المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /المقدمة/د.عثمان قدري مكانسي


نبيل
2015-02-10, 11:40 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

المقدمة

الدكتور عثمان قدري مكانسي

الحمد لله رب العالمين الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسانَ ما لم يعلم .
والصلاة والسلام على المعلّم الأول ، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .
أمّا بعدُ :
فقد كان كتابي ( التربية النبوية ) على صغر حجمه ملفتاً للنظر ، استعرضت فيه بعض أساليب الرسول الكريم والمعلم العظيم في إيصال الفكرة وإبداء المعلومة واضحة مفهومة لأصحابه وتلاميذه رضوان الله عليهم .
ثم رأيت أن أُتِمّ الفائدة في استعراض بعض أساليب القرآن الكريم في التعلّم والتعليم .
ولا يَخفى أن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – لأنه كلام الله العظيم وحبلـُه المتين – بحر زاخر ما تزال العلماء على شواطئه ، تحاول الغوص في لُجَجِه ، وتشتار العلوم والمعارف من خِضَمّه ، وتستقي الفوائد من ثـَرّه المعطاء .
هذا القرآن الكريمُ فيه من الأساليب التعليميّة ما نحن بحاجة ماسّة إليها .
وكنت قد طالعتُ عدداً من الكتب التي تتحدّث بعامّة عن العلم وفوائده ، وتغرف من أساليب القرآن بعضَها ، لكنني لم أجد – على ما أظنّ – كتاباً يتحدّث عن طرائق التعليم في القرآن الكريم بشكل خاص ، بل رأيت شذراتٍ في هذا الكتاب وذاك المؤلَّف .
فقلت لعلّي أكون الرائدَ في هذا المضمار ، فأفتح لإخواني المربين طريقاً واضحاً ، ثم يكملون بهمّتهم رصفه وتعبيده .
كنت أقرأ في صِغَري كل يوم جزءاً من القرآن ، فما عدَوْتُ هذا ، ولكنْ بِتُّ أبحث عن أساليب التعليم وطرائقه في كل جزء ، وأضع أرقامَ الآيات التي تشكّل حجَراتِ البناء لكل أسلوب مجتمعة ، حتى أنهيتُ ما فَقِهتُ منها في مجموعات تحت عنوانات محددة ، هي الأساليب التي هداني الله تعالى إليها .
واستنبطتُ أكثر من تسعين أسلوباً تربوياً ، ثم ضممتُ ما تقارب منها تحت عنوان واحد ، فصارتْ إلى اثنين وسبعين أسلوباً .. ولربما هداني المولى تعالى وأنا أنضّد الكتاب إلى أساليب أخرى فهو الكنز الذي لا تُعَدّ ينابيعه ، ولا تُحَدّ .
وهكذا وجدْتُ نفسي في رياض بِكر ، حلوةِ المذاق لذيذة الجَنى .
وها أنذا أقدم إلى إخواني الكرام طاقة عبقةً وضُمّة نفـّاذة الشذا من أساليب القرآن الكريم في التربية .
وإني ألتمس منهم أن يُقوّموا عملي ، ويرفدوني بآرائهم الصائبة في سدّ نقص ، أو ترميم فكرة ، أو وضعِ لَبِنةٍ تقوّي هذا الصرح التربويّ الرائعَ ،
فإن أحسنتُ فلله الفضلُ والمِنّة ، وإلا فهو حسبي ، وللمجتهد أجرٌ إن أخطأ ، وأجران إن أصاب ، وأسأل الله التوفيقَ والسدادَ .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 12:19 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الثقة بالله واللجوء إليه

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هي الإيمان عينه ، فمن وثق بالله آمن به ، ومَنْ آمن به توكل عليه ، ومَنْ توكل عليه نال رضاه ، ولله المنُّ والفضل ، إليه يرجع الحمدُ ، ومنه الخير كله .

ولذلك يبدأ الإنسان صلاته بالفاتحة ، ففيها الاعتراف بألوهيته وربوبيته ، وفيها الالتجاءُ إليه وعبادتُه .
(( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ))(1) .

وهو الذي يعطي ويمنع ، ويرفع ويخفض : (( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ))(2).
فإذا كان كل شيء بيد الله ، فأحرى بنا أن نقصده وحده لا شيء غيره .

ويخبرنا القرآن الكريم أن أنبياء الله جميعاً كانوا خِيرة الناس الذين توكلوا على الله في دعوتهم إليه سبحانه ، فكان لهم العونَ ونصرهم على أعدائهم ، وأقرّ أعينهم ، وجعلهم قدوة الناس .

فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علمه ربه أن يلجأ إليه ويستعيذَ به من شر خلقه :
(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ))(3) ،
(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ))(4) .

وإن حاول الشيطان صرف القلوب عن الحق والذكر ، استعاذ المسلم منه بالله سبحانه : (( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) ))(5) .

وهذا موسى عليه السلام يستعيذ بالله من الكفار المعاندين : (( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) ))(6) .

ويعيش المسلم هادىء النفس حين يلجأ إلى الله من وسوسات الشياطين وفسادهم : (( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) ))(7) .

وهذه مريم العذراء دخل عليها جبريل ، فاستعاذت بالله من أمرٍ قد يسيء إليها : (( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) ))( 8) .

ودعا إبراهيم عليه السلام قومَه إلى عبادة الله سبحانه وحده ، فأبوا ذلك فخوّفهم عذابه وبطشه : (( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ))(9) .
وقيل : إن جبريل عليه السلام نزل على إبراهيم وقومُه يجهّزون لإحراقه فقال له : سل حاجتك ، قال إبراهيم : أما إليك فلا ! وأما إليه سبحانه فعلمه بحالي يغني عن سؤالي ، فجاء الفرج من الله تعالى : (( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) ))(10) ، إنها ثقة بالله عظيمة ، يحتاج إليها الدعاة إلى الله في مسيرتهم الدعويّة ليكون الله عوناً له وسنداً .
بل إنه عليه السلام يعلنها صراحة معتمداً على الله لاجئاً إليه (( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) ))(11) .
ولما بشرته الملائكة بإسحاق (( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) ))(12) .
صدق سيدنا إبراهيم ، فالمؤمن لا ييئس من رحمة ربّه أبداً ، فهو يثق بنصره وتأييده ما دام معه .

وهذا ابنه اسماعيل عليه السلام مؤمنٌ بالله ، راض بقدره ، واثقٌ بحكمته ، فلما أراد أبوه أن يذبحه كان صبرُه في الله مثالاً رائعاً يُحتذى وثقته فيه لاحدود لها : ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) ))(13) .

وهذا مؤمن آل فرعون آمن بموسى واجتهد في نصرته ، وبذل جهده ، وناصبوه العداء ، ومكروا به لكنه لجأ إلى ربه ، فكان له الأمن والأمان : ((فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) ))(14) .

وهذا سيدنا نوح يدعو الناس إلى عبادة الله ، ويحثهم على تقوى الله وطاعته ، لكنهم أبَوْا هذا ، وكيف يؤمنون وأراذل القوم ـ حسب اعتقادهم ـ تبعوا نوحاً ؟ فلو طردهم لربما تبعوه !! . . ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبى طرد المؤمنين فهدده قومه بالرجم ، فلجأ إلى ربه (( قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ))(15) .

وهذا فرعون يستقبل السحرة ، ويعدهم بالمال الوافر والمناصب الرفيعة إن هم عَلَوْا بسحرهم على موسى ، ولكنْ أنّى لسحرِ البشر أن يغلب أمرَ الله ؟! فلما لقَفَتْ عصا موسى سحرهم أيقنوا أنه لم يغلبهم بسحر ، فما لأحد بهم من قوة إنما غلبتهم قوة الله التي أيَّدَتْ موسى : (( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) ))(16) .
فماذا فعل السحرة ؟ هل خافوا وعادوا يعتذرون إلى الجبار المتغطرس أو سكتوا مذعورين ؟ لا هذا ولا ذاك إنما (( قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) ))(17)
هكذا يكون الإيمان ، وهكذا تكون الثقة في الله .

وهذا يعقوب عليه السلام لم يصدق أن ابنه الثاني قد سرق على الرغم من الاستشهادات التي قدّمها أولاده له ، إنما وكل أمره إلى الله تعالى (( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) ))(18)
وجعلته ثقته في الله ، ينتظر ظهور يوسف وأخيه .
فلما ابيضت عيناه من الحزن وعاتبه أبناؤه على ذلك ، أجابهم بلهجة المؤمن الواثق بربه المتكل عليه (( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) ))(19) فكان ما قاله حكمةً تنير الدرب للسالكين . . إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ؛ !! .

فالثقة بالله ، واللجوء إليه سبيل المؤمنين ، وزاد المتقين ، وأمان الخائفين ، وأمل العاملين نسأل الله تعالى أن نكون منهم .

الهوامش:

(1) سورة الفاتحة .
(2) سورة آل عمران الآية 26 .
(3) سورة الفلق .
(4) سورة الناس .
(5) سورة فصلت ، الآية : 36 .
(6) سورة غافر ، الآية : 27 .
(7) سورة المؤمنون ، الآيتان : 97 ، 98 .
( 8 ) سورة مريم ، الآية : 18 .
(9) سورة العنكبوت ، الآية : 24 .
(10) سورة الأنبياء ، الآية : 69 .
(11) سورة الشعراء ، الآيات : 75 ـ 82 .
(12) سورة الحجر ، الآيات : 54 ـ 56 .
(13) سورة الصافات ، الآية 102 .
(14) سورة غافر ، الآيتان : 44 ، 45 .
(15) سورة الشعراء ، الآيات : 117 ـ 119 .
(16) سورة الشعراء ، الآيات : 46 ـ 49 .
(17) سورة الشعراء ، الآيتان : 50 ، 51 .
(18) سورة يوسف ، الآية : 83 .
(19) سورة يوسف ، الآيتان : 86 ، 87 .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 01:09 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التعظيم

الدكتور عثمان قدري مكانسي



خلق الإنسان ضعيفاً ، إذا عطش وجاع بدا الإرهاق عليه ، وإذا مرض أَنّ وشكا ، وإذا أصيب جزع وخاف ، وإذا فقد عزيزاً بكى وتألم .
ولا يشعر الضعيف بالأمان إلا حين يلجأ للقويّ . وهل القويُّ سوى الله ؟!! وهل يحس بالراحة مَنْ خُلق من نطفة ثم علقة إلا إذا استند ركن ركين وعزٍّ منيع ..هو الله تعالى ؟!! .
ولا عظيم سوى الله ، ولا عظيم إلا مَنْ عظَّمه الله .

والله سبحانه وتعالى ينبهنا في كل سورة وآية إلى عظمته في نفسه ، وإلى عظمته في صفاته ، وإلى عظمته في بديع صنعه وخلقه ، وإلى عظمته في وحدانيته ، وإلى عظمته في قدرته .

والقرآن الكريم كتاب الله يسطر عظمة الله في السطور ، لينتقل أثرها إلى العقول والصدور والقلوب الحيّة ، فتعيشَ في كنفه سبحانه مؤمنة به ، منتمية إليه ، متوكلة عليه ، مسْلمةً قيادها له ، فإذا هي في الخالدين .

فالله سبحانه وتعالى (( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) ))(1) .ومن كانت هذه صفاته فكل ماعداه عبد ضغيف واهن .
(( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) ))(2) . غنها صفات الله العظيم الذي ينقاد كل شيء إليه صاغراً .

إنه إله عظيم ينبغي توحيده والاعتماد عليه : (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ))(3) .

وهو الكامل كمالاً مطلقاً ، لا تشوبه شائبة (( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) ))(4) .
منه العلم ، وإليه العلم : (( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) ))(5) .
(( الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ))(6) .

هو القيوم مالك كل شيء ، والمتصرف في كل شيء : (( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ))(7) .
(( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83)) ( 8 ) .
(( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) ))(9) .

وفي القرآن الكريم أربع عشرة سجدة ، كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسجد حين يقرأ آياتها تعظيماً لله سبحانه وتعالى ، وإقراراً بربوبيته وألوهيته ، مثالها في سورة النحل : (( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) ))(10) .
وفي سورة السجدة : ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) ))(11) .
وفي سورة الإسراء : (( قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) ))(12) .
ولا يسجد المسلم إلا لوجه الله الكريم العظيم .

وفي سورة الروم أمثلة كثيرة ووافية شافية على عظيم قدرته سبحانه : (( ... غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيَغلبون (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) ))(13) ،
(( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) ))(14) .

وانظر معي بتدبّر وتفكّر إلى عظمة الله في أفعاله :
1ـ فالله سبحانه خلقنا من تراب (( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) )) .
2ـ ورزقـَنا زوجات وآلف بيننا (( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) )) .
3ـ وكانت السماء لنا غطاء ، والأرض فراشاً ، وخالف بين ألواننا وألسنتنا (( وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) )) .
4ـ وفضل الله علينا كذلك في تعاقب الليل والنهار ، لنرتاح في سكون الليل ، ونعمل في ضوء النهار (( وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) )) .
5ـ ومظاهر الطبيعة دالة على الترتيب والفائدة (( وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) )) .
6ـ وأخيراً فإليه سبحانه مرجعنا (( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ))(15) .

والله سبحانه وتعالى أصل الحياة (( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ))(16) ،
ولا حياة بغير الله (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ))(17) .
ولذلك قرر سبحانه أنه المعبود ، لا رب سواه (( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ))(18) .
وكلما كان الإنسان قريباً إلى الله ، داعيا إليه ، عاملاً بأمره ، منتهياً عما نهى عنه استمدَّ من عظمة الله عظمة .
فهؤلاء الأنبياء اصطفاهم ، فكرَّمهم ورفع مقاماتهم ، لأنهم كانوا أمثلة رائعة للعباد المؤمنين العاملين ، فخلّد ذكرهم في الدنيا والآخرة .
فمن تعظيم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله سبحانه : (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) ))(19) .
(( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ))(20) .
(( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) ))(21) . ومن كان الله معه فهو عظيم لأنه لجأ إلى العظيم سبحانه .

ومن تعظيم الأنبياء الكرام قوله سبحانه يمدحهم في سورة الصافات (( سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) )) ، (( سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) )) ، (( سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) )) ، (( سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) )) ، (( وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) ))(22) .

وكتاب الله الكريم كلام الله سبحانه ، أنزله ليكون نبراساً يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم :
(( الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ))(23) ،
(( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) ))(24) . وكلام الله العظيم عظيمٌ .
(( حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) ))(25) .

وما أعجب هذا التعظيم الذي يجعل القرآن الكريم ذا منزلة عالية . . فهو :

1ـ لو كان كتابٌ من الكتب المنزّلة سيّرث بتلاوته الجبال ، وزعزعت عن أماكنها ، لكان هذا القرآن .
2ـ ولو كان كتابٌ من الكتب المنزلة شُقِّقَتْ به الأرض ، حتى تتصدع وتصير قطعاً ، لكان هذا القرآن .
3ـ ولو كان كتاب من الكتب المنزلة كُلِّم به الموتى ، فأحياها الله وأجاب ، لكان هذا القرآن .
(( وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ))(26) .
وهذا القرآن كلام الله تعالى ، لم يفتره رسول عليه ، وحاشاه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكون مفترِياً ، بل هو الصادق الأمين : (( الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) ))(27) .

الهوامش:

(1) سورة الحديد ، الآية : 3 .
(2) سورة الحشر ، الآيات : 22 ـ 24 .
(3) سورة الإخلاص .
(4) سورة الصافات ، الآية : 180 .
(5) سورة الكهف ، الآية : 109 .
(6) سورة الرحمن ، الآيات : 1 ـ 4 .
(7) سورة الملك ، الآية : 1 .
( 8 ) سورة يس ، الآيتان : 82 ، 83 .
(9) سورة التوبة ، الآية : 116 .
(10) سورة النحل ، الآيات : 48 ـ 50 .
(11) سورة السجدة ، الآية : 15 .
(12) سورة الإسراء ، الآيات : 107 ـ 109 .
(13) سورة الروم ، الآيات : 2 ـ 6 .
(14) سورة الروم ، الآيات : 17 ـ 19 .
(15) سورة الروم ، الآيات : 20 ـ 27 .
(16) سورة النور ، الآية : 35 .
(17) سورة يونس ، الآية : 5 .
(18) سورة طه ، الآية : 14.
(19) سورة الأحزاب ، الآية : 56 .
(20) سورة التوبة ، الآية : 128 .
(21) سورة التحريم ، الآية : 4 .
(22) الآيات : 79 ـ 109 ـ 120 ـ 130 ـ 181 .
(23) سورة البقرة ، الآيتان : 1 ، 2 .
(24) سورة الفرقان ، الآية : 1 .
(25) سورة فصلت ، الآيات : 1 ـ 3 .
(26) سورة الرعد ، الآية : 31 .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 01:40 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

ذكر الصالحين

الدكتور عثمان قدري مكانسي


إن الأذن لترتاح لسماع أخبارهم ، وإن النفس لتتشوق إلى تعرُّفِ أحوالهم ومتابعة أفعالهم ، فهم القدوة والمثل ، والراغب في الكمال يتأساهم ويتحسس خطاهم .
وقد كان القرآن الكريم يقصُّ علينا أخبار الأنبياء الكرام ، فنحسُّ بالقمم الإنسانية الشامخة ترنو إلينا ، فستنهض هممنا .
ويقص علينا أخبار الصالحين من غير الأنبياء ، الذين كان لهم الدور الكبير في نشر كلمة لا إله إلا الله ، وإعلائها ، وتَحَمُّلِ الأذى ، والصبر عليه .
ولسنا هنا في صدد سرد المواقف كلها ، لكننا نعرض نُبذاً لدور هؤلاء العظماء في خدمة الدين ، ورفع شأنه .

1ـ الأنبياء

سيدنا نوح عليه السلام : ذلك النبي العظيم ، من أولي العزم ، الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ، ثم كانت قصة الطوفان الذي قضى على الكفار بعد ذلك ، ونصر الله به نوحاً وأتباعه .
وهناك ما لا يقل عن إحدى وعشرين سورة ذكرت فيها قصته ، ذُكر فيها وحده لبيان فضله ، أو ذكر مع إخوانه الأنبياء صلوات الله عليهم جميعاً .
وفي الجزء التاسع والعشرين سورة كاملة باسمه عليه السلام ، أما قصّة الطوفان فقد صورت تصويراً رائعاً في سورة هود الآيات [ 25 ـ 49 ] .

سيدنا هود عليه السلام : ذلك النبي الكريم الذي أرسل إلى قوم عاد ، فكفروا به ، وكانوا عمالقة متجبرين ، فأرسل الله عليهم الريح العقيم ، فحصدتهم وأبادتهم .
وهناك حوالي سبع عشرة سورة ذكرت فيها قصته عليه السلام مع قومه ، توضح عنادهم واستكبارهم وفسادهم الذي أدى إلى هلاكهم ونجاة النبي هود وأتباعه .

سيدنا صالح عليه السلام : النبي الكريم الذي أرسل إلى قومه ثمود بعد إهلاك عادٍ قوم هود ، فدعاهم إلى التوحيد ، فلما استكبروا وقتلوا الناقة أهلكهم الله بالصيحة ، فما أبقى منهم أحداً ، وقد ذكرت قصته عليه السلام في أكثر من عشرين سورة في القرآن الكريم ، لتكون وقصة أخيه هود مع أقوامهما عبرة للدعاة من جهة ، والمعاندين المستكبرين من جهة أخرى .

سيدنا إبراهيم عليه السلام : هو أبو الأنبياء عليه السلام ذكرت قصته في خمس وعشرين سورة على الأقل ، تتحدث عن جهاده في سبيل الله وقوة إيمانه ، وفضل الله عليه في اطلاعه على ملكوت السموات والأرض ، وحججه الدامغة في مناظرته الكافرين وقوة إيمانه ، وسموِّ مكانته ، ويكفيه فخراً أن الله سبحانه وتعالى اتخذه خليلاً ، وجعله أمة وحده ، وهو الذي بنى الكعبة المشرفة مع ابنه اسماعيل عليهما السلام ، ثمّ رزقه الله اسحاق وبشره بحفيده يعقوب لأنّ إبراهيم عليه السلام صدّق الرؤيا ونفـّذها .

سيدنا موسى عليه السلام : ذلك النبي العظيم من أولي العزم ، أرسله الله إلى قومه اليهود ، فابتلي بهم ، وتحمّلَ منهم الأذى والمكايد والعناد ، وأنقذهم من فرعون الذي استضعفهم وسخّرهم ، فكانت نجاتهم على يد النبي العظيم موسى عليه السلام .
وقد حفل القرآن بقصته مع قومه ، وهناك ما لا يقل عن ثلاث وثلاثين سورة توضح جوانب من دعوته ، وتَحَمُّلَه سوءَ أخلاق قومه وفسادَهم ، وتكاد السور الكبيرة الحجم والوسطى لا تخلو من مواقف لقومه ، يوبخهم الله تعالى على ما اقترفت أيديهم وألسنتهم .

سيدنا عيسى عليه السلام : ذلك النبي الشابُّ من أولي العزم الذي بعث إلى اليهود ، فحاولوا قتله ، فنجاه الله منهم ، وامتحنت فيه الخلائق حين ولد دون أب ، فجعلوه ابن الله سبحانه تارة ، وجعلوه الله ذاته ـ والعياذ بالله ـ وألّهوهُ وأمّهُ تارة أخرى ، وهو إحدى علائم الساعة ، ينزل فيكسر الصلبان ، ويقاتل الكفار ، ويدعو إلى التوحيد .
ذكرت قصته في أكثر من اثنتي عشرة سورة توضح ما لقيه من ظلم اليهود ومكرهم .

سيدنا يوسف عليه السلام : النبيّ الكريم ابن الكريم ( يعقوب ) ابن الكريم ( إسحق ) ابن الكريم ( إبراهيم ) عليه السلام .
وقد ذكر في سورة الأنعام ، وسورة غافر إلا أن له سورة سميت باسمه في الجزأين الثاني عشر والثالث عشر ، تقص علينا مراحل حياته وما عاناه ، لتكون تثبيتاً لفؤاد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان عليه السلام مثالاً للأخلاق والإيمان والذكاء . . بل قل مثالاً للإنسان المعصوم ، الذي رباه الله تعالى على عينه .
وهناك قصص الأنبياء العظام : إسماعيل ويونس ، وذي الكفل وزكريا ، ويحيى وإسحق ويعقوب وهارون ، وشعيب وآدم وداوود وسليمان . . . وكثيرين غيرهم عليهم صلوات الله وسلامه ، تتحدث عن فضلهم ، وعلوِّ كعبهم في خدمة الدين . .

2ـ الصالحون :

لقمان الحكيم الذي شكر الله ، فآتاه الله الحكمة فكان داعية إلى الله ، يعظ الناس ، ويدلهم إلى الصراط المستقيم ، وقد أفرد الله تعالى سورة في الجزء الحادي والعشرين سماها باسمه " سورة لقمان " فيها من المواعظ التي جرت على لسانه ما ينبئ بعظمته ، وسموِّ مكانته .

الخضر عليه السلام : صاحب موسى الذي آتاه الله رحمة من عنده ، وعلمه من لدنه علماً ، وقصته في سورة الكهف منبئة عن علمه وفضله. الآيات [ 60 ـ 82 ] . وبعضهم يعتبره نبياً والله أعلم .

ذو القرنين : الذي مكن الله تعالى له في الأرض ، غربها وشرقها ، فنشر الإسلام ، وقاتل الكفار ، وبنى سدّ يأجوج ومأجوج ، وقصته في سورة الكهف [ 83 ـ 98 ] .

مؤمن يس : فقد أرسل الله تعالى ثلاثة من الأنبياء إلى إحدى المدن ، يدعون أهلها إلى الإيمان ، فكذّبوهم ، فجاء " حبيب النجار " يسعى إلى جمعهم مؤيداً هؤلاء الأنبياء الكرام ، فما كان من المجرمين إلا أن قتلوه ، فدخل الجنة معززاً مكرّماً ، وقصته في سورة يس الآيات [ 20 ـ 27 ] .

