المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأَهْوَاءُ المُقَنَّعَةُ (وعَمَهُ الأَفْكَارِ)


ابو العبدين البصري
2013-02-27, 08:23 PM
سلسلة: درك البصيرة للنجاة من الفتن الخطيرة (17)
الأَهْوَاءُ المُقَنَّعَةُ
(وعَمَهُ الأَفْكَارِ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .
أما بعد:
فإن الموفق من العباد يدرك أن الهوى إذا تمكن من قلب صاحبه فإنه يدخل معه في مرحلة (العمه الفكري)، وهو: تفكيره المستمد من مادة فساده، فيبقى في ظلمات الهوى كالذي يدور في حلقة مفرغة، قد سدت عليه منافذ النجاة، ولا عاصم إلا الله .
وهذا العمه الفكري قد يكون (كلياً عاماً)، وهو حال الكافر والمنافق، كما قال – تعالى - :{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] . وكقوله:{ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ } أي: الجهالات، والأهواء، والضلالات المتفرقة، { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } أي: لا يهتدي إلى منفذ، ولا مخلص مما هو فيه" قاله ابن كثير في تفسيره : (3/330) .
وقد يكون (جزئياً) في بعض أقواله وأعماله مما دخل عليه فيها الهوى، وهذا يصدر من أهل البدع والفجور من هذه الأمة – نسأل الله السلامة من مضلات الفتن - .
وهذا النوع من العلل يوجب (انطماس الفطرة)، (وذهاب نورها) أو بعض ذلك، فيُزَيَّن لصاحبه عمله السيئ حتى يراه حسناً، والناس – هنا – على ضربين :
 فمنهم من يفعله وهو عالم بقبح ما يأتي، وتكون رؤيته لحسن عمله من جهة كونه يحفظ بذلك مصالحه الدنيوية، ومنافعه الشخصية ، فهو يستحسن عمله من جهة مقاصده لا من جهة ذات العمل لعلمه بقبحه، وهذا من جنس اليهود في الغضب .
 ومنهم من يفعله، وهو مُلَبَّسٌ عليه أن ما يفعله حسن، وهذا من جنس النصارى في الضلال .
فصاحب هذا الداء إما أن يتظاهر بخلاف باطنه – مكراً -، وإما أن يُلَبَّس عليه أمره فيتطلب النجاة بنفس العمل الموجب لهلاكه – ضلالاً - .
وتأمل: قوله - تعالى -: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} . نزلت في (الجد بن قيس) المنافق فالفتنة التي فر منها - بزعمه - هي فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن ، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر .
فنفس مرضه القلبي (مرض النفاق) هو الذي أمده بقناع {وَلَا تَفْتِنِّي}، فلهذا هو يدور في فلك كفره ونفاقه { أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا }.
وههنا لطيفة مهمة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " ولما كان في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، من (الابتلاء، والمحن) ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من (يتعلل) لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة "
إلى أن قال: " قِسْمٌ يَأْمُرُونَ، وَيَنْهَوْنَ، وَيُقَاتِلُونَ ؛ طَلَبًا لِإِزَالَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي زَعَمُوا (وَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِتْنَةً) ؛ كَالْمُقْتَتِلِينَ فِي الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ . وَأَقْوَامٌ يَنْكُلُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقِتَالِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ (الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، (وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) ؛ لِئَلَّا يَفْتِنُوا وَهُمْ قَدْ سَقَطُوا فِي الْفِتْنَةِ " (مجموع الفتاوى:28/168) .
ومن صور هذا الهوى المقنع وتطبيقاته العملية :
• ما قاله الفضيل – رحمه الله - : " الرجل يقول: (سبحان الله) وأخشى عليه بذلك النار. وهو الذي يستمد بذلك الغيبة إذا سمعها "(محاضرات الأدباء ص/178).
فهو يستعمل تنزيه الله سلماً للنفوذ إلى غرضه الفاسد من الوقوع في الغيبة، فيُلْبس هواه قناع التنزية، وهو في عماية فتنة الهوى يتخبط .
• ومنه ما حكاه أبو الحسن الماوردي – رحمه الله - فقال: " فَأَمَّا الْحُمْقُ الصَّرِيحُ ، وَالْجَهْلُ الْقَبِيحُ ، فَهُوَ مَا حُكِيَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ جَلَسَ فِي حَلْقَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ يُقْرِئُ النَّاسَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ جَلَسْتُ إلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْتَ لِتَسْمَعَ . قَالَ : لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَتَوَاضَعَ لِلَّهِ بِالْجُلُوسِ إلَيْكُمْ .
