المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتن العظام - احاديث و شرحها


العراقي
2014-05-02, 01:08 AM
http://www.sunnti.com/vb/images/icon_m/icon4.gif- عن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رضي الله عنه قال : « وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ : مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ قَالَ حُذَيْفَةُ فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي . ([1])
شرح :
- هذا الحديث فيه إشارة واضحة إلى سعة إطلاع حذيفة في الفتن ، ويتضح من الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهب الحديث بخصوص الفتن ، لدرجة أنه لم يترك ذكر الفتن الصغار التي شبهها حذيفة برياح الصيف ، وذلك إشارة إلى سرعة تقلبها وزوالها ، سواء كانت هذه الفتن كبيرة أو صغيرة إلا أنها محدودة الزمن وإن كانت شديدة الأثر .
- الحديث السابق فيه تصريح من حذيفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد الفتن الواقعة في الأمة ، ويصنفها ، وهذا إشارة واضحة إلى أن الرعيل الأول كان عندهم وضوح رؤية بخصوص الفتن التي تعصف في الأمة إلى قيام الساعة .
- ذكر الحديث فتن ثلاث عظام هن أخطر ما تبتلى به الأمة ، وقد وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن لا يكدن يذرن شيئاً ، وذلك إشارة إلى عموم الهلاك بالأنفس والأموال فيهن ، وهؤلاء الفتن الثلاث العظام يختلفن عن الفتن الكبار المشبهات برياح الصيف ؛ فقد تكون الفتنة كبيرة أو شديدة الأثر ، إلا أن الهلاك بها لا يعم ، وكذلك زمانها لا يطول ، أما الفتن العظام فظاهر الحال يشير إلى عمومهن في حق الأمة مع طول بقائهن ، وعمق النتائج والآثار المترتبة عليهن ، وهذا واضح في الفتنة التي تموج موج البحر ، والتي بدأت بمقتل عثمان ، فهذه الفتنة تتميز بطول أمدها ، وعمق أثرها ، ويكفي القول أن أثرها يمتد في الأمة إلى يومنا هذا .

http://www.sunnti.com/vb/images/icon_m/icon4.gif- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : {يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنٍ فِي آخِرِهَا الْفَنَاءُ} . ([2])
شرح :
- هذا الحديث يشير إلى الفتن العظام ، وجاء بيان أنهن أربع فتن ، والحديث السابق أشار إلى ثلاث فتن ، ولا تعارض بينهن ، وفي ظني أن الحديث الذي أشار إلى ثلاث فتن لم يذكر الفتنة التي تموج موج البحر ، وكأن حذيفة قد اعتبرها فتنة منفردة ؛ حيث كان الحديث عنها يتعلق بالرعيل الأول ، وله حديث يختص بذكرها ؛ لذا اقتصر في حديثه على الفتن العظام اللاتي يأتين بعدها في حق الأمة ، واللواتي يتميزن بأن الهلاك بهن عام ، أما في حديث عبد الله فسياقه يشير إلى أنه يخبر عن عدد الفتن العظام الكائنة في الأمة ؛ لذا أمكن اعتبار الرابعة هي التي تموج موج البحر ، أو أن الرابعة هي الدجال ، ويعزز القول الأول عدة آثار منها :عن حذيفة بن اليمان قال : « في الإسلام أربع فتن تسلمهم الرابعة إلى الدجال » ([3]) وعن أبي هريرة « أربع فتن تأتي الفتنة الأولى فيستحل فيها الدماء والثانية يستحل فيها الدماء والأموال والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته » ([4])
وفي أثر عن أي هريرة يشير إلى مدة بقاء الفتنة الرابعة مما يشير إلى أنها غير فتن الدجال حيث يقول « تدوم الفتنة الرابعة إثنا عشر عاما تنجلي حين تنجلي وقد أحسرت الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه من كل تسعة سبعة» ([5]) وهذا صريح في كونها غير فتنة الدجال .
ويعزز القول الأخير بأن الرابعة هي الدجال أثر عن عمران بن حصين فيه : « تكون أربع فتن : الأولى يستحل فيها الدم . والثانية يستحل فيها الدم والمال , والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج , والرابعة الدجال » ([6])
خلاصة القول هناك اختلاف بين الصحابة في المراد بالفتن الأربع ، وإن كان أكثرهم يتفق على أن المهلكات هي أربع .

