المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبهة اعتبار مجرّد قراءة القرآن والحديث حجّة لعدم العذر بالجهل


ابو الزبير الموصلي
2014-09-05, 10:47 PM
للشيخ مختار طيباوي
شبهة اعتبار مجرّد قراءة القرآن والحديث حجّة لعذم العذر بالجهل:
عندما يعترض أحدُهم بكلام بعض أهل العلم نفاة العذر بالجهل: (( الحجّة على المستغيث بالقبور القرآن الّذي يقرأه ويكرّره )) (؟!)
نقول لهم:
1-هذه البساطة في التّفكير،وفي فهم قواعد الإسلام في التّكليف وإقامة الحجّة تكاد تعيق العقل عن التّفكير السّليم، وتشلّه عن إدراك المقاصد من بعثة الرّسل للأسباب التّالية:
2- مجرّد طرد كلامهم هذا ينهار كلّ البناء الاستدلالي لهذه الحجّة، فكلّ من خالف شيئا من القرآن والسّنة يمتنع عذره لأنّه يقرأ القرآن ويكرّره،فيلزم من هذا أنّهم متناقضون يعذرون كلّ من خالف الأحاديث المتواترة والآيات المحكمة بل وإجماع السّلف، ويشترطون له إقامة الحجّة ويعذرونه بالتّأويل، ولا يعذرون عاميّا لا يقرأ القرآن بخلاف وهمهم،وإن قرأه لا يفهمه ثم هو مقلّد(؟!)
وبهذا يلزمهم طرد أصلهم هذا وتكفير الجميع، ويدخل في الجميع: أهل السّنة الّذين وقعوا في أخطاء في الأسماء والصّفات والقدر (؟!)
3- ثم إنّ مما يوهن هذه الحجّة ويُضعفها ما ثبت في الصّحيحين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنهّا قالت: ((أَنّ رَسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مَاتَ وَ أَبُو بكر بالسّنح – يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ. فَقَامَ عمر يَقُول: وَالله مَا مَاتَ رَسُول صلَّى الله عليه وسلَّم.قَالَت: وَقَالَ عمر: مَا كَانَ يَقع فِي نَفسِي إِلَّا ذَاك،وليبعثنّه الله،فليقطعن أَيدي رجال وأرجلهم. فجَاء أَبُو بكر،فكشف عَن رَسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَقَبّله،قَالَ: بِأبي أَنْت،طبت حَيّا وَمَيّتًا،وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُذيقنّك الله الموتتين أبدا. ثمَّ خرج فَقَالَ: أَيّهَا الْحَالِف،على رسلك. فَلَمَّا تكلّم أَبُو بكر جلس عمر فَحَمدَ الله أَبُوبكر وَأثْنى عَلَيْهِ،وَقَالَ: أَلا من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِنّ مُحَمَّدًا قد مَاتَ،وَمن كَانَ يعبد الله فَإِنّ الله حيٌّ لَا يَمُوت. وَقَالَ: إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون[الزمر]وَقَالَ: وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ[آلعمرَان]قَالَ: فنشج النَّاس يَبْكُونَ)) .
فهذه الآيات الّتي تلاها عليهم أبو بكر كانوا يقرؤونها و يكرّرونها ليلا ونهارا فما بالهم ذهلوا عن معناها (؟)، وأوَّلهم معدن العلم الّذي تأوّل له النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم رؤيا شُربه من فضل اللّبن الّذي شربه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنّه العلم: عمر بن الخطاب ، وفي لفظ: "فَكَأَن النَّاس لم يسمعوا هَذِه الْآيَة إِلَّا يَوْمئِذٍ"،وفي لفظ البخاري: "وَالله لكأنّ النَّاس لم يعلمُوا أَنّ الله أنزل هذِه الْآيَة حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بكر".(؟)
وقد علمنا أنّ هذه الآية وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم نزلت قبل أحد، ومع ذلك قيل يومها: ( إنّ محمدا قد قتل) وفتن الصّحابة إلاّ فئة قليلة،يعني لم تُعصم أفهامُهم من هذا الظّن.
ولو ذهبنا نسترسل في هذا الاستدلال لقلنا: إنّ هذه الآية تخبرنا بوضوح أنّ جنس الأنبياء معروف في النّاس، قد تقدم له نظراء وأمثال،فهو معتاد في الآدميين،وأنّهم يموتون،ولهذا استشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في نحو استدلالنا،واستشهد بقصّة عمر معها، فقال(مجموع الفتاوى: (13/109)
) ( وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ مَنْ اعْتَقَدَ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ الرَّفْعِ وَكَلَّمَهُمْ هُوَ مِثْلُ اعْتِقَادِ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُمْ فِي الْيَقَظَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ؛ بَلْ هَذَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَاتِّبَاعًا لَهُ وَكَانَ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ يَأْتِيهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ لَا يُوجِبُ كُفْرَهُ فَكَذَلِكَ ظَنُّ مَنْ ظَنَّ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَسِيحُ لَا يُوجِبُ خُرُوجَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ وَلَا يَقْدَحُ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ وَعُمَرُ لَمَّا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَمُوتَ أَصْحَابُهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِحًا فِي إيمَانِهِ وَإِنَّمَا كَانَ غَلَطًا وَرَجَعَ عَنْهُ.))).
