المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة القواعد الفقهية وتطبيقاتها... قاعدة رقم (66)


ابو محمد العراقي
2014-05-07, 12:35 AM
كل مؤْذٍ يسن قتله، سواء كانت الأذية طبيعته أم حدثت له بعد ذلك (1)


يتضح من القاعدة الفقهية: أنَّ كل ما يؤذي الإنسان أو مقتنياته ونحو ذلك، فهذا يجوز قتله، إذا لم تندفع أذيته إلاَّ بالقتل، ما لم يكن من الحيوانات التي أمر الشرع بقتلها كالفأرة والحية والعقرب ونحو ذلك، فهذه لا يُتوقف في قتلها على دفع أذيتها بغير القتل.

والقاعدة قسمت المؤْذيات إلى قسمين:
1- مؤْذيات بطبيعتها وأصلها كالعقرب والأسد والكلب العقور ونحو ذلك.
2- مؤْذيات حدثت عرضاً، كأن يكون حيواناً أليفاً، لكن حدث منه تعدٍ للمقتنيات، كالهر مثلاً، فهذا إذا لم يندفع إلاَّ بالقتل قتل.

ويمكن تقسيم الحيوانات باعتبار حكمها إلى ثلاثة أقسام (2):
الأول: ما أمر بقتله وهي كل المؤذيات (3).
الثاني: ما نهي عن قتله، وهي أربعة: النحلة، والنملة، والهدهد، والصرد (4).
الثالث: ما سكت عنه، فهذه الأصل أن لا تقتل، ولكن هل يباح؛ لأن نهي الشارع عن قتل شيء بعينه يدل على جواز غيره، أو لا يباح؛ لأن أمر الشارع بقتل شيء يدل على أن غيره لا يقتل؟ الظاهر الأول وأن الأصل الإباحة (5)، اللهم إلا أن يخشى الإنسان على نفسه أن يكون بقتله لهذه الأشياء محباً للعدوان فحينئذ يجب أن يمنع نفسه (6).

دليل القاعدة:
من أدلة القاعدة على سُنية قتل المؤْذي من الحيوانات، إباحته صلى الله عليه وسلم بقتل خمس من الفواسق، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «حدثتني إحدى نسوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور (7) والفارة والحُديا والغراب والحية قال وفي الصلاة أيضا (8)».
فهذه الحيوانات الخمسة أُبيح قتلها؛ لما فيها من أذية بطبيعتها وخِلْقَتِها، سواء في حلٍّ أو حرم.
وأما ما يصدر من أذية عدائية (9)، كإنسانٍ صائل فهذا يُدفع بالممكن فإن تعذر إلاَّ بقتله فيُقتل، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار (10)».
قال الإمام النووي –رحمه الله-: "ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله اذا طلب شيئاً يسيراً كالثوب والطعام وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير (11)".إهـ.

وبما أنَّ القتل لدفع عدوان مثل هذا الصائل ليس بواجب، وإنما هو مباح ورخصة (12)، لذا فالأولى إذا دُفع شره بما هو دون القتل، كتخويفه أو طعنه ونحو ذلك فالأولى هذا، لإنَّ الحديث لو تأملناه وجدنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: «قاتله» ولم يقل: «أُقتله» ولا يلزم من المقاتلة القتل بل قد يُدفع شره بما ذكرنا (13). والله أعلم.

تطبيقات فقيهة على القاعدة:
المثال الأول: "للإنسان أن يقتل الهر بأكل اللحم، ولكن هل يشترط أن يكون ذلك حين أكل اللحم أو ولو بعد مفارقة الأكل؟.
قال بعض الأصحاب: إنَّ له ذلك حال كونه يأكل، وعليه فيكون قتله من باب دفع الصائل، وأما إذا فرغ من الأكل فلا يقتله، والمذهب أن له أن يقتله ولو بعد فراغه من الأكل؛ لأنه معتد (14)".

المثال الثاني: يجوز للراقي قتل الشيطان إذا لم يندفع أذاه عمَّن تلبس به إلاَّ بقتله، وقتله هو من باب دفع الصائل، يقول شيخ الإسلام: "فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادي، فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته، فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه وقد يفعل معه فاحشة إنسي بإنسي، وإن لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله(15)".إهـ
-------------------------------------
(1) الشرح الممتع (4/444).
(2) الشرح الممتع (10/205، ط: ابن الجوزي).
(3) كالفأرة والعقرب ونحو ذلك.
(4) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيح الجامع برقم (879) أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«أربعة من الدواب لا يقتلن : النملة و النحلة و الهدهد و الصرد». وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد». فهنا ذكر الضفدع فيضاف تحريمها إلى ما سبق.
والصرد: طائر فوق العصفور أبقع ضخم الرأس. قاله المناوي في: التيسير بشرح الجامع الصغير (2/918).
(5) كالصيد المباح.
(6) هذه علة أولى، والثانية: أن لا يُتخذ ذلك لهواً وعبثاً من غير حاجة.
(7) قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم (8/114-115): "قال: جمهور العلماء ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف بل المراد هو كل عاد مفترس غالباً كالسبع والنمر والذئب والفهد ونحوها وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء".إهـ
(8) أخرجه مسلم، برقم (1200).
(9) ليست عدائية طبيعية وإنما عدائية حصلت عرضاً.
(10) أخرجه مسلم، رقم (140).
(11) شرح النووي على صحيح مسلم (2/165). ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع (28/319): "ويجوز للمظلومين - الذين تراد أموالهم - قتال المحاربين بإجماع المسلمين، ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير إذا أمكن قتالهم".إهـ
(12) يقول العلامة ابن القيم في الفروسية (188): "دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد".إهـ
(13) يقول الشيخ ابن عثيمين في الممتع (4/450-451): "فالصائل على النفس، أو الصائل على العرض، أو الصائل على الأهل، أو الصائل على المال، كل هذا يدافع بالاسهل فالاسهل، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل فقتله فلا ضمان عليه"إهـ
وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموعه (28/540): "وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطاً من دينار ".إهـ فقول شيخ الإسلام: "إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل"، فمفهوم المخالفة أنَّه إذا اندفع بغير القتل جاز ذلك. وهذا واضح.
(14) الشرح الممتع (10/205، ط: ابن الجوزي).
(15) مجموع الفتاوى (19/56).

الحياة أمل
2014-05-07, 01:56 AM
أحسن الله إليكم وبآرك فيكم
وفقكم الرحمن لكل خير ...~

عبدالرحمن
2014-05-07, 02:36 AM
بآرَكَ اللهُ فيكُمْ

مَعلومآتْ جِداً قيمَه

-( اللهُمَ صَّلِ ع مُحَمدٍ وآلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلمْ )-

الـحـربـي24
2014-05-07, 07:06 AM
جزاك الله خيرا

مناي رضا الله
2014-05-07, 11:56 AM
جزاك الله خبر

ـآليآسمين
2014-05-07, 02:13 PM
جزاكمـ الله خيرا ونفع بكمـ
اغناكمـ ربي بالعلمـ وـآلمكرمات
:111:

زهرة الاوركيد
2014-05-07, 06:07 PM
جزاكمـ الله خيرا ونفع بكمـ
اغناكمـ ربي بالعلمـ وـآلمكرمات
:111:

اوراق الخريف
2014-05-07, 07:44 PM
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم

فجر الإنتصار
2014-05-08, 09:13 AM
نفع الله بكم وأحسن اليكم
جزاكم الله خيرا