http://www.sunnti.com/vb/images/icon_m/icon4.gif- عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قال : { كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ
فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ ؟
قَالَ: هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ } . ([7])
شرح الغريب :
الأحلاس : جمع حلس ، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب ، شبه هذه الفتنة بالحلس لدوامها وطول لبثها وملازمتها للناس ؛ أو هي الكساء الذي يوضع في البيوت تحت حر الثياب ،ويكون المراد بذلك أن هذه الفتن سوداء مهلكة لا يسلم منها إلا من لازم بيته .
السراء : المراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء ، و من معاني السراء أيضاً البطحاء ؛ أي فتنة الصحراء ([8])
ورك على ضلع : مثل يراد به بيان عدم المناسبة أو الثبات والاستقامة بين أمرين لكونهما غير متجانسين ؛ أي أن هذا الرجل الذي اصطلحوا عليه غير خليق بالولاية ، ولا يتناسب لها كما أن الورك لثقله لا يثبت على الضلع ، ولا يستقيم عليه لاختلاف ما بينهما ، والمراد به في الحديث أن الناس يصطلحون على أمر واه أو رجل غير أهل للولاية أو غير خليق بالحكم لقلة علمه وخفة عقله ، أو لأسباب أخرى .
الدهيماء : أي المظلمة ، وهي تصغير دهماء ، والدهماء : السوداء ، والتصغير هنا يراد به التعظيم ، وقيل أن المراد بالدهماء الفتنة الداهية ، ومن اسماء الدهيماء أيضاً الدهيم ، والدهيم اسم ناقة كان قد غزا عليها سبعة إخوة فقتلوا عن آخرهم ، وحملوا عليها حتى رجعت بهم ، فصارت مثلاً في كل داهية .
شرح :
هذا الحديث يعتبر العمدة في بيان الفتن العظام التي تعصف في الأمة الإسلامية ، والحديث يشير إلى ثلاث فتن عظام ، والملاحظ أن الأولى لا تنطبق من جميع الوجوه على الفتنة التي تموج موج البحر ، والتي سبق بيان المراد بها في الفصل الأول، وهذا يشير إلى أن الفتن الثلاث العظام غيرها . وتفصيل المراد بهذه الفتن على النحو التالي :
الفتنة الأولى : فتنة الأحلاس .
لاحظنا من التعريف اللغوي لكلمة الأحلاس ، أنها تتضمن معنى الملازمة والدوام ، وهذا يجعلنا نتصور المراد بفتنة الأحلاس أنها الفتنة التي تبرز تشيع الأمة إلى فرق ، وإذاقة بعضهم بأس بعض ، وهي الفتنة الأطول عمراً في حق الأمة ، بدأت إرهاصاتها في أواخر عهد الصحابة ، وبدأت تتجذر في الأمة ، وهي من عصر لآخر ومن موقع لآخر ما بين اشتعال أو انحسار إلا أنها في غالب الأحوال موجودة في الأمة .
ويعزز هذا التصور أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بها بأنها هرب وحرب ، ويؤكد ما ذكرت أن الباس الأمة لشيع ، وإذاقة بعضهم بأس بعض هي العقوبة الوحيدة في الأمة التي سأل النبي ربه برفعها عن أمته فلم يُستجب له فيها لأنها من القدر الحتمي في حقها ، وفي ظني أن هذه الفتنة طويلة الأمد والملازمة للأمة قد بدأت بعد الفتوحات الإسلامية ، وهذه المرحلة يشير إليها هذا الأثر َ عَنْ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْإِسْلَامِ مِنْ مُنْتَهَى ؟ قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: { أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْعُجْمِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ قَالَ : ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ : ثُمَّ تَقَعُ الْفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ قَالَ : كَلَّا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ثُمَّ تَعُودُونَ فِيهَا أَسَاوِدَ صُبًّا (_ ) يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ} ([9])
