المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحشد الفني في التعبير القرآني


ياسمين الجزائر
2014-06-05, 05:57 PM
الحشد الفني في التعبير القرآني




http://im65.gulfup.com/YcqDSU.jpg



لقد مر بنا تبيين الناحية الفنية في موضع واحد من الآية غالباً، كأن يختار لفظة على لفظة أو يقدّم لفظة على أخرى، أو يزيد في المكان ويحذف من مكان آخر ونحو ذلك. وربما اقتضانا الحديث أن نعرض لأكثر من موضع في الآية الواحدة أو السياق الواحد، مما يدل دلالة واضحة على أن كل كلمة بل كل حرف وُضِعَ وضعاً فنياً مقصوداً في غاية الدقة والجمال.



وليست هذه الآيات أو السياقات التي سنختارها وحدها موضع الحشد، بل إن القرآنَ كله حَشدٌ فني عظيم متكامل، غير أنه لا بد لبيان ذلك أن نختار أمثلة تعيننا على إيضاح ما ندّعيه.



ونود قبل أن نشرع في ضرب الأمثلة أن نبين أنه قد يراعى في اختيار التعبير أمور عديدة وجوانب كثيرة، فقد يراعى السياق الذي ورد فيه التعبير. والسورة التي ورد فيها السياق، والسياقات الأخرى التي يرد فيها تعبير مقارب لهذا التعبير، والسور الأخرى التي فيها مواطن تعبيرية متشابهة أو مختلفة. فهو قد يراعي في تعبير السورة الواحدة وبنائها تعبير جميع السور الأخرى من القرآن الكريم وبناءها.



ولنوضح ذلك بأمثلة من سورة واحدة ولتكن سورة الأنعام، ولا نريد أن نبين الجوانب البلاغية والفنية فيما نذكر، بل نقصر الكلام على بيان قسم من العلاقات الفنية التي يراعيها القرآن في السور نفسها أو السور الأخرى .


التناسب بين مفتتح السورة و خاتمتها:



لقد افتتحت السورة بقوله تعالى:


{الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .


وقال في خاتمة السورة:



{قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}



فناسب بين البدء والختام، فقد ذكر أن الذين كفروا بربهم يعدلون، أما هو فلا يعدل بربه شيئاً. فانظر هذه المناسبة و الملاءمة في التعبير حتى كأن التعبيرين في البدء والختام آية واحدة .


ثم انظر إلى التناظر بين التعبيرين فإنه قدّم في التعبير الأول متعلق (يعدلون) وهو قوله: (بربهم) ، وقدم في التعبير الآخر مفعول (أبغي)

وهو قوله: {أَغَيْرَ الله} .


ثم انظر كيف قال في الختام:



{وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}



وقال في البدء:



{الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور}



أليس الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور رب كل شيء؟
فانظر عُلُوَّ هذا الكلام ورفعته.


ولا تحسبن أن هذه السورة هي السورة الوحيدة التي نُوسِبَ بين مُفْتَتَحِهَا وخاتمتها. فإن التناسب بين مفتتح السور وخواتيمها أمر معلوم ومشهور.



مثال عن الحشد الفني في سورة التوبة:



قوله تعالى :

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياوة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} (التوبة: 55) .


وقوله في هذه السورة أيضاً:

{وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} (التوبة: 85) .


والآن انظر إلى الفروق التعبيرية بين الآيتين






الآية 55

أموالهم و لا أولادهم


ليعذبهم

في الحياة الدنيا




الآية 58


أموالهم و أولادهم (بدون لا)


أن يعذبهم


في الدنيا





وسبب ذلك والله أعلم أن السياق في الآية ذات الرقم 55 يختلف عن السياق في الآية الثانية.


إن الآية الأولى في سياق إنفاق الأموال والخطاب للمنافقين.


قال تعالى:

{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم ... } (التوبة: 53-55) .


وبعدها:



{وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة: 58) .


وبعدها:

{إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقاب والغارمين} (التوبة: 60) .


فالسياق في إنفاق الأموال والكلام على المنافقين وأموالهم، ثم وجه الخطاب إلى الرسول قائلاً:



{فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} (التوبة: 55)



فزاد (لا) النافية توكيداً {فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم} (التوبة: 55)

وزاد اللام في (ليعذبهم) لزيادة الاختصاص وتوكيده.


في حين أن السياق مختلف في الآية الأخرى.



قال تعالى:

{فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ فاقعدوا مَعَ الخالفين * وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا ... } (التوبة: 83-85).


فسياق الآيات الأولى في إنفاق الأموال، فأكد ذلك بزيادة (لا) واللام. ولما اختلف السياق في الآيات الأخرى خالف في التعبير فلم يذكر (لا) ولا اللام، لأن المقام لا يقتضي التوكيد هنا.


ولما طال الكلام على الإنفاق والأموال في الآيات الأولى، زاد الكلام في هذه الآية دون الأخرى فقد زاد (لا) و (اللام) و (الحياة) .



لما كان المالُ عصبَ الحياة كما يقال ومظنّة الوصول إلى الرفاهية والسعادة زاد كلمة (الحياة) ههنا، بخلاف الآية الأخرى فإنها في سياق الجهاد والقتال.

والقتال والجهاد مظنّة القتل وفقد الحياة، ولذا لم يأت بالحياة في سياق الجهاد، بخلاف سياق المال، لأن الحربَ سبيلُ فَقْدِ الحياة بخلاف لمال والله أعلم.




http://im53.gulfup.com/dXt6S2.gif

من كتاب "التعبير القرآني"

للدكتور فاضل السامرائي

الحياة أمل
2014-06-07, 08:02 AM
بآرك الرحمن في الدكتور ونفع بعلمه
وأسعدك ربي أخية على النقل الرآئع ...~

ـآليآسمين
2014-06-07, 02:07 PM
بوركت أختنا ياسمين
وباركـ ربي في جهودكـ ـآلطيبة
اسعدكـ الباري
:111:

ياسمين الجزائر
2014-06-10, 05:50 PM
بورك فيكما اختاي على جميل مروركما
جزاكما الله كل الخير و اعانني الله و اياكم على فعل و نشر الخير
تحية طيبة لكما