المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجهل مانع من موانع تكفير المعين


الفهداوي
2014-12-05, 04:43 PM
من الخطأ البين عدم الأخذ بالاعتبار الأعذار التي تمنع الحكم على المعين بالكفر، مع أن هذه القضية قد تكلم فيها العلماء جميعاً ونصوا على اعتبارها وطبقوها ونظّروا لها، وفي هذا المطلب سأبين الموانع التي تمنع من إطلاق التكفير، والتي ينبغي الإلمام بها ومعرفتها ومنها ( مانع الجهل ) .
أولاً: الجهل:-
يأتي الجهل بعدة معاني:-
1 - خلو النفس من العلم.
2 - اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
3 - فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أم فاسداً.
ومقصود العلماء بالجهل الذي يعذر صاحبه أو لا يعذر هو أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً بخلاف ما حقه أن يفعل، أو يعتقد اعتقاداً بخلاف ما هو عليه من الحق (نواقض الإيمان الاعتقادية 1/ 225).
والجهل من الأعذار التي تمنع إطلاق الكفر على:-
1 - من جهل حكماً يكفر بجهله أو إنكاره ولكنه لم يبلغه.
2 - أو بلغه ولم يفهمه.
3 - أو فهمه ولكن قام لديه معارض، فيما يصح أن يكون معارضاً.
4 - الجهل تقليداً، بمعنى أن يقلد في عقيدته غيره لقصور نظره، وهذا الصنف أحق بالعذر من غيره لعجزه، وتكليفه خلاف ذلك تكليف لا يطاق، وهذا إذا كان في بلد يغلب فيها الجهل أو المعتقدات الباطلة، ما لم تكن في أصل الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
إن "الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، فليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب إن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبى صلى الله عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" (مجموع الفتاوى 35/ 166)
وقد دلل علماء الإسلام لاعتبار الجهل عذراً بالأدلة الكثيرة أذكر منها:-
1 - قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما) (النساء65) وقوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء15).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لكن من الناس من يكون جاهلاً ببعض هذه الأحكام جهلاً يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى -وذكر الآيتين السابقتين- ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية" (مجموع 11/ 406)
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه ففعلت، فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك فغفر له" (البخاري 3/ 1283 مسلم 4/ 2110).
"فهذا رجل شك في قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك" (مجموع الفتاوى 3/ 231)
قال الخطابي: "قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟
والجواب أنه لم ينكر البعث، وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله" (فتح الباري 6/ 522)
قال ابن عبد البر: "وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته فليس ذلك بمخرجه من الإيمان" (التمهيد18/ 46).
هذا وقد حاول بعضهم تأويل هذا الحديث على غير ظاهرة، وتمحلوا له معاني تخرجه عما يدل عليه مع التكلف الواضح في ذلك، وفي هذا مخالفة لصريح الحديث، وتضييق لرحمة الله وقد رد العلماء هذه التأويلات وفندوها، وكان من بين الرادين والمناقشين لها الإمام ابن حزم وبحدته المعروفة (انظر الفصل3/ 252).
3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟
قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟
قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (البخاري 4/ 1672 ومسلم 1/ 164)
فبعض الصحابة لم يكن يعلم أن الله يرى في الآخرة، وإلا لما سألوا.
وهنا أشير إلى قضايا متعلقة بما نحن فيه تجري مجرى القواعد والأصول:-
1 - الجهل أمر أصلي ينبغي رفعه حسب الاستطاعة:-
قال ابن عبد البر: "ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم" (التمهيد 4/ 140)، وهذا يدخل في عموم الأمر في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء7) فعلى الجاهل أن يسأل العلماء الربانيين ليزيل الجهل عن نفسه.
2 - كل جهل يمكن للمكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل:-
وهذه القاعدة ناتجة عن الأولى، إذ إن سؤال العلماء إذا تيسر واستطاع الجاهل ذلك ولم يكن هناك حائل أو مانع فلا يكون -والحالة هذه- للجاهل حجة في جهله وعدم علمه.
وقد جاءت هذه القاعدة في سياق كلام للقرافي حين قال: "القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وواجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلاً فقد عصى معصيتين لتركه واجبين" (الفروق 2/ 264).
3 - الإثم مرفوع عن الجاهل:-
ساق ابن عبد البر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الله حرمها، قال: لا ... الحديث (مسلم 3/ 1206)، قال بعد ذلك: "وفي هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم قال الله عز وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء15) وهذا الإثم مقيد بما سبق بمعنى أن الإثم مرفوع عن لم يستطع رفع الجهل عن نفسه لوجود موانع يأتي ذكر بعضها (التمهيد 4/ 140).
4 - ما يكفر به بعض الناس قد لا يكفر به آخرون:-
مما سبق يظهر جلياً أن الجهل عذر بيد أن هذا العذر أمر نسبي إضافي، فما يجهله أناس قد يكون بدهياً عند آخرين، كالمسلم حديثاً ولم يعرف بعد من أحكام الدين إلا القليل، أو من نشأ في بلدة يغلب عليها بعض العقائد الفاسدة المخرجة من الملة، أو من نشأ في بادية ليس فيها علماء.
قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من دعا غير الله وحج إلى غير الله فهو مشرك والذي فعله كفر لكن قد لا يكون عالماً بأن هذا شرك محرم كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتر وغيرهم وعندهم أصنام لهم، وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام ... فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام، ولا يعلم أنه شرك" (الرد على الإخنائي62،61)
أما تقدير كون منطقة ما بادية أو لا فهو أمر يعود إلى العلماء، ذلك أن البادية يختلف ضبطها من مكان لآخر ومن منطقة لأخرى.
ومقصود العلماء بالعالم في البادية الذي يتمكن الجاهل من سؤاله ليس هو المتبادر إلى الذهن من أنه العالم العرفي أي الملم بمعظم أحكام الشريعة، بل المراد من يعلم حكم المسألة التي يجهلها الجاهل، ولتوضيح هذه النقطة نمثل بمثال فقهي وهو أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وهناك جاهل لا يعرف ولا يعلم كيفية قراءتها، قال العلماء إن كان في بادية ليس فيها علماء يسقط عنه إثم عدم القراءة ولا تجب عليه الإعادة، فإن وجد عالم فيجب عليه التعلم عنده، فإن لم يفعل بطلت صلاته التي أداها في وقت كان يستطيع أن يتعلم ولم يتعلم، والعالم المسؤول هنا المراد به هو من يعرف قراءة الفاتحة وليس العالم العرفي.
5 - ليس كل من جهل شيئاً يكفر بإطلاق:-
إذ إن معرفة الدين جملة وتفصيلاً لا يتم لأحد ولا حتى لأكابر العلماء، ولهذا إذا جهل بعض الناس - وهم كثيرون- بعض أحكام الدين فلا يحكم بكفرهم لأنهم معذورون بجهلهم، وهذا كأن يجهل بعضهم نصيب الأم أو الجدة في الميراث، مع أنه منصوص عليه في القرآن، بل ذكر الفقهاء أنه لا يلزم معرفة هذه المسائل لمن لم يمارسها أو يدخل في حكمها، فمن لا يمارس التجارة لا تجب عليه معرفة أحكامها فإذا مارسها وجبت، وهكذا.
( جمع العبد الفقير ) .
والله تعالى أعلم .. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
يتبع المانع الثاني ( العذر بالخطأ )
روابط موضوعات موانع التكفير