مؤمن فرعون : الذي آمن بموسى واتبعه دون خوف من فرعون وملئه ، ودعا الناس إلى الإيمان بالله تعالى واتباع موسى ، فهو سبيل الرشاد ، وخوّفهم من عذاب الله ومصير الأمم السالفة ، وموقفه في سورة غافر الآيات [ 28 ـ 44 ] .

ـ وهناك قصص عديدة لهؤلاء المؤمنات الصالحات :

منهن السيدة مريم العذراء ، وقصتها في سورة آل عمران الآيات [ 35 ـ 37 ] ، وفي سورة مريم ، حين ولدت عيسى عليه السلام ، الآيات [ 16 ـ 32 ] ، وسورة التحريم .

ومنهنَّ آسية ، زوجة فرعون ، التي طلبت من فرعون حين التقطت موسى عليه السلام من النهر أن يبقيَ عليه ، وعرضت عليه المراضع . . وحين رأت من زوجها الاستكبار والكفر ، سألت الله تعالى أن ينقذها منه . . وقصتها في سورة التحريم ( آخرِها ).

ومنهنَّ أم موسى ، تلك المرأة المؤمنة ، التي أوحى إليها الله تعالى أن تضع ابنها في النهر ، إن خافت عليه جنود فرعون ، ووعدها أنه سبحانه سيعيده إليها ، ففعلت مؤمنة مطمئنّة ، وحرّم الله المراضع على موسى ، وكانت أخته تتبعه ، وتتقصّى موضوعه ، فدلتهم على أمِّه ترضعه ، فعاد إليها ، ونعم بدفء حنانها . وقصتها في سورة القصص الآيات [ 7 ـ 13 ] .

تلك أخبار الصالحين وقصصهم ، تتقبلها النفس تقبُّل العطشان للماء البارد فتنتعش نفسه ، وتستروح لها ، وتستمد من نسماتها الإيمان واليقين والصبر والمصابرة ، وتعيش في أجوائها ذات اليمن والبركات .

اللهم إنا نحبُّ أنبياءك وأولياءك ، فاحشرنا معهم تحت لواء سيد المرسلين ، صلى الله عليه وعليهم أجمعين ....
اللهمَّ آمين .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 01:51 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التذكير بفضل الله تعالى

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قد يقسو القلب ، فينأى بصاحبه عن طريق الحق ، ويعدل به عن الصراط السوي ، وقد يتمرّدُ فيصعب قيادته ، وقد ينسى إنعام المنعمين ، وفضل المتفضلين ، فلا يرى لأحدٍ فضلاً عليه . فإذا ما ذكرتَ له الأيادي البيضاء التي تلقفته في محنته ، والقلوب الصافية التي حنَّت عليه لان ـ إن كانت فيه بقيّة من صلاح ـ وهدأت نفسه ، وأنست إلى التزام الحق والتمسك به . .
هذا إن كان صالحاً ، أما إن لم يكن كذلك ، وتمادى في غيّه ، وركب رأسه ، فقد أقمتَ عليه الحجة إن أردت معاقبته ، وأعذَرْتَ فيه إن أردْتَ فضحه وإظهارَه على حقيقته ، كي يرعويَ إن ارعوَى ، أو يحذرَ منه الناس ويتجنبوه .
وفي القرآن الكريم الكثير الكثير من الآيات التي تـُذكـّر الإنسان بفضل الله وكرمه ، علّه يستقيم ويتذكر . . إن نفعت الذكرى . . .

فمن الأمثلة على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة مخاطباً اليهود :
(( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) )) الآيات [ 49 ـ 57 ].
(( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) )) الآية [ 60 ]

ويقول سبحانه مخاطباً المسلمين في سورة آل عمران :
(( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) )) الآيات [ 132 ـ 126 ] .
وفي سورة آل عمران كذلك نرى فضل الله على المسلمين في غزوة أحد في الآيتين [ 152 ـ 153 ] . ونرى من نعم الله على المؤمنين قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) ))(1) .
وقوله تعالى : (( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) ))(2) .
وقوله تعالى : (( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) ))(3) .
وقوله تعالى : (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) ))(4) .

وقوله تعالى ، يذكر فضله على المسلمين في غزوة بدر ، في سورة الأنفال :
(( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ (11) )) الآيات [ 9 ـ 11 ] .
(( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) )) الآيتان [ 62 ـ 63 ] .

وقوله تعالى في سورة التوبة :
(( إلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) )) .
(( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) )) .
(( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) )) .
(( وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) )) .

وقوله تعالى في فضله على يوسف عليه السلام :
(( رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ))(5).

وقوله تعالى في سورة النحل :
(( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) )) .
((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) )) .
(( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) )) .

وقوله تعالى في سورة الإسراء :
(( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) )) .
(( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (70) )) .

وقوله تعالى في سورة الفرقان : (( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) )) .

وقوله تعالى في سورة العنكبوت ، يذكر فضله على أهل مكة :
(( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )) الآية [ 67 ] .

وقوله تعالى في سورة لقمان يذكر نعمه الوافرة على عباده :
(( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . . . . )) من الآية [ 20 ] .

وقوله سبحانه في سورة الأحزاب ، يذكر فضله على المؤمنين في غزوة الخندق ، وغزوة بني قريظة :
(( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) )) .

وقوله سبحانه في سورة سبأ يذكر فضله على أهلها :
(( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) )) .

ويقول الله تعالى في سورة الجمعة ، يمنُّ على المؤمنين بإرسال سيدنا محمد ، يهديهم إلى الله سبحانه :
(( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) )) .

إن الحرَّ حين يرى فضل الله عليه يقرُّ به ، ويعترف ، ويعاهد الله تعالى أن يكون له عبداً شكوراً . .

اللهم اجعلنا من عبادك الشاكِّرين .

الهوامش:

(1) سورة المائدة ، الآية : 11 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 20 .
(3) سورة الأنعام ، الآيتان : 63 ، 64 .
(4) سورة الأعراف ، الآيتان : 10 ، 11 .
(5) سورة يوسف ، الآية : 101 .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 02:07 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الأسوة الحسنة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


والأسوة : القدوة والمثل .
وتأسى به : احتذاه ، وسار على هداه ، واقتدى به .
وأسوةُ المسلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والأنبياء الكرام الذين دعَوا إلى الله سبحانه ، ودلوا البشرية إلى الطريق القويم .
وحين زلَّ آدم ، فأمر الله تعالى بإنزاله إلى الأرض وتاب عليه حدَّدَ له ولذريته ما يتبعون فقال : (( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ))(1) .

1ـ وقد أمرنا الله تعالى أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدوتنا ، وأمر رسوله الكريم ـ ونحن من بعده ـ أن نتخذ من الأنبياء الكرام خيرَ أسوة وأفضلَ قدوة ، فقال : (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) ))(2) . فهدفنا اليومُ الآخر الذي نربح فيه رضاء الله والجنة .
وقال سبحانه آمراً بالاتباع ، ومبيناً السبب : (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ . . . ))(3) ، (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ . . . . . ))(4) . فنبرأ من الشرك بالله ومن المشركين فلا نواليهم .
ولنا قدوة في داود : (( اصبرعَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) . . . ))(5).
ولنا قدوة في ابنه سليمان : (( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) . . . ))(6) .
ولنا قدوة أيضاً في أيوب : (( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ))(7) .
ولنا قدوة في إبراهيم عليه السلام ، وأبنائه الكرام : (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) ))(8) .
ـ لماذا يا رب ؟
ـ إن فيهم خصلة زادت على غيرهم من أمثالهم .
ـ فما هي ؟
((إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47)))(9) .
(( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) ))(10) .

وقد يقول أحدهم كيف عرفت من هذه الآيات أنهم قدوة ؟
والجواب أنه سبحانه يأمر نبيه الكريم أن يذكرهم للناس ويذكر عملهم وإيمانهم وصبرهم في الدعوة إلى الله تعالى ليكونوا لنا مثالاً وأسوة .
ويحشد الله سبحانه وتعالى أسماء ثمانية عشر نبياً ، مادحاً إياهم بالهدى والرشاد آمراً المسلمين بإتباع هداهم : (( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ))(11) .

2ـ وقد أمر الله سبحانه نبيّه الكريم أن يصدع بدعوة الحقّ ، داعياً إلى التزامها بوعي وفهم : ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ))(12) .
ـ وهذه الدعوة القويمة ليس فيها اعوجاج ، ولا ميلان عن الحق : (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ))(13) .
ـ وهي سبيل الصالحين السادة الأعلام : (( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . . . ))(14).
ـ ومن سلكها لم يكن للشيطان سبيل عليه ولا سلطان : (( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) ))(15) .
ـ وفيها التمايز عن المشركين : (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) ))(16) .
(( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ))(17) .
(( قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ))(18) .

3 ـ ولا ينبغي اتباع أحد إلا للوصول معه إلى طريق مستقيم ، فيه هدىّ .
ـ فهذا سيدنا موسى يقول للرجل الصالح : ((هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ))(19) . وقد نهى القرآن عن اتباع أهل الغي والفساد نهياً شديداً ، فاتباعهم يؤدي إلى المهالك في الدنيا والآخرة .
ـ إنهم ضالون ، فهل يقودون من تبعهم إلا إلى الضلال ؟!! (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ))(20) .
ـ قلوبهم غافلة لاهية ، وهم أصحاب هوى ، لا خير فيهم (( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ))(21) .
(( فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ))(22) .
ـ أصحاب فتنة ،والمفتون لا يهدي بل يضل ((وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ))(23).
(( وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ))(24) .

4 ـ ومن اقتدى بالأنبياء وسار على دربهم نجا ، ونجح .
ـ فمن تبع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مفلحاً (( . . . فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) (25) .
ـ وأتباع عيسى عليه السلام ، الحواريون الموحّدون ، ومن سار على دربهم قبل بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعلهم الله منتصرين على الكفار أبداً (( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))(26) .
ـ وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يحدد هوية من آمن به (( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي . . ))(27) .
ـ ولسام حال كل نبي كريم يقول : (( وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ))(28) .
ـ والله سبحانه وتعالى يجمل المعنى قائلاً : (( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ))(29) .
5 ـ أما من حاد عن الطريق السويّ فهو ضال تائه (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ؟ ))(30) .
ـ خاسر لأنه اتبع هواه ، وحاد عن الطريق (( فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ))(31) .
ـ يحيا حياة متعبة ، لا راحة فيها ، ويحشر أعمى يوم القيامة (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ))(32) .
ـ هم أولياء الشيطان ، غاوون (( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) ))(33) . لكنّ المسلم لا يتبع الشيطان إنما يحذر منه فليس من الغاوين .
ـ أما الجبابرة المتكبرون في الدنيا ، فإنهم في الآخرة يتبرأون من أتباعهم وأعوانهم حين يروا العذاب ، ويتمنّى التابعون أن يعودوا إلى الدنيا ليتبرأوا من الطغاة ، الذين كانت لهم أدوات التنفيذ الفاسدة ، يعملون لهم دون تفكير وتمحيص (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) ))(34) .
ـ والإنسان العاقل لا يقتدي إلا بمن ينفعه في الدنيا والآخرة ، ويأخذ بيده إلى دروب النجاة والسلامة . . . . . . إنه يقتدي بالهادين المهديين ، بالأنبياء المرشدين ، وأتباعهم الصالحين .

الهوامش:

(1) سورة البقرة ، الآيتان : 38 ، 39 .
(2) سورة الأحزاب ، الآية : 21 .
(3) سورة الممتحنة ، الآية : 4 .
(4) سورة الممتحنة ، الآية : 6
(5) سورة ص ، الآية : 17 .
(6) سورة ص ، الآية : 30 .
(7) سورة ص ، الآية : 41 .
(8) سورة ص ، الآية : 45 .
(9) سورة ص ، الآيتان : 46 ، 47 .
(10) سورة ص ، الآية : 48 .
(11) سورة الأنعام ، الآيات : 83 ـ 90 .
(12) سورة يوسف ، الآية : 108 .
(13) سورة النساء ، الآية : 125 .
(14) سورة يوسف ، الآية : 38 .
(15) سورة الحجر ، الآية : 42 .
(16) سورة الأنفال ، الآية : 64 .
(17) سورة آل عمران ، الآية : 20 .
(18) سورة الأنعام ، الآية : 56 .
(19) سورة الكهف ، الآية : 66 .
(20) سورة القصص ، الآية : 50 .
(21) سورة الكهف ، الآية : 28 .
(22) سورة طه ، الآية : 16 .
(23) سورة المائدة ، الآية : 48 .
(24) سورة المائدة ، الآية : 49 .
(25) سورة الأعراف ، الآية : 157 .
(26) سورة آل عمران ، الآية : 55 .
(27) سورة إبراهيم ، الآية : 36 .
(28) سورة طه ، الآية : 47 .
(29) سورة طه ، الآية : 123 .
(30) سورة القصص ، الآية : 50 .
(31) سورة طه ، الآية : 16 .
(32) سورة طه ، الآيات : 124 ـ 126 .
(33) سورة الحجر ، الآية : 42 .
(34) سورة البقرة ، الآيتان : 166 ، 167 .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 02:12 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الصحبة الحسنة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


الصاحب ـ كما يقولون ـ ساحب .
قلْ لي مَنْ تصاحب أقل لك من أنت . . مقولة مشهورة أثبتت الأيام صدقها ، وقد جاء في الأثر : (( المؤمن مرآة أخيه المؤمن )) .
وقديماً قالوا : (( صاحب السعيد تسعد ، وصاحب الشقيَّ تشقَ )) .
ويؤكد هذا القول ويعضده قولُ الله سبحانه وتعالى : (( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) ))(الفرقان).
فقد دعا عقبة بن أبي معيط جيرانه إلى وليمة ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بينهم ، فأبى قبولها إلا أن يشهد عقبة شهادة الإسلام ، ففعل ، فأجاب رسول الله دعوته . . وفي اليوم التالي سمع أبيُّ بن خلف بما فعل عقبة ـ وكان صاحبَه ـ فجاءه يلومه ، ويقول له : وجهي من وجهك حرام إلا أن تكفر بمحمد ، فقال له عقبة : ما قلتُ ما قلت إلا ليقبل دعوتي ، ولست بصابىء ، فقال له : وتذهب إليه فتشتمه وتبصق في وجهه الكريم . . .
ذهب ذلك المشؤوم ، وأسمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هُجر القول وسفيهه ، ثم لما بصق ارتدَّ إلى وجهه ، فأحرقه . . ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسر عقبة يوم بدر ، وأمر بقطع عنقه ، فبترها علي رضي الله عنه قبل العودة إلى المدينة المنورة .
هذان الكافران عقبة وأبيُّ يندم كلٌّ منهما على مصاحبة الآخر يوم القيامة ، ولات ساعة مندم . . وفيهما نزلت هذه الآيات ، تحذر من اتخاذ الأصحاب الفاسدين .
هؤلاء الأصحاب الذين يلازم بعضهم بعضاً في الدنيا ، ويؤازر كل منهم صاحبه في شهواته ، وملذّاته ، وفساده ، يتعادَون حين تأتي الساعة ، ويتبرأ كل منهم من صاحبه ، إلا الصحبة في الله ، والأخوة في الدين .
قال تعالى : (( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) ))(الزخرف) .
وما أضلَّ مَنْ يصاحب من لا دين له ، ولا خلاق ، يأمر صاحبه بالخنا والفجور ، وينهاه عن التقوى ، ويكذّبُ بالدين ويكفر بالله ، ويطغى حين يصير غنياً ناسياً أنّ مرجعه إلى الله وأنه محاسب بين يديه .
قال تعالى : (( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) ))(العلق) .
ويخاطب الله سبحانه نبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ ونحن من ورائه ـ آمراً أن نتبع هذه الشريعة الغرّاء ، التي أنزلها على نبيه الكريم ، وأن ننأى بأنفسنا عن الأهواء ، وأهل البدع والفساد ، فأهل الهوى لا يعلمون حقيقة الحياة ، ويقودون من تبعهم إلى الهلاك والثبور ، وحين تحق الحقيقة يتبرأون ممن تبعهم (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) ))(البقرة) . ويتبرأ التابعون بدورهم من السادة أهل الأهواء دون أن يفيد البراءُ الطرفين (( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) ))(البقرة) .
نعم ، وحين تحق الحقيقة لن يغنوا عمّن تبعهم شيئاً . قال تعالى : (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) ))(الجاثية) .
ولكنّ أي ولاء يثبت في الآخرة . . إنه ولاء صاحب الآخرة ، وخالق الدنيا والآخرة . . الله وليُّ الذين آمنوا . فلْنكنْ أولياء الله تعالى ومن والاه فقط .
كما أن الصحبة والولاء للذين آمنوا بالله ورسوله ، أما مَنْ غضب الله عليهم لكفرهم بالله واليوم الآخر فلا ينبغي لنا صحبتهم ، ولا موالاتهم (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) ))(الممتحنة) .
وقد قصَّ الله ـ تعالى ـ علينا قصّة ذلك الرجل المؤمن ، الذي دخل الجنّة ، فجلس مع إخوانه يأنسون ، ويطربون ، ويتجاذبون أطراف الحديث ، ثم تحدثوا عن الدنيا وما جرى لهم ، فيها يتذاكرون نعيمهم ، وحال الدنيا ، وثمرة الإيمان . فقال الرجل : لقد كان لي جليس في الدنيا ، ينكر البعث والجزاء ، ويتندَّر قائلاً : أتصدِّقُ أننا إذا متنا ، وأصبحنا ذرات من التراب ، وعظاماً نخرة أننا محاسبون ومجزيون بأعمالنا ، ما الذي جرى له أيها الأصحاب ، تعالوا نطّلع إلى النار ، لنرى حال ذلك الجليس ، فنظر وأصحابه إلى ذلك الرجل ، فأبصره يتلظّى بنار جهنّم ، ويُشوى بسعيرها ، فخاطبه المؤمن شامتاً وقال له : والله لقد قاربت أن تهلكني بإغوائك ، ولولا فضل الله عليَّ بتثبيتي على الإيمان لكنت معك في نار جهنم ، أُكوى بنارها . ثم خاطبه مستهزئاً ساخراً به كما كان ذاك الفاجر يسخر بالمؤمن في الدنيا : ألا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتتنا الأولى ، وأنْ لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب ؟! ثم التفت إلى أصحابه وقال : الحمد لله الذي تفضّل علينا ، فأدخلنا نعيم الجنّة . وهذا هو النجاح والفلاح الأبديان . (( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ))(الصافات) .

قال المفسّرون : أشارت هذه الآيات الكريمة إلى قصّة شريكين ، كان لهما ثمانية آلاف درهم ، فكان أحدهما يعبد الله ، ويقصّر في التجارة والنظر إلى أمور الدنيا ، وكان الآخر مقبلاً على تكثير ماله ، فانفصل عن شريكه لتقصيره ، وكان كلما اشترى داراً أو جارية أو بستاناً أو نحو ذلك عرضه على المؤمن ، وفَخَر عليه بكثرة ماله ، وكان المؤمن إذا سمع ذلك يتصدق بنحوٍ من ذلك ليشتري له به قصراً في الجنة ، فإذا لقيه صديقه قال : ما صنعت بمالك ؟ قال : تصدّقت به لله ، فكان يسخر منه ، ويقول : أإنك لمن المصدّقين ؟! فكان أمرهما ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز .



يتبع

نبيل
2015-02-10, 02:20 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

القول الحسن

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ماذا يفعل القولُ الحسن بمن يسمعه أو يُوَجّهُ إليه ؟ .
ما موقفك حين ترى مَنْ يقول هجراً ؟ ومَنْ يغلظ في حديثه ؟ .
كيف تنظر إلى من يتلطف في القول ، ولا يُسمِعك إلا ما تحب وتأنس إليه ؟ .

إن الكلام الطيب كماء نزل من السماء على أرض عطشى ، فأنبت الله به زرعاً وثمراً ، وجعلها فتنة للناظرين ، قال تعالى :
(( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ))(سورة إبراهيم) فهي تفعل فعل السحر في السامع ، وتأخذ بمجامع قلبه ، فينفتح إليك ، ويأنس بك .
أما الداعية فيعمل ، ليصل كلامه إلى أعماق الناس ، بما أمر الله من قول حسن (( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا )) (البقرة) ، وترتاح قلوب الناس وعقولهم للكلام الطيب ، كما يرتاحون للفاكهة الطيبة الحلوة ، فيستمتعون بأطايب الكلام ، كما يتلذذون بأطايب الطعام .

والله أمر الدعاة أن يقولوا في محاورتهم ، ومخاطبتهم ، الكلمة الطيبة ، ويختاروا من الكلام ألطفه وأحسنه ، وينطقوا دائماً بالحسنى ، فالكلمة الخشنة سلاح الشيطان ، يُسَعِّرُ بها نار الفتنة ، ويؤججها (( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) )) (الإسراء) .

ويأمر الله سبحانه وتعالى الداعية ، باللطف ، واتخاذ الأسلوب المناسب ، لاجتذاب السامعين فقال : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) )) (النحل).

وإذا جادلتم أهل الكتاب ، ودعوتموهم إلى الإسلام ، فليكن ذلك بالحسنى ، كالدعاء إلى الله بالحجج والبراهين ، والحَسَن من الكلام ، وأعلموهم أنكم تؤمنون بالإله الذي يؤمنون به ، إلا المحاربين الظالمين ، المجاهرين في عداوتهم ، فجدالهم بالغلظة والشدّة ، لتوهين حجمهم ، وتهجين مذهبهم ، وهذا ما يليق بالمجرم المشرك الغليظ .

قال تعالى : (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) )) (العنكبوت) .
ويأمرنا الله سبحانه وتعالى ، أن نكافىء المحسن في تحيته ، بتحيّة أفضل ليشعر بالأمان ، وليرى أن المسلمين ، أهل حب وودٍّ ، فيتقرّب إلينا ، ولا ننسَ أن الله رقيب علينا ، يجازينا بما نعمل من خير أفضلَ الثواب ، فقال سبحانه : (( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) )) (النساء) .
وتعال معي ـ أخي الكريم ـ إلى رؤية ثواب مَنْ يقول أفضل كلمة يحبها الله وهي : (( الله ربي )) فها هو القرآن الكريم يفصّل في ذلك . . يقول سبحانه :
(( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
أ ـ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ
1ـ أَلَّا تَخَافُوا
2ـ وَلَا تَحْزَنُوا
3ـ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)
4ـ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ
5ـ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
6ـ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)
ب ـ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ
1ـ دَعَا إِلَى اللَّهِ
2ـ وَعَمِلَ صَالِحًا
3ـ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
جـ ـ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
د ـ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
هـ ـ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) )) (فصلت).

ما أعظم ثواب الكلمة الطيبة ، ينمّيه الله ، حتى يصير أعظم من جبل أحد ، كما جاء في الأثر.
وانظر إلى العلاقة الطيبة بين إخوة الإسلام ، هذه العلاقة التي شدَّ من عروتها ، الحب في الله ، فترى الخلف يدعو للسلف ، ويسألون الله صفاء القلب من الغل والحسد ، لإخوانهم في الله :
(( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
أ ـ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
ب ـ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) )) (الحشر).

أتدرون ما قوتنا وأسوتنا في القول الحسن ؟ إنه قول الله تعالى ، القرآن الكريم : (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ . . )) (الزمر) .

