآيتين الأخريين، و ذلك أن آية الزخرف قيلت في سياق عبادة عيسى و اتخاذه إلاهاً بخلاف غيرها، فناسب ذلك تأكيد ربوبية الله له.




2- اختصاص الحرف بالدلالة على التوكيد دون نظيره:
و قد يستعمل طريقة أخرى للدلالة على التوكيد و هي أن يختص حرفا



بالدلالة على التوكيد دون نظيره، و ذلك كاستعمال الهمزة و (هل) و



استعمال حروف النفي فهو يستعمل (هل) للتوكيد دون الهمزة ، و يستعمل



(ما) للتوكيد دون (ليس) و يستعمل (إن) آكد من (ما) بطريقة فنية عجيبة.


فمن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى:


(أفأُنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله اللذين كفروا و بئس المصير) (الحج:72).


و قوله : (هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ) (المائدة:60).


فاستعمل الهمزة و (هل) مع الفعل (نبأ) و عند النظر في الاستعمالين نرى أنه



استعمل (هل) لما هو آكد في الاستفهام،فأنت ترى أن في السياق الثاني قوة و



تبكيتاً لا تجده فيما قبله. فذكر أن الكفار اتخذوا الدين و النداء و الصلاة هزوا و



لعباً. و قد وصفهم بالفسق و عدم العقل، و أنهم لعنهم الله و غضب عليهم و



ليس الأمر كذلك في الآية التي قبلها و لذا جاء في الأولى بالهمزة (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم) و في الثانية بـ (هل) (قل هل أنبؤكم بشر من ذلك مثوبة عند الله).


3- تكرار اللفظ الذي يريد توكيده:


و قد يستعمل طريقة أخرى للتوكيد و هي تكرار اللفظ الذي يريد توكيده و ذلك نحو قوله تعالى:


(اللذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة كافرون) (الأعراف:45)


و قوله: (اللذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون) (هود:19).

فقد قال في آية الأعراف: (وهم بالآخرة كافرون)


و قال في هود: (و هم بالآخرة هم كافرون)


فزاد (هم) للتوكيد،و ذلك لما زاد على الأولين افتراء الكذب على الله.


فقد ذكر في الأعراف من صفات الظالمين أنهم يصدون عن سبيل الله و



يبغونها عوجاً.


و ذكرها في هود و زاد عليها افتراء الكذب على الله فقال:


(و من أظلم ممّن افترى على الله كذباً) (18)


ثم ذكر أن الأشهاد يقولون أمام الخلق :
(هؤلاء اللذين كذبوا على ربهم)(18) .


فلما زاد في صفات الضلال أكد فيهم صفة الكفر بزيادة (هم)،و زاد لهم في



العذاب فقال : (يضاعف لهم العذاب)،و زاد في صفة الخسران فقال :(هم الأخسرون).


فانظر الى جلال هذا التعبير و سموه.


4- تخفيف التوكيد:


و كما يؤكد القرآن التعبير قد يخففه إذا اقتضى المقام ذلك، و ذلك كأن يأتي



بـ (إن) المخففة و نون التوكيد الخفيفة للدلالة على تخفيف التوكيد حسبما



يقتضيه الحال.


و من ذلك قوله تعالى على لسان امرأة عزيز مصر في يوسف:


(و لئن لم يفعل مآ ءامره ليسجنن و ليكوناً من الصاغرين) (يوسف:32).


فقال: (ليسجننّ) بنون التوكيد الثقيلة


ثم قال (و ليكوناً من الصاغرين) (32) بتخفيف النون.


قالوا و ذلك "أن امرأة العزيز كانت أشد حرصاً على سجنه من أن يكون صاغراً(3) فزاد نوناً حيث اقتضى المقام زيادة التوكيد، و خفف حيث اقتضى تخفيفه.


5- زيادة التوكيد:
و كما يخفف التوكيد قد يزيد فيه اذا اقتضى الكلام ذاك، و من ذلك قوله تعالى:


(إن ربك سريع العقاب و إنه لغفور رحيم) (الأنعام:165)
و قوله: (إن ربك لسريع العقاب و إنه لغفور رحيم) (الأعراف:167).


فأكد سرعة العقاب ب (إن) و اللام في الأعراف فقال: (لسريع العقاب).
أما في الأنعام فأكده بـ (إن) فقط.


و ذلك أن الآية في سورة الأعراف ذُكرت في سياق العقوبات العاجلة

في الدنيا، و أن الآية في الأنعام ذُكرت في سياق العقوبات الآجلة في الآخرة.


فلما عجل لهم العقوبة في الدنيا في سورة الأعراف أكد سرعة العقاب بإن و اللام.
و لما أمهلهم الى يوم القيامة في سورة الأنعام قلل توكيد سرعة العقاب

لانه لم يسرع في عقوبتهم بل أمهلهم.


(1) انظر (معاني النحو) 4/477-478.
(2) انظر (ملاك التأويل) 1/117 و ما بعدها.
(3) حاشية الصبان 3/212 و انظر التصريح 2/302.


http://im69.gulfup.com/0xGmxo.gif


من كتاب "التعبير القرآني"
للدكتور فاضل السامرائي

الحياة أمل
2014-05-01, 04:06 PM
سبحآن الله !
مآ أعظم القرآن ومآ أعظم مُنزله !
بآرك الرحمن فيك أخية وزآدك من فضله ...~

ياسمين الجزائر
2014-05-03, 03:22 PM
و فيك بارك الله اختي الفاضلة

حياك الله

و شكرا لمرورك الجميل و الطيب

ـآليآسمين
2014-05-04, 03:32 PM
جزاكـ الله خيرا أختنا ياسمين
رزقكـ ربي غاية ـآلسعادة وـآلسرور
:111: