المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي


نبيل
2014-05-27, 07:10 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

قصة كعب بن مالك رضي الله عنه

الدكتور عثمان قدري مكانسي



تخلف كعب بن مالك (1) رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك من السنة التاسعة للهجرة من شهر رجب فقال:

لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك.. تخلفت عنها وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتجهزوا جميعاً للخروج معه.
غير أني تخلفت كذلك في غزوة بدر أول قتال بين المسلمين والكافرين، ولم يعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً ممن تخلف عنها، فقد كان يريد عير قريش القادمة من بلاد الشام، فخرج ومن كان معه من أصحابه، لا يريدون قتالاً، لكن الله تعالى قدره لأمر يريده سبحانه، فجمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ونصرهم عليهم، فكان ذلك وسام فخر لمن حضرها، فكان يقال له: البدري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر في كل مناسبة مادحاً البدريين قائلاً:
(( كأن الله اطلع عليهم فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )).

ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، فكنت من أوائل الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعلى أثرة علينا .. وأن نكون دعاة إليه سبحانه. وانطلقت الدعوة الوليدة إلى المدينة على أيدينا، فكنا لا نعدل بهذه البيعة مشهداً آخر، وما أحِبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدرٌ أذكَرَ في الناس منها.

أما قصة تخلفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقد كانت درساً بليغاً لي ولغيري ممن عقلها. فقد كنت إذ ذاك غنياً موسراً، صحيح البنية قادراً على تجهيز نفسي لهذه الغزوة التي ندبنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون عَنَتٍ أو تكلف، بل أستطيع تجهيز عدد ممن عذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفقرهم، أو ضعف ذوات أيديهم.

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، وأوهم أنه يريد سواها، والحرب خدعة، فكان المشركون يُؤخذون على حين غَرّة، ويخافون أن يدهمهم المسلمون كل لحظة فكانوا – دائماً – على خوف ووجل، وزرع الله في قلوبهم الرعبَ والفزع فما يقرّ لهم قرار، وهكذا يجب أن يكون المسلمون مع أعدائهم .. إلا في هذه الغزوة فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بوجهته التي يريد، لأسباب عدة منها:

1 ـ أن المسافة بين المدينة وتبوك طويلة جداً.

2 ـ وأن الطريق مفاوز وصحارى، يجب الاستعداد لها أتم الاستعداد.

3 ـ وأن العدو قوي عدَّةً وعدداً، فهم الروم أكبر دولة، وأشرس عدو.

4 ـ وأنه صلى الله عليه وسلم يريد تجنيد أوفى عدد من المسلمين، فأرسل إلى القبائل كلها يأمرهم أن يشتركوا في هذه الغزوة.

5 ـ وأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يثأر للمسلمين في غزوة مؤتة من عدوهم الذي فاق عدده المسلمين عشرات المرات.

6 ـ وأنه مصمم على إثبات وجود هذه الدولة الناشئة في جزيرة العرب، وعلى الروم أن يفكروا ألف مرَّة قبل أن يهاجموها.

وأجاب المسلمون نبيَّهم، فوفدوا إلى مدينته صلى الله عليه وسلم، فكانت تعُج بهم، بعضهم حمل معه جهازه، ومنهم مَن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهِّزَه، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى البذل والعطاء، فالأمر يحتاج إلى ذلك، وبذل المسلمون، فهذا الصديق رضي الله عنه يضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ماله، وهذا عمر رضي الله عنه يقدم نصف ما يملك، وهذا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه يجهِّز الحملة كلها، فقدّم ألف بعير محمّل بالزاد حتى دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم له بالخير، وبشره بالجنة فقال: (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم )).

ولم يبخل الصادقون منهم بما يستطيعون، وهل يمتنع المسلمون عن اكتساب فرص الفوز برضا ربهم جلَّ شأنه ونبيهم الكريم؟! إنها نفحات مَنْ تعرّض إليها أفلح ونجا.
ولم يكن هناك ديوان يجمع المسلمين، يحصيهم ويتابعهم، فالدولة ما تزال فتيّة، وكل جندي إذ ذاك متكفل بنفسه، فمن عنَّ على باله التأخر أو التخلف وعدم المشاركة في الغزو، فقد يضيع في زحمة هذا الزخم المتدفِّق على المدينة، ولن يعرف بغيابه أحد إلا إذا نزل فيه وحي يفضحه، ويكشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين أمره.

كان الصيف حاراً، والسفر ذا مشقة، ونفسي تميل للبقاء، فقد أينع الثمر وطابَ، وشدّتني ظلال الأشجار وبردُها إلى الأرض، فأنا أتأرجح بين الامتثال إلى دعوة الجهاد تحت راية الرسول المجاهد، وبين التثاقل إلى الدعة وخفض العيش، ورخاء الحياة، والبون شاسع بين هذه وتلك، فكنت أخرج أحاول تجهيز نفسي فأعود متثاقلاً لم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، ولم أزل على هذه الحال من التردد والتباطؤ حتى استمر الناس بالجد، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً.. الرغبة في صحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبه الأبرار تشدني فأغدو لأجهز نفسي وأعد راحلتي وزادي، فأعود وقد اجتمع عليَّ شيطاني وحبُّ الأرض والمال والنساء والأولاد، فأراني اثاقلت إليها والتصقت بها حتى أسرعَ ركب الجهاد وتسابق، فخَلَتِ المدينة منهم، ثم ابتعدوا عنها وتفارطوا.

ما أشد وحشة المدينة مذ فارقها ضوءها، وما أشدَّ كآبتي فيها حيث خلا منها الحبيب والأنيس .. يا ويحي! أهذه المدينة التي أهواها؟ أراها باهتة!! أهذه المرابع التي ملأت قلبي فأحببتها وجاهدت عنها في أحد والخندق؟ غاب عنها النور، ابتعدت عنها مصابيح الهداية، غادرها المسلمون بقيادة هاديهم إلى مهمة عظيمة، يا ويحي!! ما لي أنظر في أرجائها فلا أرى فيها إلا المنافقين يرتعون ويمرحون.. أأنا منهم؟! رحماك يارب .. هؤلاء بعض الضعفاء من المسلمين جالسين، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لضعفهم.. ولست منهم، فأنا صحيح الجسم معافى.. ما الذي أخّرني عن حبيبي وقرّة عيني.. رحماك يارب، وهؤلاء بعض المسلمين الفقراء جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يحملهم معه للجهاد فيعتذر حين لا يجد ما يحملهم عليه، فيتولّون باكين، وأعينهم تفيض من الدمع أن لم يجدوا ما يبلغون عليه تبوك.. وأنا غني ميسور.. رحماك يارب!! أي معصية حلت بي وأيُّ فتنة لزمتني؟!

أدور في أنحاء المدينة كاللديغ لا يقرُّ لي قرار، ثم أعود إلى بيتي وبستاني وزرعي وظلي وأهلي!! بئس ما صنعتُ .. رحماك يارب .. رحماك يارب ..

ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم: (( ما فعل كعب بن مالك؟)) واخجلتاه منك يا سيدي يا رسول الله! واخجلتي منك يا سيد المجاهدين وبطل المحاربين، قد خاب ظنك بكعب هذا.. ليت كعبا لم تلده أمه ..

تسأل عني يا رسول الله، فيجيبك رجل من بني سلمة يغمز من قناتي، وأنا أستحق ذلك بل أستحق أكثر من ذلك فيقول: يا رسول الله حبسه برداه، والنظرُ في عطفيه، منعه الإعجاب بماله والقعود بين أهل بيته في ظل ظليل وماء بارد .. حبسه تخلفٌ عن ركب الهداة الصالحين وإيثارُه الراحة على التعب، والرخاء على الشدة .. رحماك يارب رحماك يارب .. ويحسُّ معاذ بن جبل وهو أخي وصاحبي، يحسُّ بي وهو بعيد عني مئات الأميال، فيعلم أنني جواد أصيل كبا به حظُّه وخانه تفكيره وتدبيره، فيدفع عني هذه التهمة التي أستحقها، ويخفف من وَجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوجه إلى ذلك الرجل مؤنباً: بئس ما قلتَ، فالمسلم يلتمس لأخيه سبعين عذراً، فهلا قلت خيراً يا رجل .. ويلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول راغباً في الدفاع المهدّئ الحاني: والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيراً.

رحمك الله يا أخي معاذ، وأجزل لك المثوبة، هكذا تكون الأخوُّة.. جزاك الله خيراً، جزاك الله خيراً.

ويسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبس ببنت شفة، فلعله قصد من سؤاله أنه على علم بمن تبعه، ومن تخلّف عنه، وأن الفرق كبير بين من استجاب ولبى، ومن تخلّف وتكاسل.. نعم إن الفرق كبير والبَوْن واسع، وينظر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه، فيرى في قلب الصحراء المترامية الأطراف مِنْ بين السراب المتلألئ خيولا تتحرك باتجاه المسلمين، سرعان ما يظهر رجل يخب السير نحوهم، يلبس البياض.. ويبتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد عرفه، إنه الصحابي الجليل أبو خيثمة الذي لم يستطع أن يقدّم لجيش المسلمين سوى صاع تمر، فلمزه المنافقون وضحكوا منه، وقالوا: إن الله غني عن صاع هذا، ونسي هؤلاء الطاعنون العابثون أن الأعمال بالنيات، وأنّ دِرْهماً سبق ألف درهم.. لم يستطع الرجل أن يلحق بالمسلمين أوّل مسيرهم، فلحق بهم، بَعْدُ مسرعاً وسرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعبَّر عن سروره حين قال: (( كن أبا خيثمة )) فكان أبا خيثمة، وتمنى كعب لو فعل مثل ما فعل أبو خيثمة، ولكن سبق السيف العذل، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر جيش الروم ليعلمه كيف يكون الجهاد والقتال، وكيف يكون الصبر على المبدأ والدفاع عنه، لكنَّ الروم الذين عجبوا لصمود ثلاثة آلاف مسلم في غزوة مؤتة أمام مئة ألف منهم، هابوا وهم مئتا ألف أن يثبتوا أمام ثلاثين ألف مسلم، قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - بطل الأبطال – ورأس المجاهدين فانسحبوا إلى الشمال مضحين بما كان لهم من مهابة وجبروت، راضين من الغنيمة بالإياب، لقد نصر الله نبيه بالرعب مسيرة شهر، فكيف وهو وجيشه على تخوم بلاد الشام؟!

قال كعب: فلما بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجّه قافلاً من تبوك، اشتد حزني، سوف أقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألني سبب تخلفي عنه، فماذا أقول له؟
أأكْذِبه متعللاً بما ليس من الحقيقة بمكان؟
وهل يليق بمن بايع رسول الله أن يكذب؟
حاشا وكلا، بمَ أخرج من سخَطه غداً؟
وأستعين على ذلك بكل ذي رأي .. وأنّى للباطل أن يكون ردءاً؟
إنه سرعان ما يزول حين يسطع ضياء الحقِّ، ويضمحل حين يبزغ فجر الصدق، أنا لست خائفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو رحيم ودود، يقبل العذر ولو كان صاحبه كاذباً، لكنني أخاف أن لا يرى في كعباً الذي كان يعرفه، فأسقط في ميزانه، وقد خاب وخسر من زلّت مكانته عند الصادق الأمين.. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلَّ قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ منه بشيء أبداً، فعزمت على الصدق معه، وإذا كان الكذب – ينجي – أحياناً فالصدق أنجى .. يا ربّ، هب لي لسان الصدق، ورضِّ عني نبيك وحبيبك..

وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين سنة المجيء من السفر، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون كعادتهم كاذبين، ليرضى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فليس من عمل الداعية أن يبحث وينّقب عما في نفوس الناس .. وجئت أمشي إليه صلى الله عليه وسلم وقلبي يخفق ونَفَسي يتردد.. كيف يفعل حين تقع عيناه عليَّ.. لا بد أن آتيه، إنه قَدَري وأحْبِب به من قَدَرٍ سام عليَّ سامق صلى الله عليه وسلم، فلما سلمت عليه، تبسَّم تبسم المغضب، تبُّسم الذي يعرف معادن الرجال، فيسألهم ليحفظم لهم ماء وجوههم، ثم قال: تعال.. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هكذا كنت أٌقول في نفسي.. فقال لي: (( ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك واشتريت راحلتك؟))

قلت – خافضاً رأسي غاضاً بصري متجهاً إليه بكلّي: يا رسول الله؛ إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر، وسيرضى عني، لقد وهبني الله لسانا فصيحاً وبديهة حاضرة وجدلاً صائباً، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عنّي ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق يجعلك تغضب عليَّ فيه إني لأرجو حسن العاقبة بتوبة الله تعالى عليَّ إذ كنت صادقاً .. ولن أقول سوى الصدق يا رسول الله، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطُّ أقوى، ولا أيسر منّي حين تخلفت عَنك.

إن الإنسان العادي ليعرف من محدثه نبرة الصدق، وتهويم الكذب، فكيف برسول الله صلى الله وعليه وسلم الذي بلغ العلا بكماله، وكرمت جميع خصاله .. لقد قال صلى الله عليه وسلم : (( أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك )) وقمتُ، وسار رجال من بني سلمة قومي فاتّبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجَزْت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبَكَ استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك،.. إنهم لم يريدوني أن أكذب.. إنما أرادوا أن أختصر الطريق إلى السلامة كما فعل الآخرون حين أبدوا الأعذار، فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أني حملت نفسي ما لا لزوم له، فألحوا عليّ يؤنبونني على ذلك، ويكثرونه، حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذّب نفسي وأدعي ما ادعاه المتخلفون الآخرون.

لكن الله ثبتني إذ قلت لهم: هل قال غيري مثل ما قلتُ، فأجابهم رسول الله بما أجابني؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْريُّ، وهلال بن أمية الواقفيُّ.. قلت: إنَّ لي بهما أسوة حسنة، فهما رجلان صالحان قد شهدا بدراً، ولن أكون إلا ثالثهما.. ومضيت حين ذكروهما لي.

إن الذهب يشتد لمعانه حين تلمسه النار فتُذهبُ عنه خبثه ويزداد تألقاً وحسناً وهكذا كنّا – أيها الثلاثة – فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمنا أحد، فاجتَنبَنا الناس، وتغيّروا لنا، كأنهم لا يعرفوننا، حتى تنكّرتْ لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيتيهما يبكيان، ويصليان، ويستغفران، ويسألان الله التوبة، وانقطعا عن الناس إذ كانا عجوزين هدّتهما المقاطعة، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم، وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد – إن المجتمع المسلم المتماسك يلتزم بأوامر القيادة وتعليماتها، ولا يدع للمخطئ مجالاً ينفذ منه، كي لا يتمادى في خطئه – وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت علي صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنّي.

فالقائد قدوة، يلتزم بما يصدره من أوامر، فيكون لها من قوّة الأداء وحسن الالتزام عند العامة الأثر الإيجابي الطيب.. وأنا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نهى عن كلامنا إلا ليقضي الله تعالى فينا.. فيارب هيئ لنا من أمرنا رشداً..

حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين فاض ما في النفس من حزن وكرب، وانطلقت إلى ابن عمي أبي قتادة وهو من أحب الناس إليّ فعلوت سور بستانه، وسلمت عليه، فوالله ما ردَّ السلامَ، فقلت له: يا أبا قتادة أنشُدُك بالله! هل تعلمني أحبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسكت .. وكيف يجيب، وقد امتنع عن ردّ السلام آنفاً التزاماً بأوامر رسول الله وإيمانا به؟.. فعدتُ فنشادته، فسكت .. فعدت فناشدته، فلما رأى ما بي من الحزن والألم نظر إليَّ مشفقاً فقال: الله ورسوله أعلم .. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينا أنا أمشي في أسواق المدينة إذا نبطيُّ (فلاح) من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون إليَّ، حتى جاءني فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، فقرأت فإذا فيه: أما بعدُ، فإنّه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضْيَعَةٍ، فالحق بنا نواسِك.

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً.

إنها الفتنة تُطلُّ عليَّ من أوسع أبوابها تدعوني إلى الكفر بعد الإيمان، وإلى الردّة بعد الثبات، إنني يا هذا لست في دار هوان ولا ذلّة، إنني في دار الهداية والرشاد، في كنف خير العباد، لئن جافاني لقد أخطأت، وما هي بجفوةٍ إن هي إلا عقوبة أستحقها، يطهرني الله بها ويمحو ذنبي، إنَّ هذا لمن البلاء، فتيممت بها التنّور فأحرقتها.. لن أضعف عن احتمال ما كتبه الله عليَّ، ولأصبرن حتى يكتب الله لي خير الدنيا والآخرة، حتى إذا مضت أربعون يوماً من الخمسين، وأبطأ الوحي إذا رسولٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلِّقها أم ماذا أفعل؟

قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنَّها..
فقلت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نافذ.. سمعاً وطاعة وإيمانا واحتساباً، وأرسل إلي صاحبيَّ بمثل ذلك،
فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله هذا الأمر.

فجاءت امرأة هلال بن أمية، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟
قال: (( لا، ولكن لا يقربنّك )).

قالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي مُذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟

فقلت: لا أستأذنه فيها وأنا رجل شاب – فلبثت بذلك عشر ليالٍ – فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نُهيَ عن كلامنا.

اللهم مالك السماوات والأرض اجعل لنا فرجاً وهيّئْ لنا من أمرنا رشداً.

ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا – قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت – سمعت صوت صارخ صعِد على جبل سلْعٍ يقول بأعلى صوته: يا كعبُ بن مالك أبشر .. لم أتمالك نفسي إذا سمعتُ البشرى فخررت ساجداً لله أبكي وأحمده، أبكي وأستغفره، أبكي وأشكره، وعرفت أنه قد جاء الفرج من الله تعالى، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عزّ وجلّ علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا..

أرأيت يا كعب عاقبة الصبر؟ إنها التوبة من الله تعالى، ينتظرها رسول الله لك ولصاحبيك، وينتظرها الناس لك ولصاحبيك، إنهم يحبونكم. أيها الثلاثة، هكذا المجتمع المسلم المتماسك، يلتزم أمر الله تعالى فيمتنع عن كلامكم، لا عن هجرٍ وقِلى، إنما عن امتثال وطاعة، وقلوب الجميع ترجو لكم التوبة والمغفرة.. ها قد جاءت، فسمعتَ صوت أحد إخوانك يبشرك، ولمّا يصل إليك.. انطلق جمع من المصلين يبشرون مُرارة بن الربيع وهلال بن أمية بما أنعم الله عليهما من التوبة، وامتطى أحدهم فرسه مسرعاً إليك، وسعى رجل من عشيرتك إليك مبتهجاً، فصعد الجبل فكان صوته أسرع من فرس ذاك، وفي كلٍّ فضلٌ وخيرٌ، ولم تتمالك نفسك أن نزعت ثوبك لصاحب الصوت، بل أعطيته ثوبك الثاني ولم تكن تملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين غيرهما وانطلقت إلى حَبِّ القلوب، وضياء الأفئدة، وصاحب الرسالة العظمى، انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتلقونك فوجا فوجاً يهنئونك بالتوبة، ويقولون لك: ليهنِك توبة الله عليك، حتى وصلت إلى المسجد ودخلته إلى رسول الله، العزيز عليه ما أعنتك، الحريصِ عليك، الرحيم بك وبالمؤمنين، فإذا هو يبرق وجهه من السرور فيقول لك: (( أبشر بخير يوم عليك مذ ولدتك أمُّك ))،

أهناك أجمل من هذه البشرى؟ أهناك أعظم من هذه البشرى؟ لا ورب الكعبة. فلم تتمالك نفسك أن قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟

قال: (( لا بل من عند الله عز وجل ))، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر.. صلى الله عليه وحشرنا في زمرته وسقانا من حوضه وجعلنا إلى الجنة في ركابه.

قال كعب: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ))،
وكأنه أحس أني في غمرة الفرح والسعادة قد أتخلى عما قد أضنُّ به إذا سكن فرحي وعادت إليَّ نفسي. فأمرني بالاحتفاظ ببعض مالي، فقلت: إني أمسك نصيبي الذي وهبتنيه في فتح خيبر، وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أنعم الله عليه في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أنعم الله تعالى به عليَّ، والله ما تعمَّدتُ كذبة منذ قلتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي منه، لقد أنزل الله تعالى فينا معشر الثلاثة قوله: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ( حتى بلغ ) إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ( حتى بلغ ) اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 118)}(سورة التوبة).

قال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته، فأهلِك كما هلك الذين كذبوا، إنّ الله تعالى قال للذين كذبوا حين أَنْزَل الوحي شرَّ ما قال لأحد، فقال الله تعالى: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}(التوبة).

قال كعب: كنا خلّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك، قال الله تعالى: { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } وليس الذي ذكر مما خُلِّفنا تخلّفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه.

(1) أحد المسلمين من الأنصار، أحد الثلاثة الذين خلّفوا.

يتبع

عن كتاب قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم للدكتور عثمان قدري مكانسي

نبيل
2014-05-27, 08:26 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(توكل على الله)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عاقبة حسن التوكل على الله فيقول:

عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحدى غزواته في نجد، وأصحابه معه، يسبحون الله ويهللون ويكبرون عند كل مرتفع من الأرض أو سهل، يحدثهم حديث المؤمنين الأوائل، ويحضهم على الجهاد، وربما تصمت ألسنتهم وتلهج قلوبهم بذكر الله تعالى، إلى أن اشتد الحرُّ وارتفعت الشمس في كبد السماء، وخفَّت سرعة الركب، وبدأ العرق يسبح في أجسادهم، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَقيلوا: فقال:
(( قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل ))..

أدركتهم القالة في وادٍ أشجاره الشوكية كبيرة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّق الناس يستظلون بالشجر ويجهزون أماكن يستريحون فيها من هذا الهجير. نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة عظيمة من هذه الأشجار الشوكية تسمى ((السَّمُرَة)) فعلق بها سيفه، وتخفف من بعض ثيابه، ودعا ثلاث مرات بصوت مسموع: (( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق )).

وما إن وضع الناس أجسادهم على الأرض حتى راحوا في سبات عميق، فقد كان الطريق شاقاً، والمسافة طويلة، والعيرُ قليلاً يتعاور كل اثنين أو ثلاثة نفر جملاً أو حصاناً، حتى أخذ التعب منهم كلَّ مأخذ، وفجأة سمع الجميع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فابتدرناه مسرعين متأهبين، أيدينا على سيوفنا، نستطلع الخبر – لم يتخلف أحد منا – فليس من عادته صلى الله عليه وسلم أن يدعونا هكذا، في مثل هذا الوقت، ولم يكن ليدعونا وهو الذي أمرنا بالقيلولة لولا أنا هناك ما يستوجب الحضور.. سمعاً وطاعة يا رسول الله .. لبيك يا سيدي وسعديك.

فلما وصلنا، وجدنا عنده أعرابياً قد اعتمد على ركبتيه، ينظر إلى الأرض منكسراً، فلما اكتمل عقدنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إن هذا اغتنم فرصة ابتعادكم عني، وخلوّي إلى نفسي، فانسلَّ من بينكم، لا يشعر به أحد، حتى وقف على رأسي وأنا نائم، واستلّ سيفه وهو يقول: من يمنعك مني؟ من يحميك من سطوتي؟ نظرت إليه فرأيت عينيه عيني شيطان تتقدا جمراً، يريد أن يهوي بسيفه على عاتقي، فقلت له ثلاثاً: الله، الله، الله، ومن كان مع الله كان الله معه، ومن اعتمد عليه سبحانه، كان عماده، ومن احتمى بقوة الله، حفظه ووقاه، أتدرون ما حل به؟
اختلج جسمه واصطكت ركبتاه، وسقط السيف من يده ثم هوى إلى الأرض .. حملت السيف وهو متهالك أمامي، وقلت له: أرأيت كيف حماني الله منك، ونصرني عليك، كن مع الله ترى الله معك ))
ثم قال له : أإذا عفوت عنك تُسلم؟
قال: لا ولكنْ لا أعين عليك أحداً ، فأطلقه.

رياض الصالحين: باب اليقين والتوكل /الحديث /53/

يتبع

نبيل
2014-05-28, 12:51 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أم سُلَيْمٍ رضي الله عنها)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أنس بن مالك رضي الله عنه كان في العاشرة من عمره حين جاءت به أمه (أم سُليمٍ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: يا رسول الله! هذا أنس يَخْدُمُك، فبقي رضي الله عنه في خدمة الرسول الكريم حتى التحق بالرفيق الأعلى. وكان زواج أمه من أبي طلحة من أكثر الزيجات بركة، فحين مات زوجها مالك على غير ملة الإسلام، وهجر المدينة حين قدم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي حتفه في بلاد الشام متنصّراً. جاءها أبو طلحة وكان على الجاهلية، فخطبها، فاشترطت عليه أن يكون إسلامه مهراً لها ففعل وحَسُن إسلامه وصار من كرام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

يقول أنس رضي الله عنه: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سليم – وكان أبو طلحة غائباً – فقالت لأهلها: إن جاء أبو طلحة فلا تحدّثوه بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فلما جاء سألها: كيف ولدك يا أم سليم وكان مريضاً، قالت: سكن ولله الحمد، فظنَ أن الحمى بارحته وأن صحته تحسًّنت فحمد الله على ذلك، وطابت نفسه .. فجاءته بما غسل به أطرافه وبدَّل ثيابه وارتاح قليلاً، فقدَّمت له عَشاء تناوله راغباً وشكر الله على نعمائه .. ثم حسَّنت نفسها وتزينت ليرغب فيها. وتجمّلت كأفضل ما تتجمل المرأة لزوجها. فوقع بها، فلما أن رأته قد شبع، وأصاب منها، قالت له: يا أبا طلحة، أرأيتَ لو أن قوماً أعاروا غيرهم شيئاً يخصُّهم، فمكث عند هؤلاء مدّة، ثم طلبه أصحابه، ألهم أن يمنعوهم إياه؟ قال: لا، قالت: فاطلب ثواب مصيبتك في ابنك من الله تعالى، فقد استردّه .. فظهر الغضب على وجه أبي طلحة ثم قال: كيف فعلت هذا كلّه؟ لم تفصحي عن موت ابني، إنما موّهتِ فلم أفهم، ثم جئتني بطعام فأكلته مطمئناً، ثم تزينتِ لي، فوقعتُ عليك، فلما صرت جنباً أخبرتني بموت ابني؟ حسبي الله ونعم الوكيل، والله لأشكوّنكِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بما كان، فهوَّن رسول الله على أبي طلحة ما فعلا، ودعا لهما قائلاً: (( بارَكَ الله لكما في ليلتكما )).

ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم موصول بعرش الرحمن لا يخطئه، فحملت أم سليم من ليلتها، وعاد أبو طلحة إلى بيته وزوجته راضياً برضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعيداً بدعائه، يرجو البركة واليُمن، فتلقّته زوجته أحسن لقاء، وعاد الأنس يرفرف على بيتها والسعادة تملأ أركانه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، والمسلمون ومنهم أبو طلحة وأم سليم معه، فوصل المدينة ليلاً، فلم يدخلها، لماذا؟ إن سيد البشر خيرُ الناس لطفاً وذوقاً، فهو يقيم خارج المدينة حتى يبزغ الفجر، فيصلي، ويذكر الله ثم يدخله نهاراً، فهو عليه الصلاة والسلام يعلم أن الليل ستار كل العيوب، يهدأ الناس فيه، فإن امتلأت الطرقات بالعائدين ضجّ المكان بالحركة واللغط، وهذا يفزع النائمين، ويخيف الآمنين، فقد يظنون العدوّ دهمهم على حين غرّة، فيهبون مذعورين، كما أن النساء يعزفن عن الزينة حين يكون أزواجهنّ على سفر، ولا يرغبن أن يفجؤوهن على غير ما يرغبن أن يَرَوهن عليه، ومن عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يصل المدينة أن يكون مستعداً لصلاة ركعتي سنة العودة من السفر، وأن يلقى أصحابه فيسلم عليهم، ويستطلع أخبار المسلمين، وهذا لا يكون إلا نهاراً .. إنها رحمة الرسول الكريم بالمسلمين، وحكمته الرائعة تتجلّى في التصرفات المناسبة لكل موقف، وتشريعٌ عظيم ينبغي للمسلمين أن يتأسوا به إن أرادوا النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

حين أذن بلال لصلاة الفجر قام رسول الله صلى الله عليه وسلمللصلاة وقام معه المسلمون، فلما أدّوا المكتوبة، وتجهزوا لدخول المدينة المنورة، جاء أمَّ سليم المخاضُ فبقي أبو طلحة معها على مضض منه – إذ لم يكن أولادها أو بعض أهلها معها – يخدمها، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى المسجد، فحزن أبو طلحة أنه لا يدخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه إلى السماء .. يا رب إنك لتعلم أنّه ليعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد حبسني – كما ترى – مخاضُ زوجتي.

فما أنهى دعاءه حتى قالت زوجته أم سليم: يا أبا طلحة سكن ما أجده، فما عدت أشعر بألم الولادة، فانطلق بنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقا حتى وصلت دارها ضربها المخاض، فولدت غلاماً، فنادت أنساً، فقالت له: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدوَ به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملتُه فانطلقتُ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه بيديه الشريفتين ثم تناول تمرة فمضغها عليه الصلاة والسلام، ثم حنّكه، فتلمظ الوليد، فقال عليه الصلاة والسلام: (( انظروا حبّ الأنصار التمر )) رضي الله عنكِ أم سُليم.

يروي أصحاب الحديث أنه ولد لهذا الغلام تسعة أبناء حفظ جميعهم القرآن الكريم.

رياض الصالحين: باب الصبر، رواه مسلم ـ الحديث/32/

يتبع

الحياة أمل
2014-05-29, 01:53 AM
رضي الله عنهم وأرضآهم
بوركتم على الطرح ...~

نبيل
2014-05-29, 08:57 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(كن نبيهاً ذكياً)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يشحذ هممنا كما يشحذ المسَنُّ السكين، ويرفع من معنوياتنا ويشجعنا على التفكير واغتنام الفرص.

فبينا نحن جلوس عنده وهو عليه الصلاة والسلام يربينا ويأخذ بأيدينا إلى الطريق القويم قال: عُرضت عليَّ الأمم – من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة – وكأنها تمشي أمام منصة سيد الأنبياء ذي القدر العلي، والعزم الجليّ ..
كل نبي يمشي، ووراءه من اتبعه، فقد تجد نبياً يمشي وحده، إذ جحده قومه، وكذّبوه، فلم يؤمن به أحد، فأخرجوه من بينهم، وقد يقتلونه، ويظنّون أنهم تخلصوا منه، فتحل عليهم نقمة الله وعذابه فيُستأصلون، أو يُرمَون بداهية تجعل حياتهم جحيماً، فمنهم من أرسل عليه حاصبٌ، ومنهم من أغرق، ومنهم من أرسلت عليهم ريحٌ صرصرٌ عاتية جعلتهم كجذوع النخل المبتورة.. جزاء على كفرهم وقتلهم أنبياءهم الكرام.

وقد تجد نبياً لم يؤمن معه سوى الرجلِ أو الرجلين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن أمته كثيرة، فحين مرّت أمّةٌ كثيرة العدد ملأت مكان العرض واتسع محيطها ظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أمة المسلمين، فشعر بالسعادة، فقيل له: هذا موسى وقومه، فظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليهود أكثر من المسلمين.. وتأثَّر، ولم يطل تأثره عليه الصلاة والسلام بذلك، فقد قال له الملك: انظر إلى الأفق، فينظر عليه الصلاة والسلام، فإذا سواد عظيم ملأ الخافقين، جموع المسلمين الممتدة أمام منصة سيد الأنبياء تتوارد، وأمامها رجال كالشموس تلألؤاً..
مَنْ هؤلاء الوضيئون؟!
قال له مرافقه: هؤلاء سبعون ألفاً من أمتك يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب..
الله... اللهَ، ما أعظم أن يكون الرجل من بين هؤلاء الرجال العظام.

ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل منزله.. فخاض الناس في صفات هؤلاء النفر الذين يتجاوز الله عنهم ويكتبهم في عليين، لا يحاسبون..

قال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا أوّل مَنْ أسلم، شاركوه السرّاء والضرّاء، وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام؟

وقال بعضهم: فلعلّهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، ورضعوا لبان التوحيد، وشربوا الإيمان وكانوا جنود الرحمن؟

وكثر الحديث في هؤلاء وتعدد التعليل وذهبت الظنون فيهم كلَّ مذهب.

وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم على حالهم التي تركهم عليها، وسمعهم يتداولون الحديث، ويتعاورون التحليل، ويقلبون الأمور، فسألهم قائلاً:

(( ما الذي تخوضون فيه؟)) فأخبروه، فوضح لهم حينئذ صفاتهم ،فهم:

أولاً: لا يطلبون الرُّقية، ولا يرقون أحدا (والرقية: تعويذة تكتب فيلبسها من يطلبها، ليست من الإسلام في شيء إلا أن تكون مما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول: باسم الله أرقيك، والله يشفيك).

ثانيا: لا يتطيرون، ولا يتشاءمون، فالتشاؤم ليس من الإسلام، لأن المسلم حين يكون إيمانه قويا، يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعتقد أن الله لا يصيبه إلا بما كتبه له، والمتشائم متردد، خوَّاف، يضيّع الفرص، ويكون أثره في مجتمعه سلبياً.

ثالثاً: إيمانه القوي بالله، وصلته المتينة به – سبحانه – تجعله يُسلِمُ الأمور إليه، ويتوكل عليه، فلا يخشى في الله أحداً، ومن كانت هذه صفاته أفاد أمته وأرضى ربّه، وكان على نور منه جلّ شأنه.

يا الله! ما أروع أن يكون أحدنا من هؤلاء، وكان عكّاشة بن مِحصَن بين الحاضرين، فلمعت في ذهنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب النابهين ذوي البديهة السريعة الذين يغتنمون الفرص ويقتنصونها، ولعله يفوز بدعاء منه – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم؟
قال عليه الصلاة والسلام: (( أنت منهم ))، كافأه على نباهته وسرعة بديهته.

ويسأله آخر أن يكون منهم، فماذا كان جواب المعلم الأول؟!!
نبهه الرسول المعلم أنه ضيّع على نفسه المبادرة حين تأخّر عن عكاشة، وكان عليه أن يسبقه، فالنجاح حليف المتنبهين اليقظين، الذين لا يفوّتون الفرص..

وهكذا نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثارة الحوافز، والدفع إلى التنافس .

رياض الصالحين: باب اليقين والتوكل ـ الحديث /49/

يتبع

نبيل
2014-05-30, 09:07 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(روعة الجندية)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



ماذا يعني قولنا:

* إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا قرابة تسع وعشرين غزوة؟

* وإنه كان يفجأ أعداءه في عقر دارهم؟

* وإنه صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الجيش دائماً، فقد كان علي بن أبي طالب – وهو البطل الشجاع الذي تهاب لقاءه الأقران – يقول: كنا إذا حمي الوطيس، واحمرت الحدَقُ، نتقّي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه؟

* وإنه كان يرسل السرية إثر السرية، والكتيبة وراء الكتيبة فلا يقرّ للعدو قرار؟

* وإنه كان يعاور أصحابه القيادة فيتدربون عملياً على القيادة والجندية والاستمرارية في الجاهزية القتالية؟

* وإنه قال: (( نصرت بالرعب مسيرة شهر ))

إن سكت الأعداء والسائرون في فلكهم عن الإجابة قلنا: نحن أتباعه عليه الصلاة والسلام، ولا يصل التابع إلى ما وصل عليه المتبوع إلا إذا سلك دربه واقتدى به.
وإن قالوا: هذا هو الإرهاب بعينه قلنا: صلى الله على رسول الجهاد، صلاة تليق بسيّد المجاهدين، وبارك عليه، فهو أسوتنا وقدوتنا، ولا يضيرنا نعيق ناعق، ولا نهيق ناهق وقد أثبت التاريخ أن الأمة المجاهدة تصل إلى هدفها وترقى سنام المجد، وتسمو إلى ذروته، وأن الأمة الذليلة تُداس بالأقدام، وتتداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها.

فماذا نختار – معشر المسلمين – لأنفسنا؟ الذلَّ والصغارَ أم العز والفخار؟

وحيكون يكون أعداء الأمس هم أعداء الحاضر – اليهود والنصارى – أفلا نسير فيهم سيرة آبائنا وأجدادنا؟ فنكون على خطاهم، فنسعد؟
ففي غزوة خيبر حين هاجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حصون اليهود، وافتتحها واحداً وراء الآخر، كان يُزْكي روح القتال والجندية في أرواح أصحابه، فقد قال إذ ذاك: (( لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويفتح الله على يديه ))، فالصفة الرائعة التي أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على القائد المرتقب في الغد، رجلٌ – والرجال ذوو العزمات مفاتيح المغاليق – والصفة الثانية أنه يحب الله ورسوله، فالله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم يحبانه – إذاً – فالحب متبادل، والحبل موصول بواهب النصر، فلا بد أن يفتح الله عليه، ويمدّه بتأييده..

