المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بَيَانُ عَقِيدَةِ (الإِمامِ الشَّاطِبيِّ) فِي المهديِّ المُنتَظَر!!


ابو الزبير الموصلي
2013-03-06, 12:50 AM
بَيَانُ عَقِيدَةِ (الإِمامِ الشَّاطِبيِّ) فِي المهديِّ المُنتَظَر!!




كتبه: علي أبو هنيَّة




الحمد لله حقَّ حمده, والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه وعبده, وعلى آله وصحبه ووفده, وبعد:
فأثناء بحثي وكتابتي في مسألة (المهدي المنتظر), وقفت على كلام ظاهره إنكار المهديِّ لأحد المتقدِّمين من العلماء الأجلاء, من الذين لم أجد من تعرَّض لذكره بين المنكرين ممن ألَّف في المهدي(1)؛ وهو الإمام الشَّاطبيُّ -رحمه الله- صاحب الكتابين العظيمين: «الموافقات» و«الاعتصام»! فقد قال في معرِض كلامه عن (ابن تومَرت), ونقدِه, وبيانِ ضلاله: «وقال(2) في الكتاب المذكور(3) : «جاء الله بالمهدي(4), وطاعته صافية نقيَّة, لم يُرَ مثلها قبل ولا بعد, وأنَّ به قامت السماوات والأرض, وبه تقوم, ولا ضدَّ له, ولا مثل, ولا ند». انتهى.
وكذب؛ فالمهديُّ عيسى -عليه السلام-(5)».اهـ(6)
قلت: وهذا عين ما انتقده شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على أبي محمد بن الوليد البغدادي في كتابه «منهاج السنة» (8/136-137), فقال: «وهذه الأحاديث [أي: أحاديث المهدي] غلط فيها طوائف؛ طائفة أنكروها واحتجُّوا بحديث ابن ماجه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»,وهذا الحديث ضعيف, وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي و(غيره) عليه, وليس مما يعتمد عليه..».اهـ
قلت: ولا شكَّ أنَّ الإمام الشاطبي -رحمه الله- من هذا الـ(غير), وإن لم يكن شيخ الإسلام يعنيه ويقصده, وإلا فهو داخل في هذه الطائفة من المنكرين للمهدي, والمحتجِّين غلطاً بحديث ضعيف منكَر يخالف كلَّ ما صحَّ في المهدي..
والعجيب في الأمر! أن شيخنا العلامة المحدِّث عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله- حاول إثبات عكس ذلك أثناء ردِّه على ابن محمود القطري!(7) المنكِر للمهدي وأحاديثه!! فذكر أن الشَّاطبيَّ أراد بكلامه عن أهل الأهواء والبدع -الذين ضلُّوا لاتباعهم الرجال وإعراضهم عن الحق, أراد به-: أتباع مهدي المغرب (ابن تومَرت), وليس علماء أهل السنة الذين صحَّحوا أحاديث المهدي واحتجُّوا بها كما زعم ابن محمود, وذلك واضح في قول الشَّاطبي: «والثاني: رأي الإماميَّة في اتِّباع الإمام المعصوم -في زعمهم- وإن خالف ما جاء به النبيُّ المعصوم حقًّا, وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-, فحكَّموا الرجال على الشريعة, ولم يحكِّموا الشَّريعة على الرجال, وإنما أنزل الكتاب ليكون حكماً على الخلق على الإطلاق والعموم.