:111:

الجهل مانع من موانع تكفير المعين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=23866)
:15:
العذر بالتأويل مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26139)
:15:
الخطأ مانع من موانع التكفير مع سلامة القصد (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=24100)
:15:
العذر بالإكراه مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26197)

:15:

العذر بالتقليد مانع من موانع التكفير بضوابطه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26343)
:15:
التفريق بين مسائل العقيدة ومسائل الأحكام في مسألة التكفير وموانعه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26385)

:15:
التفريق بين فعل الكفر والحكم بكفر الفاعل (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=27197)

الحياة أمل
2014-12-06, 01:58 PM
بآرك الرحمن فيكم على الطرح القيّم والعرض الوآضح
وقد زلّ البعض في اطلآق الحكم بالتكفير دون مرآعآة للشروط والموآنع !
أحسنتم .. وننتظر بقية الموضوع ...~

ياس
2014-12-07, 02:28 AM
بارك اللة فيك اخي الفهداوي انة لشرح وافي وكافي واسال اللة العظيم ان يجعله في ميزان حسناتك انه شرط مهم من شروط التكفير وياحبذا لو اكملت الشروط والموانع وتجعلها في سلسة شروحات يستفيد منها القارئ .
اخي العزيز كثير من المسلمين وللاسف لايميزون او لايستطيعون التفريق بين العلم والجهل والوهم والظن والشك واقول وباللة التوفيق
العلم:هوادراك الشئ على حقيقته ادراكاً جازماً.
الظن:هو ادراك الشئ على حقيقته مع احتمال ضد مرجوح.
الشك:هو ادراك الشئ على حقيقتة مع ضد متساوي.
الوهم:هو ادراك الشئ على حقيقته مع احتمال ضد راجح.
الجهل:هو عدم ادراك الشئ على حقيقته ادراكاً جازماً.

ويقسم الجهل الى قسمين يندرج تحتهما ماسبق من شرحك:


الجهل المركب:وصاحبه الساعي لطلب الحق ولكنه وقع في قول او فعل مكفر وهذا معذورٌ بجهله مالم تقم عليه بينة او بقي جاحدا بعد اقامة البينة عليه.
الجهل البسيط:وصاحبه الذي لم يسعى لطلب الحق ووقع في قول او فعل مكفر فهذا غير معذور بجهله وليس على اطلاقة على ماسبق من تفصيل لديك.

فالعلماءومنهم المشهود لهم بالعلم وطلبة العلم والعالم بالمسالة المعينة جهلم يكون في القسم الاول ولايقيم الحجة عليهم الا من هو في مرتبتهم او عالم في المسالة المعينة وان قامت عليهم البينة وجحدوا الحق فيكفروا اذا كان فعلا مكفرا وياثموا اذا كان ما دون.

الفهداوي
2014-12-18, 11:09 PM
آمين آمين جزاكم الله خيرا وشكر لكم مروركم

لحن الوفاء
2014-12-19, 01:25 AM
جزاكم الله خيرا

الفهداوي
2014-12-19, 08:06 PM
وجزاكم وشكر لكم مروركم

الفهداوي
2015-03-11, 12:42 AM
قريبا ان شاء الله التأويل مانع من موانع التكفير