قال عمر رضي الله عنه: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وحق له أن يتطلع إلى الإمارة، فإنها وسام يعلق على صدر القائد، لا يزال على صدره، آيةً على حب الله ورسوله إلى أن يلقى الله.
وفي الصباح، وبعد صلاة الفجر، نظر الرسول الكريم إلى جيشه، والجميع تضطرب قلوبهم، رغبة أن يكون كلُّ واحد منهم ذلك القائد.
ويبحث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل منهم فلا يراه .. (( أين علي بن أبي طالب ))؟
قالوا: يا رسول الله، إنه في خيمته أرمدَ لا يكاد يبصر،
قال: (( ائتوني به ))،
فجاءوا به، فبصق على عينيه، ثم مسحهما بيده الشريفة، فبرِئتا في اللحظة والتوِّ، وزال عنهما الرمد وعادتا سليمتين، أقوى ما تكونان.
وعرف الناس مقام علي رضي الله عنه، فهو ابن عم النبي الكريم، وصهره على أعزِّ بناته – فاطمة – الذي رباه في بيته، وخلقّه بأخلاقه، وأخوه في هجرته.
أعطاه الراية وقال له:
(( 1 ـ امش.
2 ـ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك )).

فالانطلاق نحو العدو، بثقة وثبات، دون تلكؤ، ولا تردد، والإصرار على استمرار القتال، والاعتماد على الله سبحانه وتعالى بعد الجاهزية القتالية سبيل النصر، وعدة الفوز.

يا لروعة الجندية، .. لقد سار عليٌّ امتثالاً لأمر قائده بضع خطوات، ثم وقف.. ولم يلتفت!
ألم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يلتفت؟!
هذه أول علائم الجندية الواعية، فصرخ كي يسمعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمام هذا الحشد المندهش من الصحابة الكرام.. إن من الأدب أن لا يرفع أحدٌ صوته أمام النبي الكريم، بل عليهم أن يغضوا من أصواتهم، ومن الأدب أن لا يكلم أحدنا الآخر إلا وجهاً لوجه، لكن من الأدب أن يكون الجندي مطيعاً ملتزماً الأوامر، واعياً لما يطلب إليه.. وهكذا كان علي رضي الله عنه.. صرخ مستفسرا ً عن الأمر المناط به: يا رسول الله؛ على ماذا أقاتل الناس؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قاتلهم .. حتى:
1 ـ يشهدوا أن لا إله إلا الله.
2 ـ وأن محمداً رسول الله )).

هذا هو الدين الحق، إن الدين عند الله الإسلام، وهذا لا يكون إلا باقتران اسم محمد صلى الله عليه وسلم باسم الله سبحانه وتعالى اقتران نبوّةٍ ورسالةٍ برب خالق عظيم.
(( فإن فعلوا ذلك فقد منعوا:
1 ـ دماءهم.
2 ـ وأموالهم إلا بحقها )).

وما حقها؟ إنه التزام بالأركان الخمسة، فلا إسلام إلاّ بالشهادتين وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت للمستطيع.

ومن الناس الظاهر، والله يتولى السرائر.
ولم تكُن سوى جولة أو جولتين.. وكان النصر حليف المسلمين.

رياض الصالحين: باب المبادرة إلى الخيرات ـ الحديث /65/
باب الدلالة على الخير: الحديث /119/

يتبع

نبيل
2014-06-03, 01:52 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(انت أخي في الله)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


كانت المعركة بين المسلمين والكافرين لا تهدأ، فهؤلاء يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، وأولئك يرفضون هذه الدعوة الكريمة، لأنها تمس مصالحهم، وتعيد ما اغتصبوه إلى أهل الحق.
ففي مكة، قبل الهجرة كانت كل قبيلة تعذب من آمن من أبنائها ومواليها، وتنكل بهم وتحرض القبائل الأخرى على إيذاء المسلمين من أبنائها، أما رؤوس الشرك فقد كانوا شياطين الإنس، تؤزهم على المسلمين أزاً، .. أمثال ذلك: أبو جهل، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، والأخنس بن شريق .. فقُتِل من هؤلاء من قتل في بدر ومات من مات بغيظهم، لم ينالوا خيراً، وكانت النار مأواهم.

وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه المسلمون بدأ الصدام المسلح بين الفريقين، المسلمين وأعداء الله، ولما كان النصر في كفة المسلمين وضعفت تجارة المشركين، لم يجدوا بداً من مهادنة المسلمين والصلح معهم، وهذا ما كان في صلح الحديبية.
فقد صارت رئاسة قريش إلى أبي سفيان بن حرب الذي أسلم بعد فتح مكة، وكان تاجراً مرموقاً يحمل أموال قريش في قوافل تجارية إلى بلاد الشام، وقد يمر وهو ذاهب إليها أو عائد منها على مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
رآه مرة في المدينة سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي في نفر.
وما أدراك ما سلمان؟ إنه الرجل الذي كان يعيش في ترف وأبهة ورغد، وأبوه صاحب نار المجوس، تجبى إليه الأموال ويغدق الملوك عليه الهبات والعطايا، ولو كان سلمان من أهل الدنيا لنال منها أكثر ما ينال فتى من عز وسؤدد!! ولكه عاف الدنيا ومفاتنها، وساح في بلاد الله يبحث عن الحقيقة، وعن الدين القويم، فتنقل في الشام ثم الحجاز حتى وصل إلى يثرب قبل هجرة المصطفى r إليها، خرج من بلاده (فارس) سيداً، ووصل إلى الحجاز عبداً مملوكاً، فقد غشه من حمله إليها وأسرَه وباعه كما يباع العبيد، ولكنه رضي بذلك لأنه علم أنه وصل إلى منبع النور، وكهف الهداية، ولقي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورفع الله سلمان بالإسلام حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سلمان منا آل البيت )).

وصهيب! وما أدراك ما صهيب؟ كان أحد الموالي في مكة يصنع الرماح والسهام، حداداً ماهراً، ونبالاً دقيق الرمي.. جمع من مهنته هذه مالاً وفيراً.. آمن بالدعوة في بدايتها، وحين أذن الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بالهجرة أخبأ ماله في مكان بعيد عن العيون، وترك داره وهو يعلم أن المشركين سيغتصبونها، تركها وانطلق نحو المدينة .. وحين علم به المشركون تبعوه، فلما أحس بهم ارتفع على نشز من الأرض وسدد إليهم سهمه قائلاً: تعلمون يا معشر قريش دقة تصويبي، فلا أخطئ أحدأً، ولن تصلوا إليّ حتى تنفدَ سهامي وأقتل منكم بعددها.. كانوا يعلمون ذلك،
فقالوا: ما لنا في نفسك من أرب، لكن جئتنا فقيرا معدوماً فاغتنيت، فأعطنا ما اكتسبته منا ندعك.. وهذا ليس من حقهم، وإنهم عادون ظالمون، لقد نال هذا المال بكد يمينه، وعرق جبينه، فعلام يتقوَّلون؟ وبم يحتجون؟ لكن الظلم ظلمات يوم القيامة .. فليأخذوا المال ما دام صاحبه ينجو منهم .. دلهم على مخبئه، فتركوه.. وانطلقوا إلى المال..
قال أحدهم: أصدقتموه؟!
فقال ثانٍ: نصدّقُه، إن أصحاب محمد لا يكذبون.
ووصل صهيب إلى المدينة، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسماً يقول: (( ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع )).

وبلال!! ما أدراك ما بلال؟ كان عبداً لأمية بن خلف مقرباً منه، يعتمد عليه في تجارته، فبلال ذكي ألمعي، حين حوى قلبه نور الإيمان، وصدّق الرسول الكريم غضب منه مولاه، وأمره بالعودة إلى عبادة الحجر الذي لا يضر ولا ينفع، وأنى لمن تنَشٌّق عبير الإيمان أن يعود إلى عفن الضلال، وكريهة الكفر؟! أبى، فنكل به على الرمضاء، وأذاقه مُرَّ العذاب، وبلال ثابت صامد، يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أحد أحد، فرد صمد، فلما مرَّ به الصديق رضي الله عنه اشتراه بماله وأعتقه،
فكان الفاروق عمر يقول إذا رأى بلالاً: سيدنا أعتق سيدنا،
وصار مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق بالحق ويعلن التوحيد.

رأى هؤلاء المؤمنون أبا سفيان في المدينة فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عدو الله مأخذها، كانوا يودون في المعارك السابقة أن يكونوا قد قتلوه، وتخلصوا من عقبة كأداء في طريق المسلمين.
سمعهم الصدِّيق رضي الله عنه يقولون ذلك، فقال لهم – وهو المرهف، ذو الشعور السامي والذوق الرفيع - : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! ولعل الصدِّيق أحس أن أبا سفيان سمع مقالتهم تلك، وهو في مدينتهم، وفي صلحهم، ورأى أن مثل هذا الكلام لا يقال إلا في ساحة الحرب، أما في السلام فلا ..
وأتى الصدِّيق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، وقال له: يا رسول الله لعلهم إذا سمعوا مني ما قلته في حق أبي سفيان من لوم وعتاب قد أغضبهم، وأساء إليهم، فما كان من المعلم العظيم إلا أن نبه الصدِّيق على جلال قدره ومكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( لعلك أغضبتَهم لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك )).. فما ينبغي أن يوبخ المسلم أخاه انتصاراً للمشركين .. وهؤلاء النفر عباد الله وخلاصة المؤمنين وأول من نصر الدعوة وجاهد في سبيلها.
فانطلق الصديق إليهم مسرعاً وهم ما يزالون في مكانهم الذي تركهم فيه فقال: يا إخوتاه – والمسلم أخو المسلم – أغضبتكم؟
قالوا له بلسان المحب: لا! أيها الصديق، ما أغضبتنا، يغفر الله لك!!

لقد رباهم الإسلام على الصفح والمغفرة والحب في الله، ورباهم على الأخوة في الله، نسأل الله أن يحشرنا معهم في زمرة عباده الصالحين.

رياض الصالحين: باب ملاحظة اليتيم
الحديث /188/

يتبع

نبيل
2014-06-03, 07:31 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أويس القرني)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يا أمير المؤمنين، هذا مدد من المسلمين قادم إلى المدينة من اليمن يريدون القتال في سبيل الله، وقد جهَّزوا أنفسهم للسفر إلى العراق، ليكونوا في الجند الذين استعدوا لفتح إيران وما وراء النهرين، وهم ينتظرون الإذن منك للسفر.

قال الفاروق عمر: دعهم ينتظرون قليلاً كي أودعهم، ثم إني أريد أن أسألهم عن أويس بن عامر.
يا أمير المؤمنين، إنني لفي عجب مما تصنع، أفكلما جاء مدد من اليمن سألتهم عن أويس بن عامر هذا! فما شأنه يرحمك الله.
سترى ذلك – إن شاء الله – حين أراه وأكلمه وأعرف خبره.

قال عبد الله بن عمر لصاحب أبيه: تلَبَّث يسيراً حتى ينقضي عجبك، فأمير المؤمنين لا يفعل أمراً إلا إذا كان مهماً، أو له فيه الخير والبركة.
قال الرجل لعبد الله: أوتعرف أنت يا عبد الله، لمَ يسأل أمير المؤمنين عن هذا الرجل كلما جاء مدد من اليمن.
قال عبد الله: لا، ولم أسأل والدي عن الأمر، فهو إن أراد أن يذكره لي ذكره دون أن أسأله إياه، ولعلنا ندرك السبب إن رأى بغيَته وحدَّثه..
وانطلق الثلاثة إلى معسكر المسلمين من أهل اليمن خارج المدينة، وسلَّم أمير المؤمنين على جمع المجاهدين، وذكّرهم بالجهاد، وحضّهم عليه وبيّنَ أنه ذروة سنام الإسلام، وبه يعلو شأنه، ثم نادى: أفيكم أويس بن عامر؟
قال أحدهم: - وكان شاباً – لبيك يا أمير المؤمنين.
قال عمر: أأنت هو؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا من هتفت باسمه.
قال عمر: أانت من قبيلة مراد؟
قال: أجل، من قبيلة مراد.
قال عمر: أمن بطن قَرَن؟
قال: من بطن قَرَن يا أمير المؤمنين.
قال عمر: أكان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟
قال: قد كان بي برص فشفاني الله منه إلا موضع درهم لم يزل في جسمي يذكّرني بفضل الله عليّ ومنّته، إذ أذهب عني الأذى وعافاني وجمَّلني في أعين الناس ،فله الحمد والشكر على نعمائه يا أمير المؤمنين.
قال عمر: ألك والدة لا تزال حيّة ترزق وأنت بها بارٌّ؟
قال: نعم، أسأل الله أن يطيل عمرها ويحسِّن عملها، ويكتب لي ثواب البر بها، فتحت قدميها جنتي.
قال عمر: أنت يا أويس على خير عميم وفضل عظيم.
قال: بشَّرك الله بالخير – يا أمير المؤمنين – فمن دلّك عليَّ وعرَّفك بي فسألتَ عني، واجتهدتَ أن تراني؟
قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ، ثم من قَرَن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها برُّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل )).
سمع الجمع هذا الحديث، فضج المكان بالتهليل والتكبير، والصلاة على سيدهم وحبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام.

يا الله، ما أروع حبَّ النبي الكريم أمّتَه! وما أسعدهم بانتمائهم إليه! إنهم يشعرون بوجوده، وهو في جوار ربه، ويعيشون معه بأرواحهم وقلوبهم، ويرون في كل آنٍ ولحظةٍ عظيم فضله، وجلال قربه.
قال أويس: والله إني لأحب الله ورسوله، وأتمنى لقاءَهما.
قال عمر: صدقتَ يا أويس، وما حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لعلمه بذاك وأنك من أهل الله وخاصته، وقد مدحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمُروه فليستغفر لكم )).
قال أويس: وكيف أستغفر لك يا أمير المؤمنين، وأنت أفضل مني، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أوائل العشرة المبشرين بالجنة. أنت الصاحب، وأنا التابع، فما استغفاري لك يرحمك الله؟!
قال عمر: رحمك الله يا أويس، فمن يدّعي أنه خير من إخوانه؟! ومن يزعم أن المستغفر، أو الداعي، أفضل من المستغفَر له أو المدعوِّ له؟
إنني استأذنت رسول الله في العمرة، فأذن لي وقال: (( لا تنسنا يا أخيَّ من دعائك )) فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا.
قال أويس – وقد اغرورقت عيناه بالدموع لهذا الفضل العظيم الذي حباه إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى -: وما فائدة دعائي يا أمير المؤمنين؟!
قال عمر: هذا إرشاد لنا – يا أويس – إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء مَنْ تُرجى إجابته، وأنت مستجاب الدعوة، فلا تحرمنا دعاءك يا أخي.
رفع أويس يديه إلى السماء، وتوجّه بوجهه وقلبه إلى مالك الملك وملك الملوك، وسكب العبرات أمامه وتذلل أمام عتباته، ونادى بلسان الحال والمقام ربّه، واستغفر لعمر وللمسلمين..
يا رب، يا عظيماً بنفسه، يا كريماً بعطائه، يا رحيماً بخلقه، إليك نشكو ضعفنا، وقلّة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا لذنا بجنابك، ولجأنا إلى رحابك، فلا ترّدنا خائبين، يا رب العالمين..
إذا كان أمير المؤمنين عمر الفاروق خليفة المسلمين الذي أذلّ الروم، ومرّغ رؤوس الفرس، ونشر الإسلام شرقا وغربا يحتاج إلى الاستغفار ويسأل الصالحين أن يستغفروا له!، فماذا يقول معشر الغثاء الذين هانوا وذلوا أمام أعدائهم، وأضاعوا كرامتهم وقبلوا الدنيَّة في حياتهم؟ رحماك يارب، هيِّء لنا من أمرنا رشدا ..
قال له عمر: أين تريد؟
قال أويس: أريد الكوفة
قال عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها فيكرم وفادتك، ويكفيك مؤونتك؟
قال أويس: لأن أكون في عامة الناس أحبُّ إلي من أن أكون سريَّاً يشار إليه بالبنان. وانطلق أويس مع اليمانيين إلى الكوفة حامياً للثغور، مجاهداً في سبيل الله، يحيا حياة المساكين ويرضى من الدنيا لفانية بما يسُدُّ الرمق، فهو يريد أن يخرج منها خفيفاً، لا له ولا عليه.
ومرت سنوات على هذا اللقاء، وجاء موسم الحج، فوفد أهل الكوفة على عمر رضي الله عنه، وفيه رجل كان غنياً موسراً، يرى من أويس عزلة عن الناس، ورضىً بالكفاف من الحياة – ينشغل بنفسه عن تفاهات الحياة – فكان هذا الرجل يسخر من أويس ويبخسه حقّه.
فقال عمر: هل هنا أحد من القرنيين؟
قال الرجل: أجل يا أمير المؤمنين، أنا منهم.
فسأل عمر عن أويس، فكان ردُّ الرجل ردَّ مَنْ يجهل مكانة الصالحين ولا يأبه إلا للوجهاء من الناس أصحابِ المال الوافر، والغنى الظاهر، فأعاده عمر إلى صوابه وردَّدَ على مسامعه وصفَ الرسول الكريم صلوات الله عليه لأويس، وأمره إن عاد إلى الكوفة أن يلتمس استغفار أويس له..
وعاد الرجل إلى الكوفة والتمس أويساً فلقيه، واعتذر إليه عما بدر منه وقال له: استغفر لي يا أخي.
قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالحٍ، فقد رجعت من الحج وعُدتَ مغفورا لك دون ذنوب كيوم ولدتك أمك، فأنت أحق أن تستغفر لي.
فأبى الرجل أن يفارق أويساً إلا أن يستغفر له.
قال أويس حين رأى تحوّلا في نظرةِ الرجل إليه: ألقيت عمر أمير المؤمنين فأخبرك بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال الرجل: نعم..
فاستغفر أويس له، ودعا له خيراً.
وفطن الناس إلى مكانة أويس، وقد جهد أن لا يفطَنوا إلى ذلك، فخرج عنهم كي لا ينشغل بهم عن خالقه سبحانه.

روى عبد الله بن مسلم قال:
غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك، فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفنٌ وحنوط، فغسلناه، وكفنّاه وصلينا عليه، ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا، فعلَّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.

رياض الصالحين: باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم، والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة

يتبع

نبيل
2014-06-04, 09:48 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(الصاحب الناصح)

بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: لأزورَنَّ أخي وصاحبي أبا الدرداء ((عويمراً الأنصاري))، فلقد تأخرت عنه أياماً وأسابيع، لا أدري ما يفعل الآن، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه، فما ينبغي لي أن أقطع أخي أو أغيب عنه كثيراً ..

ثم قال: ما أجمل الأخوَّة في الله وأطيبَ اللقاء في حبه، إنها المحبة التي لا شبهة فيها ولا مراء، حب لا تشوبه شائبة ولا يعكر صفوه مصالح الدنيا ومراميها الدنيئة.

أنا ذاهب إليه أرجو رضا الله وبره.. ألم يذهب رجل إلى قرية فيها أخ له يزوره فيها، فأرسل الله تعالى على مدرجه ملكاً يسأله سبب سيره إليها: ((هل لك عليه من نعمة تربها؟)) فقال للملك: إنما أزوره حباً في الله، فقال له الملك داعياً: ((أحبك الله الذي أحببته لأجله)).

اللهم إن المسلمين جميعاً إخوتي وأحبتي، دربهم دربي، وطريقهم طريقي، فاكتب لنا السعادة جميعاً واكلأنا بعين رعايتك الحانية يا رب العالمين.

واستأذن للدخول إلى الدار فأجابته أم الدرداء: حللت أهلاً ونزلت سهلاً، إن أخاك أبا الدرداء في حاجة له وسيعود سريعاً، البيت بيتك يا سلمان، وقدّمت بين يديه الماء البارد وقليلاً من التمر.. ورحبت به أيما ترحيب.. قال لها وقد نظر إليها فرآها متبذلة، قد تركت ثياب الزينة، وعهده بالنساء يتجملن لأزواجهن ويتزيّن راغبات في أن تقع عيون بعولتهن على كل جميل فيهن.

ولعلك أيها الأخ القارئ تتعجب إذا نظرتُ إليها وأنت تعلم أن من التقوى غض البصر وعدم النظر إلى النساء؟! هذا صحيح، فأنت تعلم أنني كنت من هؤلاء، أهلِ العفة والشرف، وسيزول عجبك حين تعلم أن الحجاب لم يكن قد فرض على نساء المسلمين إذ ذاك، وأن الآية الكريمة في سورة النور : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ...} لم تكن نزلت بعد، وأنني وزوجَها متآخيان، ثم إن الإسلام هذَّب نفوسنا وصقل أرواحنا فلم نعد نهتم إلا بكل طهر وفضيلة، وعفة ومروءة، على هذا أنشأنا الإسلام وعليه ربانا.

قلت لها: لم – يا أخية – أراك معرضة عما تحبه النساء من زينة وتجمل واعتناء بالمظهر؟
ردت بحياء وخفر: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.

وكان جوابها القصير الحيِيُّ أبلغ من مقالة مدبجة وقصيدة مطولة، فأبو الدرداء إذاً راغب عن الدنيا وملذاتها، منصرف إلى عبادة الله، يصوم النهار ويقوم الليل.. هذا من حقه، ولكن لا ينبغي له أن يظلم زوجته فيغمطها حقها ويحجب عنها حظها من حياتها..

وجاء أبو الدرداء، فاعتنق صاحبه سلمان وسلم عليه مرحباً به منبسطة أساريره سعيداً بلقائه، وسأله عن أحواله وطول غيابه، فلما اطمأن بهما المقام كانت أم الدرداء قد صنعت لهما الطعام، فقدمه زوجها لسلمان قائلاً: كل، فإني صائم..

قال ذلك معتقداً أن الأخوة تسمح أن لا يؤاكل ضيفه، وأن بإمكانه أن يظل صائما، وعرف سلمان رغبة أخيه في الصوم، لكنه كان قد أضمر أن يُعرِّفه حقوق زوجته عليه، وحقوق ضيفه عليه فقال: إذا نزل الصائم على أخيه فقدم له الطعام وجب عليه أن يفطر إكراماً لضائفه، فما تقول في مُضيف يمتنع عن طعام قدمه لضيفه؟ .. ما أنا بآكل حتى تأكل.. فأكل أبو الدرداء محتسباً ثوابه عند الله تعالى، فلما أديا مع المسلمين صلاة العشاء الآخرة وأويا إلى البيت، أوى سلمان إلى فراشه، وقام أبو الدرداء إلى قيامه.

فأمره سلمان أن ينام، وعزم عليه أن يأوي إلى أهله، ففعل أبو الدرداء ذلك ناوياً أن يشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيحق لسلمان بما له من حق الأخوة والقِرى أن يمنعه العبادة والصيام والقيام، فلما كان من آخر الليل أيقظ سلمان أخاه أبا الدرداء، فصليا جميعاً فلما أذِن الفجر بانبلاجٍ وانطلقا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سلمان له ناصحاً ومذكراً :

((إن لربك عليك حقاً)) : ومن حقه أن تعبده، فتصوم وتقوم.

((وإن لنفسك عليك حقاً)) : ومن حقها أن تأكل، وتنام، وتستريح.

((ولأهلك عليك حقاً)) : ومن حقها أن تهتم بها فتلاعبها، وتداعبها.

((فأعط كل ذي حق حقه)) : وهكذا الإسلام دين الحق والصدق والعدل.

فلما انتهت الصلاة عرض أبو الدرداء ما فعله سلمان معه وما قاله، والرسول صلى الله عليه وسلم يصغي إليه ويتابع حديثه، ووجهه الوضاء يلمع، وفهمه الشريف يفتَرُّ بابتسامة تُنمي عن إعجابه بفقه سلمان، ومعرفته دينه، فهذه سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فهو يفطر ويصوم، وينام ويقوم، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته فليس منه.

إن الإسلام دين الواقعية، ودين الحياة الطبيعية، وإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى..

وينظر أبو الدرداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه: (( عويمر: سلمان أفقه منك، لقد أوتي سلمان علماً )).

رياض الصالحين: باب الاقتصاد في الطاعة

الحديث /99/

يتبع

نبيل
2014-06-06, 01:57 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(كيف تصنع ب"لا إله إلا الله" يوم القيامة؟)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال المقداد بن الأسود رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم :

يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تقتله)).

فتعجب المقداد فهماً لا استنكاراً، إذ لم يَعِ ماهية قتال المسلمين الكفار، وأن القتال لرفع راية الإسلام خفّاقةً عالية، تحكم الدنيا فتقيمُ العدل وتنصف الناس وتهديهم إلى صراط مستقيم، فليس القتال للأخذ بالثأر ولا لتقديم قوم على قوم بحدّ السيف، وقوة الساعد.

فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قطع إِحدى يديّ ثم نطق بالشهادة بعدما قطعها؟!

قال النبي : صلى الله عليه وسلم (( لا تقتله، فإن قتلتَه فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )).

وجلس المقداد ساكناً لا ينبِس ببنت شفة، وكان عقله يضرب أخماساً بأسداس، يقلب الفكرة على وجوهها، فإن الرجل حين ينطق بشهادة الإسلام، صار معصوم الدم، لا يجوز إهداره، مسلماً يحرم قتله، وجاز لورثته أن يقاضوه فيطالبوا بدمه، بل إن المقداد يأثم إذا قتله بعد إسلامه، ولكنه قد ينطق بالشهادة خوفاً على نفسه فهو مؤمن ظاهراً، كافر باطناً، لكن الإسلام يأمرنا أن نأخذ بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولعلك حين تكون بيد واحدة يسهل عليه قتلك، فهو أقدر عليك بيد واحدة منك بيدين، ومع ذلك أعلن إسلامه، فوجب عليك الكفّ عنه،يا سبحان الله، اللهم اجعل جهادي في سبيلك وحدك، وأبعد حظوظ النفس عن النوايا الخالصة، يارب ..

وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقد كان أسامة بن زيد في سرية أرسلها الرسول الكريم إلى مكان يدعى "الحُرْقةَ" لقبيلة جهينة التي أعلنت عداوتها للإسلام ونبيه وجنده، فصبّح المسلمون القوم، وجرى قتال تشيب لهوله الولدان، كان أحد المشركين إذا قصد مسلماً قتله، وانطلق إلى مسلم آخر حتى أوجع في المسلمين، فتصدى له أسامة ورجل من الأنصار، فلما رأى أنه مقتول لا محالة شهد بكلمة التوحيد، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنه أسامة بسيفه حتى قضى عليه.

وجاء البشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر المسلمين وخذلان الكافرين، وحدثه عن سير المعركة وقتلى المسلمين وبلاء المجاهدين، وذكر له قصة مقتل الرجل بيد أسامة بعد نطقه بالشهادة، فلما أقبلت السرية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن ستة عشر ربيعاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مؤنباً:

(( أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ ))

قال أسامة: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح.

قال الرسول الكريم (( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!)).

قال أسامة: يا رسول الله أوجع في المسلمين وقتل فلاناً وفلاناً، وسمى له نفراً وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (( فكيف تصنع ب"لا إله إلا اله" يوم القيامة؟ كيف تصنع بـ"لا إله إلا الله" إذا جاءت يوم القيامة؟!)).

قال أسامة: يا رسول الله! استغفر لي.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (( وكيف تصنع بـ"لا إله إلا الله" إذا جاءت يوم القيامة؟! )).

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر هذه الجملة، ولا يزيد عليها، استعظاماً لما فعله أسامة.

قال أسامة والموقف أمامه جليل، والخطأ الذي ارتكبه جسيم: تمنيت والله أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم، وخفت أن يكون قد حبط عملي.

لا إله إلا الله: ما وزنت بشيء إلا رجَحَته.

لا إله إلا الله: نور السماوات والأرض.

لا إله إلا الله: توحيد الذي فطر الكون وبرأه.

فويل للذين يحاربون "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".

وويل للذين يقتلون رجلا أن يقول: ربي الله.

{ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 9 )}(البروج).

رياض الصالحين

باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين

يتبع

نبيل
2014-06-09, 12:50 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(حديث الإفك)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


إن من شناعة الجرم وبشاعته أن يتناول المنافقون بيت النبي الكريم وعرضه الطاهر الشريف بالإفك، وهو عليه الصلاة والسلام أكرم إنسان على الله، وعرضَ صاحبه الصدِّيق رضي الله عنه أكرم إنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم .وعرض رجل من الصحابة هو صفوان بن المعطل، يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعرف عليه إلا خيراً.

هذا الإفك الذي شغل المسلمين في المدينة شهراً كاملاً.. كان هذا ثقيلاً جداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين.. هذا الإفك الذي كاد يعصف بالمجتمع المسلم، لولا فضل الله تعالى الذي أعاد إلى قلب رسوله الطمأنينة والسكينة ولجَمِ أفواه المنافقين ومن انجرف معهم من المسلمين الذين ثابوا بعد ذلك إلى رشدهم، وعرفوا عظم ما جنَوه، في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته الطاهرات..
هذا الحادثةُ.. حادثةُ الإفك، قد كلّفتْ أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاماً لا تطاق، وكلّفتِ الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلَّق قلب رسول الله ، وقلب زوجته التي يحبها، وقلب أبي بكر الصدَّيق وزوجته، وقلب صفوان بن المعطل، شهراً كاملاً، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق.

فلندعْ عائشة رضي الله عنها تروي قصة هذا الألم، وتكشف عن سر هذه الآيات.
عن الزهري عن عروة وغيره عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سهمها خرج بها معه؛ وإنه أقرع بيننا في غزاة فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أُحمل في هودج، وأنزل فيه. فسِرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل راجعاً، ودنَونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته،فحبسني ابتغاؤه؛ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أني فيه؛ وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم؛ وإنا نأكل العلقة من الطعام؛ فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه؛ وكنتُ جارية حديثة السن؛ فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس أحد منهم، فتيممت منزلي، الذي كنت فيه. وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي؛ فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرتُ وجهي بجلبابي؛ والله ما يكلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه؛
وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا معرسين. قالت: فهلك في شأني مَن هلك. وكان الذي تولى كبر الإثم عبدَ الله بن أبي بن سلول؛ فقدمنا المدينة؛ فاشتكيت بها شهراً؛ والناس يُفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر. وهو يَريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: (( كيف تيكم؟)) ثم ينصرف. فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قِبَل المناصع - وهو متبرزنا- وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنف، وأمْرُنا أمرُ العرب الأول في التبرز قِبَل الغائط. فأقبلت أنا وأم مسطح – وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي اله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطلب – حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطَح،
فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟
فقالت: يا هِنتاه ألم تسمعي ما قال؟
فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( كيف تيكم؟))
فقلت: ائذن لي أن آتي أبوِيَّ. وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبَر من قبلهما. فأذن لي، فأتيت أبويَّ، فقلت لأمي: يا أمَّتاه ماذا يتحدث الناس به؟
فقالت: يا بنية هوني علي نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ ثم أصبحت أبكي. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله.
قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لَمْ يضيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرْك. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال لها: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا. إنْ رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال وهو على المنبر: (( من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي )).
قالت: فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلْنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلّنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، أظن أنَّ البكاء فالقٌ كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنتْ امرأة من الأنصار، فاذنتُ لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهَّد حين جلس، ثم قال: (( أما بعد فقد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه )). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال،
قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال،
قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن،
فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاً تحدث الناسُ به، واستقر في نفوسكم، وصدقتم به.
فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقُنَّني، فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)}(يوسف) ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرِّئي ببراءتي، ولكن -والله- ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحْياً يتلى؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، فسُرِّيَ عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: (( يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برَّأك )).
فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. (11)}(النور) ((العشر الآيات)). فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه – وكان ينفق على مِسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره – والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة رضي الله عنها. فأنزل الله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ .. ) إلى قوله ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}(النور)، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله لأحب أن يغفر الله لي، فرجَعَ إلى مسطح النفقة التي كان يُجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: ((يا زينب! ما علمت وما رأيت؟))
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ، فعصمها الله تعالى بالورع،
قالت: فطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
وتعال نَعِش أخي الحبيب في ظلال هذه القصة بقلم الشهيد الأستاذ سيد قطب – فقد أجاد التعبير والفهم ، رحمه الله - إذ يقول في تفسير آياتها في سورة النور ما يلي:
وهكذا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وعاش أبو بكر رضي الله عنه وأهل بيته، وعاش صفوان بن المعطل، وعاش المسلمون جميعاً هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظل تلك الآلام الهائلة، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه هذه الآيات.
وإن الإنسان ليقف متململاً أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الآلام العميقة اللاذعة لشأن زوجه المقربة، وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة، تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة، والرفرفة الشفيفة.
فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة، ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوراتها، ها هي ذي تُرمى في أعز ما تعتز به، ترمى في شرفها، وهي ابنة الصدّيق، الناشئة في العش الطاهر الرفيع، وتُرمى في أمانتها، وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم. وترمى في وفائها، وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير .. ثم ترمى في إيمانها، وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة، وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ها هي ذي تُرمى، وهي بريئة غارة غافلة، لا تحتاط لشيء، ولا تتوقع شيئاً؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب الله، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا، تبرئها مما رميت به. ولكن الوحي يتلبَّثُ لحكمة يريدها الله، شهراً كاملاً، وهي في مثل هذا العذاب.
ويا لله لها!! وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح، وهي مهدودة من المرض، فتعاودها الحمى، وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ وفي رواية أخرى تسأل: وقد علم به أبي؟ فتجيب أمها: نعم! فتقول: ورسول الله ؟ فتجيبها أمها كذلك: نعم!

ويا الله!! ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- نبيُّها الذي تؤمن به، ورجُلُها الذي تحبه، يقول لها: (( أما بعد، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألمَمْت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه )).. فتعلم أنه شاك فيها، لا يستيقن من طهارتها، ولا يقضي في تهمتها. وربُّه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمُها ولكن لا تملك إثباتها؛ فتمسي وتصبح وهي تهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحلّها في سويدائه!
وها هو ذا أبو بكر الصديق في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم، وهو يُرمى في عرضه، في ابنته زوج محمد صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، لا يطلب دليلاً من خارجه.. وإذا الألم يفيض على لسانه، وهو الصابر المحتسب القويُّ على الألم، فيقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل، حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال في مرارة هامدة: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله .
وأم رومان زوج الصديق رضي الله عنهما، وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء، المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها: يا بنية هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها .. ولكن هذا التماسك يتزايل
وعائشة تقول لها: أجيبي رسول الله ، فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم !
والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل، وهو يُرمى بخيانة نبيه في زوجه، فيُرمى بذلك في إسلامه، وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حمِيَّته، وفي كل ما يعتز به صحابي، وهو من ذلك كله بريء، وهو يفاجأ بالاتهام الظالم، وقلبُه بريء من تصوره، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط. ويعلم أن حسان بن ثابت يروِّج لهذا الإفك عنه، فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف ضربة تكاد تودي به، ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم- وهو منهي عنه- أن الألم قد تجاوز طاقته، فلم يملك زمام نفسه الجريح!.
ثم ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله، وهو في الذروة من بني هاشم .. ها هو ذا يرمى في بيته، وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الابنة والزوج والحبيبة، وها هو يُرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يُرمى في صيانة حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته، وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء.

ها هو ذا يُرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة رضي الله عنها، يُرمى في كل ما يعتز به عربي، وكلِّ ما يعتز به نبي.. ها هو ذا يرمى في هذا كله؛ ويتحدث إلى الناس به في المدينة شهرا كاملا، فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا، واللهُ يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهراً كاملاً لا يبين فيه بياناً. ومحمدٌ الإنسان في هذا الموقف الأليم، يعاني من العار، ويعاني فجيعة القلب؛ ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة، الوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق.. والشكُّ يعمل في قلبه مع وجود القرائن، والفِرْية تفوح في المدينة، وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك؛ فلا يملك أن يطرد الشك، لأنه في النهاية بشر، ينفعل في هذا انفعالات البشر، وزوج لا يطيق أن يُمس فراشه، ورجل تضخُم بذرة الشك في قلبه متى استقر، ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم.