والثالث: لاحق بالثاني.. وهو مذهب الفرقة المهدويَّة التي جعلت أفعال مهديهم حجَّة -وافقت حكم الشريعة أو خالفت-, بل جعلوا أكثر ذلك أنفحةً في عقد إيمانهم, من خالفها كفَّروه, وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي».اهـ(8)
وأنَّ أحاديث المهدي في سنن أبي داود وجامع الترمذي لا تنطبق على هذا الدَّجَّال, وهذا أمر مسلَّم لا نختلف فيه, ولكن الذي يحيِّر أن الشَّاطبيَّ لم يُشِرْ أدنى إشارة إلى صحَّة هذه الأحاديث -وإن كان لم يقل بضعفها أيضاً, ولكن إثبات مهدويَّة عيسى -عليه السلام- يغني عن ذلك!- ومرَّ عن ذكرها مرور الكرام بقوله عن (ابن تومرت): «وهذا كما نزَّل أحاديث الترمذي وأبي داود في الفاطمي على نفسه وأنه هو بلا شك..». (9) هذا من جهة, ومن جهة أخرى: لا يوجد أيُّ وجهٍ صحيح لتعليل عبارته: «فالمهديُّ عيسى -عليه السلام-»! وهي التي لم يتعرَّض لها الشيخ العبَّاد بتاتاً, فقال في خاتمة كلامه حول هذه المسألة: «وبهذا يتَّضح أن الشَّاطبيَّ -رحمه الله- لم يقل بتضعيف أحاديث المهدي, ولم يصف القائلين بثبوتها بأنهم من أهل البدع, بل إنَّ ما حكاه عن المتمهدي المغربي من أنه نزَّل أحاديث الترمذي وأبي داود في الفاطمي على نفسه, وأنَّه هو بلا شك, دون أن يشير إلى تضعيف الأحاديث في ذلك, يشعر بأنَّه يعتبر خروج المهدي في آخر الزمان أمراً ثابتاً».اهـ(10)
وقد تَابِعَ شيخَنا الأستاذَ العبَّاد في هذا الشيخُ محمد إسماعيل المقدَّم -حفظه الله- في كتابه الفذّ «المهدي» (ص67), فقد ذكر الشاطبيَّ من بين العلماء الذين صحَّحوا أحاديث المهدي! وهو خطأ.
ونحن مع شيخنا العبَّاد -حفظه الله- في ردِّه على مقولة ودعوى المنكِر للحق ابن محمود في قوله: «وممَّن انتقد هذه الأحاديث:...الشاطبيُّ صاحب كتاب الاعتصام, فقد ألحق المهديَّة والإمامية بأهل البدع, ويعني بالمهديَّة الذين يصدِّقون صحَّة خروج المهدي».
يريد بذلك الطَّعن في أهل العلم, ونسبةَ ذلك الطَّعن إلى الشَّاطبيِّ, والإمام الشَّاطبيُّ -بلا شكٍّ- عندنا أجلُّ من ذلك بكثير, ومع ذلك نقول: إن إنكار الشَّاطبيِّ للمهديِّ, أو توقُّفَه وسكوتَه الذي لا معنى له في صحة أحاديثه, أو اضطراب المسألة عنده -على أقل تقدير-؛ لا يعني ذلك عدم صحة هذه العقيدة بحال من الأحوال, خاصة وأنها ثابتة