هذا هو تصوري عن فتنة الأحلاس ومداها في الأمة ، ووفق المعنى الثاني لكلمة الحلس ، وهو الكساء الملقى في أرضية البيوت تحت حر الثياب يمكن القول أن النجاة من هذه الفتنة المتعلقة بالدماء هو ملازمة البيت ، وعدم مشاركة القوم .
الفتنة الثانية : فتنة السراء .
- هذه الفتنة يتضح من معاني ألفاظها أنها إما تتعلق بحالة النعيم والترف التي تقع فيها الأمة في بعض مراحلها أو أن سبب اشتعالها هو الطمع في الدنيا ونعيمها والتوسعة فيه ؛ أو أنها تحكي فتنة مؤثرة على الأمـة جميعاً ويكون موطنها الأول البطحاء ( الصحراء ) ، ووفقاً للرأي الأخير لا بد أن يكون لهذه الفتنة أثر مفصلي يخص الأمة جميعاً ، وينقلها من مرحلة سياسية إلى أخرى ، وفي الغالب إلى الأسوأ .
- الملاحظ أن هذه الفتنة قد ارتبطت بشخص من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي هو سبب إشعالها في الأمة ، والحديث يشير إلى أن هذا الرجل الذي أشعلها قد استغل كونه من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليجذب تعاطف الناس معه في حربه أو فتنته التي أوقدها ، وهذا الاستغلال يرشد إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم « يزعم أنه مني»
- نفي النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل ليس منه ليس معناه أنه ليس من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو من باب قول الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } ([10]) لذا عقب النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفيه لكون هذا الرجل منه بقوله : « إنما أوليائي المتقون » أي أهل بيتي الذين ينتسبون لي حقاً هم أهل التقوى والصلاح منهم ؛ لذا النفي المقصود إنما هو من هذا الوجه ، أما من حيث النسب فهو من أهـل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح النبي صلى الله عليه وسلم في بداية حديثه عن هذه الفتنة .
- يظهر من سياق هذه الفتنة أنها متعلقة بجانب سياسي يتعلق بالأمة ؛ لذا كان من نتائجها أن الناس يصطلحون على رجل يقودهم ، وهذا الرجل لا يتناسب أبداً للولاية كما لا يستقيم الضلع على الورك ، وهذا المثل يشير إلى التنافي الحاصل بين هذا الوالي ورعيته ، وقد يكون هذا إشارة إلى بداية عهد الحكومات الجبرية التي تكون بعد الملك العضود ، والذي انتهى بسقوط الخلافة العثمانية .
- في ظني أن فتنة السراء أو البطحاء قد وقعت من عقود كثيرة مضت ، أو من قرابة قرن ، ولها علاقة كما ذكرت بتغير جوهري في النظام السياسي من مرحلة الملك العضود إلى مرحلة الحكومات الجبرية ذات التوجهات المنافية لطبيعة رسالة الأمة .
الفتنة الثالثة : فتنة الدهيماء .
- تعتبر فتنة الدهيماء هي الأخطر في الفتن الثلاث ، وهي الممهدة لخروج الدجال ، ودلائل السياق تشير إلى أنها من الفتن العامة التي تبتلى بها الأمة ، وهي بذلك الأشبه بفتنة الدجال ، فالمعلوم أنه ما من فتنة في الأرض إلا وتمهد لخروج الدجال ، وآخر الفتن الممهدة هي الدهيماء ؛ لذا بتصور أن تكون قريبة منها من حيث التأثير على الأمة ، ومن حيث المواصفات .