وها هو ذا يثقل عليه العبءُ وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد، حِبِّه القريب إلى قلبه .. ويبعث إلى علي بن أبي طالب، ابن عمه وسنده، يستشيرهما في خاصة أمره، فأما علي فهو من عصب محمد، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب، ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد، ابن عمه وكافله، فهو يشير بأن الله لم يضيق عليه، ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الود لأهله، والتعب لخاطر الفراق، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين، وكذب المفترين الافاكين.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مدداً وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورمَوا أهله، ورموا رجلاً من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور، وهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
، ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خُدِشت قداسة القيادة، ويحز هذا في نفس الرسول ، والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها، يصارحها بما يقول الناس؛ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح!
وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو، يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآنُ ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع؛ فيكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم.
ولقد قالت عائشة عن القرآن الذي تنزَّل: ((وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله تعالى مبرِّئي ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظن أن يُنزِّل الله تعالى في شأني وحْياً يتلى، ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها)).

ولكن الأمر – كما يبدو من ذلك الاستعراض – لم يكن أمرَ عائشة رضي الله عنها، ولا قاصراً على شخصها، فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ووظيفته في الجماعة يومَها، بل تجاوز إلى صلته بربه ورسالته كلها، وما كان حديثُ الإفك رمية لعائشة وحدها، إنما كان رميا للعقيدة في شخص نبيها وبانيها.. من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية المبتدعة، ويردَّ المكيدة المدبرة، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام؛ عن الحكمة العليا وراء ذلك كله؛ وما يعلمها إلا الله:
{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}(النور).
فهم ليسوا فرداً ولا أفراداً؛ إنما هم "عصبة" مجتمعة ذات هدف واحد، ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق الإفك، إنما هو الذي تولى معظمه، وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين، الذين عجَزوا عن حرب الإسلام جهرة؛ فتوارَوا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خِفية، وكان حديثُ الإفك إحدى مكائدهم القاتلة. ثم خُدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش؛ وحسان بن ثابت؛ ومسطح بن أثاثة. أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة، ولم يقل علانية ما يؤخذ به، فيقاد إلى الحد، إنما كان يهمس به بين ملئِه الذين يطمئن إليهم، ولا يشهدون عليه، وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهراً كاملاً، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها!
وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين، هذا الكيد الدقيق العظيم اللئيم.
ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد:
{ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (11)}(النور).
{ خَيْر } .. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبيّن مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فهي عندئذ لا تقف عند حد، إنما تمضي صعداً إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء.
وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة بهذه المناسبة عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم.
أما الآلام التي عاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلُ بيته والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن تجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء!.

أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة:
{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ..(11))(النور)، ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله. ما اكتسبوا، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى:
{ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}(النور)، يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم.
والذي تولى كبره، وقاد حملته، واضطلع منه بالنصيب الأوفى، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، وحامل لواء الكيد. وقد عرف كيف يختار مقتلاً، لولا أن الله كان من ورائه محيطاً، وكان لدينه حافظاً، ولرسوله عاصماً، وللجماعة المسلمة راعياً..
ولقد روي أنه لما مرَّ صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: مَن هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها .. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها!.
وهي قولة خبيثة راح يذيعها عن طريق عصبة النفاق بوسائل ملتوية، بلغ من خبثها أن تموج المدينة من الفرية التي لا تصدق، والتي تكذبها القرائن كلها، وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين، وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهراً كاملاً، وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى.
وإن الإنسان ليدهش حتى اليوم كيف أمكن أن تَروج فريةٌ ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حين ذاك، وأن تُحدِث هذه الآثارَ الخضمة في جسم الجماعة، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق.
لقد كانت معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله ، وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار، محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثَرْ عنه كلمة
واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي مرت به في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها تاريخه.
ولو استشار كلُّ مسلم قلبَه يومه لأفتاه؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه، والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا النهج في مواجهة الأمور، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}(النور).

نعم، كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في ظل هذه الحمأة.. وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم، فظنُّ الخيرِ بهما أولى، لكن ما لا يليق بهم، لا يليق بزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيرا ..
كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما، كما روى الإمام محمد بن إسحاق: أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أتسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟
قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟
قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك ..
ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: "الكشاف" أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟
فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً؟
قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني، وصفوانٌ خير منك..
وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة، وما نسب إلى رجل من المسلمين: من معصية لله وخيانة لرسوله ، وارتكاس في حمأة الفاحشة، لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة!

هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور، خطوة الدليل الباطني الوجداني.
فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}(النور)، وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات، وأطهرَ الأعراض، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة، وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بيِّنة؛ وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكَها الأفواه دون شاهد ولا دليل:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ }! وهم لم يفعلوا، فهم كاذبون إذن، كاذبون عند الله الذي لا يبدَّل القولُ لديه، والذي لا يتغير حكمه، ولا يتبدل قراره، فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها، ولا نجاة لهم من عقابها.
هاتان الخطوتان: خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير، وخطوة التثبت بالبينة والدليل.. غفَل عنهما المؤمنون في حادث الإفك، وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر عظيم، لولا لطف الله لَمَسَّ الجماعة كلها البلاءُ العظيم، فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله أبدا بعد هذا الدرس الأليم:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}(النور).
لقد احتسبها الله للجماعة المسلمة الناشئة درساً قاسياً، فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسهم بعقابه وعذابه، فهي فعلة تستحق العذاب العظيم، الذي يتناسب مع العذاب الذي سبَّبوه للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عنه إلا خيراً، والعذابِ الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع، ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجامعة، والعذابِ الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تُزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل، حافلٍ بالقلق والقلقلة والحَيرة بلا يقين! ولكنَّ فضل الله تدارك الجماعة الناشئة، ورحمتَه شمِلت المخطئين، بعد الدرس الأليم.

والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام؛ واختلت فيها المقايسس، واضطربت فيه القيم، وضاعت فيها الأصول:
{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)}(النور)، وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج، وتتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام:
{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا فحص ولا إمعان نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب!
{ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } .. بأفواهكم لا بوَعيِكم ولا بقلبكم، إنما هي كلمات تقذف بها أفواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاه العقول..
{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا } أن تقذفوا عرض رسول الله ، وتدَعوا الألم يعتصر قلبه وقلب زوجه وأهله؛ وأن تلوِّثوا بيت الصديق الذي لم يُرْمَ في الجاهلية، وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل الله، وأن تمسوا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلته بربه، ورعاية الله له ..
{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا .. وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } .. وما يعظم عند الله إلا الجليلُ الضخم الذي تَزلزَلُ له الرواسي، وتضِج منه الأرض والسماء.
ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه، من مجرد النطق به، وأن تنكر أن يكون هذا موضعاً للحديث؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا، وأن تقذف بهذا الإفك بعيداً عن ذلك الجو الطاهر الكريم:
{ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)}(النور).
وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزُّها هزاً؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت .. عندئذٍ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم: { يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)}(النور)،

{ يَعِظُكُمَ } في أسلوب التربية المؤثر، في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار، مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان،
{ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا }، ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة:
{ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }، فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون،
{ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ } على مثال ما بين في حديث الإفك، وكشف عما وراءه من كيد؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء،
{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف، ويعلم مداخل القلوب، ومسارب النفوس، وهو حكيم في علاجها، وتدبير أمرها، ووضْعِ النُّظُم والحدود التي تصلح بها.
ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك؛ وما تخلَّفَ عنه من آثار؛ مكرراً التحذير من مثله، مذكراً بفضل الله ورحمته، متوعداً من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة. ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض، وإعادة الصفاء إليها والإشراق، كما تتمثل في موقف أبي بكر رضي الله عنه من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض:
{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)}(النور).

والذين يرمون المحصنات – وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم – إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها، بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع.
من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

وذلك جانبٌ من منهج التربية، وإجراءٌ من إجراءات الوقاية، يقوم على خبرةٍ بالنفس البشرية، ومعرفة بطريقة تُكيِّفُ مشاعرها واتجاهاتها، ومن ثم يعقب بقوله: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }، ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير؟
ومرة أخرى يذكر المؤمنين بفضل الله عليه ورحمته: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20 )}(النور).

إن الحدث لعظيم، وإن الخطأ لجسيم، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء. ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته، ذلك ما وقاهم السوء، ومن ثَمَّ يذكرها به المرة بعد المرة؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين.
فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكاً أن يصيبهم جميعاً، لولا فضل الله ورحمته، صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان، وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم، وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور).
وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبعَ المؤمنون خُطاه، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقاً غير طريقه المشؤوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في أنفسهم اليقظة والحذر والحساسية:
{ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }، وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه، وهو نموذج منفر شنيع.
وإن الإنسان لضعيف، مُعرَّض للنزعات، عرضة للتلوث، إلا أن يدركه فضلُ الله ورحمته، حين يتجه إلى الله، ويسير على نهجه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور).
فنور الله الذي يشرق في القلب يُطهِّره ويزكيه، ولولا فضل الله ورحمته لم يزكُ من أحد ولم يتطهر، والله يسمع ويعلم، فيزكي من يستحق التزكية، ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
وعلى ذكر الدعوة والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض – كما يرجون غفرانَ الله لما يرتكبونه من أخطاءٍ وذنوب - :
{ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}(النور).
نزلت في أبي بكر رضي الله عنه بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة، وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه؛ قريبَه، وهو من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فآلى على نفسه لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً.

نزلت هذه الآية تذكِّر أبا بكر، وتذكر المؤمنين، بأنهم يُخطؤون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم، فليأخذوا أنفسهم بعضَهم مع بعض بهذا الذي يحبونه، ولا يحلفوا أن يمنعوا البِّرَّعن مستحقيه، إن كانوا قد أخطأوا وأساءوا.
وهنا نطَّلعُ على أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور الله، أفقٍ يشرق في نفس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أبي بكر الذي مسّه حديث الإفك في أعماق قلبه، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه، فما كاد يسمع دعوة ربه إلى العفو؛ وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي:
{ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } حتى يرتفع على الآلام، ويرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على مناطق البيئة، وحتى تشِفَّ روحه وترف وتشرق بنور الله، في طمأنينة وصدق يقول: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: والله لا أنزعها منه أبدا، ذلك في مقابل ما حلف: والله لا أنفعه بنافعة أبداً.
بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير، ويغسله من أوضار المعركة، ليبقى أبداً نظيفاً طاهراً زكياً مشرقاً بالنور.
ذلك الغفران الذي يُذكر الله المؤمنين به، إنما هو لِمَن تاب عن خطيئة رمْيِ المحصنات وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار، كأمثال ابن أبيّ فلا سماحة ولا عفو، ولو أفلتوا من الحد في الدنيا، لأن الشهود لم يشهدوا، فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة، ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود:
{ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)}(النور).

ويجسِّم التعبيرُ جريمة هؤلاء ويبشِّعُها؛ وهو يصورها رمياً للمحصنات المؤمنات، وهن غافلات غارّات، غير آخذات حذرهن من الرمْية، وهن بريئات الطوايا مطمئنات لا يحذرن شيئاً، لأنهم لم يأتين شيئاً يحذرنه! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة، ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة. لعنة الله عليهم، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة، ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ:
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ }، فإذا بعضهم يتهم بعضاً بالحق، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة، على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني.
{ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ }، ويجزيهم العدل، ويؤدي لهم حسابهم الدقيق، ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ }.

ويختم الحديث عن حادثة الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركَّبه في الفطرة، وحققه في واقع الناس، وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة، وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة، وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج، وما كان يمكن أن تكون عائشة رضي الله عنها كما رموها، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض:
{ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)}(النور).

ولقد أحبت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة حبا عظيما، فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه المعصوم، إن لم تكن طاهرة، هذا الحب العظيم.

أولئك الطيبون والطيبات { مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } بفطرتهم وطبيعتهم، لا يلتبس بهم شيء مما قيل: { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }، مغفرة عما يقع مهم من أخطاء، ورزق كريم، دلالة على كرامتهم عن ربهم الكريم.

بذلك ينتهي حديث الإفك: ذلك الحادث الذي تعرضت فيه الجماعة المسلمة لأكبر محنة: إذ كانت محنةَ الثقة في طهارة بيت الرسول، وفي عصمة الله لنبيه أن لا يجعل في بيته إلا العنصر الطاهر الكريم، وقد جعلها الله مَعرِضا لتربية الجماعة المسلمة، تشِفُّ وترف؛ وترتفع إلى آفاق النور في سورة النور.

يتبع

نبيل
2014-06-12, 12:07 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم }

الدكتور عثمان قدري مكانسي




قال عبد الله بن الزبير لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما: يا خالة هل كانت بيوتكم في أول حياتكم في المدينة المنورة عامرة بما لذَّ وطاب.

قالت: لا والله يا بني، إن كنا لننتظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقِد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ قط.

قال: يا خالة إذا لم تكونوا تطبخون فما كان طعامُكم؟

قالت: الأسودان، التمر والماء.

قال: والخبز وما يطبخ من القمح؟

قالت: يا ابن أختي ما شبع آلُ محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتاليين حتى لحق بالرفيق الأعلى، فما نقول في خبز القمح؟

قال: سبحان الله إنْ كانت حياتكم لحياة شظف وجهد.

قالت: ولقد كان لنا جيران من الأنصار – أكرمهم الله وأثابهم – يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبان الإبل فيسقينا.

وانطلق عبد الله متأثراً مما عرف عن حياة بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآه أنسٌ رضي الله عنه فسأل عما به، فقص عليه عبد الله ما جرى من حوار بينه وبين خالته أم المؤمنين.

فقال: صدقت الصدِّيقة بنت الصدِّيق، وقد كنت خادمه صلى الله عليه وسلم فما رأيته أكل خبزاً مرققاً حتى مات.

قال عبد الله: إذنْ كان طعام آل محمد قوتاً (بما يقيم أوده ويسدُّ رمقه).

قال أنس: صدقت يا عبد الله، ولا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة صغيرة يسمط شعرها وتشوى، فهذا يفعله المرفهون الأغنياء، وهنا دخل النعمان بن بشير رضي الله عنهما وسمع الحديث فأدلى بدلوه قائلاً:

لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من التمر الرديء ما يملأ به بطنه.

قال أبو هريرة رضي الله عنه، وقد سمع ما قاله النعمان فانضم إليهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قائظ على غير عادته بعد صلاة الظهر فرأى أبا بكر رضي الله عنه خارجاً من بيته، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما الذي أخرجك من بيتك في هذه الساعة يا أبا بكر )).

قال الصدّيق: خرجت للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر في وجهه، والسلام عليه ولا أكتمك يا رسول الله أن الجوع منعني من النوم فخرجت على وجهي، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزد.

ثم جاء عمر رضي الله عنه، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله: (( ما الذي أخرجك من بيتك في هذه الساعة يا عمر؟)).

قال عمر وقد نظر إليهما: الجوع أخرجني يا رسول الله ومنع عينيَّ الرقاد، فقلت: أسلي نفسي بالمسير والسلام على المسلمين، فحظيت بك يا رسول الله وبصاحبك الصدِّيق، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (( أتدرون ما الذي أخرجني؟)).

قالا: الله ورسوله أعلم.

قال: (( والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما )).

ثم قال: ((قوما)) فقاما معه فانطلق بهما إلى بيت رجل من الأنصار، فسلموا عليه، فلم يجب، فخرجت امرأته فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه قالت: أهلاً وسهلاً ومرحباً برسول الله صلى اله عليه وسلم وصاحبيه الكريمين.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (( فأين زوجك؟)).

قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، وقد حان مجيئه، فهلم يا رسول الله فادخلوا، فما أسعدنا اليوم بزيارتكم.

وما إن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه مكانهم حتى دخل الأنصاري فسلم عليهم، ورحب بهم وقال: الحمد لله ،ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، وانطلق فجاءهم "بعذقٍ" (غصن نخيل) فيه "بُسْرٌ" و"رُطَبٌ" و"تَمْرٌ"، فالأول حلوه قليل، والثاني حلوٌ وهو جديد، والثالث حلو وهو يابس، وقال: اختاروا يا أكرم ضِيفان أتَوني أيَّ نوع من التمر، وكلوه هنيئاً مريئاً.

ثم أخذ مُديته (سكينه) يريد ذبح شاةٍ يَقري بها أضيافه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصحاً: (( اختر شاة لا لبن لها واذبحها، وإياك والحلوب فلا تقربنَّها )).

فلما أكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشبعوا وشربوا من الماء وارتَوَوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمضيفه أبي التيهان الأنصاري:
(( بارك الله لك في مالك، وزاد في رزقك ووهبك الجنة ))، ثم التفت إلى أبي بكر وعمر فقال:
(( والذي نفسي بيده لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم )).

رياض الصالحين: باب الجوع وخشونة العيش

يتبع

نبيل
2014-06-18, 09:38 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(برَكة النبي صلى الله عليه وسلم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



انطلق جيش المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك – وهي بلدة صغيرة تقع في بلاد الشام شمالي المدينة المنورة بسبعمائة كيلو متر – للقاء جيش الروم الذي هدد باجتياح مدينة الرسول الكريم صلوات الله عليه ، فزرع الله تعالى الرعب في قلوبهم لما سمعوا بقدوم رسول الله إليها، فانسحب جيشهم إلى داخل الأردن خوفاً من لقاء المسلمين، على الرغم من أن جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعد ثلاثين ألف مجاهد، وجيش الروم يشارف على مئتي ألف مقاتل، ولا غروَ فالرسول صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال يقول: (( ونُصرت بالرعب مسيرة شهر )).
كان هذا في السنة التاسعة للهجرة، وزادُ المسلمين قليل، والطريق طويل لكن الإسلام يجِب أن ينتصر، والدينَ ينبغي أن تعلو شمسه، ويمتدَّ ضياؤه، وينيرَ جَنباتِ الأرض، مشارقَها ومغاربَها، فاستنفر الله تعالى المسلمين للقتال فقال عزّ من قائل:{ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)}(التوبة).

وأصاب الناس مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، قلّ الزاد، ونحلت أجسادنا ووهنت قوانا، وهذه إبلنا ما عدنا نحتاج إليها، فلا ميرة نرفعها عليها، ولا أحمال نشدها إليها، فلو أذنتَ لنا فنحرناها، فأكلنا وادَّهنّا.

كان أدباً منهم أن يستأذنوا القائد في الاستغناء عن خدمة الدواب التي يستعينون بها في القتال، فلربما رأى مصلحة في الاحتفاظ بها فمنعهم ذلك، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح لهم قائلاً: (( افعلوا )).
سمع الفاروق عمر بن الخطاب باستئذانهم وموافقة رسول الله إياهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد فلما لقيه قال: يا رسول الله إن ذبحوا إبلهم لم يبق لهم ما يركبونه، ويحملون عليه متاعهم، فتباطأت حركاتهم وأصابهم جهد ومشقة في سيرهم.

ولكني يا رسول الله أرى أن تأمرهم بإحضار ما تبقى من أزوادهم فإذا جمعوها دعوتَ الله لهم عليها بالبركة، وأنت يا رسول الله مبارك قريب إلى الله حبيبٌ إليه، ولعل الله يجعل في ذلك البركة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( نِعْم ما أشرت به يا عمر )).

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببساط من جلد متسع، فمُدَّ على الأرض وأمر المسلمين أن يأتوا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة خبز، حتى اجتمع على البساط من ذلك شيء يسير، ثم رفع يديه الشريفتين إلى رافع السماوات بغير عمد وباسط الأرض على ماء جمد، يسأله البركة والفضل العميم، وارتفعت معه أكف المسلمين مؤمنة راجية.

وكان العجب العجاب أن النبي المبارك صلى الله عليه وسلم : أمرهم أن يملؤوا أويتهم مما على هذا الأديم (البساط) فما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا، وفضل فضلة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ))
وردد المسلمون وراءه: نشهد أن لا إله إلا اله وأنك رسول الله،
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يلقى اللهَ عبدٌ موقن بما شهد، مطمئنٌّ بما قال، إلا وجبت له الجنة )).
فارتج المعسكر بالنغم الأبدي السرمدي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

رياض الصالحين: باب الرجاء

يتبع

نبيل
2014-07-05, 12:45 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(بالمؤمنين رؤوف رحيم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي




قال الولد لأبيه: مَن أهل الصفّة يا أبت؟ إنني أقرأ عنهم كلمات لا توضح صفاتهم.
قال الأب: هم المسلمون الذين لا يأوون على مال ولا أهل، ولا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، ويُقبلون على الآخرة.
قال الولد: ولم دُعوا أهل الصفّة يا والدي؟
قال الأب: لأنهم كانوا يأوون إلى بناء في مؤخر المسجد النبوي يرتفع عن الأرض قليلاً.
قال الولد: كم عددهم يا والدي؟
قال الأب: يذكر بعض المؤرخين أنهم في حدود أربع المئة، وقد استشهد منهم في موقعة بئر معونة سبعون رجلاً، رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال الولد: فكيف يعيشون وماذا يلبسون؟
قال الأب: أما لباسهم فلم يكن أحد يلبس رداءً مخيطاً يستر بدنه كله لفقره الشديد، ولكن ترى على أحدهم إزاراً يحوط جسمه أو كساءً ربطه بعنقه، لمّا يبلغ نصف الساقين أو الكعبين، ولعل أحدهم إذا ركع جمع كساءه أو إزاره بيده كراهية أن تبدو عورته.
أما طعامهم فمما يجود به المسلمون من زكاة وصدقة أو هدية، والظاهر من أحوالهم غلبة الفقر عليهم، وإيثار القلة، واختيارهم لها، فلم يجتمع لأحدهم ثوبان، ولا حضرهم من الطعام لونان.
قال الولد: فلم اختاروا هذه الحياة الغليظة ليس فيها من متاع الحياة الدنيا ما يسرّ؟
قال الأب: إن أحدهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: والله إني أحبك.
فقال: (( إن كنت تحبني فأعدّ للفقر قبولاً في نفسك، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل يتدفق من الجبل مسرعاً نحو الوادي، ولأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام، ولقد قمت على باب الجنة، فكان عامّة من دخلها من المساكين، والأغنياء ينتظرون الإذن لهم بدخول الجنة )).
قال الولد: من أشهر أهل الصفة يا والدي؟
قال الأب: من أكثرهم شهرة، أبو هريرة – عبد الرحمن بن صخر الدوسي – رضي الله عنه أكثرُ أصحاب الحديث رواية، وأدقهم حفظاً.
قال الابن: أفلا تحدثني يا والدي عن بعض معاناته حين كان بين أهل الصفّة؟
قال الأب: حبّاً وكرامةَ يا ولدي ويا فلذة كبدي، عسى الله أن يجعلك من عباده الصالحين وحملة دينه الصادقين.
فقد أقسم أبو هريرة رضي الله عنه أنه كان يعيش اليوم أو اليومين أو أكثر من ذلك لا يذوق طعاماً، وكثيراً ما سقط بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً عليه، يهذي من الجوع والناس يحسبون هذيانه نوعاً من الجنون، فقد كان يلصق بطنه بالأرض أو يشد الحجر على بطنه ليُسكن ألمَ الجوع، ويُخمدَ نارَه.
ولقد جلس يوماً حين اشتد به الجوع في طريق الصحابة يسألهم الآية، وهو يعرفها ويعرف معناها لعلهم يدعونه إلى بيوتهم فينالَ شيئاً من طعامهم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونظر إليه، وعرف ما في وجهه وما في نفسه فكفاه مؤونة السؤال حين قال: ( يا أبا هرّ )،
فأجابه: لبيك يا رسول الله.
قال له: ( الحق بي )،
فتبعه أبو هريرة إلى أحد أبياته، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته، ثم أذن لأبي هريرة فدخل وجلس، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم لبناً في قدح فقال: (من أين هذا اللبن؟).
قالوا: أهداه لك فلان.
قال: ( إن كان هدية فقد جاز لي أن أشرب منه )، ثم أردف قائلا: (يا أبا هر ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( اذهب إلى أهل الصفّة فادعهم لي ).
قال أبو هريرة في نفسه: وماذا يكفي هذا القدحُ أهلَ الصفّة، وأنا أولى أن أصيب منه شَربةً أتقوى بها، إنه لا يكفي سوى اثنين، رسولِ الله وأنا، ولكن لا بد من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاعته من طاعة الله، فأسرع إليهم، فدعاهم إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا هرٍ ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( خذ هذا القدح فأعطهم يشربون ).
فجعل أبو هريرة يعطيه الرجل فيشرب حتى يرتوي ثم يعيده إلى أبي هريرة، فيدفعه إلى رجل آخر فيشرب حتى يروى ثم يعيده إلى أبي هريرة .. وهكذا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، النبي العظيم، الرحيم بأمته الرؤوف بها، لم يتصدر للشرب أولاً، إنما اطمأن إلى أن أصحابه شربوا جميعاً وارتووا، فأراد أن يداعب أبا هريرة، فأمسك بالقدح كأنه يريد الشرب، وأبو هريرة ينظر إليه عطشان جائعاً فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي هريرة مبتسماً ثم قال: ( يا أبا هرّ ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( بقيت أنا وأنت ).
قلت: صدقت يا رسول الله.
قال: ( اقعد فاشرب ).
قال أبو هريرة في نفسه: لأشربن فما عدت أملك نفسي، وشرب أبو هريرة حتى روي وأعاد القدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اشرب )، فعاد يشرب، وما زال يأمره بالشرب حتى قال له: لا والذي بعثك بالحق لا أجد مسلكاً، لقد امتلأتُ وفاضت نفسي وتضلَّعت حتى كدت أنفجر شبعاً ورياً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فأرني القدح )، وأعطيته إياه فحمد الله تعالى على نعمائه وسمى، وشرب الفضلة.

ما أرحم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وما أكثر بركتَه! إن قدحاً واحداً يروي العشرات بين يديه الشريفتين.

قال أبو هريرة:
لقد جرت معي قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل صفّة، فقد أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعَم فيها، فجئت أريد الصفّة، فجعلت أسقط، فكان الصبيان يقولون: جن أبو هريرة، حتى انتهيت إلى الصفّة فإذا بقصعة من ثريد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها أهل الصفّة، فجعلت أتطاول كي يراني رسول الله فيدعوني، حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصار لقمة، فوضعها على أصابعه الشريفة، فقال لي: ( كل باسم الله ).
قال أبو هريرة: فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.

رياض الصالحين: باب فضل الزهد في الدنيا
باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع

نبيل
2014-07-06, 03:40 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(وليمة جابر بن عبد الله)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لما أراد المشركون من قريش وأحزابهم حرب المسلمين واستئصالهم من الجزيرة العربية جمعوا عشرة آلاف مقاتل في السنة الخامسة للهجرة، وقصدوا المدينة لا ينثنون عنها، وسمع المسلمون بمجيئهم فقاموا يستعدون لقتالهم، وكانت جهة المدينة الغربية دون سور يحميها، والوقت لا يتسع لبنائه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة من هذه الجهة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ المسلمون وهم ألف بحفره، وجعلوه بعرض خمسة أمتار وعمق أربعة.

وبدأ العمل المرهق يصل الليل بالنهار، والمسلمون لا يبرحون المكان، طعامهم يصل إليهم من بيوتهم – وما أقله – لكنّ شعلة الإيمان والإصرار على الجهاد كفيلان بشحذ الهمة وانتشال النصر، وكان سيدهم وقائدهم يحفر معهم، لم يميّز نفسه عنهم، ولم يسع إلى الراحة دونهم، فهو قدوتهم ومثالهم الأعلى، له ما لهم، وعليه ما عليهم. والنفس الإنسانية ترتاح في خضم الإرهاق والتعب حين تجد القائد في المقدمة، فتبذل الجهد العظيم دون أن تشعر بالكلل أو الملل أو تحس بالظلم، فالجميع على قدم وساق، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، وجيهُهم وساقتهم، متساوون، يعملون ويرجون من الله السداد والتأييد والعون والنصر.
وكلما حزبهم نشز من الأرض قاسٍ استعانوا ببطل الأبطال وسيد المجاهدين فيأتيهم يهدهدها، ويحيلها حصى، ويستمرون في حفرهم ويشتدون في نشاطهم.
عرضت لهم قطعة صخرية أبت أن تستجيب لمعاولهم أو أن تهون لضرباتهم فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينون به عليها، فقال: ( أنا لها )،
وقام إليها فضربها الضربة الأولى فلمعت، فقال: ( الله أكبر، فُتحت خيبر )،
وخيبر هذه على بعد مئة ميل شمال المدينة، يتحصن بها اليهود في قلاعهم الضخمة، ويهددون المدينة والمسلمين منها، فصاح المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثانية فلمعت، فقال: ( الله أكبر، فتحت فارس )،
تلك البلاد المجوسية التي يعبد أهلها النار، فهتف المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثالثة فلمعت الصخرة تحت معوله، وتفتت، فنادى: ( الله أكبر، فتحت الروم )،
بلاد الشام التي يحكمها النصارى الضالون الذين اتخذوا من نبي الله عيسى عليه السلام إلهاً حاشاه أن يدّعي هذا، فهتف المسلمون: الله أكبر.
وسرت في المسلمين روح النصر وقوة الإرادة فقويت عزيمتهم، ونسُوا تعبهم فراحوا ينشدون:
لئن قعدنا والنبي يعمل*لذاك منا العمل المضلّل
وارتفع صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة،فاغفر للأنصار والمهاجرة )
فردد المسلمون وراءه هذا الدعاء العظيم ورددته الملائكة معهم، ورددته جنبات المدينة، سهولُها ووديانها وجبالها وآكامُها.

كان قد مضى من الوقت – إذ ذاك – ثلاثة أيام بلياليها وبطنُ النبي صلى الله عليه وسلم معصوب بحجر يخفف لهيب الجوع، والمسلمون مثله، لم يذوقوا ما يسد رمقهم. فقام جابر بن عبد الله يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى بيته، لأمرٍ بدا له، فأذن له، فأتى امرأته فقال لها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بحجر من الجوع فهل عندك ما نقدمه له؟ فوالله ما إن رأيته خُمصان حتى ضاق صدري ونفد صبري.
فقالت: عندي قليل من الشعير، وسخلة، فأنا أعجن الشعير، وأنت تذبح السخلة.
قلت: فهيّا بارك الله فيك من امرأة صالحة ملبية، وهكذا تكون نساء المسلمين، وطحنت المرأة الشعير وعجنته، فاختمر.
وذبح جابر السخلة وقطعها، ووضعها في القدر وأشعل النار تحتها ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى طعامه، فقالت له زوجته: لا تفضحنا يا جابر، سارِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع معه رجلين أو ثلاثة.
قلت: نعم.. وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دنوت منه همست في أذنه: يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعال أنت ونفر معك.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إليّ بعين المحبة والودّ، ثم التفت إلى المسلمين فنادى: ( يا معشر المسلمين ).
قالوا: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: ( فإن جابراً قد صنع طعاماً، فقوموا إلى بيته )،
ثم التفت إليّ فقال: ( مُرِ امرأتك أن تغطي العجين فلا تخبزْ وأن تغطي القدر، فلا تغرفْ منها، حتى آتيكم ).
قلت: فانطلقت مهموماً، لا ألوي على شيء، فكيف لي بإطعام هؤلاء، والخبزُ واللحم لا يكفيان عدد أصابع اليد الواحدة.
فلما وصلت إلى البيت وأخبرت زوجتي أسمعتني قارص الكلام، ظناً منها أنني دعوت الناس جميعهم، فلما أخبرتها حقيقة الأمر، قالت: إذاً رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفل بهم. وغطت العجين واللحم، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع الغطاء عن العجين وقرأ عليه، ثم نفخ فيه وقال لامرأتي: ( استعيني بأخرى واخبِزي )، ورفع الغطاء عن اللحم وقرأ عليه ونفخ فيه وغطاه، وقال للمسلمين: ( ادخلوا جماعات جماعاتٍ ولا تتزاحموا ).
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدّ يده إلى التنور فيأخذ الخبز ويغطي التنور، ثم يرفع غطاء القدر ويأخذ اللحم فيضعه في الخبز ويعيد غطاء القدر فوقه، ويوزع على المسلمين.

وظل يفعل هذا حتى استوفى الناس جميعاً، فعادوا إلى مكانهم في الخندق ثم أكل عليه الصلاة والسلام، أكل بعدما أكل المسلمون كلهم، واطمأن إلى أنهم شبعوا!
لم يبدأ بنفسه، فسيُّدُ القوم يتابعهم، ويرعى أمورهم ثم يلتفت إلى نفسه .. هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا يفعل القائد الرحيم.
ثم قال لزوجتي: ( كلي وأهدي الناس فقد أصابهم مجاعةٌ ) فَفَعلتْ، ورفعت الغطاء عن الخبز وعن القدر، فكأنهما هما لم ينقصا .. صلى الله على رسوله العظيم، البرّ، الرحيم، وجزاه عن أمته خير الجزاء.

رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع

نبيل
2014-07-07, 12:20 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(سمك العنبر)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


في السنة الثامنة للهجرة كان المسلمون والمشركون في هدنة صلح الحديبية لا يتعرض فريق لفريق، بل اتفقوا على حفظ الأمن، كل في سلطانه. وفي شهر رجب من تلك السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أرض جهينة يتلقوا عيراً لقريش يحفظونها من اعتداء قد تقوم بها جهينة على القافلة، وأمر عليها أبا عبيدة بن الجراح، وكان مع كل منهم زادُه الخاص، وزوّدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جراباً (وعاءً من جلد) كبيراً من تمر لم يجد غيره إذ ذاك، فكنا نأكل من أزوادنا حتى فنيت، وكنا ثلاث مئة رجل.
ثم أخذ أبو عبيدة يعطينا من الجراب بضع تمرات – أول الأمر – فلما خشي سرعة فنائه، بدأ يعطينا كل يوم تمرة واحدة كنا نمصّها كما يمصّ الصبيّ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا إلى الليل.
فلما طال علينا هذا، ضربنا بعصيِّنا الخبطَ (ورق شجر معروف تأكله الإبل) فيتناثر الورق، فنبله بالماء ليخضر وتذهب خشونته فنستيسغه فنمضغه، وكان هذا طعامنا، ولا بد من الصبر وجهاد النفس فهما عدة النصر.
ثم انطلقنا إلى ساحل البحر الأحمر فرأينا على الماء كثيباً من الرمل ضخماً فأتيناه فإذا هو سمكة ضخمة جداً طولها خمسون ذراعاً، قذفها البحر فماتت، وتدعى حوت العنبر.
فلما دنونا منها وقد أخذ الجوع منا كل مأخذ منعنا عنها أميرنا لأنها ميتة، فأرشده الله تعالى للصواب فقال: لا تحرم الميتة للضرورة، ثم أردف قائلاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن البحر حين سئل: ( هو الطهور ماؤه، الحل ميتته )، ونحن هنا في طاعة الله وفي جهاد أعدائه وأعداء نبيّه، وهذا رزق ساقه الله إلينا، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }

اتق الله سائر الأزمان * لا تخفْ من طوارق الحدَثان
يرزق الله متّقيه ويكفيه * فهذا قد جاء في القرآن

فأقمنا نأكل منه شهراً حتى سمنّا، وظهرت النضارة في وجوهنا، وبدت القوة في أجسادنا.
وكنا لضخامته نغرف من عينه الدهن بالجرار، ونقطع قطعة اللحم الضخمة في حجم الثور، فنشويها، فتكون لذيذة الطعم، سهلة الهضم، طيبة المذاق.
وقد جلس ثلاثة عشر رجلاً في نقرة عينه فوسعتهم، ورفعنا عظماً من عظامه – والعظم محدودب – فمرّ من تحته أعظم بعير كان معنا عليه رحلُه، وتزودنا من لحمه القديد وانطلقنا بعد ذلك إلى المدينة فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثناه بما رأينا وما أكلنا منه، فكفانا فقال: ( هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟).
فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فأكله.

رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع

الحياة أمل
2014-07-09, 04:24 PM
رضي الله عنهم وأرضآهم
بآرك الرحمن فيكم على جهودكم ...~

نبيل
2014-07-13, 07:34 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أَقِطُ أم سُلَيْم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



أنس بن مالك كان فتىً أنصارياً، لم يبلغ العاشرة من عمره حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخذت أمه "أم سليم" بيده وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا أنسٌ يخدمك.
فلازم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى أن لحق بالرفيق الأعلى ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث دعوات: ( اللهم بارك له في عمره وبارك له في رزقه، وبارك له في ذريته ).
فعاش قرابة مئة العام، وكان له حائط نخيل يثمر في السنة مرتين، ورأى ثمانين من ذريته.