بالتواتر, وقرَّرها جمع من أهل العلم -كما تقدَّم-, ولكن لكلِّ عالم زلَّة وهفوة لا تحطُّ من قدره عند أهل الفضل, ولا تغضُّ من علمه عند أهل العقل, بل يغفرها الله له بعظيم فضائله السَّائرة, وبحور حسناته الزاخرة, وكما قيل: البحر لا تكدِّره الجيف, وإذا بلغ الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث, ولكنَّ القاعدة المقرَّرة عند أهل العلم تقول: (من علم حجَّة على من لم يعلم), والشَّاطبيُّ حبيبنا, ولكنَّ الحق أحبُّ إلينا, فتبقى عبارته السابقة -غفر الله لنا وله- قائمةً لا يمكن تأويلها, ولا يسهل تحويلها, والله أعلم بالصواب.
وأعود فأقول: وإذا كان قد صحَّ عند الشاطبي حديث: «لا مهدي إلا عيسى», فذلك يعني اضطراب هذه المسألة عنده, لعدم وجود شكٍّ في ضعف هذا الحديث عند أهل الاختصاص, ولمخالفته للأحاديث الصحيحة في إثبات المهدي, حتَّى على تأويل القرطبي وغيره له(11)! على فرض صِحَّته, فنرجع -حينها- إلى من لم تضطرب عندهم عقيدة المهدي من علماء أهل السنة والأثر.
وقد وجدتُ صاحب كتاب: «الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام»(12) قد تنبَّه إلى ذلك, فذكر من مخالفات الشَّاطبي في: (الفصل الثالث): «إنكار المهدي», وساق عبارة الشاطبي هذه, ثم ردَّ عليها.
ثم إنني وقفت -مع بالغ الأسف- على ما يؤيِّد ما ذهبتُ إليه, ولا يدع مجالاً للشَّك, وهو كلام للشَّاطبيِّ -رحمه الله- يثني فيه على سيرة بعض سلاطين الموحِّدين, وتغييره لما درج عليه مَن قَبله من السَّلاطين من المنكرات- قال: «وقد كان السُّلطان أبو العُلَى إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي منهم ظهر له قُبْحُ ما هم عليه من هذه الابتداعات, فأمر -حين استقرَّ بمراكش- خليفةً بإزالة جميع ما ابتدَع مَن قَبْله, وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر فيها بتغيير تلك السِّيَر, ويوصي بتقوى الله, والاستعانة به, والتوكل عليه, وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الحق, وأن لا مهديَّ إلا عيسى, وأن ما ادَّعوا من أنه المهدي بدعة أزالها, وأسقط اسم من لا تثبت عصمته».اهـ(13)
فيتبيَّن بذلك أنَّ الإمام الشَّاطبيَّ -رحمه الله- لا يرى مهديًّا سوى عيسى بن مريم -عليهما السلام-, وعلى ذلك تكون كلُّ الأحاديث الصحيحة المرويَّة في المهدي, وإثبات شخصه ووجوده في آخر الزمان, ليس لها أيُّ اعتبار عنده, حتى لو بلغت حدَّ التواتر, وأن هذا الحديث الضعيف مقدَّم عليها كلِّها.
رحم الله الإمام الشاطبي, وغفر لنا وله..