4- خذ حجّتهم هذه وطابقها على كلّ الكلام الذي نقلته عن ابن تيمية وغيره ـ في هذه البحوث ـ تكتشف مدى هشاشتها، وبعدها عن قواعد أهل السّنة في التّكليف.
والخلاصة أنّها حجة وهميّة،أيّ: يفرضها العقل جدلا، ولا أثر لها في واقع المسلمين العلماء فضلا عن العوام.
*قول بعضهم (فهل يكفر من وقع بالشّرك (الأكبر) كدعاء أصحاب القبور أو السّجود للشّمس والقمر لقيام الحجّة عليه بمجرد سماع القرآن وبلوغه ؟ أم لعلّه يُعذر بالجهل وهو قادر غير عاجز؟))
قلت:
1-لو كان مجرد سماع القرآن تقوم به الحجّة لكفّر أكثر المسلمين كلّ من خالف المعلوم من الدّين بالضّرورة عند السّلف (!)
2- وقد تكلّمت عن فهم الخطاب الشّرعي في فصل شروط التّكليف، والفرق بين العلماء والعوام في هذه الشّروط،فأرجو أن يقرأ الإخوة البحث كاملا،ولا يكرّروا ما سبق بيانه، والجواب عنه جريا وراء تصورّات مسبّقة.
3- الرّسل بلغوا اللفظ والمعنى،وسماع ألفاظ القرآن والسّنة لا يلزم منه معرفة معانيها بالاستلزام، ومن هنا كان اختلاف المسلمين في معاني النّصوص الّتي اتّفقوا على ألفاظها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية(مجموع الفتاوى: (5/254)):
((وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِاَللَّهِ فَعِنْدَهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِحَسَبِ ذَلِكَ ثُمَّ مَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ لَمْ يَكْفُرْ بِجَحْدِهِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الصَّلَاةِ مُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ - وَإِنْ اخْتَلَفَتْ اعْتِقَادَاتُهُمْ فِي مَعْبُودِهِمْ وَصِفَاتِهِ - إلَّا مَنْ كَانَ مُنَافِقًا - يُظْهِرُ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ بِالرَّسُولِ - فَهَذَا لَيْسَ بِمُؤْمِنِ؛ وَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا فَهُوَ مُؤْمِنٌ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِحَسَبِ مَا أوتيه مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ وَلَوْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا جَمِيعُ الْمُتَنَازِعِينَ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ عَلَى اخْتِلَافِ عَقَائِدِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ كَمَا يَعْرِفُهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَدْخُلْ أُمَّتُهُ الْجَنَّةَ؛ فَإِنَّهُمْ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ - لَا يَسْتَطِيعُونَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ؛ بَلْ يَدْخُلُونَهَا تَكُونُ مَنَازِلُهُمْ مُتَفَاضِلَةً بِحَسَبِ إيمَانِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ حَصَلَ لَهُ إيمَانٌ يَعْرِفُ اللَّهَ بِهِ وَأَتَى آخَرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يُحَمَّلْ مَا لَا يُطِيقُ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ لَمْ يُحَدِّثْ بِحَدِيثِ يَكُونُ لَهُ فِيهِ فِتْنَةٌ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتِهِمْ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ بِالنُّصُوصِ الَّتِي اشْتَرَكُوا فِي سَمَاعِهَا: كَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ))
وهذا مجاب عليه بنقول كثيرة في تعليقي الأخير فلا جدوى من التّكرار.
4- يجب التّفريق بين بلوغ الحجّة بمعنى سماع العبارات، وبين إقامة الحجّة، وقد بيَّنته في المقال تفصيلا عندما تكلّمت عن صفة إقامة الحجّة، فبلوغ الحجّة جزء واحد من إقامة الحجّة ،والجزء الثاني: دفع المقاوم.
5- ما معنى"قادر غير عاجز"،فما هي القدرة المقصودة هنا،هل هي الاستعداد بالفطرة أم الاستعداد في الواقع، (؟) وهل هي واحدة لا تتعدد؟ وما معنى العجز(؟)بالنسبة إليّ قد فصّلت المسألة في مسألة "الشعور بالجهل"،و"الفرق بين الجهل البسيط والمركب"،و"أنواع الإعراض"، كما تكلمت عن العجز وأسبابه فلا محلّ لهذا الاعتراض،قال ابن تيمية(مجموع الفتاوى) 10/371و372) (وإنّما المقصود هنا : أنّ ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسّنة أو المخالف للكتاب والسّنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه؛ إمّا لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته)).
وقال(مجموع الفتاوى(5/563)) (.. لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرّسول، وحصل اضطراب في المعقول به؛ فحصل نقص في معرفة السّمع والعقل، وإن كان هذا النّقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته؛ فالعجز يكون عذرا للإنسان في أنّ الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التّام، هذا على قول السّلف والأئمة في أنّ من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحقّ لم يعذب به )).

ـآليآسمين
2014-09-06, 01:59 AM
نقل موفق أخي ـآلفاضل
جزاكمـ الله خيرا , وأسبغ عليكمـ ـآلنعمـ
:111:

الحياة أمل
2014-09-06, 10:21 AM
أحسن الله إليكم
وزآدكم من فضله ...~