يتبع بإذن الله

نبيل
2015-02-10, 02:28 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

حُسن الأدب

الدكتورعثمان قدري مكانسي


نقصد به القول والفعل اللذين إن اتصف بهما المرء كان من المروءة بمكان ، ونال من الله تعالى الحظوة والقبول ، وإن خلا المرء منهما ناله ذم وقدح ، وابتعد عن دائرة النُّبل والمروءة .
ولئن كان خلوُّ المرء من بعض هذه الصفات لا يعد كَبير إثم ، إلا أن بعضها الآخر ـ إن خلت ـ منه كان من أهل الكبائر . . لكنها جميعاً آداب اجتماعية ، وأخلاقية دينية ، لا بد للمسلم النبيه أن يحوزها .
من هذه الصفات :

ـ ردُّ التحية ردّّاً له أثره الإيجابي في النفوس .
قال تعالى : (( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) )) (سورة النساء) .
فالأفضل أن تردّ التحيّة بأفضل منها ، فإن قيل لك : السلامُ عليكم ، قلت : وعليكم السلام ، ورحمة الله وبركاته ، ومغفرته ، ورضوانه .
وقد جاءت الملائكةُ إبراهيم فحيَّوْه بالجملة الفعلية ، والفعل يدلُّ على الحدوث ، فأجابهم بتحيّة دلّت على الثبوت ، وذلك بالجملة الاسمية ، فكان رده أحسنَ (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ... )) (الذاريات) .

وقد نعى الله تعالى على اليهود الذين يحرفون الكلم ، فإذا دخلوا على رسول الله أوهموه أنهم يسلمون ، فيقولون : (( السام عليكم )) ، والسامُ هو الموت . فهم ـ إذاً ـ يدعون عليه ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرف مرادهم فيردُّ قائلاً : (( وعليكم )) فيكون ردّه أبلغ ، لأنهم يدعون فلا يستجاب لهم ، وهو عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم ، فيستجاب له . قال تعالى : (( وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ . . )) (المجادلة) .

ومن هذه الصفات أيضاً إكرام اليتيم ، والحضُّ على إطعام المسكين ، وقد مدح الله تعالى الأنصار ، الذين أكرموا إخوانهم المهاجرين إليهم فقال : (( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) )) (الإنسان).

كما نعى القرآن على الكفار ، الذين لا يحضون على إطعام الفقراء والمحتاجين ، ويأكلون مال اليتيم ، والمرأة ، والضعيف ، فلا يعطونهم ميراثهم ، ولا يهتمون في أكل المال ، أَمِنْ حرام كان ، أم من حلال ؟ قال تعالى : (( كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) )) (الفجر) .

ويأمر الله تعالى نبيه الكريم ـ وهو القدوة لنا ـ فنحن مأمورون بما أمر به ـ أن يراعي بؤس اليتيم فلا يقهره ، وأن يعطي السائل ، فإن لم يستطع ، ردّه ردّاً جميلاً . قال تعالى : (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) )) (الضحى) .

كما هدد القرآن الكريم من يعيب الناس ، ويغتابهم ، ويطعن في أعراضهم ، أو يلمزهم سراً بعينه ، أو حاجبه . ويوقع بين الناس ، ولا يهتم إلا بجمع المال ، يحصيه ويعدُه بالنار والإحراق ، فهذا جزاؤه المناسب (( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) )) (الهمزة) .

ـ وقد نهى القرآن الكريم عن النجوى ؛ وغمز المؤمنين ، ومعصية الرسول الكريم ، (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ .... ( 8 ) )) (المجادلة) .
فإذا تحدثوا سراً وتناجوا ، فلا يكون ذلك بما فيه إثم من قبيح القول ، أو بما هو عدوان على الغير ، أو مخالفة ومعصية لأمر الرسول الكريم ، وليتحدثوا بما فيه خير وطاعة وإحسان ، وليخافوا الله فيمتثلوا أوامره ، ويجتنبوا نواهيه ، فسوف يجمعهم للحساب ، ويوفيهم أجورهم ، ويجازي كلاّ بعمله . . قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)))(المجادلة).

ـ وكان المسلمون يتنافسون في مجلس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أو غيره من المجالس . فأمرهم الله بالتواضع والإيثار ، وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ليتساوى الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وفي الحديث : (( لا يقيمنّ أحدكم رجلاً من مجلسه ، ثم يجلس فيه ، ولكنْ توسعوا ، وتفسّحوا، يفسح الله لكم )) ،وقد تكون الفسحة للمطيع في الرزق ، والصدر ، والقبر ، والجنة . وهذا يوضح فضل الله علينا حين يوسع لنا في خيرات الدنيا والآخرة ، كما أنّه إذا قيل لنا انهضوا من المجلس ، وقوموا لتوسعوا لغيركم فعلينا السمع والطاعة ، وهذا درس عمليٌّ في التواضع ، بدءاً من التوسعة وانتهاءً بالقيام . . قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ... (11) )) (المجادلة) .

ـ ومن الصفات حفظ السر ، لما فيه من فائدة السلامة والصيانة فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر أمراً لزوجته عائشة ، وحفصة واستكتمهما إياه ، فلم تحفظاه فعوتبتا على ذلك ، فما ينبغي لأحد أن يكشف سرَّ أحدٍ إن سأله أن يحفظه . (( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ....)) (التحريم).

ـ وهذا سيدنا إبراهيم حين جاءته الملائكة ، فلم يعرفهم وحسبهم بشراً ، فماذا فعل ؟ :
1ـ ذهب إلى أهله مسرعاً ، في خفية عن ضيفه ، لأن من أدب المضيف أن يبادر بإحضار الضيافة ، من غير أن يشعر به الضيف حذراً أن يشعر الضيف أنّه أثقل عليه ، فيمنعه من إحضارها ، وأسرع بالعودة حتى يؤنس ضيفه ، فلا يتركه وحده .
2ـ وجاء بعجل مشوي ، وهذا إمعان في إكرام الضيف .
3ـ ومن الأدب أن يقدَّم الطعام إلى الضيف مكان جلوسه ، فهذا أوجَهُ وأكرم .
4ـ ومن الأدب التلطف بالدعوة إلى الطعام ، فلم يقل لهم (( كلوا )) إنما قال متودداً : (( أَلَا تَأكُلُونَ )) .
قال تعالى : (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) )) (الذاريات) .

وهذا لقمان الحكيم يوصي ابنه ـ ونحن من ورائه ـ بأمور عدة آمراً وناهياً :
(( يَا بُنَيَّ
أ ـ أَقِمِ الصَّلَاةَ
ب ـ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
جـ ـ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
د ـ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)
هـ ـ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
و ـ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
ح ـ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) )) (لقمان).

وفي سورة الإسراء آداب عدة :

1ـ ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) )) (الإسراء) .
2ـ أ ـ ((وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)
ب ـ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)
جـ ـ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28)
3ـ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)
4ـ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)
5ـ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) )) (الإسراء) .
6ـ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
7ـ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) .
8ـ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) .
9ـ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36).
10ـ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) )) (الإسراء) .

إنها آداب رائعة ، وشرائع راقية ، تبني مجتمعاً متماسكاً ، وأُمّةً حضارية .

وانظر معي إلى الأدب القرآني الرفيع ، ففي سورة يوسف (الآية 69 ـ 71) نرى هذه الصورة المعلمة للأدب الراقي.
1ـ أمر يوسف عليه السلام أن توضع السقاية ، وهي من ذهب مرصع بالجواهر في متاع أخيه بنيامين ليبقيه عنده .
2ـ نادى منادٍ إخوة يوسف ، إنكم سرقتم .
3ـ جاء إخوة يوسف إليهم يسألنوهم ! ماذا فقدتم ؟
4ـ قالوا لهم : فقدنا سقاية الملك ، وأنتم أخذتموها ، ألم نكرمكم ، ونحسن ضيافتكم ؟ ونوفِّ إليكم الكيل ، إنا لا نتهم عليها غيركم . . . فأين الأدب هنا ؟ . .
إنه من إخوة يوسف ، فالمنادون اتهموهم بالسرقة ، فردَّ عليهم هؤلاء : (( ماذا تفقدون )) بدل : (( ماذا سرقنا )) إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب ، وعدم المجازفة باتهام البريئين الغافلين بالسرقة ، ولهذا التزموا معهم الأدب فأجابوهم : (( نفقد صواع الملك )) بدل قولهم : (( سرقتم صواع الملك )) .
والأمثلة كثيرة ، وسبحان الله معلم الأدب ، الدال على الصواب .

يتبع

نبيل
2015-02-10, 02:33 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الأمان والحرية

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال تعالى : { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } (من الآية 99 ـ المائدة) ، ويبدأ الرسول ومَن تبعه يبلغون الناس رسالات ربهم ، فإن وجدوا مناخاً مناسباً ، ازدهرت دعوتهم ، لأنها دعوة الفطرة ، وإن وجدوا محاربة وإيذاء صبروا ، فدرب الدعوة مليء بالشوك والمصاعب ، فإن ازداد الإرهاب ، وكثر القتل ، والسجن ، والعذاب ، انتقلوا بدعوتهم المباركة إلى مكان أكثر أمناً ، وأوسع حريّة .
هذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يترك مكة بعد ثلاثة عشر عاماً إلى المدينة المنوّرة ، لأن أهل مكة ساموه وأصحابه سوء العذاب ، ووجد المدينة تمدّ إليه أيدي أبنائها الذين آمنوا بدعوته ، فخرج من مكة قائلاً : (( والله إنك لأحب أرض الله إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجتُ )) ثم يعود إليها بعد ثماني سنوات فاتحاً ، ليرسي فيها دعائم التوحيد والإيمان .
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بمكة يرى أصحابه وهم يعذبون ، ويفتنون ، فيأمرهم بالهجرة إلى الحبشة (( فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد )) .

صور من الهجر قبل الإسلام :
ـ هذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يكسر أصنام قومه ، ويعلن ملّة التوحيد ، ويدعو الناس إليها ، فيجادله قومه ، فيحاجُّهم ويخرسهم ، فيرون موقفهم أمامه ضعيفاً ، ويخافون أن يؤمن به الدهماء ، فيقررون التخلص منه بالإحراق . لكن الله تعالى ينقذه من النار ، وتزداد شدّة الوطء عليه ، فيقرر الهجرة إلى الشمال ـ إلى حرّان ـ { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } (من الآية 26 ـ العنكبوت) ، ثم تبدأ الهجرة الثانية إلى فلسطين { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) }(الصافات) ، وهناك تنتشر الدعوة ويقوى عودها .

ـ وهذا موسى نبي الله الكليمُ يقتل نفساً من الأقباط دون قصد ، فيأتيه رجل يقول له : { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) }(القصص) . ويتوجه تلقاء مدين ويسقي للفتاتين ، ويستدعيه أبوهما ، فيقص موسى عليه خبره ، فيقول له الرجل الصالح : { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }(من الآية 25 ـ القصص) . ويجد الحرية والأمان في مدين ، ويربّيه الله تعالى على عينه ، ليعود إلى فرعون داعياً ، وإلى بني إسرائيل منقذاً .
ويرى موسى عليه السلام وقومُه ، الصدَّ والإيذاء والاستعباد ، فيقرر الهجرة إلى الشام مرة أخرى ، ولكن مع قومه من بني إسرائيل ، لأنه هذه المرّة لم يعد مسؤولاً عن نفسه فقط ، بل عن قومه أيضاً ، فهو النبي المرسل إليهم . . والله تعالى هو الذي أمره بالهجرة الآن ، فما عاد فرعون وقومه يطاقون ، قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) }(الشعراء) وينجي الله موسى وقومه ، ثم يُغرِقُ فرعون وجنده .

ـ وأهل الكهف أعلنوا كفرهم بالأوثان ، وإيمانهم بهدى الرحمن ، وتوحيد الديّان ، فاغتاظ الملك ، وأمرهم أن يعودوا إلى الكفر أو يقتلوا . . فتبدأ هجرتهم إلى الله تعالى ، ويلجأون سراً إلى كهف قريب من مدينتهم ، كي ينطلقوا بعد ذلك في أرض الله الواسعة ، ويبحث عنهم الملك وأعوانه ، فلا يرونهم ، ويلقي الله تعالى عليهم النوم { ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا }(من الآية 25 ـ الكهف) فتكون هذه هي هجرتهم الطويلة ، التي ضربها الله مثلاً رائعاً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر . ويكون الكهف أماناً لهم ، ورحمة من الله تكتنفهم ، وتنشر عليهم ظلالها ، وتهيء لهم الأمان ، والهدوء ، والسكينة : { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)}(الكهف) .

فوائد الأمان والحرية :
1ـ إمكانية العبادة لله سبحانه دون عوائق تُذكر، قال الله تعالى محدداً فائدة الانتقال إلى المكان الآخر : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}(العنكبوت) .
2ـ الحصول على الرزق الواسع ، وإغاظة العدو الذي لم يستطع كبح الدعاة المؤمنين : { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً }(من الآية 100ـ النساء) .
3ـ رضى الله عنهم ، لأنهم تركوا ديارهم ليأمنوا على دينهم ، تركوا الارض التي أحبوها ليمارسوا شعائر دينهم ، بحرية ، ويدعوا إليه دون رقيب وإيذاء ، أفلا يستحقون فضل الله وعفوه وكرمه ؟ { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)}(الحشر) .
4ـ كما أن لهؤلاء الخير في الدنيا ـ وهذه مثوبة سريعة ـ ولهم في الآخرة الأجر الكبير: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)}(النحل) .
5ـ تكفير السيئات ، ودخول الجنة ، والثواب الجزيل فيها ، قال تعالى : { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } (من الآية 195ـ آل عمران) .

ـ بل إن الملائكة المكلفة بأخذ الأرواح تقول للذين استكانوا إلى الظلمة ، ولم يخرجوا إلى أرض أخرى يقيمون فيها شعائر دينهم ، فصاروا أداة قمع في أيدي هؤلاء الظلام ، هؤلاء الملائكة يوبخونهم : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)} (النساء) .

ـ ومن الجدير بالذكر أن الذين آمنوا ولم يهاجروا في سبيل الله ، ورضوا أن يعيشوا في ظل القهر ، لا ينبغي أن نواليهم أو نصادق منهم أحداً ، حتى يحققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد في سبيل الله . قال تعالى : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ }(من الآية 89 ـ النساء) ، فالمؤمن لا يكتمل إيمانه حتى يفاصل الأعداء ويكون قادراً على التعبير عما في نفسه ، محققاً أوامر الله ، منتهياً عما نهيَ عنه حين يكون في دار الأمان والحريّة ، ، وتاريخ الأنبياء والرسالات أوضح أمثلة على ذلك وعلى هذا نفهم قول الله تعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(من الآية 72ـ الأنفال) .

فالمسلمون ثلاثة أقسام :
المهاجرون : فهم الأصل، لأنهم هجروا الديار والاوطان ابتغاء رضوان الله .
الأنصار : فهم نصروا الله ورسوله ، وجاهدوا بالنفس والمال ، وبين هذين الطرفين الولاء والنصرة .
المؤمنون الذين لم يهاجروا : حُرِموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله .
إن البحث عن دار الأمان ، والإنتقال إليها ، ليمارس الإنسان حريته في عبادة الله تعالى أساس لرضوان الله تعالى ، ذلك الرضوان والقبول عظيم لم يحدّده رب العزة إنما جعل تقديره ـ وهو عظيم ـ في علمه ، وكرمه وجوده سبحانه وتعالى حين قال : { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }(من الآية 100 ـ النساء) .

1ـ تركُ البيت ـ وهو ملاذ الإنسان الذي بناه ، وأتعب نفسه للحصول عليه ـ دليل على بيع الدنيا ولذاتها ، والانتقال إلى أرض غريبة بعيدة عن الوطن والأهل والذكريات لإقامة منهج الله سبحانه في دار الأمان والاطمئنان .
2ـ واللجوء إلى الله تعالى ، ومتابعة رسوله الكريم ، دليل آخر على الطاعة والولاء ، وبيع النفس والنفيس لهذه الدعوة المعطاة .
3ـ الثواب بناءً على هذا عظيم جليل ، يوازي هذا العطاء ، الذي بذله المؤمن عن رغبة وطواعية ، إنه ترَك متاع الحياة الزائلة ، فحق له أن ينال الأجر الكبير ، الذي يصدر عن الإله الكبير ، وما بعطبه الجليل لا شك أنه جليل .

يتبع

ياس
2015-02-10, 04:12 PM
شكر جزيلا للطرح القيم
ننتظر المزيد من ابداع مواضيعك الرائعه
تحيتي وتقديري لك
متابعين ان شاء الله.

نبيل
2015-02-11, 11:05 AM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الصبر

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هو التجلد وحسن الاحتمال . . . . ، وصبرَ على الأمر : احتمله دون جزع ، وصبر عن الشيء : منع نفسه عنه وحبسها ، واصْطَبَر بمعنى صَبَرَ .
والداعية الصابر من يتحمل الجهد والمكابدة ، وصلف المدعوين وجهالتهم ، وأذاهم قولاً وفعلاً ، في سبيل الله ونشر دعوته .
وهذا ما فعله الأنبياء أولو العزم ، فاستحقوا مدح الله سبحانه وتعالى ، وبه أمر الله نبيّه الكريم تأسّياً بهم وسيراً على طريقتهم : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } (من الآية 35 الأحقاف) .
وقال أيضاً مواسياً نبيَّهُ الكريم عليه الصلاة والسلام : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) }(الأنعام) .
وكان سيدنا يعقوب من الصابرين ، فسجّل الله سبحانه ذلك له ، فقال : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) }(يوسف)، وقال : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . . . } (من الآية 83 يوسف) .
والصبر الجميل : التسليم لقضاء الله دون تذمّر ولا فزع ، والرضا به انتظاراً لفَرَجه سبحانه .
وعلى هذا النوع من الصبر حث الإلهُ العظيم نبيَّهُ الكريم . . . فقال : { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)} (المعارج) .
وللصبر فوائد جمّةٌ أذكر بعضاً منها :

1ـ إنه من الأسباب المعنوية المؤدية إلى النصر ، قال تعالى : { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ... }(البقرة) .
وقال في ذلك أيضاً : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } (الأنفال) .
ويقول سبحانه أيضاً ، آمراً بالصبر في القتال على مناجزة العدو ، كي نحظى بالنصر : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) }(آل عمران) .

2ـ إنه يعين على البلاء والتحمل ، قال تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ . . . } (من الآية 45 البقرة) .
فالصلاة حين يؤديها المصلي بإتقان ، وإحسان ، فقد أدّى نوعاً من الصبر ، يرفع معنوياته .
وهؤلاء الرسل الكرام ، يقولون للكفار ، الذين يؤذونهم ومن آمن : { . . . وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } (من الآية 12 إبراهيم) .
وقال تعالى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) } (الشورى) .

3ـ وفي الصبر والتحمل خير لصاحبه من أن يثأر لنفسه . . فهو مسلم داعية . قال تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } (النحل) .
وبعض المسلمين لم ينتظروا خروج الرسول الكريم من حجرته إلى المسجد ، فنادَوه بصوت عال ، وقد أُمروا أن يغضوا من أصواتهم في حضرته ، فقال تعالى معلّماً الصبر والأناة والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم واحترامه : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) } (الحجرات) .

4ـ وعاقبة الصبر محمودة (( الجنّة )) ، قال تعالى يبشر المؤمنين الصابرين بالجنة والمآل الطيب : { . . وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) } (الرعد) .

5ـ والصبر يقلب الموازين ، فصبرك على أذى الآخرين ، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو صديقاً ، ويستلُّ منه سخيمة صدره فينقلب محباً ودوداً . . قال تعالى : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) } (فصلت) .

6ـ والصبر يورث الأجر ، قال تعالى : { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) } (هود) .
وحين كشف يوسف لإخوته عن نفسه ، فرأوا ما هو فيه من عزٍّ ومجدٍ ـ وقد كانوا يظنون به الموت أو الأذى ـ قال لهم منبهاً ومعلّماً : { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (من الآية 90 يوسف) .
ويقول سبحانه مقرراً الأجر الكبير للصابرين المتوكلين على الله في صبرهم : { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) } (النحل) .
وحين يشتد العذاب على المؤمنين في بلد ما ، عليهم أن يهجروه إلى أرض الله الواسعة ، ويصبروا على الغربة : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (من الآية 10 الزمر) .

7ـ والصبر على الدعوة يرفع الداعية ، ويجعله قدوة وإماماً ، قال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } (السجدة) .
وهذا الرجل الصالح صار معلماً لسيدنا موسى عليه السلام ـ في سورة الكهف ـ واشترط عليه أن يصبر عليه ، فلا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً ، ويجيبه موسى : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا }(من الآية 69 الكهف) ولو لم يكن الرجل صابراً ، لما صار معلماً له ، ولا أمكن أن يأمره بالصبر .

8ـ والصبر يقرب العبد من مولاه ، ويرفع مقامه ، قال تعالى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمره بالصبر ، والاستعانة بالله ، والاعتماد عليه : { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } (النحل) .
وأول المتقين ، والمحسنين ، وسيدهم ، رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأين مكان من صبر لحكم ربّه ، وسبّح بحمده في قيامه وصلواته ، في ليله وسَحَرٍه ؟ إنه في رعاية الله ومعيّته ، قال تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) } (الطور) .

9ـ وبالصبر النجاحُ والنصرُ والحفظُ ، قال تعالى واصفاً المنافقين وكرههم للمسلمين ، ومؤكداً نصره للمسلمين إن صبروا واتقوا :{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) } (آل عمران) .
وسيكون النصر للرسول الكريم ، الذي حقق الصبر ، والتزم التقوى ، وهو أهل لها :
{ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } (من الآية 49 هود) .
وماذا قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله ـ إن استشهدوا في سبيل الله ـ والحائزون على نصره إن صبروا { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (من الآية 246 البقرة) .
ويأمر الله تعالى نبيه الكريم ، وصحبه الأبرار أن يصبروا في القتال ، فما بعد الصبر إلا الظفر : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) } (الأنفال) .

10ـ ومدَدُ الله تعالى للمؤمنين بصبرهم وتقواهم ، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } (آل عمران) .
وحين صبر المسلمون في معركة بدر ، واستغاثوا ربهم ، وسألوه العون والمدد ، لبّاهم ، وكان عند حسن ظنهم سبحانه جل شأنه ، قال تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) } (الأنفال) .

11ـ والمسلم الصابر ممدوح . . ومن الذي مدحه ؟ إنه الله تعالى ومَنْ مدحه الله تعالى رفعه ، قال تعالى :
{ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) } (الحج) .
وقال تعالى يمدح الصابرين على ما أصابهم فيمن مدح : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (من الآية 177 البقرة) .
وقال تعالى يمدح الصابرين الذين قاتلوا مع أنبيائهم في سبيل الله ، وبذلوا كل ما في وسعهم ، ورفضوا الخنوع للعدو الكافر ، فقال سبحانه : { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) } (آل عمران) .
ومدح الله تعالى بعض أنبيائه لصبرهم ـ وكلهم صابرون ـ : { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) } (الأنبياء) .
ومدح أيوب عليه السلام بصبره على ما ابتلاه الله به : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } (من الآية 44 ـ ص ) .

وقد يصير الصابر إلى مقامات عليّة بصبره ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصابرين .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 12:18 PM
سلسلة من أساليب التربية في القرآن الكريم

العدل

الدكتور عثمان قدري مكانسي

هو " أساس الملك " وميزان الحياة الطيبة ، وبإقامته في مجالات الحياة يصل الناس إلى حقوقهم ، وينتفي الظلم ، ويعرف كل إنسان حدوده ، وفيه المساواة بين الجميع ، والإصلاح بين الفرقاء.
ويتجلّى العدل في القول ، والعمل ، والحكم .

والله سبحانه وتعالى يعلمنا العدل ، ويأمرنا به ، لأن فعله سبحانه العدل بعينه : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } (من الآية 115الأنعام) .

قال سبحانه آمراً وناهياً بما يقيم العدل : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} (النحل) .

ويقول سبحانه آمراً بالعدل ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، دون نقص ولا طغيان ، وإنصاف الناس في أوزانهم دون تطفيف ، { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} (الرحمن) .

وهدّد من يطفف الميزان بالويل والثبور ، وعظائم الأمور يوم القيامة ، فقال سبحانه : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) }(المطففين).