وقال أنس: خدمت رسول الله عشر سنين فما رأيته قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء تركته، لم تركته.
أخلاق نبوية عالية، ربّاه ربه فأحسن تربيته وجعله قدوة للبشرية ومعلماً لها، فلا غرو أن يكون هذا المعلم كاملاً في صفاته، عظيماً في معاملته صلى الله عليه وسلم وبارك،
اللهم اجعلنا تحت لوائه وارزقنا شفاعته واجعلنا من أهل خاصته.

قال أنس: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه، وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه، لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟
فقالوا: ما يفعل ذلك إلا من الجوع، وانظر إلى أصحابه ترَ الجميع في فاقة وعوز، والأيام دول، يوم لك ويوم عليك، فمن شبع شكر الله، ومن جاع حمد الله، فهو في اتصال دائم مع ربه.
قال أنس: فذهبت إلى زوج أمي (أبي طلحة) فقلت له: يا أبتاه – ومن رعى ربيبه فأكرمه واعتنى به فهو خير من أبيه حين يتركه – قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، وإني لأتألم حين أراه هكذا، فماذا نفعل يا أبتِ؟ فذهب أبو طلحة إلى مجلس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، ثم عادَ فدخل على أمّي مسرعاً، وهو يحمل مثل همّي فنادها: يا أمَّ سُلَيم؟!
قالت: نعم يا أبا طلحة، هل تريد شيئاً؟
قال: قد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً، أعرف فيه الجوع وهذا ابنك أنس نبهني إلى ذلك.
قالت: نعم، عندي كِسَرٌ من خبز، وتمراتٌ، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قلَّ عنهما.
قال: فماذا نفعل يا أمَّ سُليم؟
قالت – وقد التفتت إليَّ -: قم يا أنس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعُه ولا يشعرَنَّ بك أحد- يا بني- فإن عرف أحدهم ما أنت قائله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقعتنا في حرج...
قال أنس: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته ما يزال جالساً في المسجد بين أصحابه، فبدأت أتخطاهم لأصل إليه، فرآني رسول الله ، فعرف أنني أحمل إليه كلاماً.
فقال: ( يا أنس، لعلَّ أبا طلحة أرسلك إليَّ ).
قلت: نعم يا رسول الله.
قال: ( ألطعامٍ يدعوننا؟).
قلت: نعم يا رسول الله .. وقلت في نفسي: لا أكذب على رسول الله، كما أن المسلم لا يكذب.
وسمع القوم ما قاله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابتي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قوموا معي يا معشر المسلمين إلى دار أبي طلحة ) فقاموا يتقدمهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وانطلقت مسرعاً بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته بما كان وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبث أن يصل إلينا، فدهش، وعنّفني أول الأمر، فلما استجلاه قال مستنجداً بوالدتي: يا أم سُليم، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بالناس، وليس لدينا ما يطعمهم.
قالت مستسلمة: الله ورسوله أعلم، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم، فهو يتكفّل بهم.
فانطلق أبو طلحة يتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما لقيه أظهر السرور والترحيب، وعاد به وبأصحابه إلى البيت حتى وصلوا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة إلى الدار، والناس خارجها.
فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: ( أحضري ما عندكِ يا أم سليم ).
قالت: سمعاً وطاعةَ يا رسول الله.
فجاءت بالخبز ففتَّته وبالتمر ففلقته، وأخرجت النوى ثم عصرت عليه عُكّة السمن فكان إداماً طيباً، ومزجت الخبز والتمر والسمن جميعاً، فلما انتهت تقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ما شاء الله أن يقرأ، ودعا بالبركة، وسأل الله من فضله وخيره.
ثم قال لأبي طلحة: ( ائذن لعشرة منهم بالدخول )، فأذن لهم، فاستداروا حول القصعة وقالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، ... وأكَلوا حتى شبعوا، وخرجوا.
ثم قال: ( ائذن لعشرة آخرين )، فدخل هؤلاء.. حتى دخل القوم كلهم جميعاً وأكلوا وشبعوا وحمدوا الله تعالى، ثم انصرفوا والقوم سبعون رجلاً أو يزيدون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم ويباسطهم ويدعو لهم بالخير واليمن وطيب المأكل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الآن يا آل أبي طلحة، هلموا إلى طعامكم يرحمكم الله )، ومد يده الشريفة ، فأكل وأكلنا معه حتى شبعنا، ثم جمع ما بقي في الصحفة (القصعة) ودعا بالبركة، فإذا بها تعود ممتلئة كما كانت قبل أن تمتد إليها يد أحد.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توزع أم سليم على جيرانها، ففعلت، ونال مَنْ حولنا من هذه الصحفة.
قلت لأبي طلحة: فلماذا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عشرة عشرة ولم يدعهم جميعاً، والبيت يتسع لهم.
قال: الله ورسوله أعلم، ولعله فعل ذلك:
1- لأنها كانت قصعة واحدة لا قصعتين، فلا يتصور تحلق ذلك العدد الكبير.
2- ولعل الحكمة في ذلك العدد أن لا يقع نظر الكل على الصحفة بطعامها القليل فيزداد حرصهم، ويظنون أنه لا يشبعهم فتذهب بركته.
3- ولعلهم إن كانوا كثيرين اكتفوا بسد الرمق، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يريد أن يأكلوا فيشبعوا.
والذي أريده يا بني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل مبارك، أرسله الله لهدايتنا إلى الطريق المستقيم، وأجرى على يديه آيات عظاماً، فكن دائماً على قدميه تنل الخير العميم والفضل المقيم، قلت من قلبي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يا رب أرسلت النبي محمداً * بالدين والشرع القويم مؤيَّدا
فله من الأعماق حب خالص * ينمو ويربو صافياً متجددا (1)

رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش
.................................................. ................
1- البيتان للمؤلف

يتبع

نبيل
2014-07-26, 10:03 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(التواضع يرفع صاحبه)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



مرَّ أنس بن مالك رضي الله عنه على صبيان يلعبون في أحد أزقة المدينة المنورة فقال لهم – وهو الرجل الكبير –: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له أحد مرافقيه: كيف تسلم عليهم وأنت الصحابي المعتبر وهم صغار لا يراعون ذلك؟
فقال له: كيف لا أفعل شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأنا أرجو أن أكون رفيقه في الجنة، ومن تشبّه بقوم وسار على نهجهم كان منهم؟!
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع لهم ويعاملهم برأفة ورحمة ويَلين لهم ويبتسم بوجوههم وهو الذي كان يقول:
( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ).

لقد كانت الفتاة الصغيرة تستوقفه – عليه الصلاة والسلام – وتكلمه، فيجيبها، وتأخذ بيده فينقاد لها، وتذهب به لحاجتها أي مكان كان قريباً أو بعيداً.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: صدقتَ يا أنس، فقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي بعثه الله إلا رعى الغنم ).
قال أصحابه: وأنت يا رسول الله، هل رعيت الغنم مثلهم؟
قال دون حرج: ( نعم أرعاها بأجر زهيد لأهل مكة ).
قال أنس: ليس من المعيب أن يعمل الإنسان بأجر زهيد ومهنة بسيطة، إنما العار أن يمد يده يتكفف الناس وهو قادر على العمل.
قال أبو هريرة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية خطيرَها وحقيرَها فقد قال: ( لو أهدي إلي ذراعٌ أو كُراعٌ لقبلت )، والكراع ساق البقر أو الغنم لا لحم فيها.

قال أنس: ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة تدعى "العضباء" كانت لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي بقَعودٍ "جمل" فسبقها فشق على المسلمين أن يسبق جملُ الأعرابي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهر الغضب على وجوههم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام – لحسن خلقه وشدة تواضعه - وليذهب غضبهم – إلا أن قال: ( حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلّا وضعه ). وهذه سنة الله في خلقه.
قال أبو هريرة: وفي قوله هذا صلى الله عليه وسلم تنبيه إلى عدم المباهاة وترك المفاخرة وإلى هوان الدنيا على الله، وأنها ناقصة لا ينبغي الاهتمام بها والركون إليها.

قال الأسود بن يزيد: ومِن تواضعه عليه الصلاة والسلام ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألها أحدهم: ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟
قالت: كان في خدمة أهله يُفَلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناقته، وينظف البيت، ويأكل مع الخادم لا يتكبر عليها، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق .. وإذا أراد أحدهم أن يحمل عنه قال: ( صاحب الحاجة أحق بحملها )،
وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير خلقه، أفلا نتخذه أسوة وقدوة فنفعل ما يفعل؟

وهنا قال رفاعة بنُ تميم بن أسيد: تعلمون أنني رجل من الأعراب الذين إذا رأوا رأياً، أو بدا لهم بداء قالوه دون أن يستأذنوا، ولو كان الموقف غير مناسب يتطلب الأناة والانتظار، فقد وصلتُ المدينة المنورة يوم الجمعة ظهراً، ودخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، ولم أكن أعرف خطأ الحديث والإمام يخطب، لقد كان المسلمون جميعاً سكوتاً كأن على رؤوسهم الطير ينصتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناديت من وراء: يا رسول الله، أنا رجل غريب جاء إليك يعلن إيمانه بهذا الدين الجديد، لا يعرف كيف يدخل الإسلام، ولا أركان الإيمان، ولا يدري شيئاً من أصول هذا الدين سوى أنه كره الكفر ورغب في ملّة التوحيد والدين الحنيف. قلت هذا بصوت عال بملء فمي، فالتفت الناس إليّ وتعجبوا مما فعلت وظهر على أغلبهم الضيق والتأفف..

أتدرون ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بأبي وأمي يا رسول الله ما أحلمك وما أعظمك، لقد ترك خطبته، وأقبل إليّ، فلما أصبح أمامي توقف وأشار إلى بعضهم فجاء بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، فكان كلامه حِكماً، ونطقه عظاتٍ، ونظرته بلسماً لنفسي وروحي، ثم عطف إلى منبره صلى الله عليه وسلم فأتم خطبته، وكأن شيئاً لم يكن.

اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك والناس جميعاً أنني أحبه وأرجو شفاعته يوم ألقاك، فاكتبني من عبادك الصالحين المحبين.. اللهم آمين.

رياض الصالحين: باب التواضع

يتبع

نبيل
2014-07-30, 10:48 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ )

الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال التلميذ لشيخه: ذكرت لنا – يا أستاذنا الجليل – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرّ عليه الأيام الكثيرة لا يوقد في بيته نار يَطبخ فيها طعامه، وأنه كثيراً ما كان يعصب بطنه بحجر كي يسكن جوعه، أفهذه عن قلة المال؟ أم عن اهتمامات أولية يصرف إليها المال قبل توجيهه قِبَل الطعام؟
قال الشيخ: بارك الله فيك، إن سؤالك ينم عن ذكاء وبصيرة، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً وصحابته الكرام، وتركوا أموالهم ودورهم في مكة فراراً بدينهم، وحين قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار، فقسم هؤلاء بينهم أموالهم، ولم يكن الأنصار أغنياء، وكان جلُّ اهتمام المجتمع المسلم بناءَ المجتمع الإسلامي في المدينة، وحمايتَه من بحر الكفر الذي يحيط بهم، ويتربص بهم الدوائر، فانطلقت منها السرايا والغزوات لتحقيق ذلك، وهذا كلفهم وقتهم، وأموالهم، فعاشوا سنوات طويلة في عسر وفقر.
قال التلميذ: صدقت يا أستاذي، فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهوديّ
قال الشيخ: وكان المسلمون إذ ذاك يرون ضمن توجيهات قائدهم ومربيهم، أن على المسلم التخفيفَ من الطعام ليبقى الجسم خفيف الحركة، فقال صلى الله عليه وسلم :
( بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه )، وأكد على هذا حين قال:
( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية )،
أما الإكثارُ من الطعام وتعدُّدُ الأصناف فيدل على الركون إلى الدنيا والانغماس في ملذاتها.. والبعد عن الجهاد والإعداد له.
قال التلميذ: نعم، لا يجتمع في قلب رجل حب الدنيا وحب الآخرة. والجهادُ مشقة ينأى عنها راغب الدنيا المتثاقل إليها.
وتابع الشيخ: وعلى الرغم من قلة الزاد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يملك الكثير من السلاح الذي يرهب عدو الله وعدونا، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده تسعة أسياف، وسبعة أرماح، وثلاث دروع وخوذتان ومغفران (والمغفر غطاء الوجه) وقوسان ونبّالة، وهكذا يكون المسلم الذي يريد أن ينشر الإسلام في بقاع الدنيا، ويحافظ على مكانة أمته تحت الشمس، وفي مقدمة الركب، دون أن يُكره الناس على الإسلام، إنما ليمنع الأعداء أن يستخِفّوا بنا، لقد تركنا الجهاد فتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وهانت علينا أنفسنا فهُنَّا على الآخرين.
قال التلميذ: لعلك يا سيدي تريد أن تصور لي بعد هذه الإضاءة حب المسلمين بعضِهم بعضاً؟
قال الشيخ: أجل يا بني، إن الأشعريين وهم قبيلة من اليمن أفرادُها متحابون متكاتفون إذا خرجوا للغزو ففني زادهم أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة تنادوا، فجمعوا ما كان عندهم من طعام في ثوب واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، أفرأيت إيثاراً كهذا الإيثار؟
قال التلميذ: لا والله، فهذه قمة التوادِّ والتراحم والتكافل.
قال الشيخ: ولهذا أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقال: ( فهم مني وأنا منهم ).
قال التلميذ: يا سبحان الله ما أعظم هؤلاء وأكرمَهم، إن مجتمعهم لفاضلٌ، وإن حياتهم لسعيدة، أهناك صورة أخرى للإيثار يا شيخي الجليل؟
قال الشيخ: أعِرْني سمعك وقلبك وأقبل علي بكليّتك.
قال التلميذ: سمعاً وطاعة ها أنا بين يديك، مقبل عليك.

قال الشيخ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده بين أصحابه يفقههم في الدين ويبث فيهم الإيثار وبناء المجتمع الفاضل فيقول:
(من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) ويوضح الآثار الإيجابية لهذا الخلق الفاضل، ويدخل رجل، فيدنو منه صلى الله عليه وسلم ويخاطبه في خجل تلمحه من نبرته فيقول: يا رسول الله إني مجهود أصابتني فاقة ولزمني الفقر وسوء العيش.
فينظر إليه الكريم الرحيم ويبتسم ويقول له بلسان الحال لا المقال: أبشر فستجد الطعام والمأوى إن شاء الله، ثم يلتفت إلى انس قائلاً:
( يا أنس؛ قم إلى بيت أم المؤمنين عائشة، فالتمس لهذا الرجل طعاماً أو تمراً )
فيقوم أنس مسرعاً إلى بيتها ويسألها ما عندها فتقول: لا والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما عندي إلا الماء.
فيعود أنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله ما وجدت عندها إلا الماء، فهي إذاً بحاجة إلى الذي يحتاجه هذا الرجل!! زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب نسائه إليه، وابنة صاحبه وحبيبه الصدَّيق، لا تجد في بيتها إلا الماء؟! يا ويح المسلمين الآن! إن بيوتهم مليئة بأطايب الطعام، ولذائذ الشراب وأصناف المأكولات، لكن قلوبهم سوداء خالية من الإيمان، وعقولهم لا تعرف التفكير إلا في توافه الأمور، يسهرون فيما يغضب المولى وينامون على اللهو، ويَغُطون في مستنقعات الغفلة، وينحدرون في متاهات الضلال.
ويرسل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه كلهن على التتابع يسألهن قِرى هذا الضيف الجائع التعب، فيجبنه بما أجابته الأولى: لا والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! إلا الماء!
وليس يجد بداً من الاستعانة بأصحابه هؤلاء الذين خلفوا الجاهلية وراء ظهورهم، ولازموه ليرتفع بهم إلى سماء الخير والبر، فيقول:
( من يَضيفُ الرجل هذه الليلة؟)
فيقوم رجل من الأنصار – رضي الله عن الأنصار، فقد كانوا قادة الإسلام وحماته – فيقول: أنا يا رسول الله، إنه ضيفي، وسترى ما تَقرُّ به عينُك، ويستأذن هذا الصحابي الجليل رسول الله، فيأذن له، وينطلق بضيفه إلى بيته، حتى إذا وصل قال لزوجته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإكرامه من إكرامه، وضيف العزيز عزيز.
قالت المرأة: أهلاً وسهلاً ومرحباً..
قال الرجل هامساً: هل عندك شيء نقدّمه له؟
قالت المرأة: لا إلّا قوت صبياني.
قال: أو لم يتعشوا الليلة؟
قالت: بلى ولكنهم اعتادوا أن ينالوا شيئاً قبل النوم.
قال: فعلليهم هذه الليلة بشيء، وإذا أرادوا شيئاً فنوميهم، لا يضيّقوا على الضيف.
قالت: أفعل إن شاء الله تعالى.
وشاغل الأنصاري ضيفَه بأنواع الحديث حتى نام الأولاد فقامت المرأة إلى الطعام وكان قليلاً لا يكفي سوى الرجل؛ ولكن كيف له أن يستسيغ الطعام – على جوعه – وهو قليل؟!، وأنّى له أن يقبل عليه وصاحب الدار لا يمد إليه يده؟!
وتفتقت للأنصاري فكرة رائعة إذا نفذها زال الحرج، وأكل الضيف وشبع.. ما الذي فكر فيه يا ترى؟!
لقد قال لزوجته: إذا وضعْتِ الطعام ودخل الضيف فأطفئي السراج، وكأن زيته قد نفد ونمد في الظلام أيدينا إلى الطعام نوهمه أننا نأكل، فيقبل عليه.
وهكذا فعلتْ، وجلس الضيف، وتصنَّع الرجل وزوجته صنيع الآكلين، مِنْ مدِّ يدٍ وتحريك فم ومضغٍ، فأكل الرجل حتى شبع، وبات الزوجان خاويين جائعين لم يأكلا.
فلما أصبح الصباح غدا الأنصاري بضيفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهما تبسم صلى الله عليه وسلم وقال له:
( لقد علم الله – وهو العليم الخبير – ما صنعتما بضيفكما الليلة، ورضي بما فعلتما وأثابكما عليه الثواب الجزيل ).

قال التلميذ لشيخه: ما أعظم هؤلاء الرجال وما أعظم نفوسَهم وما أشد كرمهم.
قال الشيخ: إنهم تعلموا ذلك من سيدهم وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ضرب لهم في الإيثار والكرم أروع الأمثلة فتشربوها وعملوا بها.
قال التلميذ: أفلا قصصت عليّ واحدة يا سيدي؟
قال الشيخ: حبّا وكرامةً يا بني..

فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثوب جميل مخطط نسجته بإتقان، وخاطته ببراعة، فقالت: يا رسول الله، هذا الثوب هديتي إليك، فقد والله سهرت الليالي وأمضيت الأيام في صنعه ليكون هدية تليق بك يا رسول الله.
فقال: ( جزاك الله عن نبيه خيراً، إنه وايم الله ثوب جميل، وهدية غالية أحتاجها )،
ودخل إلى بيته فلبس هذا الثوب وخرج به على أصحابه، فنال استحسانهم، وقال أحدهم: ما أحسن هذا الثوب يا رسول الله اكسُنيه.
فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بينهم قليلاً ثم عاد إلى بيته فخلع الثوب وطواه، ثم أرسل به إلى الذي طلبه.
فقال له القوم مؤنبين: كيف تطلب ثوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبسه محتاجاً إليه؟ وكيف تطيب نفسك به فتأخذه وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً؟
شعر الرجل بأنه أخطأ حين سارع إلى استهداء الثوب، ولكنه اعتذر قائلاً: والله لم أطلبه لألبسه ولكنه حين لامس جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه ثوب مبارك رجوت أن يكون لي كفناً.. ...ومات الرجل وكفنوه به. .

رياض الصالحين: باب الإيثار والمساواة

يتبع

نبيل
2014-08-13, 01:08 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

( الحلم وسعة الصدر )

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، سباً وشتماً، ولعل بعضهم مال ليضربه، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:
(( دعوه – فقد بال وانتهى، ولئن عاقبتموه إن المكان لن يطهُرَ– وأريقوا على بوله سَجلاً من ماء أو ذنوبا من ماء – الدلو الكبير المملوء ماء – فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معَسِّرين )).

فالأعرابي اعتاد أن يبول في أي مكان يصادفه، يشعر بالحاجة إلى ذلك ودون قصد، فهو (الأعرابي) – في رأيه – لم يفعل ما يلام عليه، والمسجد رمل كما الصحراء، فأي خطأ ارتكبه، ولماذا يثور المصلون عليه؟!! والحقيقة أن المرء لا يلام على مُجانبة ما تعلمه.
لكن الناس قاموا إليه: هذا يوبخه، وذاك ينهره، والثالث يصرخ فيه والآخر يكاد يضربه، وهو لا يدري سبباً لذلك، وإن درى فهو يعجب لتصرفاتهم لم يزعجونه؟! وعلام يوبخونه؟!!
ولا يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يرى ذلك – أن يأمرهم بما يلي:

1- الكف عنه، لأن الزجر والسب وغيرهما لا تصلح الأخطاء، وهنا يأتي دور الحلم والأناة والتصرف بالحكمة.
2- تطهير المكان، وذلك بأن يريقوا عليه دلواً كبيرة مملوءة ماءً، فالماء الكثير والعمل الجيد الحسن يزيلان الأوضار وينظفان المسجد مما ضره ونجَّسه.
3- التزام الهدوء واللطف، فالمسلمون بعثوا ميسرين، لا معسرين ودعاة إلى الدين لا منفرين منه.
فما كان من البدوي بأفقه الضيق – حين رأى ما فعلوه به، وما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم – إلا أن دعا الله عز وجل معلناً عن ضيقه منهم وإكباره النبيَّ صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. إذ كيف يدعو للباقين، وقد أحرجوه؟! أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كف أذاهم عنه، وأنقذه منهم، فحَق أن يدعو له.
ودعاء البدوي بالخير للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن نفسه ارتاحت إليه وسيقبل منه ما يدعوه إلى اعتناق الدين الجديد.
وهنا اغتنم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانفتاح النفسي عنده، وبيّن له أن المسجد مكان طاهر، لا ينبغي له إلا الطهارة.. وطلب إليه أن يدعو للناس جميعاً لأن رحمة الله أوسع.
ثم التفت إلى أصحابه يعلمهم كيف يكونون دعاة، فأمرهم بالرفق قائلاً:
(( إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه )).

وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن وفد عبد القيس جاءوا إلى المدينة المنورة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامهم، فلما وصلوا المدينة أسرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى لقائه، أما الأشج وهو من وجهائهم فقد أقام عند رحالهم، فجَمعَ من بقي منهم، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، فهو لن يقابل إنساناً مغموراً، إنما يلاقي سيد ولد آدم محمداً صلى الله عليه وسلم ، فلْيلقَه نظيفاً جميل الهيئة والمنظر، وهكذا انطلق إلى المسجد فسلم، فقرّبه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجلسه إلى جانبه ثم حين انعقد مجلسه صلى الله عليه وسلم بعبد القيس جميعاً، قال:
(( تبايعوني على أنفسكم وقومكم؟)).
قال القوم: نعم يا رسول الله، نبايعك على أنفسنا وقومنا.
قال الأشج: يا رسول الله، إنك تطلب منا أن نتخلى عن دين أقمنا عليه أعمارنا وليس أصعب على الإنسان أن يترك دينه بسهولة، فنحن نبايعك على أنفسنا فقد جئناك طوعاً ورغبة، أما بقية آل عبد قيس، فأرسل إليهم بعض أصحابك – معنا – يدعونهم إلى الإسلام ويرغبونهم فيه، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه.
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (( صدقت .. إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله )):
1- (( الحِلم )): وهو العقل المفكر والصدر الواسع وجودة النظر للعواقب.
2- (( والأناة )): وهي التثبت من الأمر، وترك العجلة، والتربص في الأمر.
قال الأشج: يا رسول الله، أهاتان الصفتان جديدتان فيّ أم قديمتان، جبلني الله عليهما مذ خلقني؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بل خصلتان قديمتان )).
قال الأشج: فالحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى ورسوله.

رياض الصالحين: باب الحلم والأناة

يتبع

نبيل
2014-08-15, 01:18 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(الانتقام للنفس منقصة، ولله كمال وإيمان)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسواق المدينة وأزقتها، يراقب المسلمين في حياتهم اليومية من بيع وشراء ومعاملات، ويتابع ما يفعلونه، فيقرُّ هذا على ما يفعل، وينهى ذاك عن خطأ وقع فيه، وينبه الآخر ليمين بدر منه، فلا حاجة للقسم، فكثير الحلف كذابٌ، ويمدّ أصبعه في سلة تمْرٍ فيراها مبتلّة من أسفل فيقول لصاحبها:
( من غشنا فليس منا ).

إنه معلم، وقائد.. يصنع مجتمعاً صالحاً، ويبني دولة قوامها العدل والإنصاف، لم يكن معه – كعادة الحكام – جند وحرس يحمونه، فحبُّ الناس سياج، والسعي في خدمتهم وإسعادهم أفضل طريق للأمن والأمان، ولكنْ لا بد من هَنة من هذا أو ذاك يتلافاها بالحكمة واللطف.

قال أنس: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفقده أمور المسلمين كعادته، وعليه برد غليظ الحاشية من نسج نجران من اليمن، فتقدم منه أعرابي مسرعاً – والأعراب جفاة فيهم رعونة وإن لم يقصدوها – فشدّ بُردة النبي صلى الله عليه وسلم شداً عنيفاً حتى رأيت طرفها العلوي يضغط – بحدّه الغليظ – على عنق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ضغطاً أثّر فيه، فهممت بدفع هذا الأعرابي السيء الأدب، فمنعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظر للأعرابي فسمعه يقول له: يا محمد دون أن يلقبه بـ: يا رسول الله، فهمَمْت بضربه لولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد منعني، وأردف الأعرابيُّ وهو ما يزال يجذب النبي صلى الله عليه وسلم من بردته: مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل من مالك ولا مال أبيك.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال – بأبي هو وأمي ما أحلمه وما أعظمه - :
( المال مال الله، وأنا عبده )، ثم ضحك في وجهه وقال: أرسلني يا أعرابي،
وأمر له ببعيرين، يحمل الأول شعيراً، والثاني تمراً – وقال للأعرابي:
( أيكفيك ما أعطيتك من مال الله الذي عندي؟)،
قال الأعرابي: نعم، ولم يزد – لجفائه – على هذه الكلمة.
قلت: يا رسول الله، رجلٌ قليل الأدب، يخاطبك بجفوة، ويشدُّ بردتك فيؤثر في عنقك – ويخاطبك برعونة – فتأمر له بصلة؟
! قال الرسول الكريم البرُّ الرحيم: ( يا أنس، أمِرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ).
( يا أنس: يقول الله تعالى: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }).
( يا أنس: المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ).

قال أنسٌ: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد اشترى من يهودي سلعة على أن ينقده ثمنها وقت الحصاد .. هكذا كان الاتفاق.
لكن اليهودي جاءه قبل الميعاد، وأمسك ببردة النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية عنقه وجذبها جذبة شديدة حتى تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدتها، وقال: يا محمد أعطني حقي، فوالله إنكم يا آل عبد المطلب لقوم مُطلٌ (تسوفون في دفع الحقوق وتماطلون).
رأى عمر رضي الله عنه ما فعل اليهودي فغضب ورفع السيف في وجهه، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب عنقه لسوء أدبه وتصرفه، وخاف اليهودي، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر الهلع على وجهه، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم الحليم ذي الخلق العظيم إلا أن التفت إلى عمر قائلاً:
( كان أولى بك يا عمر أن تأمرني بحُسْن القضاء، وأن تأمره بحسن الاقتضاء ).
( يا عمر، ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ).
( يا عمر، أعطه حقه وزد له ).
قال عمر: أعطيه حقّه يا رسول الله، فما بال الزيادة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الزيادة يا عمر لإخافتك إياه ).
قال عمر: إننا لا نغضب لأنفسنا إلا أن تُنتَهكَ محارم الله.
يا عمر: إن موسى أخذ برأس أخيه يجرّه إليه حين صنع السامري عجلاً جسداً له خوار، فلم يفعل هارون شيئاً، وكان عليه أن يبطش بهذا السامري الذي افترى على الله، واتخذ له ولضعفاء اليهود إلهاً غير الله.
يا عمر: الحلم والصبر واللين في مواقعهما أشد نفعاً.. والصلابة، والغضب والقيام بالحق في مواقعها أجدى وأنفع وهذا حسن الخلق يا عمر.

قالت عائشة رضي الله عنها: إن امرأة من بني مخزوم من قريش سرقت يوم فتَحَ المسلمون بقيادة نبيهم الكريم مكة المكرمة، ووصل خبر السرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمَر بقطع يدها، فعزّ على بني مخزوم، وهم سادة قريش، أن تقطع يدٌ منهم، إنها لفضيحة الدهر وخزي الزمان، لو أن امرأة من عامة الناس سرقت لهان الأمر!! ولكنّها امرأة من مخزوم وهم سدّة قريش عدداً ومالاً، يا للعار، ويا للشنار.. إنَّ هذا لا يكون، لا يكون أبداً، وبدأوا يقلبون الأمور، ويبحثون عمَّن يجرؤ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والشفاعة لها، فما وجدوا إلا الفتى ابنَ السادسة عشرة أسامة بن زيد (الحِبَّ بن الحِبّ).
والعجيب أنهم ما كانوا يلقون إلى هذا بالاً، ولا يهتمون به. أتدرون لماذا؟ لأن أباه – وإن كان يوماً ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلق عليه زيد بن محمد قبل تحريم التبني – كان عبداً للسيدة خديجة رضي الله عنها، اشترته بحرّ مالها، وأهدته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عندما تزوجها، فأعتقه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتبناه، وزوجّه من أم أيمن بركة الحبشية حاضنته رضي الله عنهما، فولدت له أسامة، وورث أسامةُ عنها لونها الأسود.
ما كان الناس يرضون زيداً قائداً لهم، فتأففوا حين جعله النبي الكريم أول قادة جيش المسلمين في مؤتة، فاستشهد رضي الله عنه، وجعل الرسول الكريم ابنه أسامة قبل لحوقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى قائد جيش المسلمين إلى بلاد الشام. فتأفف الناس لذلك وتشفعوا بالصحابة الكرام أن يعزله الرسول الكريم عن قيادة الجيش فغضب، وأبى ذلك وقال:
( إنكم أبيتم أباه وإنه لجديرٌ بالقيادة، وأبيتموه، وإنه لحقيق بها )... – وعلى الرغم من ذلك – ولمكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قصدوه ليشفع في هذه السارقة المخزومية.
لم يكن الأمر يسيراً، فالحدّ حين يرفع إلى الحاكم ويصل إليه، لا تجوز فيه الشفاعة، ولكنْ ما على أسامة إن كلم النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها؟!..
استجمع قوته وجاء إلى الرسول الكريم فكلمه على استحياء في العفو عنها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينصت إليه حتى فرغ من حديثه، قال: ( أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟)
وهل يجوز تعطيل الحدود؟!
إذاً لا تستقيم الأمور، ولا يحيا المجتمع الحياة الطبيعية الآمنة، ويعتاد الناس الخطأ والشفاعةَ فيه، فتختل الموازين وتضطرب المعايير .. ينبغي على المسلم أن يقف عند حدود الله، ويلتزم بها، فالقوي والضعيف، والغني والفقير، والكبير والصغير .. متساوون في ميزان الله وشرعه القويم.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً في الناس يقول لهم:
( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه – لشرفه ووجاهته -، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد – لخموله بينهم وضعف مكانته -).

إن مجتمعاً تسود فيه هذه القيم المنحرفة لجدير أن يزول ويمحى، وأن يتلاشى ويندثر، ثم أطلق الحاكم العادل تلك الصيحة المدوية التي ملأت الدنيا حقاً وعدلاً، وتصميماً على إقامة حدود الله:
( وايمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ).

رياض الصالحين: باب الغضب إذا انتهكت حرمات المسلمين

يتبع

الحياة أمل
2014-08-18, 01:28 AM
بآرك الله فيكم
ونفع بكم ...~

نبيل
2014-08-18, 11:01 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أعرابي في صلاة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى معاوية بن الحكم السلميُّ قال :
كنت قريب عهد بالإسلام أعرف أركانه، ولكنني أجهل كيف أؤدي الصلاة والزكاة، وما إلى ذلك.أمّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة أحد الفروض، فقرأ الفاتحة وسورة ثم ركع وسجد، ونحن نتابعه في صلاته، فنفعل ما يفعل، فعطس رجل إلى جانبي، ولكنه لم يحمد الله، فقلت في نفسي: عجباً لهذا الرجل أما علم أن عليه أن يحمد الله بصوت مسموع كي نشمِّته؟! هكذا أمرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولعله يجهل هذه السنة فلأبادرْ بتشميته فأنالَ ثواب الله تعالى، فبادرته قائلاً:
يرحمك الله، فكأن القوم رمَوني بأبصارهم شزراً وإنكاراً لما فعلت، وأحسست أن كل واحد منهم يؤنبني وكأنني أتيت كبيرة، ففاض ما في نفسي وصِحت: واثكل أمياه، هلكت إذاً والله، لماذا تنظرون إليَّ هكذا؟ فأخذ المصلون يضربون على أفخاذهم ضربة أو ضربتين وكأنهم بهذا يريدونني أن أصمت،وغضبت لما يفعلون لجهلي بأن هذا يبطل الصلاة، فامتثلت لأمرهم وسكتُّ إلى أن انتهت الصلاة،وأنا أفكر هيّاباً مما قد يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بي.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لَمْ تنظر إليّ مؤنباً ولم تعبَس بوجهي ولا أسمعتني ما أكره، لقد كنت معلماً غاية في اللطف والحكمة. قلت مخاطباً الجميع دون أن تخصني بالنصح فأخجلَ من نفسي:((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))، ولم تأمرني أن أعيد الصلاة لقلة كلامي فيها ولأنني أجهل ما يُبطلها.

وهنا تجرأت وسألت النبي صلى الله عليه وسلم ،فقلت: يا رسول الله إني حديثُ عهد بجاهلية، وقد جاء الله تعالى بالإسلام فلا تغضب مني إن سألتك أموراً أجهل حكمها،
قال الرسول الكريم: ( لا تثريب عليك، سل يا معاوية أجِبْك )،
قلت: يا رسول الله إن منا رجالاً يقصدون الكهان ممن يدعون معرفة الضمائر وما تخفى النفوس ويخبرون عن المستقبل وما غمض من الماضي.

قال: ( هم كذابون يستعينون بالجن ويتقوّلون فلا تأتهم، فالغيب يعلمه الله سبحانه وحده ).

قلت: وهناك رجال يؤمنون بالطيَرَة، فإذا أرادوا فعل شيء رمَوا طيراً، فإن ذهب يميناً مضَوا في أمرهم، وإن ذهب شمالاً امتنعوا عن هذا الأمر.

قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الطيرة وهمٌ في النفوس لا مبرر له، فلا تأبه له يا معاوية، وامض فيما عزمت عليه، فالخير كله عاجلُه وآجله من الله تعالى، واستخِرِ الله وتوكلْ عليه، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ).