- يلحظ في الحديث أنه ذكر أهم مواصفات هذه الفتنة ، وهي على النحو التالي :
1- فتنة عامة :
أي تعم المسلمين جميعاً ؛ بحيث يذوق من نيرها الجميع ، أو تعم الأرض كاملة ، وهذا العموم عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله « لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَة » .
2- فتنة متجددة طويلة الأمد :
أي أن هذه الفتنة تطول على الأمة ؛ بحيث لا يتصور متى نهايتها ، وعلى العكس كلما خبت شدتها ، وتصور البعض أن نهايتها قد اقتربت تجددت من جديد ، وبشكل أوسع مما كانت عليه ، وهذا عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ » .
3- فتنة ممحصة ترتكز على الشهوات والشبهات :
هذه الفتنة سوداء مظلمة يجول فيها شياطين الإنس والجن ويصولون مستخدمين كل حبائلهم الشيطانية على مستوى استغلال الشهوات أو بث الشبهات ، وهي فتنة واسعة التأثير على القلوب ، بل مؤثرة في نظرة الناس للحقائق مما يعزز أن للإعلام دوراً واسعاًً فيها ، وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم« إن من البيان لسحراً » ؛ لذا يستخدم البيان واللسان فيها من خلال الإعلام بأقصى درجاته ليسحر قلوب الناس وأعينهم فيروا الحق باطلاً والباطل حقاً ، وهذا عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا »
4- فتنة الحصاد والغربلة والتمييز :
الملاحظ من سياق الحديث أن هذه الفتنة لا تنتهي إلا وقد حصدت الكثيرين من ضعاف الإيمان ، والمتذبذبين بحيث لا يبقى خارجها ، أو خارج تأثيرها إلا قلة من أهل الإيمان الذين زادتهم الفتنة خلوصاً واستخلاصاً لله ؛ فثبتوا في الميدان على أنهم طائفة الحق ؛ بحيث يميزون بمعتقدهم و توجهاتهم وصفاتهم وسلوكهم عمن حولهم ، وهذا المعنى عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله « حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيه »
وهذا التعبير يشير إلى أن الناس قبل الدهيماء لا يمكن التمييز بين مؤمنهم ومنافقهم ، بل كان حال الناس وتصرفاتهم تتراوح بين الأمرين ، أما بعدها فقد حصل الخلوص والاستخلاص الكامل إلى فئتين: الأولى هي فئة الإيمان المحض بحيث لا يوجد فيهم منافق ، وفئة النفاق المحض الذي لا إيمان فيه ؛ وهذا لا يتصور إلا إذا كانت الشدائد في آخر هذه الفتنة بأعلى الدرجات ؛ وهذا ما يجعل الكثيرون يختارون طريق النفاق المحض لأنه يحقق لهم مآربهم الدنيوية التي كانوا يرتعون فيها قبل هذه الفتنة .
5- الفتنة الأقرب لفتنة الدجال في المواصفات والتوقيت :
وهذا يرشد إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: « فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ »
حيث يتضح من العبارة السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط بين زمان هذه الفتنة وبين خروج الدجال ، هذا من ناحية التوقيت لها ، أما من حيث المواصفات ، فهذا استنتاج عقلي لازم يقتضيه السياق ؛ إذ يتصور أن الفتنة الأقرب للدجال في الزمان تكون أشبه بها من حيث المواصفات ، ولعل أهم مواصفات فتنة الدجال أنه يمتلك قدرات خارقة مؤثرة ومهيمنة على الكرة الأرضية ، وأنه يدعي الربوبية والألوهية وهذا ناتج عن قدرته التي لا تضاهى في ذلك الزمان ، والأمر الثالث أنه نصب نفسه في الأرض لملاحقة أهل الله ومطاردتهم وبث الشبهات حولهم ، والتضييق على من يساندهم ؛ لذا القرية التي لا تتبعه تحاصر اقتصادياً وتصبح محلاً ، والقرية التي تؤمن به وتسانده يغدق عليها من عطاياه ؛ فالدجال ليس له إلا شعار واحد إما معي وإما علي .