والعاقل من يفهم ويعي ، ويجنب نفسه الخسارة الرهيبة التي لا تعوض في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ويؤكد ذلك في ضرورة الإيفاء في الكيل ، والوزن الصحيح بالعدل والسوية دون خداع ولا احتيال ، فإن فعلوا ذلك وصدقوا نالوا في الآخرة المنزلة العالية ، وفي الدنيا الذكر الحسن : { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35)} (الإسراء).

ـ كما أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أرسل أنبياءه جميعاً لهداية البشرية ، فأنزل معهم الكتب السماوية لهداية الناس ، والقانون الذي يحكم به بين الناس ، وهو ميزان العدل الإلهي ، ليتعاملوا بالعدل والحق في معاملاتهم فقال سبحانه : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }(من الآية 25 الحديد) .
وإقامةُ العدل والقسط كما ذكرنا يريح العباد ، ويشعرهم بالأمن والأمان .

وإمام الرسل محمد عليه الصلاة والسلام على رأس الانبياء الذين أمرهم الله بالعدل ، والحكم بالحق فقال : { آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ }(من الآية 15 الشورى) .

وتراه سبحانه يؤكد للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الدين الذي أنزله عليه كان لبيان الحق ونشر العدل ، وإحقاق الحق ، { الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ }(من الآية 17 الشورى) .

وعلى الرغم من أن اليهود يكرهون الإسلام ، ونبيّه ، وكتابه ، والمؤمنين فإن هذا كله لا يمنع أنهم إذا جاءوا يحتكمون إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحكم بينهم ـ إذا رضي ذلك ـ بالعدل { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(من الآية 42 المائدة) .

ويأمر الله سبحانه وتعالى أن تكونوا ـ معشر المسلمين ـ . .
1ـ { قَوَّامِينَ لِلَّهِ
2ـ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ
3ـ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
4ـ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
5ـ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }(من الآية 8 المائدة) . .
ـ ويقارن الله سبحانه وتعالى بين رجلين ، يضرب بهما مثلاً :
أـ { أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ
ب ـ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم }(من الآية 76 النحل) .
إنّ مكانة من يحكم بالعدل ، ويأمر به ، ويتقي الله سبحانه ، مكانة عظيمة يندبنا الله تعالى إلى التسامي إليها ، والعمل لها .

ـ وتعال معي إلى ذلك الاهتمام الواضح بالمرأة ، والزواج بأكثر من واحدة ، وقضيّة الطلاق.
كان العرب يتزوجون ثم يطلقون دون التقيد بعدد الطلقات ، وهذا استعباد للمرأة ، وقهر لها ، فحدد الله تعالى عددها ، ومنع أحداً أن يأكل مهرها فقال :
{ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ
وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) }(النحل).
لكنْ إذا طلبت المرأة نفسها أن تفارق زوجها ، ولم تعد تطيق البقاء معه ، تخلّت عن مهرها ، وافتدت نفسها بذلك .

ـ وعلى الرغم من السماح بالتعدد ، فقد نبه القرآن أنه يسمح بالتعدد إذا عُدِل بين النساء ، وإلا فالواحدة أحسن { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً }(من الآية 3 النساء) .
فإن اضطر الإنسان إلى التعدد ـ وهو مباح ـ ولم يستطيع العدل بين نسائه ولو حرص على ذلك ، فليتق الله سبحانه ، وليحاول جهده ألا يميل عن الحق ويجور ، فيترك بعض نسائه وكأنهن مطلقات ، ويميل إلى إحداهن { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ . . . }(من الآية 3 النساء) .

ـ وقد يحدث قتال بين المسلمين أنفسهم فتجور قبيلة على أختها ، فماذا على الحاكم أن يفعل؟ اقرأ الآية الرائعة التالية تجد عدلاً وحزماً ثم رحمة :
أ ـ { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
ب ـ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
جـ ـ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) }( الحجرات).
وقد يحكم القاضي بين متخاصمَيْن ، أحدهما قريب له ، فهل يجوز أن يميل إليه في الحكم ، ويميت حقَّ صاحب الحقّ ؟ { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } (من الآية 152 الأنعام) ، فالقاعدة التي ينبغي للحاكم أن يسير عليها قوله تعالى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }(من الآية 58 النساء) ، فبالعدل نرضي ربنا ، فهو الحكم العادل .
والأمثلة على توخّي العدل به وافرة في كتاب الله ، تحثنا على الحكم به ، والالتزام به ، لنكون خير أمة أخرجت للناس .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 12:36 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الغفران والصفح

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقال : غفر له ذنبه : غطّى عليه وعفى عنه . وصفح عن ذنبه : أعرض عنه .
فالغفران أكثر تسامحاً وعفواً من الصفح ، وفي كلٍّ خيرٌ .
والقرآن الكريم يعلمنا الصفح والغفران ، وأن لا نحمل لأحد في قلوبنا ضغينة ، ولا في نفوسنا كشحاً ، فالدعاة إلى الله أسوتهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي ما كان يغضب لنفسه أبداً ، وكان أبشَّ الناس وجهاً ، لا يقابل الإساءة بالإساءة ، بل يقابلها بالعفو والغفران ما لم تكن في جنب الله سبحانه .
1ـ والله سبحانه وتعالى غفّار الذنوب وستار العيوب ، يعلمنا الغفران فيبدأ بنفسه ، وهو الذي لا يعجزه شيء ، لكنّه يحب أن يغفر لنا .
يقول لنا سبحانه : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(من الآية 53 الزمر) .
وأمرنا أن نغفر للناس ، ونتشبّه به سبحانه فقال : { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (من الآية 14 التغابن) .
2ـ بل إنه سبحانه أمر ملائكته الكرام أن يستغفروا لنا ، وهذا من كرمه وفضله سبحانه ، فيقول : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)} (غافر) .
ويقول سبحانه في استغفار الملائكة للمؤمنين أيضاً : {. . . . وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (من الآية 5 الشورى) .
وهذا يعقوب عليه السلام يعتذر إليه أبناؤه لخطئهم في حقه ، وحق يوسف عليه السلام ، فيقول : { . . . . سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (من الآيةـ98 يوسف) .

وهذا سيدنا أبو بكر الصدّيق حين يرى مِسطحاً نال من السيدة عائشة رضي الله عنها ، وكان يتصدق عليه ، فأقسم أن لا ينفعه بنافعة أبداً ، ولكنَّ الله سبحانه يعلمنا أن نعفو ونغفر ، فينزل آية يَأمره وغيره أن يعفوَ ويصفحَ ، فهذا أولى بالمسلم : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)} (النور) . فقال الصدّيق : بلى يارب ؛ أحب أن تغفر لي .

وفي معركة أحد خالف الرماة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فأمره الله سبحانه أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، فهم بشر يخطئون ، والعفو عنهم يجمعهم على حب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والطاعة له ، وتصحيح أخطائهم { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ . . . . } (من الآية 159ـ آل عمران) .

والإنسان إذا عفا عن أخيه ، وصفح عنه ، أحبّه أخوه ، وعظم في عينه ، وكذلك أُمِرَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقبل بيعة النساء ، ويستغفر لهن إذا التزمن التوحيد ، وامتنعن عن السرقة والزنا ، وقتل الأولاد ـ حين تطرح المرأة جنينها أو تمنع نفسها فلا تحبل ـ ويمتنعن عن إلحاق لقيط برجل ليس أباه ، ويلزمن أنفسهن بطاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال تعالى: { . . . . فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (من الآية 12ـ الممتحنة) .

وسيدنا يوسف عليه السلام ، كان إخوته سبب بلائه ، وبُعدِه عن والده مدة أربعين سنة ، فلما كشف نفسه لهم ، ورأوا مكانته السامية في مصر ، اعتذروا له طالبين الصفح والغفران ، فعفا عنهم وسأل الله تعالى المغفرة لهم { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} (يوسف) .

وما أجمل أن يدعو المسلم لأخيه بظهر الغيب ، ويسأل الله أن يغفر لهما ويجمعهما على ما يحب ويرضى . . إنه الدين الذي جمع قلوب العباد : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} (الحشر) .
مجتمع فيه تآلف ومحبّة ، كل واحد يرجو فيه الخير له ولأخيه ، هو مجتمع جذوره ذاهبة في الأرض ثباتاً ، وذُراه ذاهبة في السماء سموّاً وعلوّاً .
ـ حتى إن القرآن ليذهب أبعد من هذا ، فمن أساء إليك ، فلا تُسىء إليه إلا بقدر إساءته لك ، والأفضل من هذا الصفحُ والعفوُ والصبرُ الغفران والصفح قال تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ . . . (النحل) .

ماذا تفعل مع إنسان أساء إليك ، وأنت تريد له الخير ، أتمنع الخير عنه وتقول لا بد من عقابه ، أم تتناسى إساءته ، وكأن شيئاً لم يكن ، أم تقابل إساءته بالإحسان إليه ؟ .

لعل القرآن الكريم يريد لك أيها المسلم الداعية أن تكون أكبر من ردة الفعل ، فلك هدف تصبو إليه . . هذا ما يريده القرآن ، ومنزل القرآن سبحانه وتعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) )) (فصلت) .

وجعل الله تعالى أخذ الحق أمراً لا يُلام الإنسان عليه ، لكنَّ العفو أمر يحبه الله تعالى :
{ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)} (الشورى) .

لكن حين نعلم أن الله تعالى أعدَّ جنة عرضها السماوات والأرض للمتقين نسأل عن سمات هؤلاء المتقين ، لعلنا نكون منهم :
أ ـ { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
ب ـ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
جـ ـ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
د ـ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
هـ ـ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إِلَّا اللَّهُ
و ـ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)
زـ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ
الْعَامِلِينَ (136)} (آل عمران)

اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 12:41 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الالتزام بالوعد والعهد

الدكتور عثمان قدري مكانسي


صفة إيجابيّة يؤديها من كان الصدق ديدنه ، والمروءة والشهامة عُدَّتَه .
ويرفع الالتزام بالوعد صاحبه في أعين الناس ، ويقرّبُه إلى قلوبهم ونفوسهم ، فيعظم فيهم شأنه ، وتُعتمد عندهم كلِمتُه .
وإذا كثر هذا في الناس اطمأنّت أفئدتهم ، وارتاحت نفوسهم .
أما إذا أخلَّ الإنسان بعهده ، وضيّع وعده انقلب أمنه إلى توجُّس وحذرٍ ، وخاف الناس بعضهم بعضاً .

ولذلك يحضنا المولى تبارك وتعالى على حفظ الأمانة وأدائها إلى أهلها { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } (من الآية 58 النساء) .
ويأمرنا بإنفاذ العهد الذي قطعناه على أنفسنا ، قال سبحانه : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) }(النحل) .

ويؤكد سبحانه وتعالى الوفاء بالعهد ـ أيضاً ـ في وصاياه في سورة الإسراء {. . . . وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } (من الآية 34) .
أما المنافقون فلم يكونوا أهلاً لحفظ العهد مع الله سبحانه وتعالى ، فما هي عقوبتهم يا أخي الكريم ؟!
لقد كان العقاب شديداً: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)}(التوبة) .

وهل أشدُّ عقاباً من أن يعيش الإنسان منافقاً ، ويلقى الله منافقاً ؟ لقد وفـّى الله سبحانه لهم بما طلبوا حين آتاهم من فضله ، لكنّهم بخلوا وأعرضوا عن الدين القويم ، وشاقـّوا الرسول الكريم ، فنالوا جزاءهم .
ولأهمية إنفاذ العهد نرى الفكرة تتكرر مرة أخرى في قوله تعالى في حق المنافقين في غزوة الأحزاب :
{ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ
إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ
وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)}(الأحزاب) .

والكفار والمنافقون ـ على حد سواء ـ لا يَفون بالعهد . . لماذا ؟ لأن الذي يفي بعهده عاقل لبيب ، يحترم نفسه ، وصادقٌ فيما يقول . . وهذه ليست من صفاتهم ، إنها صفات المؤمنين .
فحين أرسل الله تعالى على فرعون وقومه الدمَ والضفادع َ والقمّل ، وعدوا موسى أن يؤمنوا بالله إن كشف الله الضرّ عنهم ، وعاهدوه على ذلك ، فماذا فعلوا حين كشف الله تعالى عنهم البلاء ؟ نقضوا العهد وأخلّوا به : { وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)}(الزخرف)
والنكث بالعهد صفة المذمومين ومَنْ لا خلاقَ لهم .

ولعلَّ سيدنا أيوب الذي مسّه الضرُّ وكان جسمه عليلاً مدّة طويلة من الزمن ، وابتعد الناس عنه ، وتقزّزوا من رؤيته ، وما كان أحد يدخل عليه ، انشغلت زوجته ـ وهي الإنسان الوحيد الذي ما فارقه ـ فتأخّرت عنه مرة فأقسم لئن شوفي ليجلدنها مئة مرة . . فلما شفاه الله تعالى لم يطاوعه قلبه أن يعاقب زوجته الصابرة المخلصة ، لكنْ ماذا يفعل وكيف يبرّ بقسمه ؟ .
وأراد الله سبحانه وتعالى أن يبرَّ أيوبُ بعهده ، دون أن يؤذي زوجته ، فأمره أن يجمع مئة عود فيضربها ضربة خفيفة ، تكون حلًّا لقسمه : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)}(ص) .

والله سبحانه وتعالى حذّرنا من الشيطان وأحابيله ، وسماه الغَـَرور ، فَحَذِرَ منه المؤمنون فنجَوْا ، وتبعه الغاوون ، فكانوا معه في جهنم . كان في الدنيا يزيّن لهم المفاسد والأهواء فانغمسوا فيها ، وجرَوا وراءها يلهثون ، فلما التقوا معه في العذاب بانت الحقيقة ، ولكنْ بعد فوات الأوان { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ
وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)}(إبراهيم) .

وقد بايع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائدهم العظيم في صلح الحديبية ، فأعلمهم ربُّ العزة : أنَّ مبايعتهم نبيّهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبايعة لله سبحانه وتعالى ، وأن الذي يحافظ على البيعة له أجر كبير ، أما الذي ينقض البيعة فقد أساء إلى نفسه وظلمها ، يقول الله عزّ وجلّ : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) }(الفتح) .
ويقول سبحانه أيضاً في سورة الفتح نفسها مادحاً المسلمين لالتزامهم بما عاهدوا الله عليه :
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا . . . . }(الفتح) .

وقد وعد الله تعالى المؤمنين الجنّة فقال : { هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50)
مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51)
وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52)
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)}{ص} .

وفي سورة الأحقاف نجد صورتين متناقضتين ، الأولى للمسلم المؤمن الذي يخاف الله ، ويحبه ، ويرجو ثوابه ، والثانية للكافر الفاسق .

فماذا وعد الله المؤمن ؟
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) } (الأحقاف) .

وبماذا وعد الكافر ؟
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)}(الأحقاف) .

فمِنْ أي النوعين تريد أن تكون أيها الإنسان العاقل ؟ .
ويوم القيامة ينبت الناس من الأرض كما ينبت البقل ، والمؤمنون متيقنون سابقاً ولاحقاً أن الله سبحانه سيجمعهم يوم القيامة ، أما الكفار فإنهم يتساءلون خائفين : { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)}(يس) .
فوعد الله حق ، لأنه سبحانه هو الحق { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } (من الآية 122 النساء) ،
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } (من الآية 9 آل عمران) .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 12:49 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التحبب

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقول الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا . . . . }(إبراهيم) .

هكذا تفعل الكلمة الطيبة في نفوس السامعين ، تدخل القلوب دون استئذان ، ويتبوأ صاحبها المكانة المقبولة في نفوسهم ، ويستمعون له ، ويحبونه ، أما الكلمة الخبيثة ، فعلى العكس من ذلك تنفـّر الناس من صاحبها ، ويجدونه ثقيلاً على أنفسهم ، ثقيلاً على قلوبهم .

فحين عاتب الله عزّ وجلّ نبيّه وحبيبه محمداً عليه الصلاة والسلام حين أذن للمنافقين أن لا يخرجوا معه في غزوة تبوك بدأه بكلمة يفيفة على النفس ، محببة لدى المخاطَب ، فقال سبحانه : { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} (التوبة) فكان العفو قبل العتاب .

وحين عاتبه في أمر ابن أم مكتوم ، لم يخاطبه مباشرة بل حدّثه بضمير الغائب ، فقال :
{ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) }(عبس) ، ولم يقل عبستَ وتوليتَ أن جاءك الأعمى . . . فإذا كان رب العزّة يتحبب إلى خلقه ، ويتودد إليهم ـ وهو الودود الرحيم ـ أفلا ينبغي لنا أن نسلك هذا الطريق الذلول لنصل إلى قلوب الناس ؟ ، والمؤمن ألوف مألوف .

والله سبحانه رؤوف بعباده حريص على إيمانهم ، يتحبب إليهم برفقٍ قائلاً : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) }(الزمر) .

ويقول : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}(العنكبوت) .

ويخاطب رسوله الكريم : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)}(الحجر) ، { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(من الآية 53 الإسراء) . وهل أروع من تحبب المولى إلى عباده؟!

ويخاطب موسى عليه السلام حين أمره أن يترك مصر إلى سيناء بالمؤمنين: { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)}(الدخان) . فتجيب إلينا بكلمة { عبادي } .

وهذا لقمان الحكيم الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى بالهداية ، فشكره على نعمته ، فزاده منها ، يقول لولده متحبباً متقرباً ينصحه : { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }(من الآية 13 لقمان) ،
{ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) ،
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)}(لقمان) .
فكرَّرَ كلمة { يا بُنَيَّ } وهي كلمة لطيفة أنيسةٌ تدخل القلوب وتستقرّ بها .

وحين يأمرنا الله تعالى ببرّ الوالدين ، يتلطف معنا ، فلا يستعمل صيغة الأمر كي لا يستثقله الإنسان فينفر منه ، بل يأتي بصيغة الماضي والتذكير بالفضل : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ . . . } (من الآية 14 لقمان) ،
{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا . . . . }(من الآية 15 الأحقاف) .
{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا . . . . }(من الآية 8 العنكبوت) .
وتراه سبحانه وتعالى كثيراً ما يستعيض عن الأمر بالوصية :
[ { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }(من الآية 151 الأنعام) ،
{ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }(من الآية 152 الأنعام) ،
{ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(من الآية 153 الأنعام) ] .

ـ هذا يوسف عليه السلام يخاطب أباه بأدب ولطف وتحبب ، فيستعمل كلمة { أَبَتِ } { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا . . . } (من الآية 4 يوسف) .
{ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ . . . } (من الآية 100 يوسف) .

ـ وإبراهيم الخليل يتلفظ بالكلمة نفسها لأبيه الكافر ، متقرباً إليه ، يدعوه إلى الإيمان ويتحبب مكرراً هذه الكلمة التي يعشقها الآباء ، ناصحاً وواعظاً :
{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
أ ـ { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)}
ب ـ { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)} .
جـ ـ { يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)} .
د ـ { يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)} (مريم) .

ـ وهذا ابنه إسماعيل الذبيح يخفف عن أبيه لواعجه ، ويساعده على الاستسلام لأمر الله ، وطاعته .
{ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }(من الآية 102 الصافات) .

وهذه البنت الواعية ، الموقّرة لأبيها تعرض عليه بأدب أن يستأجر موسى عليه السلام بالكلمة نفسها .
{ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }(من الآية 26 القصص) .

والأمثلة في هذا الباب كثيرة .

كما أن الأنبياء عليهم الصلوات والسلام جميعاً ، على الرغم من أذى أقوامهم لهم ، وسوء معاملتهم إياهم ، تجدهم حين يخاطبونهم ، يتوددون إليهم ويتقربون بقولهم : (( يا قوم )) ، وفي القرآن عشرات الأمثلة من هذا التودد منها :

أ ـ قول موسى عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ
فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)}(المائدة) .

ب ـ قول إبراهيم عليه السلام : { فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }(من الآية 78 الأنعام) .

جـ ـ قول نوح عليه السلام : { فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } (من الآية 59 الأعراف) .

د ـ قول هود عليه السلام : { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } (من الآية 65 الأعراف) .

هـ ـ قول صالح عليه السلام : { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ } (من الآية 73 الأعراف) .

و ـ قول شعيب عليه السلام : { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ . . }(من الآية 26 الأعراف) .

ز ـ الرجل الصالح في سورة يس : { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) }(يس) .

حتى إنَّ فرعون ذلك المتكبر المتغطرس ، حين أراد أن يتقرب إلى الغوغاء من شعبه ليضلهم { قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ }(من الآية 51 الزخرف} .

فحريٌّ بنا أن نكون من أتباع الأنبياء ، محبين لقومنا ، ندعوهم إلى العودة إلى الله سبحانه وتعالى بلطف وتحبب .

وهذا ربُّ العزة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}(القلم)} ، { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }(من الآية 159 آل عمران) .

ولنا فيه عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة ، وفي إخوانه عليهم الصلوات جميعاً .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 01:00 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

بذل المساعدة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقول الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . . )) .
هذه دعوة إلى الخير ، ومساعدة الناس ، لما في المساعدة من إغاثة للملهوف ، وتخفيفٍ عن المكروب ، وعونٍ للمحتاج . وهي تدل على الأخوّة الصادقة في المجتمع الموحّد . وعلى التماسك القوي بين أفراده ، واللّحمة المتينة بين أنسجته ، فتزيد أواصره قوّةً ، وروابطه شدة .
والقرآن الكريم سرد لنا بعضاً من صور المساعدة الفردية ، والمساعدة الجماعية ، لتكون لنا قدوة ودافعاً إلى التكاتف والمحبة .

ـ فهذا سيدنا موسى عليه السلام يفرُّ هارباً من الظالمين الفراعنة ، ويسأل الله تعالى أن ينجيه منهم ، وينطلق متجهاً إلى الشام ، يرجو ربّه أن يهديه سواء السبيل ، فيصل آمناً إلى مدين ......{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)}(القصص) .
فشهامته على الرغم من خوفه ، وغربته ، وجوعه ، أبت أن يرى فتاتين تنزويان عن الرجال ، منتظرتين أن ينتهوا من سقاية أغنامهم ومواشيهم ، فتسقيان . وتعجَّب أن لا يكون لهما راعٍ ، فسألهما ، فعرف أنهما ابنتان لرجل هرم ، لا يقوى على السرح بالماشية ورعيها ، وليس في الأسرة رجال ، وليس في المقدور استئجار الرعيان ، فاضطرتا إلى فعل ذلك ، فتقدّم موسى فسقى الماشية بهمة وقوة ونشاط قبل الرعاة ، ودفع بها إلى الفتاتين ، فعادتا مبكرتين على غير عادتهما ، فسألهما والدهما عن السبب ، فأخبرتاه بما جرى ، فاستدعاه وزوّجه إحداهما ، ليعمل عنده في رعي الغنم . . .

ـ وبذل المساعدة تتأثر بها النفوس ، والتصرف الحكيم يعدّل الموازين ، فتصفو القلوب ، وتأرز الأفئدة لصانع المعروف ، وتنقلب العداوة قرباً وصداقة ، والبغض محبة ووداداً . . قال تعالى :
أ ـ { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
ب ـ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
جـ ـ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
د ـ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
هـ ـ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)}(فصلت) .

فالحسنة فعل تستحسنه النفوس وترجوه ، وتأنس إليه وتعظم صاحبه ، والسيئة فعل تستقبحه وتنفر منه ، وتكرهه وصاحبَه ، فإذا العدوّ القالي يصبح صاحباً ، وحبيباً ، مما تقدم له من عون ، وصفح ، ووجه بشوش ، وابتسامة جذّابة .