رياض الصالحين: باب الوعظ

يتبع

نبيل
2014-08-21, 07:24 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(السابقون السابقون)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



والله لأتوضَّأنّ وضوءاً كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأصليَّن ركعتين أدعو الله إثرهما أن يجعلني من أهل الفردوس الأعلى مع النبي الحبيب ، ثم أذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزمه يومي هذا فإني أحسُّ أن الدنيا والعمل لها يكاد يجذبني إليها، هكذا حدَّث أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – نفسه، فقام فتوضأ، ثم صلى، ثم انطلق إلى المسجد النبوي يحث الخُطا إليه، ورأى في طريقه بعض أصحابه فسلّم عليهم، فدعَوه إلى الجلوس بينهم، فلم يكترث، إنما جدَّ السير إلى غايته، فلما وصل رأى بعض أهل الصفّة فسألهم عن رسول الله ، فقالوا: انطلقَ الساعة في اتجاه الغرب، بقضي حاجته في غائط بئر اريس.
انطلق أبو موسى إلى ذلك المكان، فرأى عن بعدٍ طيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس عند الباب ينتظر رسول الله، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم ، وتوضأ من البئر جلس على حافته ومدّ رجليه إلى الماء يبترد، فدخل عليه أبو موسى وسلّم عليه بتحية الإسلام قائلاً: السلام عليك يا رسول الله ورحمة منك وبركاته، صلى عليك وعلى آلك وأصحابه الطيبين الطاهرين، فردَّ عليه النبي التحية بأحسن منها وسأله عن حاله ودعا له، فَسُرَّ أبو موسى لهذا الدعاء الطيّب من فم طاهر طيّب، وأحسَّ أنه نال اليوم خيراً كثيراً، فانصرف إلى باب الحائط وقال: لأكوننَّ بوّابَ رسول الله اليوم، أمنع مَن يقطع خلوته إلا بإذنه، فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( يا أبا موسى املِك عليّ الباب، فلا يدخلَّن عليّ أحد إلا إذا أذنتُ له ).
قال أبو موسى: سمعاً وطاعةً يا رسول الله.
فلزمَ البابَ ينظر منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويملأ عينيه من طلعته البهية، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فدفع الباب، فقال أبو موسى مستفسراً: من أنت؟
قال الصدِّيق: أنا أبو بكر، (ولعله سأل عن رسول الله كما سأل أبو موسى فتبعه كما تبعه هذا؟ أو اتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتقيه في ذلك المكان بعد صلاة العصر فجاء على ميعاد).
قال أبو موسى: تمهل أيها الصدِّيق حتى أستأذن لك على رسول الله .
قال الصدّيق: نعم يا أبا موسى فاستأذن لي عليه.
قال أبو موسى: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، هذا أبو بكر جاء يستأذن أن تسمح له بالدخول عليك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ايذن له بالدخول، وبشره بالجنّة )،..
يا الله، مقام الصدّيق رضي الله عنه عظيم، يبشّره الرسول الكريم بالجنّة، ذلك المكان الذي يسعى إليه المسلمون يرجون رضاء الله تعالى وفضله! .. ومن أولى بالجنّة ممن شارك الرسول الكريم، ودفع عنه أذى المشركين وبذل له ماله وحياته، وقدّمه على نفسه وآله، صدّقه حين كذّبه الناس، وأجابه إلى الإسلام مسرعأً دون تلكؤ وانتظار، فهنيئاً لك يا أبا بكر أيها الصديق هذه البشرى العظيمة.
قال أبو موسى: فعدت إلى الباب فقلت للصدِّيق ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنّة، فنِعمَتْ هذه البشرى ولنعم دار المتقين.
قال الصدّيق: الحمد لله رب العالمين، وله المنّة والنعماء لا نحصي ثناءً عليه، اللهم لك الشكر، يا واهب الخير، يا ذا الفضل الكريم.
السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا أبا بكر ورحمة الله ومغفرته ورضوانه ).
وجلس الصدّيق عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ومدّ رجليه إلى الماء يفعل ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وابتسم كلّ إلى صاحبه، يتجاذبان أطراف الحديث، والرَّوح والريحان يعبق المكان، والمَلَك تملؤه أنساً ونشوةً بسيّد الرسل الكرام وصاحبه الصدّيق رضوان الله عليه.
قال أبو موسى في نفسه: ليهنك أيها الصديق مقامك من النبي الكريم، ورجع إلى الباب يحرس المكان، فتذكرَّ أخاه عامراً وتمنّى لو جاء إلى البئر يستأذن على رسول الله فيأذن له ويبشره بالجنّة كما بشّر الصدّيق، ويغنم الخلوَةَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد تأخر عن المجيء فلقد تركته يتوضأ، وقال: إنه سيلحقني فما الذي به؟! إن يرِدِ الله به خيراً يأت به .. هذا البابُ يتحرك، فلعله أخي عامرٌ قد وصَل، فناديت من أنت.
قال عمر من وراء الباب: أنا عمر بن الخطاب.
قال أبو موسى: فالزم مكانك ريثما أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال عمر: فافعل ما بدا لك، أنا واقف هنا.
فجاء أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، هذا عمر بالباب واقفاً يستأذن في الدخول إليك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ائذن له وبشِّره بالجنة )،
يارب، ما أعظم حظ السابقين؟! لهم الجنّةُ، الفردوس الأعلى، وهذا الفاروق أوّل من يأخذ كتابه بيمينه يوم القيامة، فطوبى له هذا المقام العالي والمكانة الرفيعة، ألم يكن أوّل من جهر بالإسلام وتحدى المشركين ونادى بكلمة التوحيد حين آمن بها وصدّق، فأعز الله به الإسلام؟ طوبى له، ولنعم دار المتقين.
قال أبو موسى: فعدت إلى الباب، فقلت له: ادخل يا أبا حفص، لقد أذن لك رسول الله بالدخول، وأمرني أن أبشّرك بالجنة، فهنيئاً لك هذه البشرى وهنيئاً لك الفردوس الأعلى.
قال عمر: الحمد لله، فهو وليُّ الحمد، وله المنّة والفضل، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وجزى الله نبيه خيراً، فهو سبب كلّ هذه النعماء، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ..
السلام عليك يا رسول الله ورحمة منه وبركات، السلام عليك أيها الصدّيق
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا عمر ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ).
ورد الصدّيق بمثل سلام الفاروق أو خيرٍ منه.
فجلس الفاروق إلى يسار المصطفى عليه الصلاةُ والسلامُ ودلّى ساقيه في الماء يفعل كما يفعل صاحباه، وابتسم إلى النبي وإلى صاحبه الصدِّيق فابتسما له، وحفتهم الملائكة طيبين ترفرف أجنحتها رضى بهم، فهم نبيّ كريم ووزيراه الكريمان.
قال أبو موسى متلّهفاً: أين أنت يا عامر لترى الخير العميم، ولتحظى بما حظي به العمَران من مقام عالٍ ودعوة مستجابة، إن يُرِد الله بك خيراً يأتِ بك، فتحرك الباب، فقلت في نفسي كن عامراً، ثم ناديت من بالباب؟
قال عثمان من ورائه: أنا عثمان بن عفان، أرسول الله صلى الله عليه وسلم هنا؟
قال أبو موسى: نعم إنه هنا وصاحباه الصديق وعمر، فانتظر قليلاً كي أستأذن لك عليه.
فذهب أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن لعثمان بالدخول إليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ائذن له، وبشره بالجنّة )، وسكت هنيهة، ثم قال: ( على بلوى تصيبه ).
قلت في نفسي بشرى بالجنة، وبلوى تصيبه، يرفع الله بها مقامه ويمتحنه في صبره، فليصبرْ، إن الله مع الصابرين.
قال أبو موسى: فعدت إليه فقلت له: يقول لك الرسول صلى الله عليه وسلم ادخل، ويبشّرك بالجنة على بلوى تصيبك.
قال عثمان: الحمد لله، هو الذي يقدّر الأمور، وهو الذي يعيننا على بلوانا، اللهم ألهمني الصبر واكتب ليَ الخيرَ حيث كان، أنت وليي في الدنيا والآخرة.
السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته، السلام عليكما أيها الصدّيقان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا عثمان ورحمته وبركاته ومغفرته ورضوانه ).
وردّ الصدّيق والفاروق السلام بمثله أو بخير منه.
كان المكان حول البئر لا يتسع لأكثر من ثلاثة، رسول الله وأبو بكر، وعمر، فجلس عثمان قبالتهم، وابتسم لهم، وابتسموا له، كانت الأنسام تداعب المكان، والأنس حولهم ينشر المحبة والوئام، وكانت جلسة كريمة تجمع نبياً كريماً، وصديقاً رفيقاً، وشهيدين عظيمين.

رياض الصالحين: باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير

يتبع

ـآليآسمين
2014-08-22, 05:29 PM
رضوان الله تعالى عليهمـ جميعا
جزاكمـ الله خيرا وشكر لكمـ جهدكمـ ـآلكريمـ
:111:

احمد سعد
2014-08-22, 11:32 PM
رضي الله عن اصحاب النبي وقد جاءت زيادة عن هذا الحديث ان رجلا ساله هل تحب عثمان فقال والله لا اتكلم فيه بسوء بعدما رايته مع رسول الله فذكر الحديث فرضي اله عنهم سادات الدين واولياء الله المتقين

ـآليآسمين
2014-08-23, 05:43 PM
رضي الله عن اصحاب النبي وقد جاءت زيادة عن هذا الحديث ان رجلا ساله هل تحب عثمان فقال والله لا اتكلم فيه بسوء بعدما رايته مع رسول الله فذكر الحديث فرضي اله عنهم سادات الدين واولياء الله المتقين



جزاكمـ الله خيرا ع ـآلـإضافة

نبيل
2014-08-24, 01:26 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أخلاق عالية)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


1- توفي خنيس بن حذافة السهمي في المدينة المنورة، من جراحة أصابته في غزوة أحد، فترك وراءه زوجته الشابة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يشأ الفاروق أن تبقى ابنته دون رجل يبني بها، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد ماتت زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعثمان، وما أدراك ما عثمان الرجل العفّ المؤمن، من السابقين إلى الإسلام. وهل يرى عمر خيراً منه حرزاً حصيناً لحفصة؟.. هذا ما دار بخلد عمر الفاروق،

ولكن كيف يعرض الرجل ابنته على الناس؟
إن من العادة أن يخطِب الرجال النساء، لا أن يخطب الرجل لابنته رجلاً!! ولكن أليست الفتاة فلذة الكبد كما الفتى سواء بسواء،
فلماذا يخطب لابنه ولا يخطب لابنته؟
من السهل أن يتزوج الرجل المرأة فيكره منها أموراً فيطلقها ليتزوج غيرها، ومن الصعب أن تتزوج المرأة الرجل فترى فيه ما يرغبه عنه فتستطيع منه فكاكاً، فلا عيب إذاً أن يختار الرجل لابنته الزوج الكفء الصالح، بل عليه أن يسعى إلى ذلك قبل أن يبحث عن زوجةٍ لولده.

وهكذا فعل عمر رضي الله عنه، فلقي عثمان، فعرض عليه ابنته حفصة قائلاً: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، وأنت تعرفها وتعرف أباها.

قال عثمان: بارك الله فيك يا أبا عبد الله، سأفكر فيما عرضت عليّ، فنعم الرجل أنت، ونعم من هو بعض منك يا أخي.

قال عمر: فلبث عثمان ليالي ثم لقيني فقال: أنا شاكرٌ لك ثقتك فيّ، لكنني لا أرغب هذه الأيام في الزواج.

قال عمر: فلقيت أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه فقلت له مثل ما قلت لعثمان: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر يا أبا بكر، فصمت أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، ولم يجبه بشيء من قبول أو إعراض، تصريحاً ولا تعريضاً، فغضبت منه أكثر من غضبي من عثمان، لأن الثاني أجابني مبدياً عما في نفسه، أما الصدِّيق فأعرض عن إجابتي وكأنه لم يسمع قالتي.

فلبثت ليالي، فلقيني الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا عمر )).
قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.
قال: (( أخطب إليك ابنتك حفصة أفتزوجُنيها؟)).
قلت: يا رسول الله هذا فضل منك ومنّةٌ، وما أسعدني وأسعدها بك، وصلتني بالله تعالى وجعلتني لك صاحباً، وأكرمتني إذ طلبت حفصة زوجة لك، جزاك الله عني كل خير يا رسول الله.

وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنة الفاروق، وانضمت إلى عقد أمهات المؤمنين.

قال الصدِّيق لعمر: يا أخي لعلك غضبت مني حين عرضتَ عليَّ ابنتك فلم أعطك جواباً؟
قال عمر: لعمري إن ما قلته صحيح يا أبا بكر.
قال الصدِّيق: إنّي لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لي أنه يرغب في الزواج منها ولم يكن معنا أحد، فقلت: هذا سرّ لا ينبغي لي أن أفشيه، فلزمت الصمت إلى أن طلبها إليك بنفسه ، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها يا عمر.
قال عمر: الآن ارتاحت نفسي، حفظك الله يا صدّيق ورضي عنك
. وتزوج عثمان رضي الله عنه أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم فلقِّب ذا النورين.
وقال النبي : (( لقد تزوج عثمان خيراً من حفصة، وتزوجت حفصة خيراً من عثمان )).

2- قالت عائشة رضي الله عنها: كنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده، فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي، ما تخطئ مشيتها من مشية الرسول ، (فهي تشبهه حتى في مشيته) فلما رآها رحبّ بها وقال: (( مرحباً يا ابنتي )) ثم أجلسها عن يمينه، فحدّثها وبشّ لها، ثم مال إليها، فأسرَّ لها حديثاً، فبكت بكاء شديداً، فلما رأى جزعها أسرّ لها حديثاً آخر فضحكت، فتعجبتُ لبكائها وضحكها))،فقلت لها: خصّكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين!

فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله ؟
قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه.

فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لها: أقسمت عليك بالحب بيننا والمودة الصادقة التي تجمعنا أن تحدثيني بما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: أما الآن فنعم، سوف أحدثك.

أما في المرة الأولى فأخبرني: أن جبريل عليه السلام كان يعرض عليه القرآن كل سنة مرة، يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ويعيده جبريل ليثبت في قلب المصطفى عليه الصلاة والسلام. أما في هذه السنة فقد قرأه الرسول الكريم مرتين وكرره عليه جبريل مرتين، فأحسَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن هذه دلالة على دنو الأجل، وأمرني بالتقوى والصبر على الفراق، فإن شرف السلف يعدل ما قد يبدو من ألم الفراق، وأنا نعم السلفُ لك، فبكيت بكائي الذي رأيته وسمعته.

وأما في المرة الثانية فإنه عليه الصلاة والسلام قال: (( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين وأفضلهن في الجنة ))، فأحسست بفضل الله الكبير عليّ ومكانتي في عليين فضحكت ضحكي الذي رأيته وسمعته.

رياض الصالحين: باب حفظ السر

يتبع

المؤمنه بربها
2014-08-24, 09:13 PM
جزاك الله خيرا

نبيل
2014-08-29, 12:39 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(ليس للشيطان في بيتنا نصيب)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال عثمان: يا أبت إنّ ذكر الله في كلِّ الأمور أمر رائع، وسمةٌ من سمات المسلمين يجب أن تلازمهم، ولكنني أراك تحرص على ذكر اسم الله تعالى في أمرين اثنين أكثر من غيرهما.
قال الأب: ذكر الله يا بني تجعلك في ذمته ورعايته، وهذا دأب المسلمين، وعنوان المؤمنين، ولكن ما الأمران اللذان تقصدهما يا عثمان؟
قال عثمان: أقصد ذكر الله تعالى حين تدخل البيتَ وحين تتناول الطعام.
قال الأب: أحسنت يا ولدي في ملاحظتك هذه، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يحضّنا على ذلك، فقد روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
( إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عَشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء )
فهل عرفت يا عثمان لماذا أذكر اسم الله في الدخول إلى البيت وتناولِ الطعام؟
قال عثمان: نعم يا والدي، حفظك الله مربياً ومرشداً.
قال الأب: سأقص عليك يا ولدي موقفين اثنين للنبي صلى الله عليه وسلم يوضحان ما يجب أن تفعله إذا أكلت.
قال عثمان: أشكرك على ذلك يا أبتِ سلفاً فما هما؟
قال الأب: روى حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان قد حضر مع رسول الله طعاماً، ولا يجوز – كما تعلم – أن يبدأ أحد الطعام إلا إذا بدأه الكبير فيهم، والوجيهُ بينهم، وهذا نوع من أنواع الأدب، فلم يمدَّ أحدٌ يده، فهم ينتظرون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يضع يده، فيفعلوا ذلك بعده، وقبل أن يمد الرسول صلى اللهُ عليه وسلم يده امتدت إلى الطعام يد فتاة صغيرة فلم تذكر اسم الله، فأخذ رسول الله يدها فأبعدها عنه.
ودفع أعرابي يده إلى الطعام مسرعاً دون أن يسمّي الله، فلتقّفها الرسول الكريم مانعاً يده أن تصل إليه، فلما نظرا إليه مستنكرين ما فعله قال النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك: ( إن الشيطان يستحل الطعام أنْ لا يُذكرَ اسم الله تعالى عليه، وإن هذه الجارية حين مدَّت يدها مدَّ يده معها، وإن هذا الأعرابي حين مدَّ يده مدّ الشيطان يده مع يده، وقد منعت شيطانيهما أن يأكلا حين رددت يديهما، فالآن اذكروا اسم الله تعالى وكلوا ). ففعلنا.
قال عثمان: ألا يكفي أن يسمي واحد ممن يجلسون إلى الطعام، فتهرب الشياطين؟
قال الأب: ينبغي أن يسمّي كل واحدٍ، فإن لكلٍّ شيطاناً.

أما الموقف الثاني يا ولدي فإذا نسيت أن تذكر الله تعالى أوّل الطعام، فاذكره متى تذكرتَه، فقد روى أمية بن مخشِيٍّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك ذات مرة، فقال له أصحابه: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ قال:
( ألا ترون إلى هذا الرجل الذي يأكل الآن؟ لم يذكر اسم الله تعالى فشاركه الشيطان طعامه، حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فتذكر فقال: بسم الله أوله وآخره ورفع اللقمة إلى فمه، فلما سمع الشيطان ذكر الله استقاء ما في بطنه ).
يا بُنيَّ ؛احمدِ الله على رزقه وفضله تكن على خطا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يقول حين ترفع إليه مائدته: ( الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه )، وكان يقول: ( من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه ).

رياض الصالحين
كتاب آداب الطعام: باب التسمية في أوله والحمد في آخره

يتبع

نبيل
2014-09-08, 11:59 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(ثمرٌ يانع ودعوة مستجابة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غاب عنه فتى من اليهود كان يخدمه، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه أنه مريض، فما كان من البرِّ الرحيم صلى الله عليه وسلم إلا أن ذهب إلى بيت الفتى يعوده، ويدعو له بالشفاء، فلما وصل إلى بيته ورآه يحتضر قعد عند رأسه، وقال:
( يا غلام، أنت ذاهب إلى دار أخرى، ومنزل يختلف عن منزلك هذا، وأنا أرجو لك الخير، فلا تقابل الله إلا وأنت مسلم ).
كان الفتى محباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، عارفاً صدقه، موقناً بنبوّته، ولكنْ كيف ينطق بالشهادة دون استئذانٍ من أبيه؟

صحيح أن برّ الأبناء آباءَهم فرضٌ فرضه الله تعالى علينا، لكن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، والتزام الدين الصحيح أولى من البقاء على الكفر، ولعله كان يريد الإسلام في هذه اللحظة لكنه وجِلَ أن يراه أبوه يسلمُ دون إذنه، خواطر مرّت في ذهنه فما استطاع أن يحزم أمره، وهو على حافة قبره، فنظر إلى أبيه كأنّه يستشيره أو يرجوه أن يسمح له بالدخول في هذا الدين الجديد.

ورأى الأب في وجه ابنه علامة الرغبة في ذلك، ورأى فيه الاستعطاف في أن يوافق النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ولعلّه أيضاً لم يشأ أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته يعود ابنه، ولعله أيضاً كان يعرف في قرارة نفسه أن الكبر سيضرُّ ابنه إلى أبد الآبدين، فليسمح له باعتناق هذا الدين الجديد، وليكنْ ما يكون.
هذا ما قد يكون دار بخلَد اليهودي الأب فقال لابنه: أطع أبا القاسم.

وكانت النجاة من النار من نصيب الفتى، وأدركته رحمة الله سبحانه وتعالى قبل أن يلفظ أنفاسه، ونطق كلمةَ الفوز قبل أن يسلم الروح، وما أعظمه من فوز، وكلمةَ الصدق، وأعظم بها من كلمة صادقة أنقذته من الجحيم وحملته إلى ربض الجنة، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأسلم النفس إلى بارئها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مرتاحاً لإسلام الفتى، منبسط الأسارير لخاتمة حياته، ما أسعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أنقذ به الله تعالى هذا الفتى من النار، فله الحمد وله الشكر.
{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}(التوبة)

رياض الصالحين: كتاب عيادة المريض وتشييع الميت

يتبع

نبيل
2014-09-14, 08:25 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(واستجاب الله دعاءَ أمِّ سلمة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت:
شهد أبو سلمة – زوجها – معركة أحد في شوال من السنة الثالثة للهجرة، فجُرح فيها جرحاً، فاندمل دون أن يبرأ، ثم انتقض هذا الجرح بعد مدّة يسيرة، وبدأ الألم يزداد حتى قضى عليه بعد ستة أشهر في جمادى من السنة الرابعة، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات.
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي سلمة فرآه شاخص البصر فأغمض عينيه وقال: ( إن الروح إذا قبضَ تبعه البصر )،
فلما تأكد أهلُ أبي سلمة من موته علت أصواتهم بالبكاء وضجوا بالعويل، وبدأ بعضهم يدعو على نفسه ويرجو أن يلحقه أو يكون مكانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فالملائكة موجودة تسمع دعاءكم، وهي مجابة الدعوة، وتؤمِّن على ما تقولون ).
فلما هدأت نفوسهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وأفسح له في قبره، ونوّر له فيه ).
قالت أم سلمة: فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى الانكسار في وجهي، قال لي:
( قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة، اللهم اؤجُرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها ).
فقلت في نفسي: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أوّلُ بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ثم إني قلتُ مؤمنة بمقال النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدّتي يطلبني لنفسه، فقلت له: يا رسول الله إنني امرأة قد أسنّت ولي عيال كثيرون، وأخاف أن لا أكون حسَنة التبعُّل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن رسول الله أسنُّ منكِ، أما عيالك فأنا وليُّ أمرهم، ويعينك الله على حسن التبعُّل ).

فتزوجها رضي الله عنها وكانت ذا رأي سديد، وفكر صائب، وكان أولادها في رعاية خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، وقد روت كثيراً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ابنها سلمة أحد رواة الحديث، وكان من أشهر ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا غلام سمِّ اللهَ وكل بيمينك، وكل مما يليك ).
وقد كان أبو سلمة رضي الله عنه أخاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الرضاع وكان حمزة رضي الله عنه أخاهما فيه كذلك

رياض الصالحين: باب ما يقال عند الميت

يتبع

نبيل
2014-10-15, 01:36 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(فضل المسير إلى المسجد)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


حفظك الله أبا أيمن، وبارك فيك، وجعلك من خاصته، وأهل طاعته.
هكذا استقبل أبو حسان أخاه أبا أيمن حين رآه قادماً من المسجد في حرِّ الرمضاء وقد أدى صلاة الظهر في المسجد جماعة، لا يثنيه عن ذلك بعد المسجد، ولا ظلمة الليل، ولا هجير الظهر، وشدة الرطوبة التي يلفح حرُّها وجهه المشرق بالإيمان، ثم قال له: ما الذي يشدك إلى الجامع على الرغم من هذا الطقس الذي يُحيل حرُّه الجسمَ عرقاً، ولهيبه الرملَ جمراً؟
قال أبو أيمن: قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نُزُلاً كلما غدا أو راح))، وسكت قليلاً يمسح العرق عن جبينه ثم قال: وقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من تطهَّر، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة)).
ألا ترى يا أخي أننا كثيرو الذنوب والآثام؟ وليس لنا من العمل الصالح إلا القليل؟ وكثرة خطانا إلى المساجد، ومنها، تمحوها وتكسبنا الحسنات دون عناءٍ يذكر.
قال أبو حسان: كتب الله لك العافية وجمّلَكَ بالصبر، أفلا استأجرت سيارة إلى المسجد، أو انتظرتني لآخذك في طريقي إليه؟
قال أبو أيمن: إذاً فاستمع إلى هذه القصِّة لتدرك زهدي فيما رَمَيتَ إليه:

كان رجل من الأنصار، لا أحد أبعدُ من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء إلى المسجد؟
قال: ما يسرُّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد؛ إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً يسمع إلى حديثه فقال له: ((قد جمع الله لك ذلك كله)). وأنا مثله أرجو هذا الثواب يا أخي.
قال أبو حسان: صدقت يا أخي، متعك الله بالصحة، وكتب لنا ولك الأجر العميم، فقد روى جابر رضي الله عنه فقال:
خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم: ((بلغني أنكم تريدون أن تنقلوا قرب المسجد؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك.
فقال: ((بني سلمة!! ديارَكم تُكتبْ آثارُكُم، ديارَكم تُكْتب آثارُكم)).
فقالوا: ما يسرُّنا أنّا كنّا تحوّلنا.

قال أبو أيمن: أما المسير في ظلمة الليل إلى العشاء، وصلاة الصبح فأجره عظيم جداً، نورٌ في البصر والبصيرة، وأمان على الصراط ويوم الحشر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((بشّروا المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة)).أفرأيت أحسنَ من هذا يا أخي؟
قال أبو حسان: لا والله، تبذل الجهد القصير في هذه الدنيا الفانية، فتنال الأجر الدائم، والثوابَ القائم في الدار الباقية.

فهنيئاً لك يا أخي الحبيب ممشاكَ إلى المسجد في الأوقات كلها.
وهنيئاً لك صلاة الجماعة ذات الأجر المضاعف.
وهنيئاً لك رضا الله سبحانه وبشرى نبيّه الكريم.

رياض الصالحين
باب فضل المشي إلى المساجد

يتبع

نبيل
2014-10-16, 11:44 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(شكوى الجمل)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لأحد الأنصار، وكان هذا البستان واسعاً مُسوَّراً يكثر فيه النخيل، وكانت الظلال الوارفة تطرد الحَرَّ وتهيئ لمن جلس فيها أنساماً باردة تداعبه وتغريه بالبقاء فترة من الزمن يتمنّى كل لحظة أن تطول، وكان خرير الجداول المنبثة بين الأشجار عزفاً لطيفاً يملأ المكان أنساً ولطافة يغريان بالصمت، ويشدان الآذان إلى التحليق في أجواء موسيقى طبيعية حلوة.

وإلى جانب السور جمل بدا كله ملتصقاً بالأرض، ساكناً، يحرك عنقه بين الفينة والأخرى، يمضغ بعض الأشواك، ويرسل رغاءً خفيفاً بين الحين والآخر، فلما رأى الجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه بعينين سالت مدامُعها وبدأ صوته يتوالى، ومد رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد عرف فيه إنساناً رؤوفاً رحيماً، ونبياً عطوفاً كريماً، لا تعجب! فالحيوانات كلها كانت من جند سليمان عليه السلامُ تعرف مقداره ومكانته وتقرُّ له بالنبوة والطاعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذو المكانة الأرفع والمقدار الأسمى له من الآيات الدالة على محادثته الحيوان القصصُ الكثيرة، بل إن الجذع حنَّ إليه، ومال نحوه، وأصدر أنيناً حزيناً حين فارقه الرسول صلى الله عليه وسلم على منبره، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وخطا إليه يمسح عليه ليسكت، ويعدُه أن يكون من شجر المدينة إن صبر.

جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجمل فمسح سنامه ورأسه وأذنيه بيده الرحيمة، وربتّ على رقبته، فسكن الجمل واستكان إليه. هذا الحيوان الأعجم هدأ حين وضع الرسول العظيم يده الحانية عليه وشعر بالأمان والاطمنان، وعلم أنه بين يدي أكرم الخلق على الله سبحانه، وعلم أنه وصل إلى من ينصفه، ويدفع عنه الظلم، فأسلم قياده إليه، واعتمد في رفع ظُلامته عليه، لقد آوى إلى ركن ركين، وملاذٍ أمين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من صاحب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟))
فانطلق أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس صاحبه ويبحث عنه، فلما عرفه، دعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء مسرعاً قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما شأن جملك هذا؟ وماذا كلّفتَه؟)).
قال الأنصاري صاحب الجمل: لا أدري ما شأنه يا رسول الله، ولكنْ حملنا عليه أثقالاً كثيرة، ثم ربطناه إلى الساقية يدور حولها ليرتفع الماء فنسقي النخيل والأشجار، فبذل جهده، ثم توقف وقد ظهر العجز عليه، وهذا أمرٌ لم نكن نعهده فيه، فاتفقنا على نحره، وأكل لحمه، فقد أسنّ ولم يعد للعمل صالحاً.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تفعل ذلك، وأرِحه، وأكثر عَلَفه، ولا تكلفه إلا ما يُطيق، واتق الله فيما ملّكك من البهائم، ليبقى عليك فضله، ويزيدك من رزقه. فإن هذا الجمل شكا إليَّ أنك تجيعه، وتتعبه في العمل فلا تقابل نعمة الله بمعصيته، بل بالشكر والإحسان ليدوم لك الامتنان)).

رياض الصالحين
باب آداب السير، وأمر من قصّر في حق الدابة بالقيام بحقّها

يتبع

نبيل
2014-10-17, 10:37 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(الجهاد طريق الجنة)

بقلم الدكتور عثمان قدري مكانسي



مرَّ رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعبِ جبل لا يقصده أحد، فرأى فيه عين ماء عذب، فأعجبته، فقال: وددت لو اعتزلت الناس في هذا المكان المنقطع أعبد الله تعالى، فلا تقع مني إساءة لأحد، ولا يسيء أحد إليَّ فألقى ربي خفيفاً نظيفاً ليس لأحد عليَّ مظلمةٌ، ولن أفعل ذلك حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما جاءه وأخبره بالشعب وعُيَيْنة الماء ورغبته في اعتزال الناس هناك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تفعل، فإن مُقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة؟!)
قال الحاضرون: بلى،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اغزوا في سبيل الله)، ثم أردف عليه الصلاة والسلام قائلاً: (والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزوَ فأُقتل).
صمت الناس، وهم بين متعجب من فضل الجهاد ومفكِّرٍ في ما يعادله من الثواب.
قال رجل: يا رسول اله، فما جزاء من قاتل في سبيل الله؟
قال صلى الله عليه وسلم : (الجنّة، من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فُواقَ ناقة – الفواق ما بين الحلبتين من الزمن – وجبت له الجنّة، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نُكبَ نكبةً فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران وريحها كالمسك).
قال رجل: ما الذي يعدل الجهاد يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وسلم : (لا تستطيعونه)،
فكرَّرَ عليه السؤال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تستطيعونه)، فلما تعجبوا قال عليه الصلاة والسلام:
(مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتُر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله).
قال الحاضرون: مَنْ يستطيع ذلك؟! لن تجد إلا الملائكة يستطيعون ذلك.
ثم إن فتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد الغزو، وليس معي ما أتجهز به. قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (ائت فلاناً، فإنه كان قد تجهّز للحرب، فمرض، فأقرئه السلام وخذ ما تجهّز به).
فذهب الفتى إلى الرجل المريض، فسلّم عليه، ثم قال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهّزت به.
قال الرجل: سمعاً وطاعة لرسول الله، ثم التفت إلى امرأته فقال: يا فلانة أعطيه الذي كنت تجهّزتُ به، ولا تحبسي عنه شيئاً، فوالله لا تحبسين منه شيئاً فيباركَ الله لك فيه، فأدّته إليه كاملاً.

وجاء رجل مدجج بالسلاح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتأمرني أن أسلم ثم أقاتل أم أقاتل ثم أسلم؟
قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يقبل الله العمل إلا بعد الإيمان، فأسلم ثم قاتل)).
فحين أسلم الرجل ثم قاتل، َقُتِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عَمِلَ قليلاً وأُجِر كثيراً).

قال رجل: فما فضل الشهادة يا رسول الله؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أحدٌ يدخل الجنة يجب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشرَ مرات، لِما يرى من الكرامة).

والتقى المسلمون في غزوة بدر بالمشركين، وصفّ الرسول الكريم صل الله عليه وسلم المسلمين ثم قال: (لا يباشرْ أحد منكم بالقتال إلا إذا أذنت لكم)،
فقالوا: سمعاً وطاعةً، ثم إنّ المشركين هاجموا المسلمين، فلما وصلوا إلى مرمى سهامهم أمرهم القائد الفذُّ صلى الله عليه وسلم فرشقوهم بالسهام، فلما دنوا أمرهم أن يرموهم بالرماح، فلما تلاحموا بدأ الطعن والضرب بالسيوف، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قوموا إلى جنّة عرضها السماوات والأرض) ، فقال عمير بن الحمام الأنصاري، رضي الله عنه: يا رسول الله؛ جنّة عرضها السماوات والأرض؟
قال: (نعم).
فقال عمير: بخٍ بخٍ متعجباً، مفخماً ما سمعه،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما الذي دعاك إلى قول بخٍ بخٍ؟) قال عمير: يا رسول الله رجاء أن أكون من أهلها،
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (فأنت من أهلها).
وأخرج عميرٌ تمرات من جَعبته، فجعل يأكل منهن ثم حنَّ إلى القتال، فقال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، إنها لحياة طويلة، لا أريدها، فأنا أصبو إلى حياة دائمة تمنعني عنها هذه التمرات، فرمى ما كان معه من تمرات، ثم قاتل المشركين، يضرب هنا وهناك حتى قتل، فدخل الجنّة فهو في حوصلة طير أخضر يأكل من ثمار الجنّة، ثم يأوي إلى عرش الرحمن آمناً مطمئناً.

رياض الصالحين / كتاب الجهاد

يتبع

نبيل
2014-10-19, 12:05 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(بئر معونة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


في السنة الرابعة للهجرة قَدِم أبو براء بن عازب بن مالك، ملاعبُ الأسنّة، وهو سيّد قومه بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته الطيبة، وأهدى النبيَّ صلى الله عليه وسلم هديةً لم يقبلها، وقال: (يا براء، لا أقبل هدية مشرك)،
ثم عرضَ عليه الإسلام، وبما أن الزعماء يكبر عليهم أن تُردَّ هديتهم لأنها عنوان سيادتهم، فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمْرك هذا حسنٌ – ولم يسلم – فلو بعثتَ رجلاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى دينك لرجوت أن يستجيبوا لك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أخشى عليهم أهل نجد ففيهم غدر ).
قال أبو براء: أنا جار لهم.

ماذا يفعل رجل واحد مع رجال قلوبهم قدَّت من صخر، وسكن الشيطان في صدورهم، وفرَّخ فيها؟
لأبعثنَّ لهم رجالاً صدقوا الله ما عاهدوه عليه، حياتهم للقرآن، يتدارسونه كل وقتهم، ولْيكونوا من الأنصار الذين آمنوا بي ونصروني، وأعزَّ الله بهم وبمدينتهم الإسلام، وهبُوا حياتهم لمولاهم، وقرآنه محفوظ في عقولهم وأفئدتهم، أسميتهم القرّاء، يتدارسونه في الليل، ويخدمون إخوانهم في النار، فيجيؤون بالماء إلى المسجد لينتفع به المحتاجون شرباً ووضوءاً، وينطلقون إلى أحراش المدينة، فيحتطبون ويبيعون الحطب، فيشترون لأهل الصفّة من الفقراء والمحتاجين طعاماً.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد سبعين رجلاً من القرّاء، فيهم حرام بن ملحان، خال أنس بن مالك، وعامر بن فُهيرة، وساروا حتى نزلوا بئر معونة، من أرض بني عامر فلما نزلوها أرسلوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيخ قبائلهم عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يَرْعَ حرمة رسوله، فعدا عليه فطعنه وقتله، فقال حرام وهو يلفظ أنفاسه: فزت وربِّ الكعبة، .. فاز بالجنّة، عرضها السماوات والأرض، وفاز برضوان الله تعالى، فحياتُه، وعمله، وأمله أن يصل إلى هذا، ووصل لأنه كان صادقاً يسعى بكل ما أوتي إلى لقاء الله، فلقيه، فأحسن الله وفادته.

واستصرخ عامر بن الطفيل بني عامر لقتل القرّاء، فقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، لكنهم تخاذلوا عن نصرة المسلمين القادمين إليهم ليعلّموهم ويفقهوهم، حين استصرخ بقية القبائل من بني سليم وعصيّة، ورعل، وذكوان، فأجابوه وخرجوا إلى المسلمين وأحاطوا بهم حتى قتلوهم عن آخرهم.

هكذا أعداء الله، لا يرعَون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً، فهم لا يريدون لراية الإسلام أن تعلو خفاقةً، ولا لضياء الحقِّ أن ينير الدنيا خيراً وعدلاً، يقتلون الدعاة ويكممون الأفواه، ويفترون عليهم أسوأ الصفات، ويزعمونهم خارجين على الأمة إرهابيين متخلفين! وهم هكذا في كل زمان ومكان، يريدون أن يطفئوا نور الله، ولكن هيهات هيهات، فما للمخلوق قِبَلٌ للخالق، ولا الضعيف بالقوي طاعة.

قال القرّاء وهم يرون مصارعهم حين أحاط بهم الأعداء، فُزنا وربّ الكعبة كما فاز حرام بن ملحان، وانتضوا سيوفهم وقارعوا عدوهم وجأروا إلى الله بالدعاء: اللهم بلّغ عنّا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا بك ربّاً وبشرعك ديناً، وبنبيّك رسولاً، وأنك رضيت عنا فأدخلتنا الجنة وشملتنا برحمتك وغفرانك.