اثار تربط فتنة الدهيماء بانتفاضة الاقصى و احداث الشام :

المجموعة الأولى من الآثار :
عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تأتيكم بعدي أربع فتن الأولى يستحل فيها الدماء . والثانية : يستحل فيها الدماء والأموال والثالثة : يستحل فيها الدماء والأموال والفروج . والرابعة : صماء عمياء مطبقة تمور مور الموج في البحر حتى لا يجد أحد من الناس منها ملجأ – وفي رواية لا يبقى بيت من العرب والعجم إلا ملأته ذلا وخوفا - تطيف بالشام ، وتغشى العراق ، وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها ، وتعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم ثم لا يستطيع أحد من الناس يقول فيها مه مه ثم لا يعرفونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى } ([11])
وفي رواية : {... فالرابعة منها الصماء العمياء المطبقة تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم . } ([12])
وفي رواية : {... في الفتنة الثالثة فتنة الدهيم ويقاتل الرجل فيها لا يدري على حق يقاتل أم على باطل} ([13])
أقول :
الشاهد في هذا الأثر أن هذه الفتنة أول ما تطيف إلا بالشام ؛ أي أن بدايتها أو طيفها الأول يكون بالشام ، ثم تغشى العراق مما يشير إلى أن البلاء في العراق يكون أعظم بكثير ، أما الجزيرة العربية فإن هذه الفتنة تخبطها بيدها ورجلها ؛ أي أن للجزيرة نصيباً منها إلا أنه أخف حدة من العراق ، إنما هي خبطة أو خبطتان .
كذلك في الأثر إشارة إلى إنه لا يجد إنسان منها ملجأ في الأرض ، والمتتبع لحرب الإرهاب المصطنعة في كل العالم اليوم يفهم دلالات هذه العبارة .
وهذا الوصف الدقيق لفتنة الدهيماء أليس هو عين ما تعيشه الأمة اليوم بصورته الكاملة .
المجموعة الثانية من الآثار :
عن أبن مسعود رضى الله عنه قال : « كل فتنة شوى حتى تكون بالشام فإذا كانت بالشام فهي الصليم وهي المظلمة » ([14])
و عن كعب قال : « لا تزال الفتنة مؤامر بها ما لم تبدو من الشام » « الغربية هي العمياء » ([15])
و عن أبي العالية قال : « أيها الناس لا تعدوا الفتن شيئا حتى تأتي من قبل الشام وهي العمياء » ([16])
« وعن عصمة بن قيس السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعوذ من فتنة المشرق قيل له فكيف فتنة المغرب ؟ قال : تلك أعظم وأعظم . وفي رواية أخرى ، أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب » ([17])
أقول :
مجموع هذه الآثار يشير إلى أن الفتنة العمياء منبعها من الشام الذي يكنى في عرف العرب قديما بالغرب ؛ لذا قولهم الفتنة الغربية أي الفتنة الخارجة من جهة الشام ، والفتنة الشرقية الفتنة الخارجة من جهة العراق أو نجد أو إيران ونحوها . والمعلوم أن الفتنة العمياء هي عينها فتنة الدهيماء ، ويكون الشاهد من مجموع هذه الآثار أن كثيراً من السلف الصالح كانوا يرون أن فتنة الدهيماء منبعها من الشام .
المجموعة الثالثة من الآثار :
- عن سعيد بن المسيب قال : « تكون بالشام فتنة كلما سكنت من جانب طمت من جانب فلا تتناهى حتى ينادي مناد من السماء إن أميركم فلان . » ([18])
عن كعب يقول : « إذا ثارت فتنة فلسطين فردد في الشام تردد الماء في القربة ثم تنجلي حين تنجلي وأنتم قليل نادمون . » ([19])
عن ابن سيرين أنه كان إذا جلس قال : « هل جاءكم شيء من قبل خراسان هل جاءكم شيء من قبل الشام » ([20])
وعنه أيضاً بنفس السند السابق « أما لبنات العلاء بن زياد من يخرجهن من الشام فإنا كنا نتحدث أنه يكون بالشام فتنة » ([21])
أقول :
الشاهد في الأثر الأول عن ابن المسيب أنه تحدث عن فتنة بالشام وذكر لها وصفاً مطابقاً لفتنة الدهيماء ، أما الأثر الثاني عن كعب فحددها بأنها في فلسطين وبنفس الوصف المذكور في فتنة الدهيماء ، وأما الأثر الثالث عن ابن سيرين فقد ربط فيه ابن سيرين بين الشام وخراسان وكأن هناك علاقة واضحة عنده بين حدثين يقعان في الشام وخراسان ؛ لذا يستفسر دائماً عن هذين الموقعين بالذات ،والسياق يشير إلى أن لهذين الحدثين علاقة بفتنة معينة ، وقد حددها في الأثر الرابع عنه ؛ حيث صرح بأن هناك فتنة بالشام، والملاحظ في عصرنا أن هناك علاقة بين حدث هام في الشام وحدث هام في خراسان ( الحرب ضد أفغانستان ) ، والمعلوم أن لهذين الحدثين أثراً واضحاً على عموم العالم الإسلامي .