ـ وهذا ذو القرنين ـ رضي الله عنه ـ مكّن الله له في الأرض ، شرقها وغربها ، فلم يتكبر ويتجبّر ، إنما كان مثالاً يُحتذى في البرّ والخير ، فلما فرغ من نشر الدعوة في الشرق والغرب ، انطلق إلى الشمال ، حيث الجبال الشاهقة ، حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين ، بمنقطع بلاد الترك وجد قوماً متخلفين ، لا يكادون يعرفون لساناً غير لسانهم ، إلا بمشقة وعسر ، لبعدهم عن مخالطة غيرهم ، ولم يفهم كلامهم إلا بترجمان ، ولعل اعتداء قبيلتي يأجوج مأجوج الدائم وتجبرهم كان يخيف هؤلاء فلما رأوا ذا القرنين قادماً بجيشه العظيم حسبوه غازيا متجبراً كتلكما القبيلتين فانعقد لسان القوم من الخوف ابتداءً ، فلما اطمأنوا إليه أخبروه أن قبيلتي (( يأجوج ومأجوج )) قوم مفسدون ، بالقتل والسلب والنهب ، يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ، ولا يابساً إلا احتملوه ، وسألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يمنع غائلة المفسدين ، وأعلنوا أنهم سيتحملون التكلفة .
فلم يأخذ منهم شيئاً ، فالله تعالى بسط له القدرة والمال ، فما يحتاجهم إلا بالرجال العاملين ، وبنى لهم السدَّ الحصين العالي المتين من الحديد المصهور ، والنحاس المذاب ، الذي صبه عليه فصار جبلاً صلداً ملتصقاً بعضه ببعض ، فما استطاعوا نقبه لصلابته وثخانته ، ولا أن يعلوه ويتسوّروه لملاسته ونعومته ،قال تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}(الكهف) . إن الأمان بسط ألسنتهم وحرك بالتفكير عقولهم .

ـ وهؤلاء الأنصار أهل المدينة المنوّرة من الأوس والخزرج ـ رضي الله عنهم ـ يحجون مكة ، ويؤمن العشرات منهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويبايعونه على نصرته ، ونصرة المؤمنين من أهل مكة وغيرهم ، إن أقبل إليهم . . وهكذا كان . . فانتقل الرسول الكريم وأصحابه إلى المدينة ، فاستقبلهم إخوانهم من أهلها إستقبالاً حسناً ، شهد به القرآن الكريم ومدحهم بذلك ، فقد آمنوا بالله ورسوله ، وأكرموا المسلمين المهاجرين فأسكنوهم ديارهم ، وقاسموهم أموالهم ، وفضّلوهم في الغنائم على أنفسهم دون شحّ ، ولم يجدوا في أنفسهم غيظاً وحسداً مما أخذوا فاشتدت الألفة بينهم ، والحب والأخوة ، فأسسوا مجتمعاً طيباً ، ينتشر عبقه على مدى الدهور وكرَّ العصور { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} (الحشر) .

ـ وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بأداء زكاة أموالهم للمحتاجين من إخوانهم ، وجعل أداءها ركناً من أركان الإسلام ، فأفاد أموراً كثيرة منها :
1ـ بناء مجتمع متكامل متراحم ، تسوده مشاعر المحبّة والالفة .
2ـ مَحْوُ الضغائن من قلوب الفقراء نحو الأغنياء . . .
3ـ تقليص الهوّة بين أفراد المجتمع وطبقاتهم ، فلا يكون أغنياءُ مترفون ولا فقراءُ مُعْدَمون .

فأمر الله تعالى أن تدفع الزكاة في عديد من المصارف ، وحدّد الأهم فالأقل أهميّة لتحقّق وجود ذلك المجتمع المتجانس المتآلف { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(60)}(التوبة) .
وأمرنا أن نعطي الأقرب أولاً ـ فالأقربون أولى بالمعروف ـ ثم المسكين ، فهو عفيف اليد واللسان ، لا يسأل أحداً ، لكنَّ حياته ناطقة بمعاناته ، ثم ابن السبيل الذي انقطع عن بلده ولم يجد ما يبلّغه دياره ، قال تعالى : { فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } ثم أعقبه بقوله : { ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38)}(الروم) .

وهذا الرجل الصالح معلم سيدنا موسى ، يساعد الناس بأمر من الله تعالى ، وبطريقة لا نعرفها ، فهو يخرق السفينة ، وأهلها لا يعرفون ، فحين تقع في يد الملك ، ويريد أخذها منهم يرى الخرق ، فتعافها نفسه ويتركها .
ويقتل الغلام ، لأن الله يعلم أن هذا الفتى إن عاش وصار رجلاً فسيرهق أبويه طغياناً وكفراً ، فيبدلهما الله خيراً منه فتاة تصير زوجة نبي من أنبياء الله ،
ثم يبني الجدار في القرية على الرغم من امتناع أهلها أن يَقْروهما لأن صاحبي هذا الجدار ما يزالان طفلين ، وقد ينهدم الجدار وتحته كنز لهما ، فيضيع هذا الكنز بأيدي الجشعين . ويبقى الجدار ويظل الكنز خبيئاً تحته ، حتى يكبرا ، ويشتد عودهما ، وينتفعا بالمال . . سبحان الله . . . (عد الى القصة في سورة الكهف)

إن المسلم يبذل ما في جهده لمساعدة إخوانه في بقاع الأرض كلها ليحقق معنى الأخوّة الإسلامية .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 01:08 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

النصيحة والحضُّ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


النصيحة ، الوعظ بودٍّ وإخلاص .. والحضُّ : الحمل على الشيء والإغراء به ، والحث عليه

والقرآن الكريم حرص على النصيحة ، فهي أسلوب يدفع إلى فعل الخير ، وركوب الطريق الصحيح ، فعلاً كان أم تفكيراً ، بطريقة تدع المنصوح راغباً دون شعور بالمساءة .
وللنصيحة والحضّ عليها أساليب عدة ، سلكها القرآن ، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1ـ الشرط : قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) }(البقرة) ، وقال سبحانه : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)} (النساء) .
فالقرآن في هاتين الآيتين الكريمتين ينبه إلى أن النفس العظيمة تطلب الشيء النفيس الباقي ، وذلك باللجوء إلى الله تعالى وحده سبحانه ، والإيمان به ، وطلب الدار الآخرة .
ونرى موسى عليه السلام ، ينصح قومه بالتوكل على الله : { إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ }(من الآية 84 يونس) ،
وعلى هذا الأساس نرى الله سبحانه وتعالى يحضّ نبيه الكريم ، على التوكل على الله ، والاكتفاء به حسيباً : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)} (التوبة ) .
وأسلوب الشرط في إسداء النصيحة والحضّ على الخير كثير في القرآن الكريم .

2ـ لولا التحضيضيّة : { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ }(من الآية 16 هود) .
فهلاّ . . . ولكنْ كان أولئك بعيدين عن التعقل والفهم ، ولم يكن منهم أول ألباب وعقول .
. . . وفي حديث الإفك ، حضّ على التفكير للوصول إلى معرفة الحقيقة : { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)} (النور) .
وحضهم على التزام شرع الله في الوصول إلى الحق ،
وعودة إلى أول السورة نجد أنه ينبغي المجيء بأربعة شهداء لإثبات زنا المرأة : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) }(النور) .

3ـ النداء والأمر والنهي : وقد تجتمع في كثير من الآيات ، بل في أكثرها . . ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}(البقرة) .
فاليهود يقصدون من كلمة " راعنا " المسبّة ، والشتيمة ، كما أنها قد توهم الجفاء ، أو التنقيص في مقام يقتضي إظهار المودّة والتعظيم .
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)}(الأنفال) .
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)}(الأنفال) .
4ـ ويجتمع النداء والنهي في القرآن كثيراً : ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ }(من الآية 11 الحجرات) ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ . . . }(من الآية 264 البقرة) .

5ـ ويجتمع النداء والأمر أيضاً : ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)}(البقرة) ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ . .}(من الآية 6 التحريم} .

6ـ ونرى المقارنة والاستفهام مجتمعَيْن : كقوله تعالى : { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)}(هود) ، وكأنه سبحانه يقول لأهل العقول : تذكروا وعوا . . .
ومنها الاستفهام بـ (( هل )) كقوله تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}(هود) .
ومنها الاستفهام بـ (( مَنْ )) كقوله تعالى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً . . . . }(من الآية 245 البقرة) .
ومنها الاستفهام بـ (( الهمزة )) كقوله تعالى : { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}(المائدة) .

7ـ وقد نجد الأمر وحده : كقوله تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) }(البقرة) .

8ـ وقد نرى النهي والأمر معاً : كقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)}(النساء) .

9ـ الإخبار: في قصة السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت نجد الأفكار التالية التي يسمعها الرجل العاقل اللبيب فيمتنع أن يكون مثل أصحابها :
أ ـ نبذ فريق من الذين أوتوا كتاب الله وراء ظهورهم .
ب ـ جاءهم الحق ، فتناسوه كأنهم لا يعلمون .
جـ ـ اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان .
د ـ لم يكفر سليمان ، والشياطين كفروا .
هـ ـ المتعامل بالسحر ما له في الآخرة من خلاق .
فكان هذا الإخبار نصيحة وحضاً على التزام الطريق الصحيح .
قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) }(البقرة) .
وكذلك الإخبار في قوله تعالى : (( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ))(آل عمران) .

10ـ الوصية : وهي أسلوب رفيع في النصيحة والحضّ عليها .
وقد ذكرت في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين مرة في صيغ عديدة فيها الأدب العالي والأخلاق الرفيعة . . فمن أمثلتها :
أ ـ ما وصى به الأنبياء أولادهم في التزام التوحيد . . قال تعالى : { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}(البقرة) .

ب ـ ما وصّى به الله تعالى أولي العزم من الرسل حين شرع لهم ، قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . . }(من الآية 13 الشورى) .

جـ ـ وفي ثلاث آيات من سورة الأنعام نجد وصايا متتالية ، مصابيحَ هداية تنير للسالكين دروب الهداية ، وسبل النجاة ، قال تعالى :
{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
1ـ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
2ـ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
3ـ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
4ـ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
5ـ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} .
6ـ { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
7ـ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
8ـ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
9ـ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } .
10ـ { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} (الأنعام) .

وأساليب النصح في القرأن الكريم كثيرة ، كثيرة . . . بحسب اللبيب أن يراجع الآيات الكريمة بتفحص وإمعان ، ليجد فيها ما يساعده على الوصول إلى قلب السامع والمخاطب . . .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 01:13 PM
سلسلة من أساليب التربية في القرآن الكريم

المشورة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لماذا يستشير أحدنا غيره ، وهل من فائدة في المشورة ؟ .
إذا استشرت فقد طلبت النصح ، لتصل إلى وجه الصواب ، وتستنير برأي الآخرين .
ففي الاستشارة ـ إذاً ـ فوائد كثيرة منها :

1ـ الاستنصاح للوصول إلى الوجه الأكثر كمالاً .
2ـ عدم الانفراد بالرأي ، فالانفراد يعدُّ خطلاً وضعفاً .
3ـ تحميل الآخرين مسؤولية اتخاذ القرار ، والمشاركة فيه .
4ـ بناء مجتمع متماسك ، يشعر كل واحد فيه أنه لبنة مفيدة .

والشورى ركن مهم من أركان المجتمع الإسلامي ، حضّ عليه ديننا العظيم ، فقال تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }(من الآية 38 الشورى) فلا ينفرد في القرار أحد ، ويتعاون الجميع على إنضاجه وإبرامه ، ليكون أكثر إحكاماً وسداداً .

ـ وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثيرة المشورة لأصحابه ، في أمور الحياة سلمِها وحربها وقد مدح الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، باللطف في معاملة أصحابه ، فالتفّوا حوله واجتمعوا عليه ، على الرغم من أخطاء الكثيرين منهم ، ولو لم يكن كذلك لتركوه ونفروا منه ، وقد أمره الله سبحانه ـ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدوتنا ـ أن يعفو عنهم ويتجاوز عن إساءاتهم ، ويطلب لهم المغفرة من الله تعالى ، ويستشيرهم في جميع أموره ، ليقتدي بفعله الناس { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}(آل عمران) .

ـ وكان التشاور ـ وما يزال ـ من شيم المجتمع الإسلامي حتى في الأمور العادية ، فإن طلق رجل امرأته ، وله منها ولد ترضعه ، فاتفقا ـ ليذهب كل واحد في سبيله فتتزوج هذه المطلقة ـ على فطامه قبل انقضاء الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة للولد بعد التشاور لم يكونا آثمين { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا }(من الآية 233 البقرة) (الفصال:الفطام).
فهذا مثال وإن كان مهماً فهو بالنسبة إلى غيره من الأمور يعتبر عادياً ، ومع ذلك فقد استحسن فيه التشاور ، فما خاب من استشار .

ـ والمشورة ترتفع بالمستوى الإنساني إلى درجة عالية ، لا ينفرد بها المسلمون فقط ، إنما هي سمة عامة بالمجتمع الذي يريد أفراده الحياة الطيبة ، والوصول إلى المكانة اللائقة ، والطريق الصحيح الموصل إلى الغاية الصحيحة .
فهذه ملكة سبأ ، يأتيها من سليمان عليه السلام ، كتاب يلقيه عليها الهدهد ، ففتحه فإذا أوله بسم الله الرحمن الرحيم ، ومضمونه دعوة إلى توحيد الله والانقياد لأمره وطرح التكبر ، والسفر إلى الشام مع وجهاء قومها مسلمين طائعين موحدين فجمعت كبار قومها وأهل الرأي والمشورة قائلة : { يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ }(من الآية 32 النمل).
فبغير حضورهم ومشورتهم لا تقطع بأمر ، ولا تقضي بتصرف وعمل .
قال القرطبي : ( أخذَتْ في حسن الأدب مع قومها ، ومشاورتهم في أمرها في كل ما يعرض لها ، فراجعها الملأ بما يُقر عينها ، فأعلموها بقوتهم وبأسهم ، ثم سلموا الأمر بعد المشورة إليها ، وهذه محاورة حسنة من الجميع ) .
قال الحسن البصري : ( فوضوا أمرهم إلى امرأة ـ نعم إلى امرأة ـ فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم منهم رأياً وعلماً ، فقالت : { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)}(النمل) وهكذا فعلت ثم رأت الحقَّ أحقَّ أن يُتبع ، فذهبت إليه ، وآمنت به ، وتزوجته ، فكانت من الناجين في الدنيا والآخرة ، وكانت فألاً حسناً لقومها ، وهادية لهم إلى الإيمان بحسن عملها .

ـ وفعل فرعون ما فعلت ملكة سبأ من المشورة ، لكنّه بجبروته وتكبّره حاد عن الطريق وسقط في الحضيض .
فحين جاء موسى وهارون يدعوانه وقومَه وبني إسرائيل إلى الإيمان بالله ، جادلهما فرعون ، وحاول إرهابهما وتخويفهما ، فردّ عليه موسى ردّاً عقلانياً يدلُّ على الإيمان العميق بالرسالة التي كُلّف بها ، وقارعه الحجةَ بالحجة . فلما أفلس هدّدَه بالاعتقال والسجن . . فما كان من موسى إلا أن أظهر آيتيه اللتين زوّده الله تعالى بهما ـ إلقاء العصا ، فتنقلب حيّة تسعى ، وإدخال اليد في فتحة القميص وإخراجها بيضاء تلمع وتضيء ـ ، فلما رأى فرعون هاتين الآيتين بُهِتَ أول الأمر ، ثم استعان بالأعوان ، لا ليدلّوه على الطريق الصحيح ، والدين القويم ، إنما ليعينوه بمكرهم ، ودهائهم على التصدي لهذا النبي الذي يملك سلاحاً قوياً كاد يعصف بفرعون وعرشه ، فلم يقل ما قالته ملكة سبأ : { أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } ، طالبة النصح والرشاد بل أعلن كفره بموسى ابتداءً ، فحرّض هؤلاء عليه حين قال : { قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)}(الشعراء) ، فكان كما أراد فرعون ، فقد فهموا أنّه لا يريد نصيحة حين أوهم أنه يستشيرهم ، وعرفوا مرماه ، وكانوا كما قال تعالى ذامّاً إياهم : { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)}(الزخرف) ، فقالوا له ما وافقه وأرضاه وزاد في طغيانه وضلاله { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)}(الشعراء) .
وكانت النتيجة أن الله سبحانه وتعالى أغرقه وجنوده في اليم ، جزاءً وفاقاً على كفره وطغيانه وفساده { وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)}(الذاريات) ، فآمن ساعة لا ينفع الإيمان ، آمن وهو يغرق { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}(يونس) فكان من الهالكين . . .

ـ وهذان سيّدانا إبراهيم وإسماعيل يضربان المثل الأعلى ، في الاستشارة وإن لم تكن استشارة حقيقية . . . فكيف ؟ .
لما ترعرع إسماعيل وشبَّ وبلغ السنّ الذي يمكنه أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه قال له حين أُمر في المنام بذبحه : { يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى }(من الآية 102 الصافات) .
ورؤيا الأنبياء وحيٌ فعيونهم تنام ، ولا تنام قلوبهم ، فلما سأل إبراهيم ابنه : ما رأيك في الذي رأيت ، لم يكن يشاوره ليرجع إلى رأيه فهذا أمرٌ حتمٌ من الله وما سأله إلا ليعلم ما عنده ، فيثبت قلبه ، ويوطن نفسه على الصبر ، فأجابه ابنه بأحسن جواب : { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }(من الآية 102 الصافات) . وهذا جواب أولي الحلم والصبر والامتثال إلى أمر الله والرضا بقضاء الله . .

جعلنا الله تعالى من أهل هؤلاء الكرام لتفوز برضا الله سبحانه وننجو من عذابه ، بل قل : لنكون من أهل الله .

يتبع

نبيل
2015-02-11, 01:19 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التلطُّف والاعتذار

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يستطيع الإنسان أن يأخذ باللطف ما لا يستطيع أخذه بالعنفوان . وبالكلمة الطيبة ، والابتسامة اللطيفة ، يصل الإنسان إلى مأربه .

والله سبحانه وتعالى خلق سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام ليناً هيناً مع الناس ليكون نموذجاً حسناً حياً للدعاة ، ولو كان عصبياً سريع الغضب ما ألفوه وتبعوه { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ . . . }(من الآية 159 آل عمران) .

وأمره سبحانه أن يقبل من الناس ما عفا وتيسَّر من أخلاقهم ، وأن يحضَّ على فعل ما هو حسن ، وأن يتناسى جفاء الجاهلين ذوي القلوب القاسية { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)}(الأعراف) .

بل إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستغفر للمنافقين ، وظلَّ على هذا إلى أن نهاه ربه عن ذلك ، حين قال سبحانه : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}(التوبة) .

وأمره سبحانه وتعالى أن يتلطف في الدعوة إلى الله سبحانه : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(من الآية 125 النحل) . فالإنسان عقل وكتلة مشاعر ، يحسن بالداعية أن يراعيها ويدخل إلى أصحابها من الباب المفتوح والطريق السهلة .

ـ وحين شعر إخوة يوسف بضعف موقفهم ، حين استُخْرِجَتِ السقايةُ من رحل أخيه وأخذه ـ ظاهرياً ـ رقيقاً بشرع يعقوب ، فالسارق يُستعبد ، جاءوه بطرف منكسر ، ولطف حزين ، فقالوا يستعطفونه ويتزلفون إليه : {. . . يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)}(يوسف) .
وما عكموا حين رأوا أباهم عمي من شدة حزنه على يوسف من قبل ، وبنيامين من بعد ، إلا أن أعادوا الكرة ودخلوا على يوسف مستعطفين بما وصلت إليه حال أبيهم وبفقرهم { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)} (يوسف) .
وحين سقط في أيديهم وانكشفوا أمام أبيهم ، وكانوا قد انكشفوا أمام أخيهم ، فسامحهم ، قالوا لأبيهم معتذرين : {. . . . يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(97)}(يوسف) .
فنسي الأب أو تناسى إساءتهم - والأب عطوف رحيم بأبنائه - سامحهم فوراً فـ {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)}(يوسف) .

ـ وهذا سيدنا موسى يقابل الرجل الصالح ، الذي آتاه الله تعالى رحمة من عنده ، وعلّمه من لدنه علماً . فيسأله أن يرافقه ليتعلّم منه ما علمه الله ، فيشترط عليه الرجل الصالح أن لا يسأله عن شيء حتى يخبره هو به ، فلما ركبا في السفينة وخرقها أنكر عليه موسى فعلته ، إذ كيف يبادي خيرهم بشرٍّ ؟ !! ، فذكّره الرجل الصالح بما اشترط فقال موسى معتذراً : { ..لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}(الكهف) ، فالاعتذار تعبير عما في النفس من شعور بالذنب ، والكريم يغفر للكريم .

ـ ودخل رجل على الخليفة هارون الرشيد ينصحه ، ويذكره بالآخرة ، فكان في نصحه عنفٌ ، فقال له هارون : لقد أرسل الله تعالى موسى وهارون ـ وهما خير منك ـ إلى فرعون ، وهو شرٌّ مني ، فقال لهما : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} (طه) فخجل الرجل من هارون الرشيد وانقلب الواعظ موعوظاً ، والموعوظ واعظاً . . فالقول الهين اللين يفعل الكثير ويفتح مغاليق القلوب .

ـ وحين عاد موسى إلى قومه بعد أن كلّمه ربـُّه تعالى وجد بعضهم يعبدون العجل من دون الله ، ولم يستطع هارون أن يثنيهم ، فلم يكن قوياً ذا بأس كموسى فالتفت موسى إلى أخيه غاضباً ممسكاً بلحيته ورأسه و { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)}(طه) فناداه : { يا ابن أم } متلطفاً معتذراً ، فسكت عنه غضب موسى ، ثم حرّق العجل ونسفه نسفاً .

ـ وهذه بلقيس زوجة سليمان عليه السلام يأتيها الهدهد برسالة منه يأمرها أن تسلم وتأتيه خاضعة ، فاستشارت أهل الرأي وأصحاب الحلّ والعقد من أهل مملكتها ، فقالوا لها : نحن أقوياء ، وأولو بأس شديد ، ونحن رهن أمرك ، فافعلي ما تشائين ، فما كان منها ـ وهي الذكية الأريبة ـ إلا أن قالت : { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)}(النمل)، وما إرسال الهدية إلا نوع من اللطف وحسن التصرف .

ـ وأخيراً نقف على اعتذار أصحاب الجنة الذين بخلوا على الفقراء فدّمرها الله تعالى جزاء وفاقاً فلما علم أصحابها أنهم أخطأوا لجأوا إلى الله سبحانه وتعالى يعتذرون وينيبون { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)}(القلم) .

وهكذا نجد صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين يقول : ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا يُنزع من شيء إلا شانه ) (رواه مسلم) .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ) (متفق عليه) .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على سواه ) (رواه مسلم)

يتبع

نبيل
2015-02-11, 01:26 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

العتاب

الدكتور عثمان قدري مكانسي

عتب عليه وعاتبه : لامه وخاطبه مخاطبة الإدلال ، طالباً حُسْن مراجعته ، ومذكّراً إياه بما كرهه منه .
ويقال : يُعاتَب مَنْ تـُرجَى عنده العتبى : مَنْ يرجى عنده الرجوع عن الذنب والإساءة . والعتاب الذي عوتب به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم يدل دلالة قاطعة ـ من ضمن الدلائل الأخرى ـ على أن هذا الكتاب العظيم من عند الله سبحانه وتعالى ـ { ...لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }( 37)}(ق)ـ وإلا فكيف يعاتب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كان القرآن ـ كما يدّعي السفهاء ـ من عند رسول الله ؟! .

والعتاب أسلوب من أساليب التربية فيه :

1ـ إظهار عدم الرضا من تصرف ، كان غيره أولى أن يُتصرَّف به .
2ـ فيه مسحة كبيرة من حب واحترام صادرةٌ ممن عاتب .
3ـ فيه استمرار للعلاقة بين مَنْ عاتب ومن عوتب .
4ـ فيه رغبة في تصحيح الخطأ دون جرح مشاعر المعاتَب .