وأمر الله تعالى سفيره الكريم جبريل عليه السلام فأوصل ما قالوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للمسلمين: ( إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا ) وصلى رسول الله والمسلمون معه على هؤلاء الشهداء صلاة الغائب، وحزن عليهم، وكيف لا يحزن المسلمُ على إخوانه، وهم قد بذلوا أرواحهم وحياتهم لله، وقال صلى الله عليه وسلم : (هذا من عمل أبي براء، لم يدافع عنهم) ، فبلغه ما قال النبي الكريم، فحملته النخوة العربية والخوف من العار إلى أن طعن عامر بن الطفيل فخَرَّ عن فرسه، ودميَ، وعرف الأخير أنه أساء لعمّه فقال: إن مِتُّ فلا تنالوه بسوء، دمي حلال له، لكنّه لم يمت.

رحم الله قتلى بئر معونة، ورحم الدعاة في كل أرض وكلّ زمن، فإن إيذاءهم يترى، والتضييق عليهم يستمر، ورغم كل هذا فهم على طريق الهدى سائرون.
{ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)}(البروج)

رياض الصالحين / باب الجهاد في سبيل الله

يتبع

نبيل
2014-12-02, 12:02 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(سعد وسعيد)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


1- حين فتح المسلمون العراق بقيادة المثنى بن حارثة، ثم أتمها خالد بن الوليد رضي الله عنه جهز الفرس جيشاً عرمرم بقيادة رستم، وانطلقوا من فارس يريدون دحر المسلمين واسترجاع ما سُلب منهم.
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد جهز جيشاً قوياً يحارب به هؤلاء، وحدثته نفسه أن يقوده بنفسه، فمنعه أصحابه قائلين: إن المسلمين بحاجة إليك، وأصحابُك فيهم القادة العظام، المجرّبون في الحرب القادرون على إحراز النصر بإذن الله، نزل الفاروق على رأيهم، واستشارهم فيمن يوليّ، فوقع الاتفاق على أحدِ العشرة المبشرين بالجنة، سعد بن أبي وقاص، أول رام بسهم في الإسلام، والوحيد الذي فداه الرسول الكريم بأمه وأبيه حين قال له في غزوة أحد:
(( ارم يا سعد ارم، فداك أبي وأمي ))، لم يتخلف عن غزوات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، كان مستجاب الدعوة رضي الله عنه.
عيّنه الفاروق أميراً على الجيوش الإسلامية، وكانت الرسل بينهما تتوالى يومياً، وكان أمير المؤمنين، يزوّد سعداً بالمؤن والذخائر والجنود، ويطلّع على مجريات المعركة، ويسدّدها، وعنه تصدر التعليمات، فكأنه القائدَ الفعليَّ للمعركة، وانتصر المسلمون في موقعة القادسية على الفرس نصراً مؤزراً، وصار سعدٌ والي العراق، ومقرّه الكوفة، يحكم بالعدل، يواسي الفقير، ويأخذ على أيدي الظالم، ويقسِمُ بالسويّة، ولكنَّ أهل السوء – في موسم الحج – شكَوه إلى أمير المؤمنين، ووصفوه بغير ما هو أهل له، فعزله، ليس تصديقاً لهم، إنما يريده مستشاراً له، واستعمل عليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه، ثم إنهم حين رأوا عمر عزله اشتطوا فقالوا: إنه لا يحسنُ الصلاة.
أصاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشر بالجنّة، الذي استعمله رسول الله على غزواتٍ ومدحه وفداه بأمه وأبيه لا يحسن الصلاة؟!! هذا افتراء وبهتان،
احتد سعدٌ وقال: أما أنا فوالله كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أخرم عنها، أقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة العشاء فأطوّل وأخفف في الثالثة والرابعة كما يفعل رسول الله صلى الله عليه سلم .
قال عمر: صدقت يا أبا إسحاق فوالله لأنت الصادق وهم الكاذبون.
ولكي يطيّبَ الفاروق خاطر سعد أرسل معه وفداً إلى الكوفة، يمرون معه على مساجدها، ويسألون الناس عن سعدٍ وسيرته فيهم حين كان أميراً، فلم يدَعوا مسجداً إلا سألوا المصلين فيه عن سعدٍ رضي الله عنه، والناس يذكرونه بالخير، ويثنون عليه، ويفيضون في مدحه.
حتى إذا وصل إلى مسجد لبني عبس ذكره الناس فيه كالعادة بالفضل وسموّ الأخلاق، والعدل، فقام رجل منهم ضاقت نفسه لمدحه وكان ممن فسَدوا عليه، واغتابوه، يقال له أسامة بن قتادة ويكنى أبا سعدة، فقال: إن كنتم تطلبون الصدق في سعد فإليكم حقيقة الأمر:
فإنه كان يرسل الجيش للقتال ولا يخرج معه.
وإذا قسم بين الناس الأموال كانت قسمته ضيزى، ليس فيها مساواة.
وإذا حكم بينهم لم يعدِل، إنما دأبه أن يميل إلى ذوي الأموال والأهواء.
وهنا تأثر سعدٌ رضي الله عنه، وكان كما أسلفنا مستجاب الدعوة فقال:
أما وقد قلتَ فإني أدعو عليك دعوات ثلاثاً.
اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة فأطلْ عمره، وأطل فقره، وعرّضه للفتن.
فكان هذا الشيخ بعد ذلك إذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة سعدٍ، فها أنا شيخ كبير مفتون أعمى، عندي عشرُ بنات لا أعرف كيف أصرف عليهن.
وعاش الرجل إلى أن أدرك إحدى الفتن فغاص فيها.
قال جابر بن سمرة: لقد أبصرت هذا المفتون الكذاب قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض إلى الفتيات في الطريق فيغمزهن ويمسك بأصابعهن يداعبهن كما يفعل السفيه، فيهربن منه.

2- أما سعيد بن زيد، وهو كذلك أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه، فقد خاصمته امرأة اسمها أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادّعت أنه أخذ شيئاً من أرضها،
فقال سعيد: أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال مروان: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، طوّقه إلى سبعة أرضين )).
فقال مروان: لا أسألك بعد هذا بيّنة، فأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شهد لك بالجنّة. قال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعمٍ بصرها، واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها فكان الناس يرونها تلتمس الطريق تقول: أصابتني دعوة سعيد.. وإنها مرّت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، فكانت قبرَها.

رياض الصالحين / باب كرامات الأولياء

يتبع

نبيل
2014-12-03, 12:44 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(المجتمع المتكافل)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



طعام الاثنين يكفي أربعة، وطعام الأربعة يكفي ثمانية، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكفي الإنسان بضع لقيمات يُقمن صلبه، فلم يخلقنا الله تعالى للأكل والشرب، وإنما جعلهما وسيلة لغاية سامية، لحياة نكون فيها عباداً لله فننشئ مجتمعاً متراحماً متكافلاً.
إن أصحاب الصفّة كما مرّ معنا كانوا أناساً فقراء، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة:
(( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث (يأكل معهما)، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ، بسادس ))،
وهكذا، فقام أبو بكر إلى ثلاثة من أهل الصفّة، فدعاهم إلى بيته، ثم إنّه قال لابنه عبد الرحمن: هؤلاء أضيافك يا بني، فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلي عنده ما يشغلني، فأطعم أضيافك، وأحسِنْ قراهم.
وانطلق الصديق أبو بكر إلى دار النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عنده ما شاء الله له أن يجلس، وتعشى عنده مع نفر من أصحابه، ولبث هناك إلى ما بعد صلاة العشاء.
أما عبد الرحمن فقد جاء بطعام إلى أهل الصفّة الذين جاء بهم أبوه الصدّيق رضي الله عنه فقال: اطعَموا،
فقالوا: أين ربّ منزلنا؟
قال: إنه ذهب لبعض شأنه، وأمرني أن أضيفكم،
قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء والدك، ولن نأكل إلا بوجوده وأن ينال من الطعام معنا.
قال عبد الرحمن: أرجوكم أن تأكلوا، فوالله إنه إن جاء، ولم تطعموا لألقينَّ منه ما يسوء، فلم يقبلوا، فعرفتُ أنه سيغضب مني، واحترت في أمري، فلما جاء بعد العشاء وجدهم جالسين لم يعودوا إلى منزلهم، فعلم أنهم لم يأكلوا، فسألهم عن إبائهم الطعام فقالوا: أنت دعوتنا، فلما ذهبت انتظرناك.
وكنتُ لما رأيته داخلاً اختبأت لئلا أرى منه وأسمع ما لا يسرُّ،
فنادى: أين أنت يا عبد الرحمن؟ كيف تترك أضيافك دون طعام؟ فلما لم أجبه، وكان يعلم أني أسمعه، قال: سألتك بالله أن تجيبني إن كنت تسمعني،
فلم أر بدّاً من إجابته، فجئته على خوف واستحياء، فأسمعني ما كنت أتوقعه، فقلت له: يا أبتِ والله لقد عزمت عليهم أن يطعموا، واعتذرت لهم عن غيابك، فأبوا وقالوا: لسنا بآكلين إلا إذا أكل الصديق، فالتفت إليهم قائلاً: أحقاً ما يقوله هذا؟
قالوا: صدق والله، فكيف نأكل ولست معنا؟! فظهر الغضب على وجهه، أما الآن فليس مني، ولكن منهم فقال مغضباً: كلوا لا هنيئاً ولا مريئاً، فتقبّلوا هذا منه لمكانته عندهم، ولأنهم أغضبوه، فكيف يُدْعون فلا يأكلون؟ وابنه بينهم، وهو منشغل عنهم؟.
لم تمتد أيديهم إلى الطعام، فسألهم ما يمنعكم أن تأكلوا؟ قالوا: أنت صاحب الطعام وصاحب البيت فابدأ أولاً،
قال: انتظرتموني، ثم فرضتم عليَّ الأكل، والله لا ذقته أبداً هذه الليلة،
قالوا: والله لا نطعمه حتى تطعمه.
قال: ويلكم!! ما لكم لا تقبلون عنا قراكم، هات طعامك يا عبد الرحمن، فجاء به إليه، وهو شبعان، قد أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده فقال: بسم الله، لأحنثنّ بقسمي هذا، فهو من الغضب ومن الشيطان، وأخذ الأضياف الثلاثة وعبد الرحمن وأم رومان زوجة الصديق يأكلون، والصدِّيق ينظر إليهم ويبتسمُ، ولكنّه التفت فجأة إلى زوجته فقال لها: يا أم رومان ما الذي أراه، فانتبهت وقالت: سبحان الله، إن الطعام يكثر، ولا يقلُّ، كلما أكل أحدهم لقمة رَبَت من أسفلها أكثر منها حتى علا الطعام في القصعة، وكاد يسقط منها، فلما شبع القوم، بعث الصدِّيق غلامه بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبرها، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتركها عنده إلى الصباح.

وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً، كانوا على موعد معه فخرج بهم إلى ظاهر المدينة، حيث كان في انتظارهم عدد كبير من المسلمين، وهناك قسّم الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى اثنتي عشرة مجموعة على رأس كلّ واحدة منها رجل ممَّن كانوا عنده في الصباح، ثم قدَّم لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصعة فأكل منها الجميع وكفتهم، فقد كانت مباركة، ظهرت بركتها عند الصدِّيق رضي الله عنه، وزادت بركةً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم .

رياض الصالحين /باب كرامات الأولياء ومجالسهم

يتبع

نبيل
2014-12-19, 12:00 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أهل الأنوار)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


كانت ليلة مظلمة من ليالي المدينة، غابت عنها نجومها، وغاب عنها قمرها، لكن الصحابة الأجلاء كانوا يقبسون الأنوار من قمر الهداية، وكوكب العناية الربانية، مَن اصطفاه ربه فأعلى مقامه، وجعله نوراً يهدى به البشرية إلى يوم القيامة.

سمعوا آيات الله تتلى من فم مَن عليه نزل القرآن الكريم، فملأ قلوبهم نوراً وعيونهم ضياءً، وسمعوا كذلك من المصطفى دعاءه:
(( اللهم اجعل من أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم اجعلني نوراً ))،
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فلما أرادوا العودة إلى بيوتهم كانت الأنوار تحفهم من كل جانب، وكأنهم في رابعة النهار.

هذا أُسيد بن حضير وعبادة بن بشر رضي الله عنهما يخرجان من حضرة النبي (الضياء) عليه الصلاة والسلام، وأمامهما مثل المصباح ينير دربهما .. ما كانا يغنيَّان، ولا يتمايلان تمايل السكارى.. ولم يكن حديثهما مما يندى له الجبين، إنما كانا ملكين يمشيان على الأرض، ذكرُ الله في قلبيهما ولسانيهما، يحمدانه على نعمة الإسلام، ونور الإيمان.
كان هذا المصباح يشق طريقهما فترتاحُ نفساهما إلى ما هما عليه من دين عظيم كريم يقرب إلى الله تعالى.
فلما افترقا كلُّ إلى أهله انقسم هذا النور نورين، والمصباح مصباحين.

أرأيت أخي الحبيب ما يفعل الإيمان والإسلام في حياة أتباعه؟

جعلنا الله من أهل الأنوار في الدنيا والآخرة.

رياض الصالحين / باب كرامات الأولياء

يتبع

نبيل
2014-12-21, 09:02 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(غزوة الرجيع)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


في السنة الرابعة للهجرة، وفي شهر صفر منها، جاء رهط من قبيلتي عُضَل والقارة، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يريدون أن يظفروا ببعض المسلمين أسارى ليبيعوهم إلى مشركي مكة فيقتلهم هؤلاء بقتلاهم في أحد فقال هؤلاء الرهط للنبي صل الله عليه وسلم: يا رسول الله إن فينا رغبة في الإسلام، فقد بدأت بيوتنا يفشو فيها هذا الدين الحديث، ولا نعرف شيئاً عنه، فابعث لنا نفراً يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن.

كانت هذه الكلمات منهم عرضاً رائعاً، حفز النبي صلى الله عليه وسلم – وهو سيّد الدعاة – على أن يرسل إليهم بعض الفقهاء الشباب، يعلمونهم دينهم، ويرشدونهم إلى سنّة نبيهم، والشباب عدّة المستقبل وبُناته، وعلى همتهم تقوم أركانه، فاختار ستة وأمّرَ عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا معهم إلى نجد – مكان إقامتهم -.

فلما كانوا بالهدأة وهي بلدة بأعلى مرِّ الظهران، ظهر الغدر في عيون أولئك الرهط، وقاموا يريدون أسرهم، فلما علموا أنهم لا يقدرون عليهم استصرخوا عليهم حياً من هذيل، فبعثوا لهم مئة رجل، فالتجأ المسلمون إلى جبل، واعتصموا فيه، فلما رأى المشركون أن لا سبيل إلى هؤلاء النفر الستة استنزلوهم وأعطوهم الأمان، وأقسموا أن لا ينالوهم بسوء، فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، فالكافر لا أمان له ولا ذمّة، وصعّد نظره في السماء وقال: اللهم بلّغ عنا نبيّك أنّا نموت على دينك وأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فعليه منك الصلاةُ والسلام، وكان على رأيه اثنان آخران هما مرشد بن أبي مرشد، وخالد بن البَكير، فقتل عاصمٌ ومرشد وخالد.
واستأسر بعد ذلك خبيب بن عدي، وزيد بن الدثِنَّة ورجل آخر هو عبد الله بن طارق، فلما أسروهم، أظهروا الغدر كعادتهم وربطوهم بالقسيّ، فقالوا لهم: أين العهد والذمّة، فقال المشركون: لا عهد لكم ولا ذمة، وصدق الله العظيم حين وصف المشركين قائلاً:
{ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة)"
وساقوهم إلى مكة، أما عبد الله بنُ طارق فلم يرضَ المسير، وتمنّى لو قتل مع الشهداء الثلاثة، واستمكن في الأرض، فدفعوه، فلما يئسوا منه وضعوا السيف في صدره فلحقت روحه بإخوانه الثلاثة إلى بارئها.
وأراد هؤلاء القتلة أن يحزّوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ابنَيْها في غزوة أحد، فجاء النحل بأعداد هائلة يطنُّ حوله، فما استطاعوا الوصول إليه، فقالوا: دعوه إلى المساء فيذهب النحل، فنأخذه، فبعث الله تعالى سبيلاً احتمله، وكان عاصم عاهد الله أن لا يمسّ مشركاً، ولا يمسّه مشرك، فمنعه الله في مماته كما منعه في حياته.
وأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث في "أحد" فأخذوه ليقتلوه به، فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدُّ بها، فاقترب منه طفل صغير فجلس على فخذ خبيب، والموسى في يده، فصاحت المرأة خوفاً على صغيرها أن يقتله خبيب، فقال لها: أتخشين أن أقتله؟ إن الغدر ليس من شيمة المسلمين وليس من شأنهم الغدر بالآخرين، وأعاده إلى أمه، فكانت هذه المرأة تقول: ما رأيت أسيراً أخيرَ من خبيب، لقد رأيته، وما بمكة ثمرة، وإن في يده لقِطفاً من عنب يأكله، ما كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً.
فلما خرجوا من الحرم ليقتلوا خبيباً قال: ردّوني أصلي ركعتين، فتركوه فصلاهما، فسن سنة حسنة لمن يقتل صبراً أن يصلي ركعتين.
ثم قال: لولا أن تقولوا جزع لزدت، وقال أبياتاً منها:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً * على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ * يبـارك على أوصـال شِــلوٍ ممـَزّع

اللهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ثم صلبوه.
يقول أبو سفيان بعد ما أسلم: فوالله لقد كنت وابني معاوية ممن حضرَ مقتله، فما سمعت بدعائه حتى انحنيت، وأحنيت رأس ولدي خوفاً أن يصيبنا دعاؤه.

وأما زيد بن الدثِنَّة فإنّ صفوان بن أميّة بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم خارج مكة ليقتله بابنيه، فقال نسطاس: أنشُدك الله أتحب أنّ محمداً الآن مكانك نضرب عنقه وأنّك في أهلك؟
قال: ما أحبُّ أن محمداً الآن مكانه بين أصحابه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحاب محمدٍ محمداً.. ثم قتله نسطاس.

وهكذا انطوت صفحة من صفحات الغدر التي تتوالى على المسلمين في كل زمان ومكان، لا لذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، ولا يزال ركبُ الإيمان على الرغم من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، يمشي معلناً كلمة الإيمان: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

البخاري ج5 ص41
الكامل في التاريخ ج2 ص117

نبيل
2015-01-23, 11:49 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(إياك واللعن)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال الابن لأبيه: يا أبتِ قرأت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل شرب خمراً، فقال:
(( اضربوه تعزيراً له ورَدْعاً ))،
فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: (( لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان )) فلماذا أبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟
قال الأب: الدعاء بقولهم: أخزاك الله، لعنة، ولا يُلعنُ إلا الظالمون، لقوله تعالى: " أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " .
قال الابن: لقد ظلم نفسه بشرب الخمر يا والدي.
قال الأب: يا بني إن الظالمين: الذين يصدون عن سبيل الله، وهذا مسلم ارتكب خطأً فعزّره رسول الله صلى الله عليه وسلم . وليس المؤمن بطعّان ولا لعّان .. أليس كذلك يا بني؟
قال الابن: بلى يا والدي.
قال الأب: وقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا لعن شيئاً، صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق دونها الأبواب، ثم تنزل إلى الأرض فتغلق دونها أبواب الأرض، ثم تمشي اللعنة يميناً وشمالاً فإذا لم تجد طريقاً إلى ملعون رجعتْ إلى قائلها، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى أن اللعّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
قال الابن: أعوذ بالله أن أكون لعّاناً.
قال الأب: أما وقد كرهت أن تَلعنَ فاسمع ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم مَن لعنت ناقتها.
قال الابن: شوقتني يا والدي ومعلمي إلى قصتها.
قال الأب: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقةٍ عليها بعض متاع القوم، إذ وصلوا إلى مكان ضيّق بين جبلين تزاحم فيه الركبُ، فأرادت المرأة أن تسرع ناقتها، فلم تستطع، فضجرت منها فلعنتها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتها، فقال: (( خذوا ما على الناقة من متاع ودعوها فإنها ملعونة، لا تصاحبنا ناقة معلونة )).
وقال راوي الحديث – يا بني -: فكأني أرى الناقة تمشي في الناس لا يتعرض لها أحد.
قال الابن: أفلا تجوز اللعنة أبداً؟
قال الأب: بلى، ولكن في حدود الشرع، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الواصلة والمستوصلة وآكل الربا والمصورين ومن لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن أحدث منكراً، ومن آذى المسلمين.
قال الابن: فما الواصلة والمستوصلة؟
قال الأب: التي تصل شعرها بشعر غيرها تدعى مستوصلة، ومَنْ تقوم بهذا العمل فهي واصلة.
قال الابن: أهناك من لُعنوا أيضاً؟
قال الأب: نعم: اليهود الذين اتخذوا مقابر أنبيائهم مساجد، والمتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
ورفع الأب وفتاه أيديهما إلى السماء يسألان الله الهداية، والفقه في الدين لهما ولكل المسلمين.

رياض الصالحين/ باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابته

يتبع

نبيل
2015-01-25, 05:06 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(صور مردودة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



الصورة الأولى:
مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يراقب البيع والشراء، وتصرُّفَ الناس في السوق، يرشد هذا، ويعلّم ذاك، ويسلم على هذا، ويصبغ المجتمع بصبغة الإسلام، وتوقف عند رجل يبيع طعاماً، فأدخل يده في الإناء فأصابها البلل، فقال له: (( ما هذا يا صاحب الطعام؟ إنّه جافٌ من فوقُ مبللٌ من تحت )).
قال الرجل معتذراً: نزل المطر عليه يا رسول الله فابتلَّ.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أفلا جَعلت ما ابتلَّ فوق الطعام حتى يراه الناس؟! هذا غش لا يرضاه الله عز وجلَّ ولا نرضاه يا صاحب الطعام: من غشّنا فليس منّا )).

الصورة الثانية:
كان أبو مسعود البدري يضرب أحد عبيده بالسوط لذنبٍ أذنبه، فسمع صوتاً من خلفه يقول: (( يا أبا مسعود )) لكنّه – لغضبه الشديد من فتاه – لم يسمع الكلام ولم يعرفِ المنادي، فلما اقترب الصوتُ منه عرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوقف عن الضرب واحمرَّ وجهه خجلاً أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو منفعل يضرب عبده.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا مسعود، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك، يا أبا مسعود: اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام )).
فقال أبو مسعود: فسقط السوط من يدي هيبة، ثم قلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً يا رسول الله.
ثم التفت أبو مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسترضيه قائلاً: يا رسول الله هو حرٌّ لوجه الله.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أما إنّه لو لم تفعل للفحتك النار يوم القيامة يا أبا مسعود: من ضرب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه )).
قال أبو علي سويد بن مقرِّن رضي الله عنه: كنا سبعة إخوة من بن مقرِّن ما لنا إلا خادمة واحدة، لطمها أصغرنا فأمرنا الرسول الكريم أن نعتقها.

الصورة الثالثة:
مرَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفتيان من قريش نصبوا طيراً (حيّاً) وهم يرمونه، وقالوا لصاحب الطير: كل سهم لا يصيب الطير فهو لك، فرضي، فهم يصوبون سهامهم نحوه، فلما رأوا عبد الله بن عمر تفرَّقوا، فقال بن عمر: من فعل هذا؟ لعَنَ الله منْ فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه سلم لعن من اتخذ شيئاً فيه روح هدفاً.

الصورة الرابعة:
كان هشام بن حكيم بن حزام رجلاً صلباً في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، عُرف عنه ذلك، فكان الفاروق يُسَرُّ لهذا، ويقول إذا بلغه أن هشاماً ينكر منكراً: ما بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا.
رجل كهشام قليلاً ما نجده في هذا الزمن الذي فسد فيه كل شيء إلا ما رحم الله.
مرَّ هشام هذا بالشام على ناس من الأنباط – وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم – قد أقيموا في الشمس، يلفحهم هجيرها، يُصبُّ على رؤوسهم الزيت فقال: ما هذا؟
قيل: يعذّبون لأنهم لم يدفعوا خراج الأرض.
قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يعذب الذين يعذّبون الناس في الدنيا بغير الحق )).
فدخل على الأمير فحدَّثه بما حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الأمير بإخلاء سبيلهم.
أما في هذا الزمان فصبُّ الزيت في حر الشمس على الوجوه يعتبر من المزاح الخفيف، لقد اخترع أعداء الله طرقاً شيطانية فيها شتى الأفانين في العذاب، لا تخطر على بال، طرقاً تدل على بهيمية مخترعيها ومستعمليها، وتدلُّ على أنهم لا يمتّون إلى الإنسانية بصلة، حدّثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( صنفان من أهل النار لم أرهما ))، وذكر القوم يضربون الناس بأذيال البقر وهي كناية عن التفنن في التعذيب وإيذاء الناس، نعوذ بالله من شرورهم.

الصورة الخامسة:
قال ابن مسعود: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا طائراً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة (الطائر) فزعة تطير من فوق رؤوسنا، وكأنها ترجونا أن نعيد إليها فرخيها، لا يقرُّ لها قرار، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآها تطير مضطربة، فقال: (( من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها )).
ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها، فقال: (( من حرق هذه؟)).
قلنا: نحن فعلنا ذلك يا رسول الله، قال: (( إنّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلّا ربُّ النار )).

هذا هو الإسلام رحيم بأتباعه رحيم بغيرهم، لا يرضى أن يكون المسلمون ذوي قلوب فظّة قاسية، بل ذوي قلوب محبة رحيمة تحمل الودّ والسلام إلى العالم قاطبة.
وهذا هو النبي الرحيم الذي علّم الإنسانية اللطف والتراحم، فهل نقتدي به لنكون سادة العالم مرة أخرى؟!

رياض الصالحين / باب النهي عن تعذيب العبد والدابة

نبيل
2015-02-26, 08:21 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

طاعون عمواس

الدكتورعثمان قدري مكانسي


روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خرج إلى الشام عام ثمان عشرة للهجرة، يريد الاطلاع على أحوال أهلها، وعمل أمرائها، حتى إذا كان بمنطقة تدعى "سرغا" لقي أمراء الأجناد، وسرغُ هذه تقع قرب تبوك – وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح، فأخبروه أن الطاعون وقع في الشام وكثر الموت في أهلها، وأنه قد مات ممن دخلها من الجزيرة العربية فقط خمسة وعشرون ألفاً، فنرى أن تعود فلا تدخلها، فقال عمر لعبد الله بن عباس: ادعُ لي المهاجرين الأولين من صلوا إلى القبلتين أستشيرهم، فدعاهم وأخبرهم أن وباء الطاعون قد فشا في الشام أفيدخلها؟ فاختلفوا في آرائهم.
فقال بعضهم: قد خرجت لأمر عزمت عليه، ولا نرى أن ترجع عنه.
وقال بعضهم: معك بقية الناس الكرام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فتفنى ويفنون معك.
قال: قد سمعت مقالتكم ونصحكم، وسنسمع رأي غيركم، ونادى عبد الله بن عباس فأمره أن يدعوَ من كان من الأنصار فجاءوه، فاستشارهم في دخوله بلاد الشام، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا في الرأي اختلافهم، فأمرهم بالخروج من خيمته، واستدعى المهاجرين الذين أسلموا وهاجروا إلى المدينة قبل الفتح ممن كانوا معه فاستشارهم، فأشاروا عليه جميعاً أن يعود إلى المدينة، وأن لا يُقدِم بهم على هذا الوباء الذي سيحصدهم.
قال: هذا ما ارتاحت نفسي إليه وعزمت عليه، ونادى مناديه في الناس: إنَّ أمير المؤمنين عزم على العودة إلى المدينة، فجهزوا أنفسكم، اتخذ هذا القرار لأنه رأى أكثر الناس نصحوه بذلك.
لم يكن هذا الأمر ليعجِب أميرَ الجند أبا عبيدة بن الجراح، فقال معاتباً خليفة المسلمين: أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين؟!
قال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! فما ينبغي لي أن أخالف غالبية الناس وآراءهم، وكنت أود أن تكون منهم، فهو الرأي الأرجح والقرار الأصوب، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، ووضَّح له الأمر فضرب له مثلاً فقال: أرأيت يا أبا عبيدة لو كان لك إبل فهبطت وادياً له جانبان: الأول خصب المرعى كثيره، والثاني ليس فيه إلا القليل من الكلأ، أليس إن رعَتِ المرعى الخصيب رعته بقدر الله، وإن رعت المكان الجديب رعته بقدر الله؟
هكذا كان اجتهاد أمير المؤمنين، وقد أيّده الله سبحانه وتعالى بعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد كان متغيِّبا في بعض حاجته، فلما علم ما كانوا فيه يخوضون، قال: إن عندي من هذا علماً، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
( إذا سمعتم به – أي بالطاعون – بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه )، فحمد اللهَ تعالى عُمرُ لما وفقه إليه وانصرف قافلاً.

رياض الصالحين/باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها بلاء

يتبع

نبيل
2015-03-01, 03:03 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(من علائم الساعة)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقول أبو هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً بين أصحابه، يعلمهم ويربيهم، ويهديهم إلى طريق الرشاد، وقد يسأل أحدُنا: أهكذا كانت مجالس النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه؟
فالجواب: إن مهمة الأنبياء الأخذُ بيد الناس إلى جادة الرشاد، وسبل الاستقامة، فمجالسهم مجالس علم، وأدب، وأخلاق. فيها ما يرضي الله تعالى، فيباهي بهم ملائكته.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهم هذه المرة عن علائم الساعة فقال:
( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم؛ هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ).

قلت في نفسي: يا سبحان الله، كل كلام سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم صدق وعدل، وليس لنا إلا الإيمانُ به والتصديق به، ولا أقصد الإيمانَ والتصديق التقليديين، بل المبصرَيْن، المفكرَين.
قال مجاهد: كيف ذلك؟

قلت: تصوّر أنك قبل تسعين سنة، أو في بداية القرن العشرين تسمع هذا الحديث ثم تقول لنفسك: أين اليهود؟ وكيف نقاتلهم؟ وأين هم حتى نقاتلهم؟ إنهم شذاذ آفاق، وجبناء، لا يثبتون أمام أحد ،فكيف يكون لهم جيش يتحدون به المسلمين؟!!

ثم تقرأ حديثاً للرسول الكريم يوضح الصورة، إذ يقول عليه الصلاة والسلام:
( تقاتلونهم أنتم شرقي النهر وهم غربيّه ).
والنهر نهر الأردن هل يكونُ وجودنا في شرق الأردن فقط؟ وتكون فلسطين كلها لليهود؟ إنها لمصيبة لجلل، ما بعدها مصيبة. اللهم صدَقَ رسولك الكريم، فأغثنا يارب.

ونعود إلى السؤال نفسه الذي طرحته على نفسك فتقول – وأنت في بداية القرن العشرين -: هذه الأردن وفلسطين تبع للدولة العثمانية، واليهود سيملكون فلسطين، فهناك أسئلة كثيرة تستدعي الإجابة، منها:

1- أهذا يعني أن شذاذ الآفاق سيهاجرون إليها هجرات منظمة فيكونون الأغلبية فيها؟
2- أهذا يعني أن الدولة الإسلامية ستنتحسر وتتقوقع أو تتلاشى ليخلو لهؤلاء الأنجاس أن يدخلوا فلسطين بسهولة ويسر؟
3- أيعني هذا أن المسلمين في فلسطين لن يجدوا عوناً ولا نصيراً، فيُذبحون ويُطردون من بلادهم ليتشتتوا في بلاد الله الواسعة؟
4- إن اليهود معروفون بجبنهم ونذالتهم، ولكنهم سيقدمون إلى فلسطين، فهل هذا يعني أنهم سيكونون في قابل الأيام في مركز القوة والسيطرة على عقول الناس ومصادر رزقهم، فيسخّرون النصارى لفرض ما يريدون؟.. وتعود إلى القرآن الكريم لتقرأ:
{ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)}(الإسراء)
فهل هذا هو العلو الكبير؟
5- أيعني هذا أن المنطقة ستخلو من حاكم مسلم غيور وجيش مسلم عقدي يقلم أظفار اليهود ومن والاهم، أو يدحرهم، أو يلقي بهم إلى حيث جاءوا؟

إن كثيراً من الأسئلة لتنصب عليك انصباباً، تحاورك، وتداورك، وتبحث عن جواب، بل أجوبة مقنعة، كل ذلك في إطار واحد لا تحيد عنه، هو الإيمان بما يخبرنا به النبي الصادقُ الصدوق.

وترى نفسك في منتصف القرن العشرين، واليهودُ لهم دولة ناشئة، تقوى ويصلب عودها، والمسلمون شرّدوا من بلادهم فلسطين، فهم يعيشون في الشتات، والفقر والحاجة، أمّا في نهاية هذا القرن فانظرْ إلى البلاد العربية ضعيفة ممزقة، مهيضة الجناح ليس لها من أمرها شيء ،يحكمها دمىً صنعت على أيدي العدو، ينفذون ما يريده السيد اليهودي الذي يشمخ كلما رأى منهم ذلّاً، ويعربد كلما رأى فيهم خزياً وهواناً، يأمر فيسارعون إلى تنفيذ أوامره، ويصرخ فيرتعدون أمام جبروته، يسعَون إلى مرضاته بكل سبيل، فاقتصاد الأمة هزيل متداعٍ، والحريات مخنوقة، والرأي محجور عليه، والدعاة إلى الله مضيَّق عليهم، وكل ذلك يرضيه، فيزدادون إيذاءً للحركات الإسلامية، فيرمونها بالإرهاب حيناً، والتطرف حيناً آخر، ويطاردونهم، فلا يكاد المسلم يجدُ مكاناً يُؤويه.

قال مجاهد: فكيف تعود الأمور إلى نصابها وينتصر المسلمون على اليهود؟
قلت: انتبه يا مجاهد لقد قلت في الجملة الأخيرة: وينتصر المسلمون على اليهود.
قال: ما الغرابة في ذلك؟ ألسنا مسلمين؟
قلت: بلى، ولكننا مسلمون لا نفقه إسلامنا ولا نعمل به.
قال: أفلا نصلي؟ أفلا نزكي؟ ألا نحج؟ ألا نصوم؟ ألا نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
قلت: نفعل كل هذا، لكننا نكذب ونغش، ونحكم بغير ما أنزل الله، ونتعامل بالربا، ووسائلُ إعلامنا تنشر السمَّ في المجتمعات، وتكرِّس الفساد وتَشْغل الناس عن الاهتمام بدينهم وعقيدتهم، فأين هؤلاء المسلمون الذين ينتصرون على اليهود فيقاتلونهم عن عقيدة وإيمان؟
قال: صدقت والله، لا نصر إلا بالعودة إلى الله تعالى.
قلت: بل قل: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نراه الآن بشائرُ لانتصارانا على اليهود، فقوتهم وصلت إلى مدى كبير، إلى أعلى ما تكون، وهذا إيذان بالانحدار، كما أن الإسلام هذا المارد العملاق – وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها – يتحرك ليكون الهادي الحقيقي لأتباعه إلى درب العزة والكرامة، وحين يقاتل المسلمون تحت راية دينهم، ترى اليهودي يهرب ويتوارى فزعا خائفا وراء أي شيء يجده، ولكن حين ينصر الله المسلمين، يسخِّر لهم كل شيء؛ فينطق الحجر قائلاً بلغة عربية فصيحة: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي، فتعالَ واقتله وأرحني من رجسه ونَتَنِه، وينطق الشجر بلغة عربية فصيحة: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي، فتعال واقتله وأرحني من خبثه، والأرض كلها تستنجد من هذا المجرم القذر، لقد عاث فيها فساداً وخَنى، ولا يطهِّرها إلا المسلم الطاهر، لكنَّ هناك شجراً قصيراً ذا أشواك يسمى شجرَ الغرقد، إنه شجر يهودي بطبعه، يلائم اليهودي، يتستَّر عليه، واليهود يعرفون ذلك، فهم يزرعونه في كل مكان، ولكن الحذر لا ينجي من القدر، والنهاية المحتومة قادمة، والنصر لأولياء الله.

ومن علائم الساعة أيضاً ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن نهر الفرات – هذا البحر من الماء العذب الذي ينبع من تركيا فيمر في الشمال الشرقي من سوريا ليدخل العراق ويمتزج مع أخيه دجلة فيؤلفان شط العرب، ثم يصبان في الخليج، يكاد ينحسر عن ذهب، وقُيلْ عن جبل من ذهب، فيسمع الناس به فيقصدونه من كل حدَب وصوب ليأخذوا هذا الذهب.