==== المصادر ====
([1]) أخرجه مسلم في الفتن برقم 2891 [ مسلم بشرح النووي ( 9/214) ]
([2]) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم 4223 [ عون المعبود ( 11/ 307) ] ؛ وابن أبي شيبة برقم 37568 [ المصنف ( 7/503) ] ؛ وفي رواية أبي داود مجهول إلا أن للحديث عدة شواهد .
([3]) ابن حماد : الفتن برقم 79 ( 29)
([4]) ابن حماد : الفتن برقم 88 ( 32 )
([5]) ابن حماد : الفتن برقم 922 ( 233)
([6]) ابن حماد : الفتن برقم 84 ( 30 )
([7]) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم ، وأحمد في مسند المكثرين برقم 6173 [ المسند ( 2/ 181) ] ؛ والحاكم في الفتن برقم 8441 ، و قال عنه صحيح الإسناد وأقره الذهبي [ المستدرك ( 4/513 ) ]
([8]) ابن منظور : لسان العرب ( 4/ 362 وما بعدها)
(_ ) الأساود هي نوع من الأفاعي التي تنتصب عند هجومها على الفريسة ، والمراد بها في الحديث بيان شراسة الاقتتال الداخلي الواقع في الأمة .
([9]) أخرجه أحمد في برقم 15923 [ المسند ( 3/ 580) ] ؛ وابن حبان برقم 5956 [ صحيح ابن حبان ( 13/287) ] ؛ والحاكم في الفتن برقم 8403 ، وقال : صحيح الإسناد [ المستدرك (4/508 ) ] قال الهيثمي : رواه أحمد والبزار والطبراني بأسانيد و أحدها رجاله رجال الصحيح [ مجمع الزوائد ( 7/305 ) ]
([10]) هود:46
([11]) ابن حماد : الفتن برقم 87 ،651 [ الفتن (31) ( 159) ]
([12]) ابن حماد : الفتن برقم 125 وإسناده حسن [ الفتن ( 39) ]
([13]) ابن حماد : الفتن برقم 106 [ الفتن ( 36) ]
([14]) ابن حماد برقم 636 ، و إسناده ضعيف [ الفتن ( 156) ]
([15]) ابن حماد برقم 638 [ الفتن ( 156) ]
([16]) ابن حماد : الفتن برقم 637 [ الفتن ( 156) ]
([17]) أورده الهيثمي وقال : أخرجه الطبراني ورجاله ثقات [ مجمع الزوائد ( 7/220) ]
([18]) ابن حماد برقم 649 [ الفتن 158) ]
([19]) ابن حماد : الفتن برقم 651 ، وإسناده ضعيف [ الفتن ( 158) ]
([20]) ابن حماد : الفتن برقم 652 ، قال محققه إسناده حسن [ الفتن (159)
([21]) أخرجه ابن حماد بنفس السند السابق ، ويحمل نفس الرقم

منقول من مدونة د . محمد احمد المبيض

الحياة أمل
2014-05-02, 04:55 AM
أعآذنآ الله وإيآكم من الفتن مآ ظهر منهآ ومآ بطن
اللهم توفنآ وأنت رآضٍ عنآ وأحسن خآتمتنآ ...~

ـآليآسمين
2014-05-17, 02:14 PM
نعوذ بالله من ـآلفتن ما ظهر منا ومابطن
ومن فتنة ـآلمحيا وـآلممات وفتنة ـآلمسيح ـآلدجال
جزاكمـ الله خيرا وباركـ فيكمـ
:111:

الـحـربـي24
2014-05-18, 07:10 AM
بارك الله فيك على الموضوع القيم
لك مني أجمل التحيات
وكل التوفيق لك يا رب