وسأقدّم إن شاء الله صوراً من عتاب الله تعالى نبيّه الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم صوراً من عتاب الله سبحانه المؤمنين الصالحين :

1ـ فقد قال الله سبحانه وتعالى معاتباً نبيّه الكريم متلطفاً في عتابه :
{ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)}(التوبة) .
ففي غزوة تبوك استثقل المنافقون الخروج مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبعد الشُقّة ، فقال أناس منهم : استأذنوا رسول الله فإن أذن لكم فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا . . فقد كانوا مصرّين على القعود عن الغزو ، وإن لم يؤذن لهم . . . وقدّم الله تعالى العفو على العتاب إكراماً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلاً : عفا الله عنك ، ثم قال : هلا تركتهم حتى يظهر لك الصادقُ منهم في عذره من الكاذب المنافق ، ولم أذنت لهؤلاء المنافقين في التخلف عن الخروج لمجرّد الاعتذار ؟ .
ثم أكد الله سبحانه وتعالى أن الذي يستأذن كراهية الجهاد في سبيل الله ليس مؤمناً بالله واليوم الآخر ، فالمؤمن يجود بالنفس والنفيس في سبيل الله ، مخلص في إيمانه مُتقٍ للرحمن .

ـ ويقول الله سبحانه وتعالى في قصة أسرى بدر حين اختلفت آراء المسلمين في مصيرهم ، فقال بعضهم نقتلهم ، وكان منهم الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ حتى يعلم المشركون أنْ لا هوادة مع الكافرين الذين يحادون الله ورسوله ، وقال بعض المسلمين ـ ومنهم الصديق رضي الله عنه ـ بل نـُبقي عليهم فيفتدون أنفسهم ، ولعلّ الله يهديهم إلى الدين القويم ، ويخرج من أصلابهم من يجاهد في سبيل الله .
وكان الرسول الكريم الرحيم بالناس مع الفريق الثاني ، ثم نزلت الآيات تعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم لإبقائه على الأسرى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) }(الأنفال) ، فلا ينبغي للنبي أن يأخذ الفداء من الأسرى إلا بعد أن يكثر القتل في المشركين ، ويبالغ فيهم ، فالفداء حطام الدنيا الزائل ، والله يريد لنا العز الباقي ، ثواب الآخرة . ولولا أن الله تعالى كتب على نفسه أن لا يأخذ المجتهد في خطئه لمسَّ المسلمين عذابٌ أليم .
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله علبه وسلم : ( لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر ) .
ويقول الله تعالى مؤكداً ما سبق المعنى نفسَه في سورة القتال : { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا . .}((من الآية 4(محمد/القتال)) .

ـ جاء عبد الله بن أم مكتوم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشغول مع جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام ، فعبس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجهُهُ وأعرض عنه فنزل القرآن الكريم بالعتاب : { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) . . . }(عبس) .
وجاء الحديث بلغة الغائب تلطفاً برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الأعمى ـ ابن أم مكتوم ـ حين جاءه وهو يحاور المشركين كره الرسول مجيئه حتى لا يقطع حديثاً كان يظن أن المشركين ـ من ورائه ـ يمكن أن يؤمنوا .
وابن أم مكتوم كان يريد أن يتعلم ، ويتطهر من ذنوبه بما يتلقّاه من موعظة الرسول الكريم . ولعله يريد أن يتعظ بما يسمع فكان الأولى أن يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليه ويهتم به ، أما الكفار فهؤلاء لا يريدون الإيمان والتطهر من دنس الكفر والعصيان ، وليس الرسول صلى الله عليه وسلم مطالباً بهدايتهم إنما عليه البلاغ فقط .

2ـ وفي حديث الإفك يعاتب الله سبحانه وتعالى المؤمنين ، حين سمعوا هذا الافتراء على الصدّيقة عائشة زوجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم ينفوا هذه التهمة ـ وكان أولى بهم أن يظنوا الخير فيها ـ وهي المرأة الحصان الطاهرة زوجة نبيهم ، وهلاّ قاسوا الأمر عليهم ؟ فهل يفعل الرجل المسلم ما ظنوه في أخيهم صفوان بن المعطل ؟! وهل تفعل المرأة المسلمة ما ظنوه في أمهم عائشة ؟!! .
والله تعالى أمرهم أن لا ينشروا أمثال هذه الافتراءات ، بل عليهم أن يسألوا المفترين الطاعنين عن أربعة شهداء ، يشهدون أنهم رأوا رأي العين ما افترَوه على السيدة عائشة ، وإلا فهم كاذبون ، والله تعالى يشهد على كذبهم ، قال تعالى :
{ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}(النور) .

وأترك للأخ القارىء أن يعود للآيات التي تلي الآيتين السابقتين ، ليرى ذلك العتاب الذي ساقه الله تعالى مرشداً وهادياً المسلمين أن لا يتأثروا بالشائعات ، وأن يتحكموا بعاطفتهم وأن يحكّموا عقولهم قبل أن يُصدِروا آراءهم وينغمسوا فيما أراد المنافقون لهم من سوء .

ـ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة ، فأقبلت عير من الشام بطعام قدم بها ( دحية الكلبي ) وكان أصاب أهلَ المدينة جوعٌ وغلاء سِعْر ـ وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سروراً بها ـ فلما دخلت العير كذلكَّ انفضَّ أهل المسجد إليها ، وتركوا رسول الله قائماً على المنبر ، لم يبقَ معه سوى اثني عشر رجلاً ، فنزلت الآية تدل على أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ، فليطلبوا الرزق من الله وليبتغوا مرضاته :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
1ـ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)
2ـ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)
3ـ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا
4ـ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)}(الجمعة) .
فكانت هذه الآيات عتاباً مرشداً ، وتأنيباً خفيفاً مناسباً ، يعلّم المسلمين ملازمة الخير الأبدي والفضل الدائم .

ـ نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى. . . لما تطاول عليهم الزمن بدّلوا كتاب الله الذي بين أيديهم ، ونبذوه وراء ظهورهم واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، فعند ذلك قست قلوبهم ، فلا يقبلون موعظة ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ، فعاتبهم قائلاً : أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم وتلين لمواعظ الله ، ولما نزل به الكتاب من الآيات الواضحة ؟ . . . { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)}(الحديد) .
فقال المؤمنون الصادقون : (( لقد آنَ لنا يا رب لقد آنَ )) .

والعتاب من المحب للمحبوب يفتح القلوب للخير ، والأفئدة للصواب والعقول للحق ، دون استثارة أو حنق .

يتبع

نبيل
2015-02-12, 10:25 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

عدم التدخّل فيما لا يعني

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ما أبلغ القول : (( رحم الله امرأ عرف حدّه ، فوقف عنده )) .
هذا دعاء لإنسان حفظ نفسه ، وُجودَه وغيبته ، وامتنع عن الخوض في أمر لا يخصه ، فاستراح من تجريح الناس وانتقاداتهم ، سلبيّة كانت أم إيجابيّة ، ولم يترك لهم مجالاً ينفذون منه إليه . وقد قيل قديماً : ( من تدخّل فيما لا يعنيه وجد ما لا يرضيه ) .
ولكننا هنا ـ أيضاً ـ نلفت النظر إلى آداب إسلامية ، وقيم إيمانيّة هي :

1ـ أن يفكر الإنسان فيما حوله ، ويتدبّر ما يراه دون أن يقحم نفسه في أمور لم تطلب منه ، ولا تعود بالنفع على مجتمعه .
2ـ أن ينأى بنفسه عن المواقف المحرجة ، فإن كان لا بد فاعلاً كأنْ يناط به مهمّة ما ، فليتدخل بمقدار ما تسمح له الحاجة ، على أن يتسلح بالأسباب ، ويقدّم الأعذار التي توضح موقفه .
3ـ أن يوطن نفسه على ردود فعل قد تناله بما لا يسرّه ، فيتحمَّلُها بصبر ويستوعبها بحكمة ، ويمتصها بوعي ، ثم يوجهها الوجهة المناسبة ، أو يتغاضى عنها كأْنْ لم تكنْ ، فهو إذ ذاك يمتلك الموقف مبرئاً نفسه أو موضحاً موقفه .

وباب هذا الأسلوب القرآني التعليمي قوله تعالى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)}(الإسراء) .
وقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ }(من الآية 101 المائدة) فكل شيء يأتي في الوقت المناسب للأمر المناسب .
ولا ينبغي أن نفرض رأينا فيما لا نعرفه فهؤلاء المشركون استنكروا أن يكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً واقترحوا أحد هذين الرجلين (( الوليد بن المغيرة )) في مكة ، أو (( عروة بن مسعود الثقفي )) في الطائف رسولاً إليهم من ربهم فهما من كبار عظماء مكة والطائف ، ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقير يتيم ، ظناً منهم أن العظيم ذو الجاه والمال ، وفاتهم أن العظيم عند الله له مقاييس العظمة التي تؤهله لرضى الله سبحانه وتعالى من سموٍّ الروح ، وعظمة النفس ، وامتلاك نواصي الخير ، وليس لأحد أن يقترح الرجل الذي يريده ،قال تعالى :
{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)}(الزخرف) .
وليس لأحد حتى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزيد فيما كلّف به أو يتقوّل ما لم يؤمر به { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)(الحاقة) .
ولم يدّع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يفعل ما يشاء ، أو يعلم الغيب فله حدود لا يتخطاها { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ }(من الآية 50 الأنعام) ،
{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)}(ص) .
ولما كذّبوا بما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَوعدهم العذابَ ، فتحدَّوْه قائلين قل لربك يرسل علينا عذابه ، فكان جواب القرآن الكريم : { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)}(الأنعام) .
فليس لرسول الله ـ صلى الله علي وسلم ـ أن يحاسبهم ، أو يستعجل لهم العذاب ، أو ينأى عنهم ويهجرهم ، فهو مرسل يفعل ما يؤمر ، وينفذ أوامر ربه ، قال تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . . }(من الآية 128 آل عمران) ، وقال سبحانه : { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّاالْبَلَاغُ }(من الآية 48 الشورى) ، وقال سبحانه منبهاً رسوله أنه منذر ومبلغ فقط : { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)}(الأحقاف) .
وما دور الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا الإنذار فهو مرسل فقط لا يستطيع أن يفرض على الناس الإيمان ، فهو هبة من الله سبحانه وتعالى للناس ، قال تعالى : { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)}(الغاشية) ،
وقال سبحانه : { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22)}(الجن) ،
وقال سبحانه : { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ }(من الآية 6 الشورى) ،
وقال تعالى: (( إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)}(فاطر) .
وحين رأى المشركون أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذين آمنوا به ، من ضعفاء مكة وعبيدها قالوا له : اطردهم من مجلسك لنأتيك ، فنحن لا نجلس مع هؤلاء !! فما كان من القرآن الكريم إلا أن أعلن عكس ما يريدون فقال سبحانه :
{ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
أ ـ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
ب ـ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
جـ ـ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)} (الأنعام) .
بل إنه سبحانه عظّم هؤلاء المؤمنين وأمر رسوله الكريم أن يتباسط لهم ، ويكرمهم فقال :
{ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ . . .}(من الآية 54 الأنعام) .
وأمر الله رسوله ـ وهو قدوتنا وعلينا أن نفعل مثلما يفعل لنكون قريبين منه ـ أن لا ينظر إلى متاع الدنيا وان لا يتمنّاه فهو فتنة فقال : (( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)}(طه) .
وهؤلاء الناس تجادلوا في عدد أهل الكهف ، وما يُجدي معرفة عددهم ؟ وهل ترفع هذه المعرفة صاحبها ؟ لا . . . ما هو إلا مراء لا غنىّ فيه (( سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)}(الكهف) .
ولعلَّ من الإعظام لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أن ننوّه إلى أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على إيمان الجميع ، خوفاً عليهم من نار جهنّم وراغباً أن يكونوا من أهل الجنّة فهو رؤوف بالمسلمين ، رحيم بهم { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}(التوبة) .
فتراه يهتم إن رآهم معرضين ، حزيناً كاسف البال ، فينبه الله سبحانه بلطف إلى أنه لن يؤمن إلا القليل ، فلا يهلك نفسه حزناً عليهم ، ولا يتحسر عليهم { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}(الكهف) ، { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ }(من الآية 8 فاطر) .

وأعظِم بهذا الرسول الحبيب ،
اللهم شفـّعه فينا واحشرنا تحت لوائه اللهم آمين .

يتبع

نبيل
2015-02-12, 10:41 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الكتمان والسرية

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقولون : إذا ذاع السر بين اثنين فقد فشا .
ويقولون : إذا لم تستطع حفظ سرك في صدرك ، فلا تلومنَّ على بثّه أحداً .
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول :
(( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان )) .
ولحفظ السر فوائد عديدة منها :

1ـ أن عدوّك لا يعرف ما نويته أو خططت له ، فهو منك دائماً على حذر .
2ـ أن أمرك يظل في يديك ما دمت تحفظ سرك فإن ذاع انكشفت .
3ـ أن أصدقاءك يأتمنونك على أسرارهم فأنت ثقة عندهم .

وفي القرآن الكريم عدة مواضع فها أمر بالكتمان ليظل الموقف سليماً مستوراً .
فقد رأى يوسف في المنام رؤيا قصها على أبيه يعقوب . . فما هي ؟ { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)}(يوسف) ، فعلم الأب أن يوسف سيكون نبياً ، يبلّغه الله مبلغ الحكمة ، ويجعله ممن اصطفاهم ، ويعلمه تفسير الأحلام ، وأن إخوته حين يعلمون أنه سيكون نبياً من دونهم سيحتالون لإهلاكه حسداً وغيرةً منه فـ { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) }(يوسف).
وقد دعته امرأة العزيز وراودته عن نفسه فأبى ، فحاولت أن تكيد له فادّعت أنه هو الذي راودها ، فبرّأه من كيدها إن كان قميصه قُدَّ من دبر ، وأنّ واحداً من أهلها شهد ببراءته ، وأن النساء قطَّعْنَ أيديهن دهشة لجماله ، وما عُدْنَ يصبرن عن لقائه ، فقال العزيز : نسجنه كتماناً للقصّة أن تشيع في العامة { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) }(يوسف) .
وتمر الأيام وتنقضي السنون ، ويصير يوسف عليه السلام الوزير المؤتمن على خزائن الأرض ، ويأتيه الناس من أصقاع الأرض للميرة ، ومن بينهم إخوته أولادُ أبيه الذين أرادوا إهلاكه ، فأكرمهم ، لكنّه أخبرهم أنه لن يميرهم في المرة القادمة إلا ومعهم أخوهم بنيامين ، وهو أخوه الشقيق ، واستعجالاً لعودتهم جعل ثمن البضاعة داخلها ، وكأنّه نسيها معهم فاضطروا للعودة ومعهم بنيامين بعد أن أخذ منهم أبوهم العهد أن يحافظوا عليه فلا يغدروا به . . { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)}(يوسف) فاستكتمه ، ذلك أنه أراد أن يعلّم إخوته أنهم أخطأوا في حقه .
وقد أحسن يوسف إذ وصّى أخاه أن يكتم سرّهما ، فما علموا أن أخاهم سرق حتى افتروا على يوسف قائلين : { إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ.. }(يوسف من الآية 77) فهل أظهر يوسف لهم حقيقته يوبخهم ويعريهم بكذبهم هذا ؟ لا فما تزال القصة في أولها { ...فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ }( يوسف من الآية 77 ) وهذا يدل على فكر سديد وحكمة بالغة وصبر على المكاره .

ـ وهؤلاء أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم إلى الله ينامون فيه ثلاث مئة وتسع سنوات ، وحين يأذن الله بيقظتهم يشعرون بالجوع ويقولون بعضهم لبعض : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)}(الكهف) .
إذاً فللسرية والكتمان :
1ـ يرسلون واحداً فقط لشراء الطعام .
2ـ ويتلطف في دخول المدينة .
3ـ ويتصرف بهدوء وحكمة حتى لا يتعرف عليه أحد .
وهكذا نجدهم حذرين ، راغبين أن لا يعرفهم أحد فيوصِل خبَرَهم إلى الملك الكافر المتجبر .

ـ وحين وُلِد موسى خافت عليه أمه أن يقتله فرعون فأوحى الله تعالى إليهما أن ترضعه وتلقيه في اليم ، وهو سبحانه المتكفل بإرجاعه إليها . . فلما وقع بيد فرعون كاد يقتله لولا أن زوجة فرعون أحبته ، ورجته أن يكون قرّة عين لها ، وسمعت أم موسى بوصول الوليد إلى قصر فرعون ، فجزعت خوفاً وشفقة على ابنها وكادت تبوح بأنها أمه ، لكن الله تعالى ثبَّتها وألهمها الصبر ، وهذا نوع من أنواع الكتمان وحفظ السر{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)}(القصص) .
وتتبعه أخته على الشاطىء الآخر ، تقص أثره مستخفيةً ، فرأته اتجه إلى قصر فرعون ، وعُرِضَتْ على موسى المراضع فأباهن ، فلما خرج الخدم يبحثون عن مرضع له خارج القصر دلّتهم أخته على أمه ، فجاءت ، فلما وجد ريح أمه أقبل على ثديها فقال فرعون : مَن أنتِ فقد أبى كل ثديٍ إلا ثديك ؟ فكتمت سرّها وقالت : إني امرأة طيّبة الريح ، طيّبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني . فدفعه إليها ، فرجعت إلى بيتها ومعها ابنها { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)}(القصص) .

ـ أما المنافقون في المدينة فقد كان كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحده يعرفهم بأعيانهم ، أمة بقية الصحابة والمسلمين فكانوا يشعرون بهم غير متأكدين منهم ، يشعرون بهم من تصرفاتهم المريبة ونشرهم للأراجيف ، والأكاذيب لبلبلة الأفكار ، وخلخلة الصفوف ، ونشر أخبار السوء ، وينضم إلى هؤلاء المنافقين ضعافُ الإيمان ، أصحابُ الفجور .
فهل يترك هؤلاء يعيثون فساداً في مدينة الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ لا . . فقد هددّهم الله بكشف خباياهم وفضحهم على الملأ ثم إخراجهم من المدينة ، وقتالهم لأنهم يظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر . . . لم يفضحهم الله عزَّ وجلَّ بل كتم حالتهم عساهم يؤمنون . . . والله بعباده رحيم { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)}(الأحزاب) .

والكتمان يدل على الإرادة الحازمة لصاحبه ، والقدرة على تحمل المسؤولية ، ومن ثمَّ التصرف السليم في الأحوال العادية والعصيبة .

يتبع

نبيل
2015-02-12, 10:54 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

المعاملة بالمثل

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لن تكون ظالماً إذا عاملت المسيء بمثل ما عاملك به من سوء ، بل تكون عادلاً،قال تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }(من الآية 194 البقرة) .
فإذا ما كلت له الصاع صاعين دونما حاجة إلى ذلك كنت ظالماً ، أما إذا نويت أن تردعه عن غيّه وفساده ، وزجَره عن إساءته فلا بأس في ذلك .
أما إذا أحسن إليك أحدهم فرددت عليه إحسانه دونما زيادة كنت عادلاً كذلك ، فإن زدته في الخير وأكرمتَه كنت محسناً . . والإسلام يحثنا على ذلك : قال تعالى:
{ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا }(من الآية 86 النساء) ،
وقال سبحانه: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (من الآية 26 يونس) .
والقرآن الكريم مليء بكثير من هذه الآيات التي تدعو الإنسان أن يتفكر ويتدبّر ، فلا يقدم على الإساءة إلى نفسه والآخرين كيلا يرى جزاءً وفاقاً لما قدَّمت يداه ، وليقدم على الإيمان وفعل الخير والإحسان لينال الفضل والرضوان .
قال تعالى : { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا }(من الآية 20 المزمل) .
وقال سبحانه : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)}(المدثر) ، فإن كسبت خيراً لقيت خيراً وإن كسبت شراً لقيت شراً ، وقال سبحانه : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)}(الأحقاف) .

وتأمل هاتين الآيتين الكريمتين ، تصف الأولى المنافقين والمنافقات ونسيانهم الحقَّ ، وتصف الثانية المؤمنين والمؤمنات وعملهم الذي يثابون عليه :
1ـ { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
أ ـ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
ب ـ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
جـ ـ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
د ـ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
هـ ـ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)}(التوبة) .
إذاً نسي المنافقون الله فنسيهم . . .
ووعدهم النار ولعنهم فهم مقيمون فيها خالدين .
2ـ { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
أ ـ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
ب ـ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
جـ ـ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
د ـ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
هـ ـ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)}(التوبة) .

إذاً فالمؤمنين أولياء لله سبحانه يطيعونه وهو سبحانه سيرحمهم . . . ووعدهم الجنات الرائعة والمساكن الطيبة بالإضافة إلى ما هو أكبر من ذلك . . رضوان الله سبحانه . وهل هناك أعظم من هذا الفوز ؟ لا والله ، فلكلٍ جزاؤه حسب عمله . . .

وهاتان الآيتان صريحتان في مبدأ المعاملة بالمثل . قال تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
(124)}(النساء)
فلماذا ؟ . . لأن الله تعالى العادل الذي لا يظلم أحداً قرّر ، وأمره نافذ :
أ ـ { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)
ب ـ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)
جـ ـ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)
د ـ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)}(النجم) .

وإليك الأمثلة تترى :
قال تعالى : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)}(النساء) .
وقال سبحانه : { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}(الأنعام) .

إنَّ الذين يمكرون بالمؤمنين ، ويكذبون دين الله ورسله يهددهم الله سبحانه أن يكون عقابهم شديداً ، بل قد يكون متنوعاً على قدر سوء أعمالهم سواءً بسواء .
قال تعالى : { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ
أ ـ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ
ب ـ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45)
جـ ـ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46)
د ـ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)}(النحل) .

وهذا ذو القرنين حين خيّره الله سبحانه وتعالى تعذيب من قاتله أو الإحسان إليهم سار على القاعدة نفسها ، قال تعالى:
{ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)}(الكهف) .
فهناك إذاً إكرامان : في الدنيا القول الحسن وما يناسب ، وفي الآخرة الجنة والحسنى . وعذابان : في الدنيا عذابٌ بيد المؤمنين ، وفي الآخرة عذاب الله تعالى .

ـ ماذا حلَّ بمن خالف نبيَّ الله صالحاً عليه السلام ، فكفر به ، وقتل الناقة ، وتآمر على قتل النبي نفسه وأهله . . إنه الجزاء من جنس العمل :
{ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)} (النمل) .
فقد أصر هؤلاء المجرمون على :
أ ـ قتل النبي وآله .
ب ـ وإنكار فعلتهم الشنيعة .
فماذا كان من أمرهم ؟ . . . هم يدبرون والله تعالى يدبّر وينفّذ ويحمي رسوله الكريم صالحاً وأهله المؤمنين .
أرسل على ثمود صيحة قويّة دمّرتهم جميعاً ، وما تزال بيوتهم خاوية تشهد على ظلمهم أنفسهم ، وعلى قدرة الله فيما يريد . . ولا رادَّ لقضائه .

ويقول سبحانه :
{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89)
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)}(النمل) .

فصاحب الحسنة :
1ـ يأخذ أفضل مما عمل .
2ـ لا يخاف العذاب يوم الآخرة حين يخاف الناس .

وصاحب السيئة :
1ـ يلقى في النار على وجهه خائباً خاسراً .
2ـ يوبّخ على سيئته ويقرّعُ عليها .

وقال تعالى :
{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)}(الجاثية) .
وقال سبحانه :
{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)}(الشورى)
فهو الغفور الرحيم .