* * * * *


الحواشي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وإنما يقتصرون على ذكر اثنين فقط, هما: أبو محمد بن الوليد البغدادي, والمؤرخ المشهور ابن خلدون -رحمهما الله-. انظر «منهاج السنة» (8/136-137), و«كتب ورسائل عبد المحسن العباد» (4/317).
(2) أي: ابن تومَرت.
(3) أي: الإمامة.
(4) يقصد نفسه الخاطئة.
(5) قلت: وحجته في ذلك حديث ضعيف هو حديث: «لا مهديَّ إلا عيسى بن مريم».
هذا الحديث رواه ابن ماجه في «سننه» برقم (4029). عن يونس بن عبد الأعلى الصَّدفي عن محمد بن إدريس الشَّافعي عن محمد بن خالد الجَنَدي عن أبان بن صالح عن الحسن البصري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يزداد الأمر إلا شدَّة، ولا الدُّنيا إلا إدباراً، ولا النَّاس إلا شحًّا، ولا تقوم السَّاعة إِلّا على شرار النَّاس، ولا مهديَّ إلا عيسى بن مريم». وكذلك أخرجه الحاكم في «المستدرك» برقم (8363)., ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» برقم (6354)..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وهذا الحديث ضعيف, وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه, وليس مما يعتمد عليه. ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي, والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له: محمد ابن خالد الجَنَدي, وهو ممن لا يحتجُّ به, وليس هذا في مسند الشافعي, وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه, وأن يونس لم يسمعه من الشافعي».اهـ «منهاج السنة» (8/136-137), وانظر: (4/49).
وقد حكم إمام المحدثين في هذا العصر الإمام الألباني -رحمه الله- على هذا الحديث بالنَّكارة, ثمَّ قال: «قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث:
الأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد كان يدلِّس.
الثانية: جهالة محمد بن خالد الجَنَدي, فإنه مجهول؛ كما قال الحافظ في «التقريب» تبعاً لغيره -كما يأتي-.
الثالثة: الاختلاف في سنده».اهـ «الضعيفة» (1/175) حديث رقم (77).
قلت: والاختلاف الذي أشار إليه الإمام الألباني هنا هو: (الاضطرب), فقد رواه الجَنَدي مرَّةً عن أبان بن صالح، ومرَّةً عن أبان بن أبي عياش -وهو متروك-!
وقد حكم جمع من الحفَّاظ على هذا الحديث بالضَّعف والنَّكارة, كالنسائي، والحاكم، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن تيمية، وابن القيم، والمزي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وغيرهم, بل قد حكم بعضهم عليه بالوضع كالصَّغاني -رحمهم الله أجمعين-.
وقد علَّق شيخنا مشهور -حفظه الله- على كلام الشاطبيِّ هذا بقوله: «هذا الكلام غير صحيح؛ فالمهدي غير عيسى -عليه السلام-, هذا ما صرَّحَتْ به الأحاديث الشَّهيرة الصحيحة, ومعتمد هذا القول على حديث منكر, وإسناده ضعيف جدًّا, وهو «لا مهدي إلا عيسى بن مريم», وقد خرَّجته بتفصيل في تعليقي على «التذكرة» للقرطبي».اهـ «الاعتصام» (2/440-441).
(6) «الاعتصام» (2/440) [ط. الدار الأثرية/بتحقيق شيخنا مشهور حسن].
(7) وهو الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر -سابقاً- في كتابه «لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر», وقد ردَّ عليه ردًّا قويًّا كلٌّ من: الشيخ حمود التويجري -رحمه الله- في كتاب خاص سماه: «الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر», وفنّد شبهه ودعاويه, وشيخنا عبد المحسن العباد -حفظه الله- في رسالته: «الرد على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي», وقضى على ما تبقَّى من فلوله, فأذنت شمسُ العبَّاد بغياب كوكبه وأفوله, وهذه الرسالة موجودة في «كتب ورسائل عبد المحسن العباد» في المجلد السابع منها (ص519-643).
(8) «الاعتصام» (3/448).
(9) «الاعتصام» (2/70-71).
(10) «كتب ورسائل عبد المحسن العباد» (7/550).
(11) وذلك في قوله -رحمه الله-: «أي: لا مهدي كاملاً معصوماً إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض».اهـ «التذكرة» (ص516).
(12) وذلك (ص151).
(13) «الاعتصام» (2/73).

الحياة أمل
2013-03-06, 08:25 AM
[...
أحسن الله إليكم
ونفع بنقلكم
::/

نسائم الهدى
2013-03-09, 09:49 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

بنت الحواء
2013-03-11, 04:18 PM
بارك الله فيك
جزاك الله خيرا
في ميزان حسناتك

العراقي
2013-03-17, 03:25 PM
جزاك الله خيرا وبارك فيك
ونسأل الله ان يجعلنا من جنود المهدي -الحقيقي- والمقاتلين تحت لواء الاسلام

ياسر أبو أنس
2013-03-30, 09:26 PM
أبو الزبير الموصلي

بارك الله فيك على هذا الشرح الممتع

ولي وقفة صغيرة معك أخي الحبيب

وهو عبارة " المهدي المنتظر "

حيث أن منهج أهل السنة والجماعة لايسمونه المنتظر فهم لاينتظرونه

كما تعتقد فرقة الرافضة ولكن إن ظهرَ أمره ناصروه وأيدوه وإتبعوه

اسامة الطيب
2013-04-02, 11:03 PM
شكرا بارك الله فيك