المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الولاية والإمارة


ابو العبدين البصري
2013-02-21, 09:47 PM
سلسلة مقومات إصلاح الراعي والرعية: (1)

الولاية والإمارة
بين القربة وطلب الرياسة والمال

بسم الله الرحمن الرحيم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
" يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس (من أعظم واجبات الدين)، بل: (لا قيام للدين إلا بها)؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. ولأن الله - تعالى - أوجب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة .

فالواجب اتخاذ الإمارة: (ديناً)، (وقربة يتقرب بها إلى الله)؛ فإن التقرب إليه فيها (بطاعته)، (وطاعة رسوله) من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال كثير الناس لابتغاء (الرياسة)، أو (المال) بها، وقد روى كعب بن مالك – رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه و سلم - أنه قال : " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال أو الشرف لدينه " قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)،[وصححه الألباني] .

فأخبر أن حرص المرء على (المال)، (والرياسة) يفسد دينه مثل أو أكثر من إرسال الذئبين الجائعين لزريبة الغنم .
وقد أخبر الله - تعالى - عن الذي يؤتي كتابه بشماله أنه يقول : { ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه }،وغاية (مريد الرياسة) أن يكون كفرعون (وجامع المال) أن يكون كقارون.


وقد بين الله تعالى في كتابه حال (فرعون)، (وقارون) فقال - تعالى -: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق }.
وقال - تعالى -: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين }، فإن الناس أربعة أقسام :

القسم الأول : يريدون (العلو على الناس)، (والفساد في الأرض) هو معصية الله.

وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه وهؤلاء هم شر الخلق قال الله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين }.

وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه ذرة من إيمان. فقال رجل يا رسول الله : إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا أفمن الكبر ذاك ؟ قال : لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر: (بطر الحق)، (وغمط الناس) ".

فبطر الحق: دفعه وجحده. وغمط الناس: واحتقارهم وازدراؤهم .
وهذا حال من يريد العلو والفساد .
والقسم الثاني : الذين يريدون (الفساد بلا علو)، كالسراق المجرمين من سفلة الناس .
والقسم الثالث : يريد (العلو بلا فساد)، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس .


والقسم الرابع : فهم أهل الجنة الذين (لا يردون علوا في الأرض، ولا فساداً) مع أنهم قد يكونوا أعلى من غيرهم كما قال الله - تعالى -: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }، وقال - تعالى -: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم }، وقال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.

فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولاً، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن (إرادة العلو على الخلق) (ظلمٌ)؛ لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم. ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر .


فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله . فإذا كان المقصود (بالسلطان)، (والمال) هو التقرب إلى الله، وإنفاق ذلك في سبيله كان ذلك (صلاح الدين، والدنيا).

ولما غلب على كثير من ولاة الأمور: (إرادة المال)، (والشرف) صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان، وكمال الدين .
فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك حسب وسعه فمن ولى ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن (تولية الأبرار) خير للأمة من (تولية الفجار) .

ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين: (الكتاب الهادي)، (والحديد الناصر) كما ذكره الله – تعالى - .

فعلى كل أحد الاجتهاد في إيثار (القرآن، والحديد) لله تعالى ولطلب ما عنده مستعينا بالله في ذلك ثم الدنيا تخدم الدين كما قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -:" يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما. وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر " .

ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن النبي- صلى الله عليه و سلم - أنه قال : " من أصبح والآخرة أكبر همه جمع له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له " .

وأصل ذلك في قوله - تعالى -: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } .

فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا وجميع المسلمين لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين " .
انتهى بتصرف من "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية،(ص/138-44[) /size]


بقلم الشيخ
ابي زيد العتيبي.

نسائم الهدى
2013-02-23, 12:04 AM
جزاكم الله خيرا

الحياة أمل
2013-02-24, 06:36 AM
[...
جزآكم الله خيراً على مآ نقلتم
ونفع بكم الإسلآم والمسلمين
::/

بنت الحواء
2013-02-27, 07:18 PM
بارك الله فيك
يعطيك العافية على طرحك القيم
جزاك الله خيرا

ابو العبدين البصري
2013-02-28, 11:08 PM
بارك الله فيكم .
وجزاكم الله خيرا.

ياس
2015-02-26, 12:48 PM
جزاك الله خيرا والشيخ
العتيبي،ورحم الله
شيخ الاسلام ابن
تيمية.