ـ وحادثة الإفك مشهورة تولّى كبرَها المنافقُ عبد الله بن أبي بن سلول الأب ، كبيرُ المنافقين ، حين قال كلمته الفاسقة عن زوجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، تلك الزوجة الطاهرة الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ وعن الصحابي الفاضل صفوان بن المعطل ، وكل مَنْ خاض في هذه الحادثة له نصيب مما فعل . . وقد كانت درساً كبيراً تعلم فيه المسلمون أن يعتقدوا الخير في الرسول وآله ، والخيرَ في المسلمين عامة وأن يمحِّصوا كلَّ ما يسمعون قبل إذاعته . .
قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(11)}(النور) .

أما اليهود أخزاهم الله تعالى فقد أكرمهم الله عزّ وجل ، فأرسل إليهم سيدنا موسى عليه السلام وأخرجهم من الذل الذي كانوا فيه عند الفراعنة في مصر ، وهيألهم دخول القدس ، وبذل لهم من نعمائه الشيء الكثير فما كانوا ليؤمنوا ، فعاقبهم بما يستحقون .

وعودة إلى سورة الأعراف الآيات [ 160 ـ 165 ] تجد هذه النعم الكريمة الوافرة التي وهبهم الله تعالى إياها ، فما رعوها حقَّ رعايتها فعاقبهم بما يستحقون ، قال عز وجل:
{ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }(من الآية 160 الأعراف) .
{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}(الأعراف) .
{ . . . . كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } (الأعراف) ، { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)} (الأعراف) .

وأخيراً يأمرنا الله تعالى إذا عاقبنا أن يكون العقاب مساوياً للجريمة ، وينبهنا إلى أن العفو خير وأجدى ، ولأنّ الله سبحانه يجزي الصابرين الأجر الجزيل ، ويعوض العافين الخير الوفير .
أ ـ { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ
ب ـ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)
جـ ـ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
د ـ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)
هـ ـ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}(النحل) .
فالعفو عند المقدرة شيء رائع فهو :

1ـ استعلاء على تفاهات الحياة .
2ـ تعظيم للمسلم في أعين الناس .
3ـ تشجيع للآخرين أن يكونوا مثله ويتبعوه .

ولكنْ لا تثريب عليك أن تعامل الآخرين بالمثل .

يتبع

نبيل
2015-02-12, 11:29 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

الترغيب والترهيب

الدكتور عثمان قدري مكانسي


القرآن الكريم كتاب ربنا سبحانه وتعالى إلينا ، يهدينا بما فيه من حقٍ ووضوح إلى صراط الله المستقيم ، ويفتح لنا بفضله وكرمه آفاق الحياة على نهج مضيء ، وسبيل واضح .
في الإنسان بذرة خير إن تعهدها بالعناية والرعاية زكت ونمت ، فأضفت على صاحبها من حوله الأمن والأمان والسعادة والهناء .
وفيه بذرة شر إن أهملها ، ولم يلق إليها بالاً ، زاحمت بذرة الخير ودافعتها ، فإذا ساعدتها نوازع فاسدة ، كامنة في حنايا الإنسان اشتدت واستفحلت ، وبدا خطرها على صاحبها ومَنْ حوله ، فدبت الفوضى وضربت أطنابها في المجتمع .
ومن طبْع الإنسان أن يعمل الخير ، لأن الله تعالى فطره على الهدى والصلاح ، ودله على طريقه .
ومن طبعه أن يقع في الخطأ والتفلت والتهاون ، لأن الله تعالى خلقه من عجل ، وخلقه ضعيفاً يصيب الذنوب والآثام .
لذلك كانت الجنة للتائبين العائدين إلى ربهم ، والنارُ للعاصين المتنكبين سبيل الهدى والرشاد.
ونرى القرآن العظيم يستعمل أسلوب الترغيب والترهيب بمقدار ما يقوّم سلوك الإنسان ، فيمضي به إلى ما يرضي الله تعالى ، حتى إذا لقيه أجزل له الثواب ، ونجّاه من العقاب .
وليس في القرآن ـ على الأغلب الأعم ـ آية ترغيب إلا تبعها ما فيه ترهيب ، وما من آية فيها ترهيب إلا تبعها ما فيه ترغيب .
فالترغيب والترهيب متلازمان ، والحكمة في ذلك :
1ـ التذكير الدائم بالثواب والعقاب ليظل الإنسان حريصاً على نيل المثوبة والبعد عن العقوبة .
2ـ أن مَنْ لا يؤثر فيه الترغيب وثوابُه ، يؤثر فيه الترهيب وعقابُه .
وإني لأعجب ممن يدعون الباع الطويل في التربية ، والخبرة المديدة في مضمارها أنهم يرفضون الترهيب أسلوباً للتربية ، ويكتفون بالترغيب زاعمين أن الخوف من العقاب يجعل صاحبه يلتزم ما يؤمر به ، وينتهي عما نهى عنه بالإكراه ، فإذا زال سبب الخوف تصلّف وعاد سيرته الأولى ، فهم ـ لذلك ـ يدأبون على نوع واحد من التربية هو الترغيب ، ويقولون إن الترهيب يخلق جيلاً جباناً معقداً . . . والردّ عليهم بسيط لأنه جواب الفطرة :
أولاً : إن الله تعالى أعلم بالإنسان وما يقوّمه ، فهو الذي خلقه فقدّره ، يعلم ما يصلحه ، والقرآن الكريم الذي أنزله مَنْ يعلم السرَّ وأخفى مليء بالترغيب والترهيب .
ثانياً : التربية غير محددة بزمان ولا مكان حتى نقول : إذا زال الخوف تفلّت وعاد سيرته الأولى ، فهما مستمرّان إلى آخر يوم من حياة الإنسان .
كما أن الترغيب والترهيب لا ينبغي أن يكونا طارئين على حياة الإنسان ، إنما يجب أن يكونا من مكوّنات نفسه يصحبانه في حياته ، ويكونان دافعاً ذاتياً إلى الخير ، وكابحاً ضمنيّاً عن الشرّ .
ثالثاً : إن الواقع ليكذَّب ادعاءاتهم ، فالحوافز ذات تأثير كبير في بذل الجهد للوصول إلى الهدف .
لكنَّ الخوف من الوقوع في المحظور أكبر تأثيراً ، فقد تجد أناساً يبذلون الجهد ، ويسعَوْن بخطا حثيثة للوصول إلى الأحسن ، لكنك ترى عامّة الناس يبذلون الجهد ويثابرون على أمرٍ ما خوفَ الانتكاسة والعودة إلى الوراء ، والسقوطِ فيما يحذرونه ويتجنّبونه .
فالترهيب كالترغيب تأثيراً ، والقرآن الكريم يتناولهما بمقدار يناسب المطلوب ، لأنهما كجرعة الدواء ، ينفع إذا استعمل بحكمةٍ ، ويضرُ إن زاد عن الحد .
ـ فمن الأمثلة عليهما ، قوله تعالى مخاطباً الكفار الزاعمين أن القرآن مفترى :
{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
أ ـ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
ب ـ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
جـ ـ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }(البقرة) .
فهم لا يستطيعون إيجاد سورة واحدة تشابه صور القرآن الكريم ، ولو استعانوا بكل المخلوقات إنسهم وجنّهم . ولما كانوا ـ هكذا ـ عاجزين فليعلموا أن القرآن منزل من رب العالمين ، أما جزاء الكافرين فنار الله التي تأكل الحجارة لقوتها وشدتها ، فضلاً عن المجرمين الكافرين ، الذين عصوا الله ورسوله . ونعوذ بالله من عصيانه ، نشهد أنه الملك الجبار ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد . . . إنها كلمات تهزّ أرباب النهى وأصحاب العقول .
فإذا ما أحسَّ الإنسان تلك الرعدة في قلبه جسمه ، وعلم أنه عاجز ضعيف التجأ إلى القوي العزيز فسمعه يقول :
{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
أ ـ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
ب ـ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ
جـ ـ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا
د ـ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ
هـ ـ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)}(البقرة) .
فالآية : فيها بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات .
وهذه البشرى جنات ، وليست جنَّة واحدة ، فيها الماء الكثيرُ الزلالُ ، ثمارها تشبه في الصورة ثمار الدنيا ، ولكنَّ طعمها ولذّتها لا يعدِلُهما شيء . لهم في هذه الجنات نساء طاهرات زاكيات ، لسن كنساء الدنيا المرهقات بمطالبهن ، الكثيرات في إيذائهن حاشا الصالحات منهنّ.
وليس في الجنة موت ، بل نعيم خالدٌ ، وحياة رغيدة تدوم أبد الآبدين ، وتزداد خيراً وفضلاً . . نسأل الله أن يجعلنا من أهلها .
فحين تعتري الإنسان هزة الخوف ، ويرتعد من عذاب الله إن كفر وضلَّ يجد السكينة والأمان في الإيمان بالله ، والعمل على مرضاته .
ترغيب وترهيب يصوغان فكر الإنسان ، ويدفعانه للصواب والرشاد .
ـ وتأمل معي التمازج الرائع بين الترغيب والترهيب في هذه الآيات الكريمة :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)}(آل عمران) .
فالجملة الأولى تحذير ، الثانية ترغيب والثالثة تحذير والرابعة ترغيب .تتابع الجمل محذرة ومرغّبة ، فتندمج الرغبة والرهبة في نفس المتلقي لتكوّن في ذبذباتها الصاعدة الهابطة انفعالاً في النفس المؤمنة ، فيتولد الحذر من سوء العاقبة ، والأمل في مآل طيّب حميد .
ـ وقارن معي هاتين الآيتين في الوعد والجزاء : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)} (المائدة) .
أ ـ فالذين آمنوا يقابلهم الذين كفروا .
ب ـ والذين عملوا الصالحات يقابلهم الذين كذّبوا بآياتنا .
جـ ـ والذين نالوا المغفرة والأجر العظيم يقابلهم أصحاب الجحيم .
فاختر لنفسك ما يناسبك أيها الإنسان .
ـ وانظر معي إلى هذا البيان الإلهي الدويّ : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)} (المائدة) .

هل جاءكم هذا البيـان ؟ * وهل سمـعتُم الأذانْ ؟
إمــا عـــقــاب مـا حـقٌ * مـا بـيـن نـار ودخـانْ
أو رحمة لمـَن أطـاع * الله في روض الجنـان *

ـ ومن الأمثلة في الترغيب والترهيب قوله تعالى :
{ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
أ ـ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
ب ـ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا
جـ ـ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)}(الأنعام) .
والبصيرة هنا القلبُ المستنير والعقلُ المدرك تأتيه الآيات البينات من ربه فَمَنْ آمن بها وعمل بتعاليمها أفاد نفسه ونجا ، ومن ضلَّ عنها وأنكرها خاب وخسر . . . وما على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا البلاغ .

ـ ونجد في المعنى نفسه قول الله تعالى : { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
أ ـ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 )
ب ـ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)} (الأعراف) .
وهل أشد خسارة من أن يخسر الإنسان نفسه في جهنّم خالداً فيها . . ؟ !!.

ـ وتعال معي أيها الإنسان ـ إن كنت لبيباً ـ إلى هذه الصورة ذات الشقين المختلفين :
الصورة الأولى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} (الأعراف) .
هذه صورة النعيم للمؤمنين الذين أطاعوا الله ورسوله ، فما صورة الكافرين ؟! .
الصورة الثانية : { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45)} (الأعراف) .
فمن صد عن سبيل الله لعنه الله ، ومن لعنه الله كان من الخاسرين . . .

ـ ومن الأمثلة الشديدة الوضوح قوله تعالى :
أ ـ { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ
ب ـ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ
جـ ـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)

أ ـ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا
ب ـ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا
جـ ـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)} (يونس) .
فمن أي الفريقين أنت أيها القارىء الذكي ؟ !! .

ـ والأشقياء مأواهم النار لهم من شدة كربهم زفيرٌ لا يخرج من نفوسهم إلا بشدة ، وقال بعض المفسرين : إن صراخ الكافرين في جهنم وأصواتهم صوت الحمير أوّله زفير وآخره شهيق ـ والعياذ بالله ـ قال تعالى :
{ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) } (هود) .
والسعداء ـ جعلنا الله منهم ـ خالدون في جنة يأخذون ما آتاهم ربهم من فضل وعطاء يتزايدان . . وعطاء الله لأوليائه يستمر أبد الآبدين .
{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)} (هود) .

ـ وفي سورة الرعد مقدَّمة ُترهيب وترغيب ثم ذكرُ أسباب دخول الجنّة ، ثم بيانٌ لعذاب أهل النار مما يجعل أهل الألباب يسارعون إلى مرضاة الله . . ولكنْ إذا ضيّع الناس عقولهم ما يصنعون ؟ إنهم يقتدون بكل شيء دون فائدة .
{ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ
لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)
أ ـ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)
ب ـ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
جـ ـ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
د ـ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)
هـ ـ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
و ـ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
ز ـ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
ح ـ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) }(الرعد) .

أ ـ { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
ب ـ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
جـ ـ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)}(الرعد) .

فلينظر أحدنا أيُّ الصفات تنطبق عليه ؟ وليعملْ لما ينجيه من عذاب الله .

ـ ونسمع هنا صوت المولى عزَّ وجلَّ ـ نسمعه بأسماع القلوب الحساسة والأفئدة الصافية ـ يطلب إلى رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يخبر عباده بقدرته على العفو والمغفرة ـ لمن آمن واتقى ـ والعذاب والويل لمن كفر وطغى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)}(الحجر) .
جملتان قصيرتان في اللفظ مليئتان في المعنى . .

يــا ربّ فـاغـفــر ذنـبـنـا * أنــت الـكـريـــم الـغـافــر
وارحــم إلــهـي ضـعـفنا * أنــت الـرحــيـــم الســاتر
واهـد القـلـوب الحائرات * فـــأنـــت هـــــادٍ قـــــادر
واكتـب لنا الجنات فضلاً * إن فــــضـــلــــك وافــــر
واغـفـر بـحق المصطفى * ذنــبي فضعفي ظاهر*

ـ يا أيها الإنسان إن كنت تريد الدنيا فقط فربما أعطيناك وربما منعناك ، وكنت من أهل النار تصلاها خاسئاً خائباً ، وإن كنت إنما تريد الآخرة وتعملُ لها بقلب مؤمن شكرنا لك همتك ، وأوصلناك إلى ما تريد ، قال تعالى:
{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} (الإسراء).

ـ وهذه صورة أخرى توضح خاتمة كلٍّ من الفريقين .
( فاختر لنفسك يا إنسان ما نفعا ) .

{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ
نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)} (الكهف) .

ـ وافتح أيها الأخ الكريم شاشة العرض ، علك ترى فترعوي ، فليس راءٍ كمن سمعا ، وتدبّر فأنت في دار الاختيار ، فاختر ما ينفعك في آخرتك ، وتعرّف على أحوال الكافرين ، وخذ العبرة منهم ، والتصق بالمؤمنين الأتقياء عسى الله أن يُلحِقَك بركبهم فتكون من المقبولين :
{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ
إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ
فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا
(106) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)} (الكهف) .

ـ وعاين أيها الأخ الحبيب مآل من كذّب باليوم الآخر ـ والعياذ بالله .
أ ـ { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ
ب ـ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
جـ ـ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
د ـ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
هـ ـ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) }(الفرقان)
فهم حين أنكروا يوم البعث والنشور لم يعملوا له ، وأهملوه فكانت النتيجة :
أ ـ أن جهنّم صارت لهم مآلاً .
ب ـ يسمعون غضبها وغليانها من بعد بعيد وهي تراهم وتتشوق إليهم وتنتظر الأمر بالتقاطهم .
جـ ـ يدخلونها مصفدين ، أيديهم إلى أعناقهم .
د ـ يلقون فيها في مكان ضيّق يخنقهم .
هـ ـ يدعون على أنفسهم بالموت والهلاك دون فائدة .
و ـ يسخر منهم الزبانية قائلين : ادعوا على أنفسكم كثيراً .
{ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)} (الفرقان) .
فالمؤمنون نجوا من مصير الكفار المرعب ، وربحوا الجنّة وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فكانوا أهلها ينالون كل ما يتمنّون ، فالله تعالى وعد المؤمنين بها ، وكان حقاً عليه ما وعدهم إياه سبحانه وتعالى .

اللهم اجعلنا من أهل خاصتك في الجنّة يا رب العالمين .

ـ وفي سورة السجدة وصف للمؤمنين يؤهلهم لجنات الله ورضوانه عسانا نكون منهم { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا
أ ـ خَرُّوا سُجَّدًا
ب ـ وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
جـ ـ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15)
د ـ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
هـ ـ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
و ـ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) .

وتعال إلى وصف أهل النار أعاذنا الله من مصيرهم { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
أ ـ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ب ـ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)
وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)}(السجدة) .

ـ ولفتة سريعة إلى صورة رائعة للمؤمنين في الجنة { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)}(القيامة) .

ـ ولفتة سريعة أخرى إلى لوحة كئيبة مزرية للكافرين في النار { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)} (القيامة) .

الأولى : صورة الأبرار من أهل السعادة ، وجوهم مشرقة مضيئة من أثر النعيم ، تنظر إلى جلال ربها ، وتهيم في جماله ، وهذا أعظم نعيم لأهل الجنة ، رؤية المولى جلّ وعلا بلا حجاب . . اللهم اجعلنا منهم ، فأنت ذو الفضل والكرم والعطاء والمنن .
الثانية : صورة الكفرة ذوي الوجوه الكالحة العابسة ، وجوه الأشقياء من أهل الجحيم . يتوقعون أن تنزل بهم داهية عظمى ، تكسر فقار ظهورهم . . نسأل المولى النجاة من هذا المصير المرعب .
وهكذا تتوالى آيات الترغيب والترهيب موضحةً نهاية كل من المؤمنين الصادقين والكافرين الضالين . تنذر وتحذر ، وتبشر وترغّب . . أما أهل البصائر ومَنْ هداهم الله فإلى رحمة الله ، وأما الآخرون ممن حقت عليهم كلمة العذاب ففي خسران :

يــا رب إنـي مؤمـن * أجـوك أن تـغـفـر لـي
أحـب أن تـعـفوَ عن * ما قـد بـدا مــن زلـلـي
وحبُ طه واتباع الحـق * يـــحـــيـــي أمـــلــــي
إنــي إلــيـه أنـتـمــي * فهبني حسن العمل**

الهوامش:

* الأبيات للمؤلف
** من كتاب صور من تأذي الرسول في القرآن الكريم ص 87

نبيل
2015-02-12, 11:51 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

المديح

الدكتور عثمان قدري مكانسي


تقول : مدحتُ فلاناً ، إذاً أثنيتَ عليه بما له من الصفات الحميدة .
والمديح :

أ ـ تعبير عن الرضا بما يصدر من أعمال أو أقوال تسرُّوتُحمدُ .
ب ـ صفات محمودة للعاقلين الواعين ذوي الهمم العالية .
جـ ـ دفع يشجع الممدوح على التزام ما يرفعه في أعين الناس .
د ـ يوحي للآخرين أن يكونوا مثل الممدوحين في هذه الصفات .

وقد مدح الله تعالى أنبياءه الكرام ذوي القدر العلي :

أ ـ مدح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}(القلم) .
(( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)}(النجم) .
فزكّى لسانه وعقله وجليسه .

ب ـ ومدح إبراهيم عليه السلام :
{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)}(النحل) .

جـ ـ ومدح نوحاً عليه السلام :
{ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)}(الصافات)
وكذلك مدح إبراهيم وموسى وهارون وإلياس كمدحه نوحاً [سورة الصافات ، الآيات : ( 109 ـ 111 ) ، ( 120 ـ 122 ) ، ( 123 ـ 124 )] .

ـ والقرآن الكريم يسجل للمؤمنين صفات منحتهم رضاه سبحانه وتعالى ، وجعلتهم أهلاً لجنته ورضوانه .
والمنزلة الرفيعة ألوان بديعة ومنازل رفيعة ، منها :

ـ الصبر والتوكل على الله:
{ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)}(النحل) .

ـ التقوى والإحسان :
{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } (النحل) .

ـ التقرب إلى الله تعالى وإخلاص الدعاء له ، ورجاء رحمته ، وخوف عذابه :
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ }(من الآية 57 الإسراء) .

ـ العبودية لله تعالى :
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }(من الآية 65 الإسراء) .

ـ السجود لله تعالى والبكاء من خشيته والخشوع له :
{ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)} (الإسراء) .

ـ الإيمان بالله ، والهداية ، توحيدهم لله :
{ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) (الكهف) .

ـ عَمَلُ الصالحات :
{ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)}(الكهف) .

ـ أئمة للهدى ، يفعلون الخيرات يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة :
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ . . .}(من الآية 73 الأنبياء) .
ـ الحكمة والعلم :
{ وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا }(من الآية 74 الأنبياء) .

ـ كلامهم طيب ، أهل الصراط المستقيم :
{ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)}(الحج) .

ـ معرضون عن اللغو ، حافظون لفروجهم ، راعون للأمانة والعهد :
{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) . . . .
{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( 8 )}(المؤمنون) .

ـ ذاكرون لله دائماً ، مسبحون ، خائفون من عذاب يوم القيامة :
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)}(النور) .

ـ مشيُهم هادىء ليس فيه تكبر ، فيهم حلم وسعة صدر ، يقومون الليل ، يتقون الله ، معتدلون في الإنفاق ، يحفظون حرمات الله تعالى ، ولا يزنون :
{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)}(الفرقان) .

ـ يتوبون إلى الله ، لا يشهدون الزور :
{ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)} (الفرقان) .

ـ تصديق كلام الله :
{ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)} (القصص) .

ـ البراءة من الجاهلين :
{ . . . وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }(من الآية 55 القصص) .

ـ الإيمان بيوم البعث : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56)}(الروم) .

ـ تسبيح الله ، والتواضع ، قيام الليل ، ودفع الصدقات : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)}(السجدة) .

ـ باعوا أنفسهم لله : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } (الفتح) .

ـ أشداء على الكفار ، رحماء بينهم :
{ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (الفتح) .

واقرأ معي هذا النسيج الرائع من الصفات الراقية من المديح : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} (الأحزاب) .

يتبع

ياس
2015-02-13, 12:17 AM
كتاب رائع وقيم
جزاك الله خير الجزاء
ونفع بك الامة
اللهم زد شبابنا تمسكا بشرعك و نهجك واجعلهم في الصالحين
كل الود والتحية

نبيل
2015-02-13, 09:54 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الذمُّ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ذمَّ الرجلَ : عابه ولامه وأظهر معايبه ومثالبه .
والذمُّ :
أ ـ تعبير عن السخط وعدم الرضا .
ب ـ نوع من الهجاء لمن لا ترتضي منه تصرفاتٍ وأقوالاً مذمومة .
جـ ـ إظهار المعايب المنبوذة التي تسقط مروءة فاعلها كي :
1ـ يتجنبه الناس .
2ـ يتجنب الناس الوقوع بمثلها .

والقرآن الكريم يسجل للكافرين والمشركين والمنافقين صفات سببت لهم غضب المولى سبحانه نعوذ بالله أن نفعلها أو نكون من أهلها .
منها :

ـ أنهم يزعمون لله سبحانه البنات ، مع أنهم يكرهونهنَّ ويئدوهنَّ وأنهم أهل شهوات :
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)}(النحل) .

ـ أنهم أولياء الشيطان :
{ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}(النحل) .

ـ يفترون الكذب ، ولا يؤمنون بآيات الله ، ينشرح صدورهم للكفر ، فضَّلوا الدنيا على الآخرة ، وطُبعَ على قلوبهم ، فهم غافلون :
{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)}(الحجر) .

ـ ادّعوا لله سبحانه الولدَ :
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)}(مريم) .

ـ طاغُون :
{ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)}(طه) .
{ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43)}(طه)
{ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)}(النازعات).

ـ مترددون ، يعبدون الأوثان ، ويجادلون من غير علم ولا هدى ، متكبرون ، ويضلون الناس :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)}(الحج) ،
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)}(الحج) .

- يكذّبون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظالمون ، يقولون الزور ، يصفون القرآن بالأساطير :
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}(الفرقان) .