فَهَلْ يُرْجَى مِنْ هَذَا فَضْلٌ أَوْ يَنْفَعُ فِيهِ عَذَلٌ " (أدب الدنيا والدين ص/292) .
فتأمل حاله عند فراره من (الكبر) بقناع: (أتواضع لله)، الذي كشفه قوله: (بالجلوس إليكم)، فهو (مترفع عليهم في قلبه)، لكونه يرى مجلسهم مجلس الوضعاء لذلك قصده لدفع كبره، فما أعظم ما مكر به .
• ومنه ما ذكره شيخ الإسلام: "وَلَقَدْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ خَلْوَةً لَهُ تَرَكَ فِيهَا الْجُمُعَةَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَلَيْسَ الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ : إذَا خَافَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ ؟ فَقَالَ لَهُ : بَلَى فَقَالَ لَهُ : فَقَلْبُ الْمُرِيدِ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ - أَوْ كَمَا قَالَ - وَهُوَ إذَا خَرَجَ ضَاعَ قَلْبُهُ فَحِفْظُهُ لِقَلْبِهِ عُذْرٌ مُسْقِطٌ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ . فَقَالَ لَهُ : هَذَا غُرُورٌ بِك الْوَاجِبُ الْخُرُوجُ إلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْغُرُورَ الْعَظِيمَ كَيْفَ أَدَّى إلَى الِانْسِلَاخِ عَنْ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ انْسَلَخَ عَنْ الْإِسْلَامِ الْعَامِّ كَانْسِلَاخِ الْحَيَّةِ مِنْ قِشْرِهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ .(مجموع الفتاوى:15/20).
وحاله يُثير العَجَب من كل مناحي الفكر، (فنبع هواه) الانسلاخ عن الأحكام الشرعية، فاستعمل شكل القياس الفقهي في (قناع هواه)، ليزعم أنه يريد حفظ دين قلبه بالانسلاخ منه .
• ومنه ما رواه البيهقي في «شعب الإيمان» أن الفضيل بن عياض يقول: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما) انتهى.
قال النووي رحمه الله : (ومعنى كلامه أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس، فهو مراءٍ، لأنه ترك العمل لأجل الناس ...) انتهى.
فالباعث على ترك العمل (طلب مدح الناس) حتى لا يقال عنه مراءٍ، فصار الترك رياءً .
• ومنه ما ذكره ابن القيم – رحمه الله – بقوله: " وقعت مسألة ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبها بقلبه واشتد عليه الأمر فقالت له نفسه هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها فهل يجوز له تعمد النظر ثانيا لهذا المعنى ؟"
فمما أجاب به: "أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس ومعلوم أن الثانية أشد سماً فكيف يتداوى من السم بالسم " ...إلى أن قال:" يتبين بضرب مثل مطابق للحال وهو أنك إذا ركبت فرساً جديداً فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ، ولا يمكنها تستدير فيه للخروج، فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلاً قبل أن يتمكن دخولها، فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر، وإن توانيت حتى ولجت وسقتها داخلاً، ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك، أو تعذر خروجها " (روضة المحبين ص/94) .
فانظر إلى صاحب السؤال يريد أن يُنَظِّر للهوى المقنع، ويستدل له ويخرجه على قواعد التزاحم والتدافع بين المصالح والمفاسد، والموجب الحقيقي للنظرة الثانية هو (مرض القلب) والشهوة الفاسدة – قصداً أو جهلاً - ، وعلى قاعدة:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
وحاصل عمه الأفكار أنه انطماس بصيرة القلب عند النظر في أموره فتخرج النتائج من جنس علل القلب وأمراضه – مكراً، أو ضلالاً – فتنغلق عليه منافذ نجاته، لتراكم ظلمات الهوى على قلبه، فإن تحرك تحرك بمقتضى هواه – قصداً أو جهلاً - ،{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاًً}.


لفضيلة الشيخ :
ابي زيد العتيبي.

ابو الزبير الموصلي
2013-02-27, 11:49 PM
بارك الله فيكم اخي الفاضل

طوبى للغرباء
2013-02-28, 10:57 AM
بارك الله بك اخ ابو العبدين
وجزا الله الشيخ ابو زيد العتيبي كل خير
ونفع بكم

الحياة أمل
2013-02-28, 08:10 PM
[...
بآرك الله فيكم ~ ونفع بكم
وكتب ربي أجر الشيخ
::/

ابو العبدين البصري
2013-02-28, 10:58 PM
بارك الله فيكم جميعا.
وشكر الله حضوركم.

لحن الوفاء
2013-03-01, 03:15 AM
جزاكم الله خير وكتب الله اجركم

ابو العبدين البصري
2013-03-19, 10:59 PM
جزاكم الله خير وكتب الله اجركم
وجزاكم مثله بارك الله فيكم.

بنت الحواء
2013-03-21, 10:55 PM
جزاك الله خيرا
بارك الله فيك