ولكن ما سبب انحساره؟
لم يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعل السدود التي أقامها الأتراك حوله جعل ما يصل من مائه إلى سوريا قليلاً، ولعل مجرى مائه سيتغير إلى مكان آخر فيظهر هذا الجبل الذهبي، ولعله يغيض ماؤه فترة من الفترات لأمر يريده الله سبحانه وتعالى، لكنَّ العبرة من ذلك أن الناس حين يتسامعون بهذه الكنوز الذهبية التي يسيل لها اللعاب ينطلقون إليها، كل واحد منهم يرجو أن تكون من نصيبه، فيلتقي هناك خلق كثير، ويقتتل الناس على هذا الذهب، ولا ينجو من كل مئة رجل إلا رجلٌ واحد، أما التسعة والتسعون فيُقتلون، ولطمعهم يُمَنِّي كلُّ واحد منهم نفسه أن يكون الناجي، ويأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم – إذا حدث هذا في زماننا – أن نبتعد عنه، ونتحاشاه، فلماذا؟

الأمر بسيط لأرباب العقول، فإن الطمع يزين لأصحابه أن يحوزوا على كل شيء دون الآخرين، فيستحلّوا لهذا كل حرام، فتكون مقتلة عظيمة يشارك فيها القتيل والمقتول، فلا يصل إلى هذا الذهب إنسان حتى يقتل عدداً من الناس وفيهم المسلمون، فهو إلى النار، وقد يُقتل أوّلاً، أو يعِدُ أن يقتل عدداً منهم فهو إلى النار أيضاً، فإذا لم يتوجه إليه وامتثل النهي سلِم، وسلم منه غيره، إنها لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا التقي، نسأل الله الهداية.

رياض الصالحين/كتاب المنثورات والملح

نبيل
2015-04-18, 10:16 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

( القائد البطل )

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الثامن من رمضان عام ثمانٍ للهجرة سمعت هوازن بهذا الفتح العظيم، فقال مالك بن عوف النصري لقبائلها: هذا محمدٌ فتح مكة، ولا يمنعه أحد من غزونا، فلنغزُهُ قبل أن يغزوَنا، فأجابوه إلى ما يريد، وانطلقوا نحو مكة إلا قبيلتي كعب وكلاب.
وكان الشاعر الفارس دريد بن الصمّة من قبيلة جشم، وهو إذ ذاك شيخ كبير لا يمكنه القتال، لكنه خرج معهم للاستئناس برأيه، والتَّيمن بمعرفته الحرب، فلما وصلوا بجمعهم إلى (أوطاس) على ليلة من مكة قال دريد: بأي أرض أنتم؟
قالوا: بأوطاس، قال: نِعْمَ مجالُ الخيل، مكان واسع ممتد ليس فيه صخور تعيق الحركة، ولا أملس ناعماً يزعج الخيل، ولكنني أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير
قالوا: ساق مالكٌ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم،
قال: يا مالك ما الذي حَمَلَكَ على هذا؟
قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه، وماله.
قال دريد متهكماً: راعي ضأن والله (أي لا يفهم إلا في الرعي، أما قيادة الجيش فليس من أهلها) هل يردُّ المنهزمَ شيءٌ؟ إن المعركة إن كانت لك لم ينفعك فيها إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فرّ المقاتلون وسبى محمدٌ نساءك وأخذ أموالك، فكان العار ملازماً لك، يا مالكُ أعدْ من معك إلى بلادهم، ثم القَ المسلمين على متون الخيل، فإن انتصرت لحق بك النساء والأولاد والمال، وإن هُزمت فقد احتفظت بأهلك ومالك.
قال مالكٌ: رجلٌ كبير خَرّفَ، والله لا أستمع إليه.
قال دريد: أين قبيلتا كعب وكلاب.
قالوا له: لم تلحقا بنا ورغبتا عن الحرب.
قال دريد: لقد أحسنتا صنعاً، فلم تسلما قيادهما لغرٍّ جاهل ليس له في الحروب دراية. وددت يا بني جُشَم أن تفعلوا فعلتهما.
فلما خاف مالك بن عوف انفضاض الناس عنه والعملَ بما قاله دريد أمسك بسيفه وقال: والله لتطيعُنَّني يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري.
قال دريد: هذا يوم لم أشهده – لم أحارب فيه – وما فاتني، فأنا موجود غير محارب.
قال مالك: إذا رأيتم القوم – المسلمين – فاكسروا أغماد سيوفكم وشدّوا عليهم شدة رجل واحد.
وأرسل عيونه يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه فعادوا وقد تفرقت أوصالهم خوفاً.
قالوا: إنا رأينا رجالاً بيضاً على خيل بيض، فوالله ما تماسكنا أنْ خفنا – ولعلهم رأوا الملائكة على هذه الهيئة – فلم يحفل مالكٌ بما قالوا.
ولما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُهم، أجمع المسير إليهم، واستعار من صفوانَ بن أمية مئة درع وسلاح، ثم سار إلى المشركين بعشَرة آلافٍ هم جيشه، وألفين ممن أسلموا بعد الفتح، فكان العدد اثني عشر ألفاً.
قال أحد المسلمين: لن نغلب اليوم من قلةٍ، وهذا يدل على ضعف الإيمان، فالنصرُ من عند الله، وليس بسبب الكثرة: فكم من فئة مؤمنة قليلة العدد انتصرت على جيش أكبر منها بكثير.

فلما قال الناس مثل ما قال: أراد الله تعالى أن يعلمهم كيف يتَّكلون عليه، لا على أنفسهم، فخسروا المعركة في أولها ليعودوا إلى الله ويتوكلوا عليه فينصرهم، وذلك قوله تعالى: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) }.
وانحدر المسلمون في وادي حنين في عماية الصبح، وكانت هوازن قد سبقتهم إلى الوادي فكمَنت في شِعابه ومضايقه، فلما صار المسلمون بينهم، شدوا عليهم شدة رجل واحد، وفوجئ المسلمون فهربوا، لا يلوي أحد على أحد، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الشجاع الذي لا يعرف الخوفُ إليه سبيلاً فقد انحاز إلى يمينه، ثم قال: (( أيها الناس! هلموا إليَّ أنا رسول الله )) (قالها ثلاثاً) فما سمعه سوى نفر من المسلمين، منهم أبو بكر وعمرُ وعليٌّ والعباسُ وأبو سفيان.
وكان العباس آخذا بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم (دُلْدُل)، وكان جسيماً شديدَ الصوت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
(( يا عباس نادِ الأنصارَ أصحاب السَّمُرة )) (أيْ أصحاب بيعة الرضوان، وكانت عند هذه الشجرة)،
فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السَّمُرة؟ قالوا: لبيك لبيك، فوالله إن سُرعة إجابتهم حين سمعوا صوته عطفةُ البقر على أولادها، وسَرعان ما اجتمع حوله مئة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم، فلما رأى شدة القتال قال:
أنا النبيّ، لا كذبْ ... أنا ابن عبد المطّلبْ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبغلته دلدل: ((البَدي دلدل))، فوضعت بطنها على الأرض، فتناول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حُصَيّاتٍ صغاراً فرمى بهنَّ في وجوه الكفار – ثم قال - : ((انهزموا وربّ الكعبة))، ما أعظم الثقة بالله، والركون إليه.
قال العباس: فوصل التراب إلى عيني كل كافر – إنها معجزة ربانية – { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }، ولم يلبث الكفار أن تهاوَوا أسارى ضِعافاً، والمسلمون يقيّدونهم ويغنمون أموالهم وذراريهم ونساءَهم.

رياض الصالحين / كتاب المنثورات والملح

يتبع

نبيل
2015-04-19, 12:57 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(هجرة المصطفى وصاحبه)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


حدثت عائشةُ رضي الله عنها، زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبويّ إلا وهما مسلمان، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفَيِ النهار، بُكرة وعشية، فلما ازداد أذى المشركين استأذن أبو بكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى الحبشة، فأذن له، فخرج، فلقيه في سفره ابنُ الدَّغِنّة، وهو سيد قبيلة القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
قال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.
قال ابن الدَّغِنة: مثلك لا يخرج يا أبا بكر، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحمَ، وتحمل الكلَّ، وتَقري الضيفَ، وتعينُ على نوائب الحق، وهذه صفات رجل عظيم، يجب على قومه أن يكرموه لها ويُعظموه، قال أبو بكر: ولكن قومي لم يفعلوا ذلك إنما أساءوا وأهانوا.
قال ابن الدغنة: فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربّك ببلدك.
فرجع الصدِّيق، وابن الدغنة له جارٌ، وعلمت قريش بذلك فلم تتعرض للصدِّيق، وقالت لابن الدغنة: مُرْه أن يعبد ربّه في داره، فليصلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلِنْ به، فإنا نخشى أن يَفتن نساءنا وأبناءنا.
وهكذا يفعل أعداء المسلمين، يحسبون الإسلام صلاة وقراءة للقرآن ليس غير، ويرفضون أن يبلّغ الداعية دين ربّه فإن فعل ساموه سوء العذاب، سَجناً، وتعذيباً وإرجافاً.

ولبث أبو بكر زمناً يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا له أن هذا الأمر قتلٌ ووأد لدينه، فابتنى مسجداً بفِناء داره، يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجذبُ بذلك نساء المشركين وأبناءهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان الصدِّيق رجلاً بكّاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك وجهاءَ قريش وأشرافَها، وعدّوا ذلك خرقاً للاتفاق، فأرسوا إلى ابن الدغنّة أن لا صبر لهم على ذلك، فإما أن يعود أبو بكر إلى بيته يقرأ فيه ويصلّي فلا يراه أحد، وإلا ضربوا بجوار ابن الدغنة عرض الحائط، فخاف هذا أن تضيع هيبته فجاء إلى الصديق يعرض عليه ذلك، أو يعيدُ إليه جواره وذمّته، فما كان من أبي بكر إلا أن ردّ جواره شاكراً وقال: أرضى جوار ربي تبارك وتعالى وجوارَ رسوله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذه الأثناء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وتجهّز الصديق يريد الهجرة إليها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ :
((على رٍسْلِك يا أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي بالهجرة كذلك))،
فرح الصدِّيق بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، وجهّز راحلتين كانتا له، واعتنى بهما انتظاراً ليوم الهجرة الموعود، ومرّت أربعة شهور.

قالت عائشة: فبينما نحن جلوسٌ في البيت في حرّ الظهيرة قال قائل للصدّيق: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ متقنِّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال الصدّيق: مرحباً بأبي هو وأمي، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ عظيم. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستأذناً فقال:
((يا أبا بكر أخرج مَنْ عندك فلي معك حديث))،
قال الصديق: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقل ما بدا لك.
قال صلى الله عليه وسلّمَ : ((قد أُذِن لي في الخروج)).
قال الصدِّيق: الصحبةَ يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وسلّم : ((نعم يا أبا بكر)).
قال الصدِّيق : هاتان الراحلتان جهزتهما لهذا الأمر، خذ إحداهما بأبي أنت وأمي.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((آخذ بالثمن))،
قال الصدِّيق: لك هذا إن شئت.
قالت عائشة: فجهزناهما أفضل الجهاز، ووضعنا لهما طعام السفر في جراب، فقطعت أسماءُ بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم ذلك الجراب، فبذلك سُميت ذاتَ النطاقين.

ولحق الرسول الكريم وصاحبه بغارٍ في جبل ثور ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدُ الله بن أبي بكر – وهو غلام حذق فهِم – فيدلج من عندهما بسَحر، فيصبح في مكة لا يراه أحد، فكأنه بات فيها لا يعلم شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أبيه، فلا يسمع أمراً من مشركي مكة فيه كيد لهما إلا وعاه حتى يأتيهما بخبره حين يختلط الظلام. ويرعى عامر بن فهيرة على آثاره فيطمسها، ويسقيهما اللبن.
واستأجر الرسولُ صلى الله عليه وسلم والصدِّيقُ رضي الله عنه رجلاً من بني الدَّيْل، ماهراً في معرفة الطرق، فتركا راحلتيهما عنده قبل أن يذهبا إلى غار ثور، وعلى الرغم أنه كان كافراً إنّهُ كان شريفاً يحفظ العهد والذمّة، فأتاهما بعد ثلاث ليال براحلتيهما فسار بهما ناحية الساحل، وابنُ فُهَيرة يطمس على آثارهما بغنمه.

وكان سراقة قد سمع أنَّ أهل مكة قد جعلوا في مقتل الرجلين أو أسْرِهما مالاً كثيراً، فهو يتمنّى لو رآهما، فكان المالُ من نصيبه، فبينا هو جالس في نفر من قبيلته جُعشم جاء رجل يقول: إني قد رأيت قبلَ قليل أشخاصاً لم أتبيّنْهم بالساحل أظنهم محمداً وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، ولم أكن أحبُّ أن يشرِكني أحدٌ بالجائزة، فقلت مخذّلاً: إنهم بعض من يبحث عن ضالة، فلا تُشغِل بالك فيهم، ثم لبثتُ ساعةً في المجلس تعْمِيةً، ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تدخل بفرسي وراء التلِّ كي لا يراني أحد أركبها، وأخذتُ رمحي، ولحقتُ بها من خلف الدار، ثم ركبت فرسي وأسرعت وراءهم حتى دنوتُ منهم، فتعثّرتْ بي فرسي، فخرَرْت عنها، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلامَ، فاستقسمت بها أأضرُّهم أم لا، فخرجت تقول لا تفعل، فعصيتُها، وكنا في الجاهلية نصدَّقها، فإذا خالفتْ ما نريد تَبِعنا أهواءنا، وركبت فرسي وتبعتُهم، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ولا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررتُ عنها، ثم زجرتها، فنهضَتْ فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لِأثَر يديها مثلُ الدخان لا نار فيه، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، وركبت فرسي حتى جئتهم، فتيقنت حين نظرت إلى الرسول صلى الله عنه وسلم أنَّ الله مانعُه وأنّه سيظهر على قومه، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الديّة، وقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم خبر القوم، وعرضْتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يقبلاها إلا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((اخفِ عنا وخذّل)).
فسألته أن يكتب لي كتابَ أمْنٍ فدفع الرسول الكريم إلى عامر بن فهيرة فكتب له رقعة من جلد، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ووصل إلى أهل المدينة من المسلمين واليهود خبر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فكانوا يخرجون كل غداة إلى الحَرّة ينتظرونه حتى يردَّهم حرّ!ُ الظهيرة.
فلما آوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على تل من تلالهم لأمرٍ ينظر إليه فبصُر بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا حظكم الذي تنتظرونه، فهب المسلمون يستقبلونه حتى وصل إلى مشارف المدينة، فعدل إلى منازل عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام الصدِّيق يردُّ تحية المستقبلين، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، وأقبل من الأنصار من لا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم يحيون الصديق، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم،فأظله الصديق فعرف الناس إذ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبقي هناك بضعَ عشْرةَ يوماً، وأسس المسجد الذي بُني على التقوى الذي ذكره الله تعالى في قرآنه الكريم: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }.

ثم ركب رسول الله ناقته وسار معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت الأرض لغلامين من الأنصار اشتراهما منهما، وبدأ والمسلمون بناء مسجده عليه الصلاة والسلام، فكان يقول وهم يحملون اللِّبَن:
هذا الحِمال لا حِمال خيبرْ هذا أبرُّ – ربَّنا – وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجرُ أجرُ الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
وبدأ بناء الدولة الإسلامية.

البخاري، المجلد الثاني، الجزء الرابع، ص254 / باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

يتبع

نبيل
2015-04-21, 07:05 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(شيخٌ مخرّفٌ)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ما أجمل هذين البيتين وأصدق قائلهما ولعله الإمام الشافعي رضي الله عنه :
مرض الحبيب فزرته * فمرضت من حزني عليه
جاء الحبيب يعودني * فشفيت من نظري إليه

وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم يمرضون، فيعودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويدعو لهم، فيشفيهم الله تعالى ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم ، ولكنّ بعض الناس – إذ يمرضون – تضيق أخلاقُهم، وتسفُه أحلامهم، فيتفوهون بما لا يجوز، ويتكلمون بما يضرّهم.

فمثال الأول سعد بن عبادة، جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم يعوده وكان مغمىً عليه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، ووضع يده الشريفة على رأسه ،فكأن المرض زال عنه، وسرّ سعد لرؤيته النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولدعائه له بالشفاء.

ومثال الثاني رجلٌ يدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فلما جلس إليه دعا له فقال: (( لا بأس طهورٌ إن شاء الله ))، دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهدى لهذا الشيخ العجوز، فتفتَّح له أبواب السماء لتصعد إلى المولى تعالى، فتنزل بالقبول والشفاء، فما أعظم أن يدعو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فيلبي الله الكريم دعاءَه.
وشاء سوء حظ هذا الشيخ أن يأبى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالشفاء: تقول طهور؟ (والمقصود بهذه الكلمة أن الله تعالى يطهره إن صبَرَ على المرض وألمه من الذنوب والآثام) قالها مستنكراً، ثم أردف قائلاً: بل هي حُمّى تفورُ أو تثور، على شيخ كبير، تُزيره القبور!! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((نعم)).
إنه يستحق ذلك، رفض الدعاء بالشفاء لقلّة صبره، وادعى أن هذه الحمى لن تتركه، بل إنها تزداد وتزداد حتى تقطع أنفاسه وتورده الموت.
فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم : ((نعم))، دعاءً. كانت السماء مفتوحة الأبواب، فارتدت الدعوة الأولى- هذا ما كان- وارتفعت الدعوة الثانية، فجاءت كلمة المليك في السماء موافقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم،
ماتَ الشيخ... ماتَ داعياً على نفسه بتأمين الرسول عليها وأمْرِ الله بها.

فليدعُ الإنسان بما ينفعُه وإخوانه ولا يضرُّ نفسه ولا يضرُّ إخوانه.

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص181

يتبع

نبيل
2015-04-23, 09:24 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(إسلام عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن سلام يقطف بعض ثمار نخيله، فلما سمع بقدومه انطلق إلى دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله فسلم عليه وأعلن إسلامه، وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، وأنك جئت بحق وقد علمَتْ يهودُ أني سيِّدُهم وابن سيدِهم، وأعلَمُهم، وابن أعلمِهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ ونعتوني بأقبح النعوت.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا معشر اليهود، ويلَكُم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، إني جئتكم بحق، فأسلموا)).
قالوا: ما نعلم أنك رسول الله.
كررها عليهم ثلاثَ مرات، فكان ردّهم هو هو، لا يعلمون أنه رسول الله!.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فما مكانة عبد الله بن سلام فيكم؟)).
قالوا: سيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وأعلمُنا وابن أعلمِنا.
قال: ((أفرأيتم إن أسلم ما أنتم قائلون؟)).
قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم.
قال: ((أفرأيتم إن إسلم؟)).
قالوا: حاشا لله ما كان له أن يسلم.
قال للمرة الثالثة: ((أفرأيتم إن أسلم؟)).
قالوا للمرة الثالثة: حاشا لله، ما كان له أن يسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا ابن سلام، اخرج عليهم)).
فخرج عبد الله بن سلام فقال: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ،وأنه جاء بحق.
قالوا له مصرين على كذبهم، كذبت، أنت أجهلُنا وابن أجهلِنا، كذّاب.
فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مفترون، كاذبون، وأن الإيمان لن تُخالط بشاشتُه القلوبَ المظلمة التي يحملونها في صدور قاسية.
فقال لهم: ((اخرجوا))
فخرجوا ملعونين مطرودين من رحمة الله.

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص160

يتبع

نبيل
2015-04-25, 12:24 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(المتنبئ الكذاب)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :
قدِم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقول لأصحابه: إنْ جعل لي محمدٌ الأمر من بعده، وسلمني قياد دينه تبعته، وإلا فلا، قال هذا وكان معه من قبيلته خلق كثير يقولون ما قاله.
فلما وصل مسيلمة المدينة أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة من جريد (والجريد ورق النخل وغصنه)، حتى وقف على مسيلمة في قومه، فصوّب إليه نظره وقال: ((يا مسيلمة)).
قال: نعم.
قال: (( لو سألتني هذه القطعةَ ما أعطيتكها، ولئن كتبَ الله لك الشقاءِ لتشقيَنَّ، ولا عاصم لك من أمر الله، ولئن أدبرْتَ عن دينه، وسلكتَ غير سبيل المؤمنين فلن تُعجزه ،واللهُ غالب على أمره، ولقد أراني الله عز وجل متقلبكَ وعاقبةَ أمرك، فالحذرَ الحذرَ، ولن يُنجي حذرٌ من قدر )).
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بينما أنا نائم رأيت في يديَّ سوارين من ذهب – والذهب حرام على ذكور المسلمين – فنفختُهما، فطارا، فأوّلتُهما كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدُهما العنسيَّ والآخرُ مسيلمةَ الكذاب صاحب اليمامة)).
وقاد خالد ابن الوليد سيف الله المسلول جيش المسلمين في قتال مسيلمة الكذاب فقُتِل الكذابُ في حديقة الموت وأراح الله المسلمين منه.

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص182

يتبع

نبيل
2015-04-26, 08:24 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(النصراني المرتد)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أسلم رجلٌ نصرانيٌ، وقرأ سورتي البقرة وآل عمران، وحفظهما، وكان كاتباً، فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في رسائله، ولكنَّ سوء حظه جعله يرتد نصرانياً ليسيء إلى الإسلام ونبيه، فكان يدّعي أنّه كتب ما يريد من آيات، وترك ما يريد من آيات، ومحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي وصفه الله تعالى بحرصه على حفظ آيات الله:
{ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) }(القيامة).
يقرأ – حسب ما يزعم هذا الخبيث – من الآيات ما بدّله وحرّفه هذا المرتد..!

وأمات الله تعالى هذا النصراني المرتد، فإلى جهنم مآله، أما في الدنيا فحين دفنوه وعادوا إلى دورهم أصبحوا، فإذا به فوق الأرض، لفظته فلم تقبله، وكيف تقبل كذاباً أفاكاً؟
فماذا قال أهله وأصحابه؟
قالوا: هذا فِعلُ محمد وأصحابه، غاظهم حين ترك دينهم، وهرب منهم، فنبشوا عن صاحبنا وألقـَوه على ظهر الأرض.
فحفر له أهله حفرة عميقة ودفنوه فيها، فلما أصبحوا رأوه فوق الأرض، فقد لفظته كرهاً له، وغضباً منه، فقالوا للمرة الثانية: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لمّا ترك دينهم وهرب منهم، فهم ينتقمون منه، فحفر له أهله وأصحابه حفرة أعمق من الثانية، أعمق ما استطاعوا ودفنوه فيها، فلما أصبحوا رأوا جثته فوق الأرض .. للمرة الثالثة ترفضه الأرض، فعلموا أنَّ ما يرونه ليس فعلَ بشر، إنما هو أمرٌ من رب الأرض وربِّ البشر، فتركوه ولم يدفنوه، فتفسخ ،وزكمت رائحته الأنوف، كما زكم كذبه وإفكُه نفوسَ المؤمنين.

كلامُ سيّدي الرسول * حقٌ لأرباب العقول
عدلٌ جميعُ ما أتى * صِدْقٌ جميع ما يقول (1)

(1) الديوان الثاني للمؤلف "وميض قلب" ص24

نبيل
2015-05-04, 01:33 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(اتركوا لي صاحبي)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى أبو الدرداء رضي الله عنه قال:
كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر يشتدُّ، آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو قادم إليه فقال: إن صاحبكم أبا بكر قادمٌ إليكم من خصومة، فلما وصل الصدّيق سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا، فلما استوى جالساً التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء من ملاسنة، ولعلّي تسرعت معه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي تسرعي معه، فأبى أن يغفر لي، فأقبلت إليك.

ما أعظم هذا الصديق الكريم، إن الإنسان ليجتهد في أمر، فإذا ما بدا له خطؤه عاد عنه إلى الصواب، وهذا يدل على معدنه الأصيل ونفسه الطيبة، فما بالك بالصدِّيق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه الذي تربى في مدرسة المصطفى وكان أحدَ المربين الأفاضل في هذه المدرسة العظيمة.

قال صلى الله عليه وسلم مهدئاً رُوعه: ( يغفر الله لك يا أبا بكر )، ثلاث مرات.. رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر للصدِّيق! وثلاث مرات.. إذاً فلا تثريب عليه أغفر ابن الخطاب له أم لم يغفر.

ثم إن عمر بن الخطاب حين هدأت ثائرته، قال: ويحي! يستميحني الصدَّيقُ ويرجو أن أقيل عثرته فأعرِضُ عنه؟!! والله لأذهبن إليه فأستغفره أنا.
سبحان الله.. ما أعظم الأخوَّة في الله! وما أجمل التحاببَ فيه، إنّه نبعُ الصفاء، يا للأخوّة في الله.. اللهم إني أحبّ من يحبونك وأبغض من يبغضونك، وانطلق الفاروق إلى دار أبي بكر فسأل عنه فلم يجده، فقال: هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب إليه، فسلّم وجلس، ولم ينبس ببنت شفة.

لم يكن يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد أن يُغضب الصديق، فلما رأى عمر قادماً، وعمر قد أغضب الصدِّيق، تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أشفق أبو بكر على عمر من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فجثا على ركبتيه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، والله أنا كنت أظلم (مرتين قالها) راجياً عفو رسول الله عن عمر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ ).

اللهم ارض عن الصدّيق والفاروق وأكرمهما ، واغفر لي بحبهما واحشرني معهما في زمرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، واهدِ قومي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ،فإنهم لا يعلمون.

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص192

يتبع

نبيل
2015-05-05, 11:08 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(نهاية طاغية)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أمية بن خلف أحد طغاة الكفار في مكة، وقف يحارب الدعوة بعنف وشراسة، ويعذب المؤمنين بها، وما فعله بمؤذن الرسول الكريم بلال بن رباح من منعه عن الطعام، ورميه على الرمال الحارقة في الهجير إلى أن اشتراه الصدَّيق دليلٌ على عداوته للإسلام ونبيه وأتباعه.
أمية هذا كان صاحباً لسيّد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه في الجاهلية، ينزل عليه إذا مر بالمدينة ذاهباً إلى الشام وقافلاً منها.
فلما انتقلت الدعوة الشريفة إلى المدينة دخل سعدٌ فيها مؤمناً بها، مدافعاً عنها، ولكن هذا لم يمنع التواصل بين الرجلين.

انطلق سعد بن معاذ بعدما أسلم – قبل معركة بدر – إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف فبات عنده، وحين أصبح الصباح خاف أمية على سعد أن يصيبه مكروه إذا اعتمر فطاف بالكعبة فرآه الناس، فقال له: انتظر يا سعد حتى إذا انتصف النهار، وغفل الناس، انطلقتَ فطفتَ دون أن يلحظك أحد، قال سعد: كما ترى يا أمية.

وحين اشتدت الحرارة ولاذ الناس ببيوتهم، انطلق سعد يطوف بالكعبة معتمراً، وحدث ما كان أمية يتخوف منه. فهذا أبو جهل الذي يسكن قريباً (وبيته الآن أماكن لقضاء الحاجة، بنتها إدارة الحرم المكي وهو يستحق ذلك!!) لعله كان عائداً إلى بيته فرأى سعداً فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟
فقال سعد: أنا سعد بن معاذ.
وهنا اكفهر وجه أبي جهل غضباً فقال: تطوف بالكعبة آمناً وقد آويتم محمداً وأصحابه.
قال سعد: نعم آويناهم حين ضيقتم عليهم وشددتم عليهم الخناق، فاشتد خصامهما وعلت أصواتهما.
فقال أمية وقد احتد من ضيفه ونسي الصحبة وفضلَ سعد عليه: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي.
قال سعد متناسياً خذلان أمية له وموجهاً كلامه لأبي جهل: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن طريق تجارتك إلى الشام.
فبدأ أمية يصرخ في وجه سعد ويمسكه ويقول مكرراً دون أن يرعى حسن الضيافة: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، لا ترفع صوتك عليه.
عند ذلك احتد سعد هذه المرة على أمية، لا على أبي جهل وقال: دعنا منك – يا أمية – فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه قاتلك)).
قال أمية: أتخاطبني أنا؟ أأنا الذي يزعم محمد أنه يقتلني؟
قال سعد: نعم أنت يا أمية، أنت الذي يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أمية متلوياً وكأنه لديغ: ما يكذب محمد إذا حدَّث، وانكمش في نفسه.

ثم انطلق سعد إلى مدينة الإسلام، فما يطيب المقام إلا هناك في أكناف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيعتمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- إن شاء الله -وتحت رايته.
ورجع أمية حزيناً كاسف البال يقول لامرأته: أما تعلمين ما قال أخي اليثربي؟
قالت: وما قال؟
قال: زعم أنه سمع محمداً يقول: إنه قاتلي، فوالله ما يكذب محمد.
فلما خرج المشركون إلى بدر للقتال استصرخ أبو جهل أمية، فكره هذا أن يكون معهم، فقال له أبو جهل: يا أبا صفوان إنك حين يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل أبو جهل يشجعه حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعيرٍ بمكة، ثم قال لامرأته: يا أم صفوان، جهِّزيني.
فقالت له: يا أبا صفوان أنسيت ما قاله لك أخوك اليثربي؟
قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً يوماً أو يومين ثم أعود.
لكن الله تعالى أراد له الموت في بدر حتى قتله الله فيها.

والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد أُبيَّ بن خلف أخا أمية، فالتبس ذلك على سعد، فحقق الله تعالى ما قال سعد في أميّة – كرامةً له - إذ قُتل أميةُ في بدر ، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن خلف بيده الشريفة يوم أحُدٍ فكانت معجزة له حققها الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم .

البخاري مجلد 2 الجزء 4 ص 185
الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزء الثاني ص82

يتبع

نبيل
2015-05-06, 05:44 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(العُمَران)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: شَخَص بصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: الرفيق الأعلى (ثلاثاً) ثم مات عليه الصلاة والسلام.
أما الصدِّيق فكان بالسّنح في العلية وكان بيتُه هناك في أعالي المدينة، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليبعثنه الله، فليقطعنَّ أيدي المنافقين وأرجلهم.
وجاء الصدّيق إلى بيت عائشة وفيه جثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسّجى، فسأله الناس: أرسول الله حي أم ميت؟!
فلم يجب، يريد أن يتأكد بنفسه، فلما دخل كشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبّل وجهه الشريف، فلما علم أنه مات حقاً قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طِبتَ حيّاً وميتاَ، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً.
ثم خرج، فقال لعمر: أيها الحالف، على رِسلك، فسكت عمر ثم جلس، فتكلم أبو بكر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت.
قال الله تعالى مخاطباً نبيّه الكريم : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)}(الزمر)
وقال سبحانه : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}(آل عمران).
وهنا علم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بالرفيق الأعلى فبدأوا ينشجون.
وبكت السيدة فاطمة أباها سيّد الآباء فقالت:
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * وغاب – مذْ غبت – عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما نُعيتَ وحالت دونك الكثبُ
قالت السيدة عائشة:
فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها.
1- لقد خوَّفَ عمرُ الناس، وإن فيهم لنفاقاً، فردّهم الله بذلك.
2- ثم لقد بصَّرَ أبو بكر الناسَ الهدى، وعرّفهم الحق الذي عليهم.
ثم بويع الصديق خليفة في سقيفة بني ساعدة بيعة الخاصة، وفي اليوم التالي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العامة.

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص 194

يتبع

الحياة أمل
2015-05-08, 12:01 PM
صلى الله عليه وسلم
جزآكم الرحمن خيرآ ونفع بكم ...~

نبيل
2015-05-08, 12:14 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(إني أحبك أيها الفاروق)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


1- روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده نسوة من قريش يكلمنه، عالية أصواتُهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن بالحجاب – وقفن خلف الحجاب – فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله – يدعو له -.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك بادرن بالحجاب).
فقال عمر: أنت أحق أن يهبْنَ يا رسول الله.
ثم قال: يا عدوات أنفسهن؛ أتهبنني ولا تهبْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك).

2- روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول:
لما قُتل عمر بن الخطاب، وضع على سريره فالتفّ حوله الناس يدعون ويصلون عليه قبل أن يرفع فيدفن، وأنا فيهم، فلم يرُعني إلا رجل أخذ منكبي، فنظرت فإذا عليٌّ فترحم على عمر فقال:
ما خلفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايمُ الله أني لأظنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيراً كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(ذهبت أنا وأبو بكر وعمر)
(ودخلت أنا وأبو بكر وعمر)
(وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).

3- روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:
( بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرَتَه، فوليّتُ مدبراً )،
فبكى عمر وقال: أعليك أغارُ يا رسول الله؟!

4- وروى حمزة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(بينما أنا نائم شربت اللبن حتى أنظر إلى الريّ في أظفاري، ثم ناولت عمر).
قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟
قال: (العلم).

أقول وقلبي يخفق سعادة بما اقرأ عن أمير المؤمنين عمر ، وبما شرُفتُ بكتابته عنه :
( إني أحبك أيها الفاروق ، وأرجو ربي أن يحشرني معك تحتَ ظل عرش الرحمن في زمرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.)

البخاري مجلد 2 جزء 4 ص197-199

نبيل
2015-05-13, 12:38 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(عملية فدائية/"مقتل كعب بن الأشرف")

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
في السنة الثالثة للهجرة كان كعب بن الأشرف قد أساء إلى المسلمين، وكثُر في نسائهم تشبيبُه، وذهب إلى مكة يحرض المشركين على الثأر لقتلاهم في بدر وبكى عليهم، وحرّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد إلى المدينة وكانت أمه من بني النضير واليهود ينسبون إلى أمهاتهم، أما أبوه فكان من بني نبهان من طيّء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( مَن لكعب بن الأشرف هذا الذي اتخذ المسلمين غرضاً يرمى، ولم يرعَ حرمة الجوار فاستعدى علينا كفار قريش؟ أين الفدائيون الذين يقتنصونه من حصنه فيكون عبرة لمن يعتبر؟ إن من آذى الله ورسوله دمه مهدور ).
قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟
قال: نعم يا محمد بن مسلمة، ولك الأجر من الله تعالى.
قال محمد بن مسلمة: سمعاً وطاعةً يا رسول الله، ولكن ائذن لي يا رسول الله أن أنال منك أمامه حتى يطمئن لي ولإخواني.
قال الرسول الكريم الله صلى الله عليه وسلم :
( قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك، إن مصلحة الدعوة، والوصول إلى الهدف، والتخلّصَ منه وإراحة المسلمين من شره تبيح ذلك على أن تكون قلوبكم عامرة بحب الله ودينه ورسوله ).
قال ابن مسلمة: والله لا يتجاوز ذلك ألسنتنا فالله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( سيروا على بركة الله ).
وانطلق محمد بن مسلمة في ثلاثة من المسلمين الأشداء فيهم أبو نائلة أخو كعب من الرضاعة، ولكن أخوَّةَ الإسلام أقوى من كل أخوة، فالعقيدة أساس كل محبة وأساس كل أخوّة، والتاريخ الإسلامي فيه صور كثيرة تدل على أن الاختلاف في العقيدة يقطع كل صلة إلا صلة الأرحام، وتبقى العقيدة لب العلاقة بين الناس، فهذا عمر يقتل خاله هشام بن العاص، وأبو عبيدة يقتل أباه الذي حرص على قتله، ومصعب بن عمير يعلن على ملأٍ من المسلمين أن أخوّة الإسلام أقوى من أخوة النسب حين يقول لأخيه أبي عزيز – صاحب لواء المشركين يوم بدر – وقد أسره احد المسلمين : ( وصِّهِ بي يا أخي ) فرد مصعب رضي الله عنه موجهاً حديثه للمسلم : اشدد عليه فإن له أماً غنية تفديه. فقال أبو عزيز : أهذه وصاتك بي يا أخي؟!
فقال المسلم الرائع الذي يرى أخوة الإيمان هي الأخوّةُ الحقيقية وما عداها ساقط
(صه ؛ فإنه أخي مِن دونك).
انطلق محمد بن مسلمة وإخوانه إلى كعب في حصنه فقالوا له:
إن هذا الرجل – يعني رسول الله عليه وسلم -: قد أجهدنا في الصدقات، وعنّانا، فضاقت علينا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم، وإنا قد جئناك نستلفك طعاماً، نرهنك ونوثق لك.
قال كعب: والله لتملّنَّه وتكرهُنّه.
قال مسلمة: إنا قد تبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى نعلم إلى أي شيء يصير شأنه، ولا بدّ لاتخاذ قرار العودة عنه من سبب قوي يعذرنا الناس فيه.
قال كعب: أقبل رهانكم أن يكون نساءَكم.
قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! لا، غير هذا فاطلب.
قال كعب: فارهنوني أبناءكم إذاً.
قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيُسبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بقليل من الطعام، هذا عارُ علينا، لا نقبل به، ولكننا نرهنك دروعنا وسيوفنا، وأرادوا أنهم إذا جاءوا بأسلحتهم لا ينكر عليهم حملها ولا يخاف منهم.
وانطلق هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه بما كان،فدعا لهم وشيَّعهم إلى بقيع الغرقد.
ووصلوا إليه ليلاً ودَعوه لينزل من حصنه، فوثب إليهم مرّحباً، فقالت له امرأته: أين تخرج من هذه الساعة؟
قال: إنما هو محمد بن سلمة وأخي أبو نائلة.
قالت: أفي مثل هذه الليلة وأنا وأنت عروسان وأنا أخاف عليك؟
قال: إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب.
وكان مسلمة قال لأصحابه شأشمّه أولاً، فإذا شممته ثانية فاضربوه بالسيف، وحين وصل إليهم قال له محمد بن سلمة:
ما هذا العطر الطيب يا كعب؟! وشم رأسه مبدياً إعجابه، فقال له: هذا أطيبُ عطر، ثم قال متباهياً فخوراً؛ وتزوجت أعطرَ نساء العرب وأكملَهُنَّ.
قال محمد بن سلمة: هنيئاً لك يا كعب.
ثم ساروا يتحدثون ساعة ثم مال عليه محمد وقال: هات رأسك أشمّ العطر ثانية، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه، فكانت نهايته، وصرخ صرخة سمعها مَن في الحصن ولم يجرؤ أحد على استجلاء الخبر، وانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم نزف إليه الخبر.
وخاف اليهود حين سمعوا بمقتله على أنفسهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه )،
فوثب أحد المسلمين واسمه مُحَيِّصة بنُ مسعود على ابن سِنِّينة اليهودي فقتله -وهو تاجر كان يبايعهم- فقال له أخوه حُوَيِّصة: كيف تقتله وهو من نستفيد من ماله وتجارته؟( أتقتلُه وشحم بطنك من خيره)؟! وأغلظ له في الكلام وكان مشركاً،
فقال مُحَيِّصة: لقد أمرني بقتله مَن لو أمرني بقتلك ما ترددت.
فقال حويصة: إن ديناً أصحابُه بهذا الإخلاص لدين عَجَبٌ، ثم أسلم.

