المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاشتباه في مسألة التّقصير في طلب العلم


ابو الزبير الموصلي
2014-09-05, 11:06 PM
الاشتباه في مسألة التّقصير في طلب العلم:منجزة
فرَّق بعض العلماء للعذر بالجهل بين من كان في دار الإسلام ومن كان في دار الكفر،وهو تقسيم وإن كان صحيحا في زمن ما فإنه تغيَّر في الأزمان المتأخرة،ذلك أنّ في كثير من ديار الإسلام العلم الصّحيح غير منتشر ولا شائع، وقد يجد المسلم اليوم في أوروبا أو يلتقي بمن يعلمه الصّواب، ولا يكون متوفّرا له في دار الإسلام حيث البدع غالبة .
فإن كان المعتبر في التّفريق بين دار الإسلام ودار الكفر هو انتشار الخطاب الشّرعي الصّحيح فالأولى أن نفرّق بين دار العلم ودار الجهل، بين دار السّنة ودار البدعة، ، هذا هو التّفريق الصّحيح لأنّه يدور مع علّة التّفريق الأوّل أي:وجود العلم والتَّمكُّن منه.
والجهل قد يكون في بعض الصّور كالضّروريّ للعاميّ الّذي لا يملك وسائل رفعه عن نفسه فيكون عدم عذره بالجهل لأنّه مقصِّرٌ في طلب العلم كتكليف مالا يُطاق بحيث أنّنا نكلّفه عَرض أقوال شيوخه أو ما تلقّاه عن والديه على أدلّة الكتاب والسّنة أو المقارنة بينها وبين علماء ليسوا في ظنّه كذلك والتّرجيح بينها، ولا نفرِّق بين النّاشئ في بيئة سنية والنّاشئ في بيئة بدعيّة عما يوجب استقامة التلقّي لا يكون فيها لعلماء السّنة كبير رونق، فنكلّفه فهم ما لا يفهم من الأقوال ؟
فَمَنْ بَعُدت أهليّته بهذه المثابة يكون لومه على التّقصير في طلب الحقّ من قسم تكليف ما لايطاق.ذكر أحمد الحكمي(غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنّظائر:(3/304)) مسألة فقال:
(( وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً فِي زَمَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قِيلَ لَهَا: إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَتْ: لَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ عِبَادُهُ فَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:مَا كَفَرَتْ فَإِنَّهَا جَاهِلَةٌ،فَعَلَّمُوهَا حَتَّى عَلِمَتْ)).
ذلك أنّ كلّ عاقل - كما قال العلماء - لا يُقْدِم على فعل أو يحجم عنه إلاّ لاعتقاده نفعا أو دفعا،والاعتقاد لا يكون إلاّ عن علم أو ظن،والعلم لا يكون إلاّ عن دليل،والظّن لا يكون إلاّ عن أمَارة،والعقول ـ خاصة عقول العوام ـ مجبولة على أن لا تَقبَل قولاً من الأقوال إلاّ لظنّ صدقه أو العلم به، ولا ترده إلاّ لظن كذبه أو العلم بكذبه،وظنّها صدق القول أو كذبه أو العلم بهما يتوقّف على الدّليل والأمارة، ولهذا كان قول من لم يعذر بالجهل ضعيفا موافقا لكلام السّابقين(المتقدّمين) في اللّفظ مخالفا لهم في المعنى،حيث لم يفرِّق بين الجهل البسيط والجهل المركب،وظنّ أنّ العوام الّذين يستغيثون بالقبور يفعلون هذا من تلقاء أنفسهم وتشهيًّا،وغفل عن كونهم أصحاب جهل مركّب لأنهّم تلقّوا مقالات علميّة باطلة ظنّوها صدقا أو علما، وظنّوا أنّ المخبر بها صادق أو عالم.
فمن فهم هذه المسألة انحلّت عنه شبهات القضية.
وإذا جاز أن يَعلم بعضُ النّاس دليلا يجهله غيرهم لتفاوت النّاس في العلم كان المتَّعلِّقُ بعدم الدّليل متعلقا بالجهل، والجهل لا يكون حجّة على أحد بل يكون عذرا له في الامتناع عن الحكم.
وعندما يقول بعض العلماء: لا يعذر بالجهل إلاّ في زمن النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأنّ الأحكام لم تكن مستقرّة آنذاك و يؤوّلون الأحاديث الّتي وردت في العذر بالجهل؟
نقول لهم: هذا التّعليل مجمل ذلك أنّنا نجد من جهل الحكم الشّرعي وقد استقرّ حكمه قبل وفاة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبعد وفاته، ككثير من الأحكام الّتي أنكرها بعض الصّحابة حتّى أُبلِغُوا بها ولم يغيّروا رأيهم،كما هو قول ابن عباس في المُتعة .
ونعرف اختلاف الصّحابة في الجدِّ و الإخوة، ونقول: إذا اختلف الصّحابة لا نخرج عن أقاويلهم، وننظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسّنة، وكلّ اختلافاتهم كانت بعد أن استقرّت أحكام الشّريعة، ومع ذلك عُذر المخطئ منهم.
وقد ضَرَبَ شيخُ الإسلام على ذلك عدّة أمثلة منها:
1-مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي(صَحِيحِهِ) عَنْ قتادة،عَنْ عكرمة قَالَ: " ((صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً،فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَأَحْمَقُ،فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ،سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صلَّى الله عليه وسلَّم)).
وَفِي رِوَايَةِ أبي بشر عَنْ عكرمة قَالَ: ((رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ،وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ،فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لَا أُمَّ لَكَ؟)).
فهذا عكرمة جهل حكم الجهر بعد التّكبير وأنكره بعد استقرار الأحكام (؟)
2-لَمَّا سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ قَالَ: ((مَالَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ،وَمَا عَلِمْت لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ شَيْءٍ،وَلَكِنْ اسْأَلْ النَّاسَ،فَسَأَلَهُمْ. فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة{فَشَهِدَا أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَعْطَاهَا السُّدُسَ))وَقَدْ بَلَّغَ هَذِهِ السُّنَّةَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍأَيْضًا.
3-وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ سُنَّةَ الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهَا أَبُو مُوسَى الأَشْعريُّ وَاسْتَشْهَدَ بِالْأَنْصَارِ. وَعُمَرُ أَعْلَمُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ.
4-وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا،بَلْ يَرَى: أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ،حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ –وَهُوَ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى بَعْضِ الْبَوَادِي- يُخْبِرُهُ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا))فَتَرَكَ رَأْيَهُ لِذَلِكَ،وَقَالَ: ((لَوْ لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِخِلَافِهِ)).
5-وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حُكْمَ الْمَجُوسِ فِي الْجِزْيَةِ،حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: ((سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)) .
6-وَلَمَّا قَدِمَ سَرْغ وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ بِالشَّامِ،اسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الّذين مَعَهُ،ثُمَّ الْأَنْصَارَ،ثُمَّ مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ،فَأَشَارَ كُلٌّ عَلَيْهِ بِمَا رَأَى،وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِسُنَّةٍ،حَتَّى قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فِي الطَّاعُونِ،وَأَنَّهُ قَالَ: ((إذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا،فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ،وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ))
7-وَتَذَاكَرَ هُوَ وَ ابْنُ عَبَّاسٍ}أَمْرَ الّذي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ،فَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ،حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أنَّهُ يَطْرَحُ الشَّكَّ،وَيَبْنِي عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ)).
فإن قالوا: لم تكن النّصوص قد جُمعت بعد إلاّ في طبقة البخاري ؟
قلنا: عدم العلم ببعض المسائل كان قبل جمع النّصوص وبعد جمعها، فكيف بحال العوام، فحجّة استقرار الأحكام عديمة التّأثير في صاحب الجهل المركّب ضرورة.
وقد وجد من العلماء من فاتته بعض الأحكام قرونا بعد استقرار الشريعة،وقد يقاس و يقال: هذه كلها في الأحكام؟
،قلنا: لأنهم فهموا التوحيد أكثر من غيرهم بحكم سليقتهم و معايشتهم للنبي صلى الله عليه و سلم.

بقلم مختار طيباوي

ـآليآسمين
2014-09-06, 06:03 PM
طرح موفق
جزاكمـ الله خيرا وباركـ في رزقكمـ
:111:

روز
2014-09-06, 06:07 PM
جزاك الله خيرا كثيرا اخي العزيز و ربنا ما يحرمنا من ابداعاتك