البخاري الجزء الخامس كتاب المغازي ص25

يتبع

نبيل
2015-05-18, 10:45 AM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(عملية فدائية أخرى/"مقتل أبي رافع اليهودي")

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
كان الحيّان من الأنصار، يتباريان في نصرة الدين، فلما سمع الخزرج أن محمد بن مَسْلمة وإخوانَه من الأوس قتلوا كعبَ بن الأشرف قالوا: والله لا يسبقونا، واستأّذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبي رافع اليهودي فأذن لهم، ودفعوا له فتياناً لهذه المهمة فأمّر عليهم عبدَ الله بن عتيك.

وكان أبو رافع هذا صديقاً لكعب بن الأشرف، له مثله جولاتٌ في إيذاء المسلمين والتحريض عليهم، وينال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنا الفدائيون منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسَرْحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني متلطِّفٌ للبوّاب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، وتقنّع حتى لا يراه فيعرف أنّه غريب، وجلس قريباً من الباب كأنه يقضي حاجته، فلما دخل الناس، هتف به البوّاب متعجلاً؛ يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل، فادخل سريعاً، فإني أريد أن أغلق الباب، فدلف مسرعاً وكمن في زاوية لا يراه فيها أحد.

فلما استكمل الناس دخولهم، أغلق البوّابُ الباب وقفله، وعلَّق المفاتيح على وتد في الجدار وانطلق إلى داره، فقام عبد الله بن عتيك ففتح الباب متحَسِّباً لما قد يجري، فلعله إن انكشف أمره استطاع الهرب.
وكان أبو رافع وجيهاً سَرِيّاً، يسهر عنده قومه في مضافة عالية في داره، فانتظر عبد الله حتى انفض السامرون، فصعِد إليه، كلما فتح باباً أغلقه عليه من الداخل، فقد يُحِسّ به أبو رافع فينادي مستصرخاً يطلب النجدة، فيرى منجدوه الأبواب مغلقة فلا يصلون إليه إلا وهو قتيل، هكذا فكّر عبد الله، وكان تفكيره سليماً.

قال عبد الله: فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم بين عياله، لا أدري أين هو، فقلت: أبا رافع، فرد قائلاً: من هذا؟! فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف دون أن أصيبه، فصرخ مستغيثاً، فخرجت من البيت لحظات، ثم عدت إليه فقلت – وكأني أحد سكان الحصن: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: ثكلتك أمك، إن رجلاً في البيت ضربني قبل قليل بالسيف، فحدد عبد الله المكان جيداً وضربه ضربة صائبة جرحته ولم تقتله، ثم وضع ذباب السيف في بطنه حتى خرج من ظهره، فهدأت حركته.
قال عبد الله: وعلمت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى انتهيت إلى درجة لم أرَها، فوضعتُ رجلي وأنا أظن أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا –
سبحان الله! ما أعظم هذا الفدائي! يتحمَّل ألم رجله ويصبر عليه ليتأكد من إتمام مهمته!! هكذا يكون الرجال –
فلما صاح الديك وانكشفت الدنيا قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجرَ أهل الحجاز، فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النجاءَ النجاءَ، فقد قتل الله أبا رافع،ولم يقل قتَلتُه فالله من قتل {..فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى ...(17)}(الأنفال) فقد رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم تربية .
قال عبد الله بن عتيك: وانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته بما جرى فقال:
( ابسط رجلك )، فبسطتها فمسح عليها، فكأنني لم أشتكها قط.

ما اروع الأستاذ والتلميذ ّ هكذا ينبغي أن نكون آباء وأبناء، ومعلمين وطُلاّباً ، وقادة وجنوداً ..

البخاري جزء 5 كتاب المغازي ص 26

وصايف
2015-05-19, 03:12 PM
http://forum.hwaml.com/imgcache2/hwaml.com_1393079737_698.jpg

















http://www.nokiamoon.net/upfiles/GiV46322.gif












http://uaepigeon.com/up//uploads/images/uaepigeon-e941f7701e.gif










http://dl10.glitter-graphics.net/pub/1973/1973970bxizimqwar.gif










http://files2.fatakat.com/2011/6/13076849991031.gif

نبيل
2015-05-27, 08:08 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(إليك يحن الجذع يا رسول الله)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


حين بُني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه جذع شجرة نخيل، يقف إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسكه بيده الشريفة وهو يخطب في المسلمين،ويتكئ عليه، كان هذا حتى جاءت السنة السابعة للهجرة، فقال أصحابه يوماً: نصنع لك يا رسول الله منبراً له ثلاث درجات، فترتفع عليه، فنراك وترانا، قال: فاصنعوا ما بدا لكم، وهكذا فعلوا، فلما جَهُزَ المنبر، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، سمع المسلمون صوتاً، تلفتوا حولهم، من هذا الذي يبكي؟ من يئن؟ من أين هذا الصوت المتقطع، تكاد نفس صاحبه تخرج من صدره؟ صمت الناس، يبحثون عن مصدر هذا الصوت، ويا للعجب إنه يصدر من جذع النخلة، كان المسجد يغَصُّ بالمصلين، فوصف كثير منهم هذا الصوت.
قال أحدهم: سمعنا للجذع صوتاً كصوت الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر، فهي تصدر أنين الحمل أو الوضع.
وقال الثاني: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج التي انتزع ولدها.
وقال الثالث: حنَّت الخشبة حنين الوالد فارقه ولده.
وقال الرابع: خار ذلك الجذع كخوار الثور حتى انصدع وانشق.
وقال الخامس: صاحت صياح الصبي فارق أمّه.
يا الله، خشبة تبكي على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحن إليه؟! فالمسلمون أحق أن يشتاقوا إليه صلى الله عليه. .
كان الجذع في أقصى حالات السعادة حين يلمسه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيشعر بالأمن، والأمان، ويسمع منه القرآن الكريم، والذكر الحكيم، أما الآن فهو يشعر أنه فقد ذلك، فحق له أن يبكي.
فماذا فعل النبي الرحيم، ذو الخلق العظيم، والأستاذ الذي علم البشرية كيف يتصرَّفون، وماذا يفعلون؟
نزل النبي صلى الله عليه وسلم وسار إلى جذع النخلة فضمَّه إليه يسكنه ويهدئه، كما تفعل الأم بوليدها، فجعل الجذع يئن أنين الصبي بين يدي أمه والطفلِ في أحضانها، حتى هدأ وسكن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة )،
ثم قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للجذع على مسمع من الناس: ( اختر واحداً من اثنين ).
الأول: ( أن أغرسك في المكان الذي أنت فيه فتكون كما كنت نخلة مثمرة وارفة الظلال ).
الثاني: ( أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك، وتثمر، فيأكل منك أولياء الله تعالى ).
فقال للنبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اختار أن أغرس في الجنة يا رسول الله
فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فدُفِن.

رياض الصالحين/باب المنثورات والملح

يتبع

نبيل
2015-05-30, 11:23 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(هرقل الروم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام:
1- فبعث إلى كسرى: عبد الله بن حذافة فمزق الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مزق الله ملكه )، فسلط الله عليه ابنه شيرويه فقتله.

2- وبعث إلى النجاشي كتابه فسلمه إليه جعفر بن ابي طالب وكان جعفر إذ ذاك في الحبشة وكان حامل الكتاب: عمرو بن أمية الضمري، فأسلم النجاشي رضي الله عنه.

3- وبعث إلى المنذر بن ساوى والي البحرين: العلاءَ بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية فأسلم المنذر والعربُ كلهم – وكانت البحرين تابعة للفرس – وصالح اليهودُ والنصارى والمجوسُ ودفعوا الجزية.

4- وبعث إلى هوذة بن علي: سليطَ بن عمرو يدعوه إلى الإسلام وكان هوذة نصرانياً، فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفداً فيهم مجّاعة بن مرارة والرجّال بن عنفوة يقول له: إن جعل له من الأمر من بعده أسلم وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ولا كرامة، اللهم اكفنيه )، فمات بعد قليل.

5- وبعث إلى الحارث بن أبي شمَّر الغساني: شجاع بن وهب، فلما قرأ كتابه عليهم قال: من ينزع مني ملكي؟! أنا سائر إليه، فلما بلغ قولُه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بادَ ملكه ).

6- وبعث إلى المقوقس بمصر: حاطب بن أبي بلتعة، فقبَّل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأهدى إليه جواريَ منهن مارية أمُّ إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكانت رسائله عام ثمانٍ للهجرة.

أما رسالته إلى هرقل ملك الروم فقد حملها دِحية الكلبي ،فلما وصلته قبَّلها وجعلها على صدره، وكتب إلى رئيس أساقفته في القسطنطينية يخبره شأنه: فكتب إليه هذا: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه، فاتّبعه وصدِّقهُ، فجمع هرقل بطارقة الروم في صومعة له في حمص، وغلَّق أبوابها ثم طلع عليهم من عِليّةٍ خائفاً على نفسه منهم، وقال لهم: قد أتاني كتاب هذا الرجل "محمد" يدعوني إلى دينه، وإنه والله النبي الذي نجده في كتابنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه، فتسلمَ لنا دنيانا وآخرتنا ونفوز بهما معاً.
فنخروا نخرة رجل واحد استقباحاً لما قاله، ثم ابتدروا الأبواب ليخرجوا فيثوروا ويؤلبوا العامّة والجيشَ عليه فقال: ردّوهم عليّ فردّوهم، فقال لهم: إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم؟ وقد رأيت منكم ما سرَّني، فسجدوا تعظيماً له.
ثم إن هرقل قال لدحية: إني لأعلم أن صاحبك نبيّ مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى الأسقف الأعظم في القسطنطينية واذكر له أمر صاحبك، وانظر ما يقول لك، فجاء دحية وأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقال له: والله إن صاحبك نبيٌّ مرسل، نعرفه بصفته ونجده في كتابنا، ثم أخذ عصاه وتوجه إلى البطارقة والقساوسة فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا إلى الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوثبوا عليه فقتلوه رحمه الله.
فرجع دِحية إلى هرقل وأخبره بالخبر قال: قد قلت إننا نخافهم على أنفسنا.
ولو أن هرقل ترك الملك وآمن، وفعل كما فعل غيره مما قصَصْتُ عن مَلِك من ملوك بني إسرائيل في كتابي- قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم - لكان من سعداء الآخرة، ولكنه آثر الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة

قال قيصر مخاطباً مَلأَه من البطاركة وقادة الجند والوجهاء:
هلمُّوا نعطيه الجزية فأبوا، فقال: نعطيه أرض سوريا الشام، ونصالحُه، فأبوا واستدعى هرقل أبا سفيان، وكان تاجراً إلى الشام في الهدنة (صلح الحديبية) فحضر عنده ومعه جماعة من قريش أجلسهم هرقل خلف ابي سفيانَ، وقال: إني سائله، فإن كذب فكذّبوه، فقال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت.
فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: صغّرت من شأنه فلم يأبه لقولي.
قال هرقل: كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو أفضلنا نسباً.
قال هرقل: هل كان من أهل بيته من يقول مثل قوله؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل له فيكم مُلْكٌ سلبتموه إياه؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فمن اتبعه منكم؟
قال أبو سفيان: الضعفاءُ والمساكين، والأحداثُ من الغلمان والنساء.
قال هرقل: فهل يحبه من يتبعه ويلزمه أو يَقليه ويفارقه؟
قال أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه، فأخلاقه تَسَع الجميع.
قال هرقل: فكيف الحرب بينكم وبينه؟
قال أبو سفيان: الحربُ سجال يوم له ويوم لنا.
قال هرقل: هل يغدِر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه هدنة (صلح الحديبية) لا نأمن غدره، وكان أبو سفيان في هذا يريد النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يأبه هرقل لقوله.
قال هرقل: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه من أكرم الناس نسباً، وكذلك الأنبياء.
وسألتك: هل قال أحدٌ من أهل بيته مثلَ قوله فهو يتشبه به قلت: لا.
وسألتك: هل سلبتموه ملكه، فجاء بهذا لتردوا عليه ملكه فقلتَ: لا.
وسألتك: عن أتباعه فزعمت أنهم من الضعفاء والمساكين وكذلك أتباع الرسل.
وسألتك: عمن يتبعه أيحبه أم يفارقه؟ فزعمت أنهم يحبونه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه.
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا.
ولئن صدقتَني ليغلبَنَّ على ما تحت قدميَّ هاتين ،ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك..
فخرج أبو سفيان وهو متعجب مندهشٌ لما سمعه من هرقل، وقال وهو يضرب إحدى يديه بالأخرى: يا أيها الناس، لقد عظُم أمر محمد حتى باتت الملوك تهابه!
إن هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هيبة الله تعالى، ولكن الغافلين عن هذا الغارقين في أوحال الدنيا لا يدركون ذلك.
قال أبو سفيان مثل هذا في فتح مكة للعباس: لقد بلغ مُلكُ ابن أخيك شأواً عظيماً، فردّ عليه العباس رضي الله عنه: إنها النبوَّةُ يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعي هذا؟!
وللدعاة هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله يرى من مجلسه العرضَ العسكريَّ الذي سار فيه السلطان أيوب ملك مصر، ورآه في رَكبه منتفخاً، منتفجاً، فاستحضر العزُّ هيبة الله في نفسه ،وسأله العون على سلّ هذه السخيمة من نفس أيوب، فناداه وهو جالسٌ: يا أيوب! لم يناده بلقب الملك والسلطنة.
فما كان من السلطان إلا أن أوقف العرض ونزل عن مركبته ،وسعى إلى العزّ بن عبد السلام، يقول له: ما الذي تريده يا شيخنا الجليل؟
قال العزّ: ما تقول لله تعالى وقد ولّاك على عباده إذا وقفت بين يديه وسألك عن الخمارة في مكان كذا؟
قال السلطان أيوب: إنها بنيت على عهد والدي.
قال العزّ: أأنت من الذين قالوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } ؟ّ!
قال السلطان أيوب: لا يا مولانا .وأمَرَ لتوه بهدمها، واستأذن الشيخ وعاد إلى موكبه.
قيل لسلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: لقد كان مستعظماً في نفسه وهو في موكبه، أما خفت على نفسك من بطشه؟
قال العزّ رحمه الله: استحضرت هيبة الله في نفسي فوجدته كالفأر بين يدي الهِرِّ.

صلى الله على رسوله الكريم، وجزاه خير ما جزى نبياً عن أمته، ورحم الله علماء الأمة العاملين الوقّافين على حدود الله، الذين لا يخافون في الله لومة لائم.

الكامل في التاريخ الجزء الثاني ص 143

يتبع

نبيل
2015-06-01, 01:46 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(هو من أهل النار)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، فكان رجل ممّن يدعي الإسلام قاتل قتالاً قلَّ نظيره، ويفتك باليهود فتكاً يريح النفس، فكنت أتعجب لقوته وشجاعته وصبره، فذكرت للرسول صلى الله عليه وسلم تنكيله بالمشركين فقال:
( هو من أهل النار )،
فتعجبت لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله انظر ماذا يفعل وكيف يقاتل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً ما قاله آنفاً:
( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ).
وتعجب رجل من المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل ذلك الرجل الذي يحارب بشدة، فقال: لأتبَعَنَّ هذا الرجل ولأريَنّ نهايته.
كثرت الجراح بذلك الرجل فوقع على الأرض لا يستطيع حراكاً، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه ،واتكأ عليه فخرج السيف من بين كتفيه، فانتحر.
فأقبل ذلك الرجل الذي اتبعه إلى النبي مسرعاً، فقال: أشهد أنك رسول الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حق ما تقوله يا رجل، ولكن ما الذي دعاك إلى قولها الآن؟).
قال: يا رسول الله، ذكرتَ آنفاً مشيراً إلى رجل كان شديد القتال: ( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) فتعجبت، ثم تبعتُه ليطمئن قلبي يا رسول الله، وكان ما قلتَه يا رسول الله، وحدِّثه بما رأى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قم يا بلال، وقل بأعلى صوتك: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ).

كثيرٌ من الناس ترى له فعلاً حسناً، بَيْدَ أنه على غير ملة التوحيد ،فله في دنياه ما يناسب فعله، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.

البخاري جزء 7 ص212

نور الامل
2015-06-02, 06:10 PM
فعلا انها سلسله رائعه لاعدمت اناملك على النقل الطيب اخي نبيل

نبيل
2015-11-15, 03:15 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(كن نبيهاً ذكياً)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روى عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يشحذ هممنا كما يشحذ المسَنُّ السكين، ويرفع من معنوياتنا ويشجعنا على التفكير واغتنام الفرص.
فبينا نحن جلوس عنده وهو عليه الصلاة والسلام يربينا ويأخذ بأيدينا إلى الطريق القويم قال:
عُرضت عليَّ الأمم – من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة – وكأنها تمشي أمام منصة سيد الأنبياء ذي القدر العلي، والعزم الجليّ .. كل نبي يمشي، ووراءه من اتبعه، فقد تجد نبياً يمشي وحده، إذ جحده قومه، وكذّبوه، فلم يؤمن به أحد، فأخرجوه من بينهم، وقد يقتلونه، ويظنّون أنهم تخلصوا منه، فتحلُّ عليهم نقمة الله وعذابه فيُستأصلون، أو يُرمَون بداهية تجعل حياتهم جحيماً، فمنهم من أرسِل عليه حاصبٌ، ومنهم من أغرق، ومنهم من أرسلت عليهم ريحٌ صرصرٌ عاتية جعلتهم كجذوع النخل المبتورة.. جزاء على كفرهم وقتلهم أنبياءهم الكرام.وقد تجد نبياً لم يؤمن معه سوى الرجلِ أو الرجلين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن أمته كثيرة، فحين مرّت أمّةٌ كثيرة العدد ملأت مكان العرض واتسع محيطها ظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أمة المسلمين، فشعر بالسعادة، فقيل له: هذا موسى وقومه، فظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليهود أكثر من المسلمين.. وتأثَّر، ولم يطل تأثره عليه الصلاة والسلام بذلك، فقد قال له الملك: انظر إلى الأفق، فينظر عليه الصلاة والسلام، فإذا سواد عظيم ملأ الخافقين، جموع المسلمين الممتدة أمام منصة سيد الأنبياء تتوارد، وأمامها رجال كالشموس تلألؤاً.. مَنْ هؤلاء الوضيئون؟! قال له مرافقه: هؤلاء سبعون ألفاً من أمتك يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.. الله... اللهَ، ما أعظم أن يكون الرجل من بين هؤلاء الرجال العظام.

ونهض رسول الله صلى اله عليه وسلم ، فدخل منزله.. فخاض الناس في صفات هؤلاء النفر الذين يتجاوز الله عنهم ويكتبهم في عليين، لا يحاسبون..
قال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا أوّل مَنْ أسلم، شاركوه السرّاء والضرّاء، وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام؟
وقال بعضهم: فلعلّهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، ورضعوا لبان التوحيد، وشربوا الإيمان وكانوا جنود الرحمن؟
وكثر الحديث في هؤلاء وتعدد التعليل وذهبت الظنون فيهم كلَّ مذهب.
وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم على حالهم التي تركهم عليها، وسمعهم يتداولون الحديث، ويتعاورون التحليل، ويقلبون الأمور، فسألهم قائلاً:
( ما الذي تخوضون فيه؟ ) فأخبروه، فوضح لهم حينئذ صفاتهم ،فهم:
أولاً: لا يطلبون الرُّقْية، ولا يرقُون أحدا (والرقية: تعويذة تكتب فيلبَسها من يطلبها، ليست من الإسلام في شيء إلا أن تكون مما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول:
( باسم الله أرقيك، والله يشفيك ) .
ثانيا: لا يتطيرون، ولا يتشاءمون، فالتشاؤم ليس من الإسلام، لأن المسلم حين يكون إيمانه قويا، يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعتقد أن الله لا يصيبه إلا بما كتبه له، والمتشائم متردد، خوَّاف، يضيّع الفرص، ويكون أثره في مجتمعه سلبياً.
ثالثاً: إيمانه القوي بالله، وصلته المتينة به – سبحانه – تجعله يُسلِمُ الأمور إليه، ويتوكل عليه، فلا يخشى في الله أحداً، ومن كانت هذه صفاته أفاد أمته وأرضى ربّه، وكان على نور منه جلّ شأنه.
يا الله! ما أروع أن يكون أحدنا من هؤلاء،
وكان عكّاشة بن مِحصَن بين الحاضرين، فلمعت في ذهنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب النابهين ذوي البديهة السريعة الذين يغتنمون الفرص ويقتنصونها، ولعله يفوز بدعاء منه – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم؟
قال عليه الصلاة والسلام: ( أنت منهم ) ، كافأه على نباهته وسرعة بديهته.
ويسأله آخر أن يكون منهم، فماذا كان جواب المعلم الأول؟!!
نبهه الرسول المعلم أنه ضيّع على نفسه المبادرة حين تأخّر عن عكاشة، وكان عليه أن يسبقه، فالنجاح حليف المتنبهين اليقظين، الذين لا يفوّتون الفرص..
وهكذا نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثارة الحوافز، والدفع إلى التنافس 1.

رياض الصالحين: باب اليقين والتوكل / الحديث /49/

يتبع

نبيل
2015-11-16, 01:03 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(لا تغرنك المظاهر)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


جلس المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه أمام مسجده صلى الله عليه وسلم ، فمرَّ رجل من أشراف الناس، فسلم، فرد الرسول الكريم السلام بأحسن منه، كان الرجل يلبس غلالة رقيقة جديدة تشف عما تحتها من ثوب جميل، كان يملأ العين وينبئ عن نعمة يتقلب فيها، فنظر إليه رجل من المسلمين نظرة تنِمُّ عن إعجاب ورغبة في أن يكون مثله غنياً، موسراً، وأن يكون في مثل مكانته شرفاً وسؤدداً..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع نظرات هذا الرجل ومتابعته للمارِّ حتى جاوزهم، وغاب عن أنظارهم، فالتفت إلى الرجل فقال له: (( ما رأيك في هذا؟ )).
لقد تبعَتْ نظراتُ الرجل ونفسهُ ذاك الذي مرَّ، وتمنى أن يكون مثله جاهاً وثراء، فرأيه إذاً معروف، وإجابته لن تكون سوى الإطراء والمديح.. وهكذا كان فقد قال المسؤول للنبي الكريم ما يحس به ويعتقده: هذا والله لجدير أن يجاب طلبه في كل مايريد، فإن خطب إلى قوم كان لهم الشرف أن يزوِّجوه، وهل يجدون خيراً منه محتداً، وأكثر أموالاً وأشرف مكانة؟!! إنهم يرتفعون مكانة إنْ أصهر إليهم، فقربهم إليه.
وهو جدير أيضاً إن سار في حاجة أن تُقضى، فإن منزلته كبيرة وجاهه عظيم، ولا ينبغي أن يرد، وهل يرد أمثاله عن الشفاعة؟
لم يحِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً، ولم يعلق على رأي المسؤول، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب الجدال والمراء، فالله تعالى كفل للمبتعدين عن الجدال – ولو كانوا أصحاب حق – قصراً رائعاً في منتصف الجنة وأعلاها مكاناً، والجدال يورث في النفس الألم، وفي القلب الكمد، ويتعب صاحبه دون طائل..
ومر رجل آخر مشيته على الأرض خفيفة، ليس فيها تصنع ولا خيلاء، ثيابه بسيطة لكنها نظيفة – فالمسلم نظيف – هيئته تدل على فقر مستور ينأى بصاحبه أن يمد يده للناس، يتخذ من العفاف سمتاً، يحسبه الناس غنياً من التعفف..
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من سأله آنفاً، فقال: (( ما رأيك في هذا؟ ))،
لم يملأ عينَه كما فعل الرجل السابق، فكانت نظراته إليه تختلف عن الآخر، بل إنها كانت عن النقيض منها! فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين!! مغمور لا يهتم به أحد، ولا يلقى إليه بالاً، وأي فائدة يجنيها المرء إن صاحبه وخالطه؟
هذا جدير إن خطب أن يرد، فلا يُزوّج، فزوجته ستعيش معه في حال سيئة، وضنك واضح، لا جاه له يحتمي به الآخرون، ولا مكانة تشفع له عندهم، ولن يسمع أحد قوله أو ينصت إليه..
حكم على الرجلين أحكاماً تتسم بالسطحية، والنظرة المادية، أُخِذ بظاهر الأول وعاف حالَ الثاني، ونسي أن الله لا ينظر إلى صور الناس وأجسادهم، بل إلى قلوبهم وأعمالهم، ونسي أيضاً أن الفخر والخيلاء صفة المتكبرين الفارغين، الذين يرون لأنفسهم ما لا يرونه للآخرين، ونسي كذلك أنه كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه، قوّام، صوّام .. يرى الدنيا فانية، والحياة إلى زوال.
وكثير من الناس تغرهم البهارج، وتسحرهم الأعراض، فيغفلون عن الجوهر، وينساقون وراء كل ما يلمع، ويبرق، يشدهم سرابها، ويستهويهم خُلّبُها..
وهنا يعيد الرسول الكريم الأمور إلى نصابها، ويقوِّم الأحكام الخاطئة، وينبه الضائعين عن النهج السليم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، فيقول:
(( إن هذا الفقير الذي أنفت أن تكون مثله في تواضعه وتقواه وصفاته الحميدة التي لم تتبدّ لك لقصر نظرتك خير من ملء الأرض مثل ذلك الرجل الذي أخذ عليك لبّك فأعماك عن الحقيقة )).
فالإنسان يحكم بعين بصيرته على الأمور لا بعين بصره.

رياض الصالحين: باب فضل ضعفة المسلمين الحديث/181/ رواه البخاري

يتبع

الحياة أمل
2015-11-18, 11:17 PM
بآرك الرحمن فيكم استآذ
على موآصلة هذآ الطرح ...~

نبيل
2015-11-20, 11:06 PM
سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

أوَيسٌ القُرَنِيِّ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يا أمير المؤمنين، هذا مدد من المسلمين قادم إلى المدينة من اليمن يريدون القتال في سبيل الله، وقد جهَّزوا أنفسهم للسفر إلى العراق، ليكونوا في الجند الذين استعدوا لفتح إيران وما وراء النهرين، وهم ينتظرون الإذن منك للسفر.

قال الفاروق عمر: دعهم ينتظرون قليلاً كي أودعهم، ثم إني أريد أن أسألهم عن أويس بن عامر.

يا أمير المؤمنين، إنني لفي عجب مما تصنع، أفكلما جاء مدد من اليمن سألتهم عن أويس بن عامر هذا! فما شأنه يرحمك الله.

سترى ذلك – إن شاء الله – حين أراه وأكلمه وأعرف خبره.

قال عبد الله بن عمر لصاحب أبيه: تلَبَّث يسيراً حتى ينقضي عجبك، فأمير المؤمنين لا يفعل أمراً إلا إذا كان مهماً، أو له فيه الخير والبركة.

قال الرجل لعبد الله: أوتعرف أنت يا عبد الله، لمَ يسأل أمير المؤمنين عن هذا الرجل كلما جاء مدد من اليمن.

قال عبد الله: لا، ولِمَ أسأل والدي عن الأمر، فهو إن أراد أن يذكره لي ذكره دون أن أسأله إياه، ولعلنا ندرك السبب إن رأى بغيَته وحدَّثه..

وانطلق الثلاثة إلى معسكر المسلمين من أهل اليمن خارج المدينة، وسلَّم أمير المؤمنين على جمع المجاهدين، وذكّرهم بالجهاد، وحضّهم عليه وبيّنَ أنه ذروة سنام الإسلام، وبه يعلو شأنه، ثم نادى: أفيكم أويس بن عامر؟

قال أحدهم: - وكان شاباً – لبيك يا أمير المؤمنين.

قال عمر: أأنت هو؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا من هتفت باسمه.

قال عمر: أانت من قبيلة مراد؟

قال: أجل، من قبيلة مراد.

قال عمر: أمن بطن قَرَن؟

قال: من بطن قَرَن يا أمير المؤمنين.

قال عمر: أكان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضعَ درهم؟

قال: قد كان بي برصٌ فشفاني الله منه إلا موضع درهم لم يزل في جسمي يذكّرني بفضل الله عليّ ومنّته إذْ أذهب عني الأذى وعافاني وجمَّلني في أعين الناس ،فله الحمد والشكر على نعمائه يا أمير المؤمنين.

قال عمر: ألك والدة لا تزال حيّة ترزق وأنت بها بارٌّ؟

قال: نعم، أسأل الله أن يطيل عمرها ويحسِّن عملها، ويكتب لي ثواب البر بها، فتحت قدميها جنتي.

قال عمر: أنت يا أويس على خير عميم وفضل عظيم.

قال: بشَّرك الله بالخير – يا أمير المؤمنين – فمن دلّك عليَّ وعرَّفك بي فسألتَ عني، واجتهدتَ أن تراني؟

قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

( يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ، ثم من قَرَن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها برُّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل ).

سمعَ الجمع هذا الحديث، فضج المكان بالتهليل والتكبير، والصلاة على سيدهم وحبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام.

يا الله، ما أروع حبَّ النبي الكريم أمّتَه! وما أسعدهم بانتمائهم إليه! إنهم يشعرون بوجوده، وهو في جوار ربه، ويعيشون معه بأرواحهم وقلوبهم، ويرون في كل آنٍ ولحظةٍ عظيمَ فضله، وجلال قربه.

قال أويس: والله إني لأحب الله ورسوله، وأتمنى لقاءَهما.

قال عمر: صدقتَ يا أويس، وما حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لعلمه بذاك وأنك من أهل الله وخاصته، وقد مدحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
( إن خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمُروه فليستغفر لكم ).

قال أويس: وكيف أستغفر لك يا أمير المؤمنين، وأنت أفضل مني، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أوائل العشرة المبشرين بالجنة. أنت الصاحب، وأنا التابع، فما استغفاري لك يرحمك الله؟!

قال عمر: رحمك الله يا أويس، فمن يدّعي أنه خير من إخوانه؟! ومن يزعم أن المستغفر، أو الداعي، أفضل من المستغفَر له أو المدعوِّ له؟

إنني استأذنت رسول الله في العمرة، فأذن لي وقال: ( لا تنسنا يا أخيَّ من دعائك ) فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا.

قال أويس – وقد اغرورقت عيناه بالدموع لهذا الفضل العظيم الذي حباه إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى -: وما فائدة دعائي يا أمير المؤمنين؟!

قال عمر: هذا إرشاد لنا – يا أويس – إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء مَنْ تُرجى إجابته، وأنت مستجاب الدعوة، فلا تحرمنا دعاءك يا أخي.

رفع أويس يديه إلى السماء، وتوجّه بوجهه وقلبه إلى مالك الملك وملك الملوك، وسكب العبرات أمامه وتذلل أمام عتباته، ونادى بلسان الحال والمقام ربّه، واستغفر لعمر وللمسلمين..

يا رب، يا عظيماً بنفسه، يا كريماً بعطائه، يا رحيماً بخلقه، إليك نشكو ضعفنا، وقلّة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا لذنا بجنابك، ولجأنا إلى رحابك، فلا ترّدنا خائبين، يا رب العالمين..

إذا كان أمير المؤمنين عمر الفاروق خليفة المسلمين الذي أذلّ الروم، ومرّغ رؤوس الفرس، ونشر الإسلام شرقا وغربا يحتاج إلى الاستغفار ويسأل الصالحين أن يستغفروا له!، فماذا يقول معشر الغثاء الذين هانوا وذلوا أمام أعدائهم، وأضاعوا كرامتهم وقبلوا الدنيَّة في حياتهم؟ رحماك يارب، هيِّء لنا من أمرنا رشدا ..

قال له عمر: أين تريد؟

قال أويس: أريد الكوفة

قال عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها فيكرم وفادتك، ويكفيك مؤونتك؟

قال أويس: لأن أكون في عامة الناس أحبُّ إلي من أن أكون سريَّاً يشار إليه بالبنان. وانطلق أويس مع اليمانيين إلى الكوفة حامياً للثغور، مجاهداً في سبيل الله، يحيا حياة المساكين ويرضى من الدنيا الفانية بما يسُدُّ الرمق، فهو يريد أن يخرج منها خفيفاً، لا له ولا عليه.

ومرت سنوات على هذا اللقاء، وجاء موسم الحج، فوفد أهل الكوفة على عمر رضي الله عنه، وفيه رجل كان غنياً موسراً، يرى من أويس عزلة عن الناس، ورضىً بالكفاف من الحياة – ينشغل بنفسه عن تفاهات الحياة – فكان هذا الرجل يسخر من أويس ويبخسه حقّه.

فقال عمر: هل هنا أحد من القرنيين؟

قال الرجل: أجل يا أمير المؤمنين، أنا منهم.

فسأل عمر عن أويس، فكان ردُّ الرجل ردَّ مَنْ يجهل مكانة الصالحين ولا يأبه إلا للوجهاء من الناس أصحابِ المال الوافر، والغنى الظاهر، فأعاده عمر إلى صوابه وردَّدَ على مسامعه وصفَ الرسول الكريم صلوات الله عليه لأويس، وأمره إن عاد إلى الكوفة أن يلتمس استغفار أويس له..

وعاد الرجل إلى الكوفة والتمس أويساً فلقيه، واعتذر إليه عما بدر منه وقال له: استغفر لي يا أخي.

قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالحٍ، فقد رجعت من الحج وعُدتَ مغفورا لك دون ذنوب كيومَ ولدتك أمك، فأنت أحق أن تستغفر لي.

فأبى الرجل أن يفارق أويساً إلا أن يستغفر له.

قال أويس حين رأى تحوّلا في نظرةِ الرجل إليه: ألقيت عمر أمير المؤمنين فأخبرك بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال الرجل: نعم..

فاستغفر أويس له، ودعا له خيراً.

وفطن الناس إلى مكانة أويس، وقد جهد أن لا يفطَنوا إلى ذلك، فخرج عنهم كي لا ينشغل بهم عن خالقه سبحانه.

روى عبد الله بن مسلم قال:
غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك، فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفنٌ وحنوط، فغسلناه، وكفنّاه وصلينا عليه، ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا، فعلَّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.

رياض الصالحين: باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلبِ زيارتهم، والدعاءِ منهم، وزيارة المواضع الفاضلة

يتبع