- يدعون أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسحور :
{ ...وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ( 8 )}(الفرقان) .

- يستهزئون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لا يهتدون كالأنعام ، ولا يؤمنون بالبعث والنشور :
{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)}(الفرقان) .
{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}(الفرقان) .

- أعداء الله :
{ ويعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)} (الفرقان) .

- فاسقون ، يجعلون القرآن سحراً ، والرسولَ ساحراً ، جاحدون ، ظالمون ، ومستكبرون ، مفسدون ، يشكون بالآخرة ، عميان عن الحقيقة :
{ . . . . إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}(النمل) .
{ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)} (النمل) .

ـ يؤذون الله ورسوله ، ويؤذون المسلمين :
{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)}(الأحزاب) .

ـ يتبعون الشيطان :
{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)}(سبأ) .

ـ يعرضون عن الحق ، بخلاء :
{ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)}(يس) .

ـ يمارون في الساعة ، ويستعجلونها :
{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا... }(من الآية 18 الشورى) .

ـ أفّاكون آثمون ، يصرون على الكفر والاستكبار ، يصمون آذانهم عن الحق :
{ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) }(الجاثية) .

ـ في قلوبهم مرض ، قاطعون للرحم :
{ . . . فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ(20)}(محمد) ،
{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)}(محمد) .

ـ لا يتدبرون القرآن :
{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)}(محمد) .

ـ فيهم حميّة الجاهلية :
{ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ }(من الآية 26 الفتح) .

ـ هم خراصون ( شديدو الكذب) ، ساهون :
{ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)}(الذريات).

ـ مترفون ، يصرون على الذنب العظيم " الشرك " :
{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)}(الواقعة) .

ـ والمنافقون لا يعرفون الله ، فهم يخافون المسلمين أكثر من خوفهم من الله ، يؤاخون الكفار :
{ أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)}(الحشر) .
{ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)}(الحشر) .

ـ يمكرون بالمؤمنين :
{ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)}(نوح) .

ـ لا يصلّون ، يدفعون المساكين ، يخوضون في الباطل :
{ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)}(المدثر) .

ـ يأكلون حقوق الناس :
{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)}(المطففين) .

ـ يضحكون من المؤمنين ، ويتغامزون بهم ، ويسعدون لاستخفافهم بالمسلمين ، ويصفونهم بالضلال :
{ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32)}(المطففين) .

ـ قال تعالى في حقِّ أبي لهب وزوجته :
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)}(المسد) .

وأخيراً اقرأ معي سورة القلم لترى عديداً من صفات الكفار ، والعياذ بالله :
{ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 )
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)
أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)}(القلم) .

نسأل الله تعالى النجاة من النار ، اللهم آمين .

يتبع

نبيل
2015-02-13, 10:13 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

فضح المواقف

الدكتور عثمان قدري مكانسي


الأعداء نوعان :
الأوّل : صريح العداء كاليهود والكفار والنصارى .
والثاني : عدو باطني لكنّه أشد إيذاء ، وهم المنافقون .
وقد تجد من العدو الصريح قدراً من التزام الحدود لأنّه مكشوف تحذر منه ، لكنه لا يفوّت فرصة تجعله ينال منك ويحاول جهده ـ إن كان ضعيفاً ـ إظهار اللباقة والموضوعية في صراعه معك ، وإن أحسَّ من نفسه القوة لم يرعَ عهداً ولا ذمّة . . قال تعالى : { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة) .

المنافق:

العدو الباطني ...إنه يظهر لك الودَّ والحبَّ ويختلط بك ، ويشاركك كثيراً من عبادتك وأفكارك ، ويتعرف على أسرارك ودخائلك ، ويختلق الأعذار في التخلي عنك ، ويخذلك في الوقت المناسب ، ويذيع أسرارك ، ويوصلها للآخرين .
فهو جراثيم تفتك بجسمك ، والانتصار عليه أو التخلص منه يحتاج إلى أضعاف كثيرة من الجهد الذي تبذله للعدو الظاهر . .
والقرآن الكريم علمنا كيف يكون الدفاع الحقيقي عن حياض المجتمع الإسلامي ، إنّه الهجوم . . . فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع .
ومن سبل الهجوم فضح مواقف الأعداء .
وقد يكون كشف عوراتهم قبل أن يقوموا بعمل عدائي وذلك :
1ـ لتحذير المسلمين منهم .
2ـ لإخافة الأعداء حين يعرفون أن تصرفاتهم وأقوالهم مكشوفة .
وقد يكون ذلك بعد قيامهم بعمل عدائي قولاً وتصرفاً وذلك :
1ـ لعزلهم عن المجتمع الإسلامي فيمايزهم ويفاصلهم .
2ـ حتى لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
وقد عرّى القرآن الكريم مواقف " اليهود ، والمنافقين والكفار ، والنصارى " ونذكر أمثلة مناسبة لكل فئة منهم :

اليهود :

فهم يحاولون تشكيك المسلمين بالرسول والرسالة بأسلوب خبيث ، ويوصى بعضهم بعضاً بالحذر من المسلمين ، وأكل أموالهم دون وازع من دين ، قال تعالى : { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)}(آل عمران) .
{ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}(آل عمران) .
كما أنّ اليهود يحرّفون كتبهم عن قصد . قال تعالى : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}(آل عمران) .
واليهود إضافة إلى أنهم يحرفون كلام الله ، فيحذفون ، ويزيدون ، يجهرون بالعصيان ، ويدعون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشتمونه ويطعنون في الإسلام فهم ملعونون إلا من آمن منهم واتقى ، قال تعالى : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ ، وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)}(النساء) .
واليهود يهزأون بالإسلام وشعائره ويقلدون المسلمين في صلاتهم ، عابثين ساخرين ، ولا غرو فهم أبناء القردة والخنازير . أهل غدر وعدوان يأكلون المال الخبيث ، ولا يعرفون الحلال من الحرام ، كما أن أحبارهم ورهبانهم مثلهم لا يعرفون لله حقاً . قال تعالى : { وإذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)}(المائدة) .فهم يسخرون من المصلين وصلاتهم . فقد غاب عن عقولهم – لو كان لهم عقول – أن الصلاة لقاء بين الله وعباده ن بين المحبين ومحبوبهم .
(( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)}(المائدة) . فاستحقوا أن يكونوا قردة وخنازير لأنهم عبدوا الطغيان ، فكانوا مثالاً للشر ، وقادة في الضلال .
وقال تعالى : { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)}(المائدة) . يعتدون ويسارعون في الفتن وأكل المال الحرام دون رادع ، وشاركهم الإثم أحبارهم ورهبانهم ، فكانوا شركاءهم في الجريمة .
بل إن فجورهم وكفرهم وصل بهم إلى الاستكبار ومسِّ الذات الإلهية ، حين افتروا عليه ـ سبحانه ـ فعاقبهم أن عادى بعضهم بعضاً وأبغضهم الناسُ جميعاً لفسادهم ، قال تعالى :
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}(المائدة) .
أما قصتهم مع نبي الله موسى عليه السلام ، فسورة الأعراف تسجيل دقيق لخبثهم وفسادهم . فهم بعد أن نجاهم الله من فرعون ورأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم قالوا فوراً : { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ }(من الآية 138الأعراف) .
وصنعوا عجلاً من حليِّ نسائهم يعبدونه : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) }(الأعراف) .
وحين أمروا بدخول القدس أباح الله تعالى لهم كلَّ ثمارها ، يأكلون ما شاءوا ، ومتى شاءوا ، وأمرهم نبيهم أن يقولوا : يا الله حُطَّ عنا ذنوبنا . فبدّلوا ذلك ، ودخلوا يزحفون على أستاههم بدل السجود لله والخشوع له ، وبدّلوا من حطة إلى حنطة استهزاء وسخرية ، قال تعالى : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) }(الأعراف) . وكان الرجز الطاعون الذي أباد منهم عشرات الآلاف جزاءً وفاقاً .
وقصتهم في اصطياد السمك يوم السبت ، وقد نهاهم الله عن ذلك اختباراً لهم معروفة ، فلما احتالوا ورمَوا شباكهم في ذلك اليوم عاقبهم الله ، فجعلهم قردة خاسئين . . قال تعالى : { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) }(الأعراف) .
وحين رفض هؤلاء اليهود الامتثال لأمر الله وتطبيقَ شريعته ، اقتلع الله جبل الطور ورفعه فوق رؤوسهم يهددهم بإسقاطه عليهم فامتثلوا مكرهين لا قانعين ، شأنهم في كل الأمكنة والعصور . . قال تعالى : { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) }(الأعراف) .
هذا غيض من فيض يدل على قبح مواقف اليهود وعتوّهم وكفرهم ، ليكون المسلمون على دراية بهم وبفسادهم ، فيظلوا منهم على حذر .

الكفار :

هؤلاء الذين آذوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه البررة الكرام لم يألوا جهداً في تجييش الجيوش وبذل المال لمحاربة الرسول الكريم وإطفاء دين الله في الجزيرة ، ولكنَّ الله تعالى كان لهم بالمرصاد فأبطل مكرهم وجعل ما صرفوه حسرة في قلوبهم ، ثم مصيرهم إلى النار .
قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) }(الأنفال) .
أما الأصنام التي يعبدونها من دون الله فلن تنفعهم ، ضلَّ سعيهم في الدنيا ، ويوم القيامة لهم النار بسبب كفرهم ، واستهزائهم بالمؤمنين ، قال تعالى :
{ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)}(الكهف) .
والكفّار يجتمعون ظاهراً على الأصنام ويعظم بعضهم أصنام بعض للحفاظ على المودة الظاهرة في الدنيا ، أما في الآخرة فسيكفر بعضهم ببعض ، ويتلاعنون ومأواهم النار لا يخرجون منها ، قال تعالى : { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)}(العنكبوت) .
وبعض هؤلاء الكفار من يخلف الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مجلسه ، يحدث الناس عن رحلاته إلى بلاد فارس والروم ، فيشغلهم بترّهات الأمور عن الإيمان بالله والاستجابة لرسوله ، ويهزأ بآيات الله مستكبراً ، قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}(لقمان) .

وقال تعالى: { وَقَالُوا
أ ـ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ
ب ـ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ
جـ ـ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
د ـ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)}(فصلت) .
إنه إصرار عجيب على الكفر والعناد .
وفي سورة نوح نلحظ ما يلي : { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)}(نوح) الزهد الشديد في قبول الدعوة وعدم سماعها ،
{ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)}(نوح) ، الإصرار على رفضها ، والتكبر على سماعها .
وقال تعالى: { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ
أ ـ عَصَوْنِي
ب ـ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)
جـ ـ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)
د ـ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)
هـ ـ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا . . .(24) }(نوح) .

المنافقون :

يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكنهم يتحاكمون إلى غير شرع الله ، مما يدلُّ فسادهم وكفرهم .
قال تعالى يفضحهم :
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
أ ـ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
ب ـ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
جـ ـ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)}(النساء) .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)}(النساء) .
{ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ
أ ـ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
ب ـ وَعِظْهُمْ
جـ ـ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)}(النساء) .
والمنافقون حين ارتدوا إلى الكفر بعد إسلامهم ضلوا وتاهوا ، وتمنّوا لو عاد إلى الكفر كل المسلمين حتى يكونوا مثلهم ، فهؤلاء لا حرمة لهم عند المسلمين ولا كرامة .

قال تعالى يوضح موقفهم : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا
أ ـ فَخُذُوهُمْ
ب ـ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
جـ ـ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)}(النساء) .
{ سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
أ ـ فَخُذُوهُمْ
ب ـ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
جـ ـ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)}(النساء) .

ويفضح الله مواقف المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بالله وبالرسول ولا يتحاكمون إليه فيشنّع عليهم ، قال تعالى : { وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
أ ـ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
ب ـ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
1ـ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
2ـ أَمِ ارْتَابُوا
3ـ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ
4ـ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)}(النور) .
ومن صفات المنافقين الكذب والتعلل بغير الحقيقة هرباً من القتال ، لأنهم يظنون أن المسلمين إن قاتلوا هربوا أو قُتلوا ، هكذا ظنهم السيء ، قال تعالى : { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12)}(الفتح) .
وقد وعد الله سبحانه المسلمين في صلح الحديبية أن غنائم خيبر لمن حضر هذا الصلح ، فمنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنافقين أن يذهبوا معهم إلى حرب خيبر ، فأظهروا الغيرة والحسد ، وألصقوهما بالمسلمين كذباً وافتراءً ، قال تعالى : { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)}(الفتح) .
ويعرّي الله سبحانه كذبهم حين يدّعون أنهم يؤمنون بالإسلام ، ويشهدون للرسول بالنبوة
{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)}(المنافقون) .
والسورة كلها تسلط الضوء على مخازيهم ، قال تعالى :
1ـ { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)
2ـ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)
3ـ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)
4ـ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( 8 )}(المنافقون) .
وفي سورة التوبة تحليل دقيق للمنافقين ، وكشف لدخائلهم وسرائرهم التي يحاولون إخفاءها ، ولكثرة الآيات في ذلك أذكر بعض المواقف ، وأحيل إلى مكانها في سياق الآيات :
ـ يحلفون بالله كذباً أنهم لا يستطيعون الخروج ، ولو استطاعوا ما قصّروا ، والحقيقة أنهم رأوا تبوك بعيدة فاستنكفوا عن مصاحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (1) .
ـ لا يكون التردد والبقاء في المدينة إلا عن كفر بالله واليوم الآخر ، والبخل بالمال والنفس(2).
ـ ولو خرج المنافقون مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين إلى تبوك لبذروا الفتنة في الناس ، وأسرعوا فيهم إلى الغيبة ، والنميمة ، وحاولوا إلقاء العداوة بينهم ، وفي المسلمين بعض ضعفاء الإيمان قد يستمعون إليهم ، فقد فعلوا ذلك في غزوة أحد وأغووا بني المصطلق (3) .
ـ بعضهم ادعى أنه لا يصبر على الزنا إن رأى نساء بني الأصفر ، فاستأذن (4) .
ـ يفرحون لمصاب المسلمين ويحزنون إن انتصروا ، ويتربصون بهم الدوائر (5) .
ـ ينفقون كارهين للمراءاة فقط ، لذلك لا يقبل الله تعالى نفقاتهم ، لأنها غير خالصة لله ، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى (6) .
ـ يتجنبون القتال جبناً وخوفاً ، وألسنتهم سليطة ، تقف حين يأخذون من الصدقات ، ويلمزون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن منعهم (7) .
ـ يعيبون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقولون ما لا يليق بجنابه (8) .
ـ يخافون المسلمين ، ولا يخافون الله ، فهم لا يعرفون الله (9) .
ـ يحذرون أن ينزل الله آيات تفضحهم ، وتعرّيهم ، ويتحدثون بما لا يليق في حق الإسلام العظيم ، بحجة أنهم يلعبون ويلهون (10) .
ـ المنافقون والمنافقات يأمرون بالمنكر ، وينهون عن المعروف ، ويبخلون فتقصر أيديهم عن فعل الخيرات . نسوا الله فلم يحسبوا حسابه ، وهؤلاء هم الفاسقون أهل النار فيه مع الكفار في لعنة دائمة وعذاب مقيم (11).

النصارى :

هم الذين كان لهم في التاريخ دور مسيء إلى المسلمين في عهد الإسلام الأوّل وحاربوه في مؤتة وتبوك وأجنادين واليرموك . . . وهم الذين جاءوا بقضّهم وقضيضهم في العصور الوسطى ، فاحتلوا البلاد الشامية ، وقتلوا المسلمين وذبحوهم ، وهم الآن يبتزون خيراتهم ويذيقونهم الهوان لماذا ؟ تعالَ معي إلى بعض ما فعلوه .
قال تعالى :{ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}(المائدة) .
واتخذوا عيسى عليه السلام ولداً لله ـ سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ..}(من الآية 115 البقرة) .
{ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ..}(من الآية 4 الزمر) .
وبعضهم جعل عيسى عليه السلام هو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ـ : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...}(من الآية 17 المائدة) .
فلما جاء وفد نجران من النصارى يدّعون أن لله سبحانه ابناً ، وأصروا على ذلك أمام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمر الله تعالى رسوله أن يقول : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)}(الزخرف) .
وأمره أن يباهل وفد النصارى هؤلاء ، قال تعالى : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)}(آل عمران) .
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نتحاشى موالاتهم وموالاة اليهود والكفار ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .

فهل نرضى أن نكون من اليهود أو النصارى ؟!! .
وهل نرضى أن نحشر إلى الله تعالى ظالمين ؟!! .
إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

الهوامش:
(1) انظر : سورة التوبة ، الآية : 42 .
(2) انظر : سورة التوبة ، الآية : 45 .
(3) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 47 ، 48 .
(4) انظر : سورة التوبة ، الآية : 49 .
(5) انظر : سورة التوبة ، الآيات : 50 ـ 52 .
(6) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 53 ، 54 .
(7) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 57 ، 58 .
( 8 ) انظر : سورة التوبة ، الآية : 61 .
(9) انظر : سورة التوبة ، الآية : 62 .
(10) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 64 ، 65 .
(11) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 67 ، 68 .

يتبع

نبيل
2015-02-13, 10:26 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التحدي

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقولون تحدّاه : نازعه في أمر ، وباراه فيه وغالبه ، ويقولون كذلك : تعمّد الشيء .
ففي التحدي ثقة بالنفس وعلوّ في الهمة ، وإحساس بالاقتدار فوق ما يستطيعه الأخرون .
وفي القرآن الكريم كثير من التحدي للناس على اختلاف أنواعهم ، وللكفار المعاندين بشكل عام ، والمناوئين المعاندين بشكل خاص ، والمتقولين الزاعمين ما لا يستطيعونه بشكل أخص .
وقد يكون التحدي للإعجاز ، وقد يكون للسخرية ، ولفضح الزاعمين . ولهذا الأسلوب إيجابيات كثيرة منها :

1ـ أن يقف المتخرصون عند حدودهم ، فلا يدّعوا ما ليس لهم .
2ـ أن لا يغتروا بأنفسهم فيحسبوا لكل شيء حسابه .
3ـ أن يتنبّه المخدوعون بهم فينفضّوا عنهم وينبذوهم .
4ـ أن يفكر هؤلاء وغيرهم تفكيراً منطقيّاً ينأى بهم عما يسيء إليهم . . .

ومن أمثلة ذلك : أن الكفار من الوثنيين وأهل الكتاب زعموا أن هذا القرآن لم ينزل من عند الله بل " تقوّله " الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وحاشاه فهو الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ، فيتحدّاهم القرآن الكريم .

1ـ أن يأتوا بمثله : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)}(الإسراء) .
2ـ فلما عجزوا وهذا دأب الأفاكين تحدّاهم بأقلّ من ذلك فقال تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}(هود) .
3ـ فلما عجزوا ـ وسيعجزون لأنه كلام الله ـ تحداهم بأن يأتوا بأقل من ذلك فقال : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}(البقرة) .
وقال أيضاً : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ . . . }(يونس) .

لن يستطيع الإنس والجنّ مجتمعين أن يفعلوا ذلك ، وهاقد مرت إحدى وثلاثون عاماً وأربع مائة وألف عام ، وما زال التحدي قائماً فشتان ما بين القدير والضعيف .
وقد حاول الأقزام المتنبئون فكان ما قالوه سخافة ، تدعو إلى السخرية والرثاء .

ـ وينكر الكفار أن يعودوا إلى الحياة بعدما أرمّوا ، فينبههم في الآيات التالية إلى أمرين اثنين :
الأوّل : أن الله خلقهم ولم يكونوا شيئاً وسيعيدهم من شيء ، فأي الأمرين أشدَّ ؟! أليس الخلق أصعب ، وليس هناك مستحيل على الله سبحانه .
الثاني : التنبيه إلى الخسارة المؤكدة لمن كفر .
قال تعالى : { يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)}(النازعات) .
وقال تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}(يس) .
وقال تعالى : { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)}(يونس) .
وقال تعالى : { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)}(الإسراء) .
وقال تعالى : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)}(التغابن) .

ـ ويتحدى اليهود أن يتمنّوا الموت حين زعموا أنهم اولياء الله ولا يعذّبهم فقال : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)}(الجمعة) .
ـ لن يترك الله تعالى الإنسان يفعل ما يشاء ، ولا بدَّ من الحساب والعقاب ، أو الثواب ، والله قادر على كل شيء ، يعيد الإنسان كما كان حتى بصمات أصابعه ، قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) }(القيامة) .
وقال : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)}(القيامة) .

ـ ومما نجد فيه تحدياً ساخراً إنفاق الكفار أموالهم ضدَّ المسلمين ، وخسارتهم في مكرهم هذا : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أ ـ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ب ـ فَسَيُنْفِقُونَهَا
جـ ـ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
د ـ ثُمَّ يُغْلَبُونَ
هـ ـ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)}(الأنفال) .
أرأيت إلى هذا التعقيب الرائع الذي يصور المكر السيء الذي يحيق بأصحابه ؟ .

ـ وانظر معي إلى الهيمنة الإلهية القادرة الجبارة في قوله سبحانه : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)} (الأنفال) .
وقوله : { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)}(هود) .
وقوله سبحانه : { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)} (العنكبوت) .
فإلى أين يهربون وما لهم لا يحكمون ، وكيف يتجرأون على الله سبحانه من عظيم قدير .

ـ أما الإشراك بالله فهي مظاهر عدة يظهر فيه التحدي والغضب بآن وواحد فهم يجعلون لله ولداً ـ سبحانه أن يكون له ولد ـ فيأمر الله تعالى نبيّه أن يباهل نصارى نجران في ذلك فيأبون خوفاً من الحقيقة واعترافاً ضمنياً بها : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)} (آل عمران) .

ونرى الغضب يسح على النصارى الكاذبين سحّاً ، ويسيل سيلاً ، فما ينبغي لله ـ سبحانه ـ الكامل ، المطلق الكمال ـ أن يحتاج إلى ولد :
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .
والعجيب أنهم يزعمون أن إشراكهم بالله برضى منه ـ سبحانه ـ ومشيئته !!
{ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}(الأنعام) .
إنّه بيَّنَ الحقَّ لكم وسبيله ، والباطل وطرقه الملتوية وودعكم تختارون فتنالون ما تستحقون إما ثواباً ، وإما عقاباً .

ويدعي الكفار أن الجِنّة ـ والعياذ بالله ـ أنسباء الله سبحانه ، وقد نكح منهم ، فولدت له الملائكة فيخزيهم مبكتاً : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)}(الصافات)
وسيحاسب الله تعالى الجنّ يوم القيامة كما يحاسب البشر . وهل يحاسب أحد أنسباءه ؟ نعوذ بالله من الظلم والظلمات . وإذا كان لله شركاء وعندكم بيّنة على ذلك فهاتوها ، ووضحوا ما صنعته هذه الآلهة المزعومة ؟
أ ـ { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
ب ـ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)
جـ ـ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)
د ـ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)}(الأحقاف) .
ويطلب الله تعالى الدليل مرات ومرات من المشركين كي يثبت الحجة عليهم:
{ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}(الكهف) وليس أظلم من المفتري الكذّاب . . .

ـ ومن التحدي الذي يسرُّ المسلمين وبذهب حزنهم بشرى الله نعالى بنصرهم ونصر دينهم رغم الكافرين المعاندين والمشركين الضالين ، يقول تعالى :
{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}(التوبة) .
ويقول جلَّ شأنه : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174)
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176)
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178)
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179)}(الصافات) .

نقف مليّاً في تحدّ عجيب غير التحدي الذي سقناه آنفاً ، فما مرَّ كان تحدياً من الله تعالى للكافرين المشركين ، أما السحرة الذين أعدّهم فرعون تحدياً لموسى عليه السلام فقد سارعوا إلى الحق والإيمان حين علم أن ما يدعوهم إليه نبي الله عين الصواب ، وزبدة الحياة ، فتحدّوا فرعون وثبتوا على إيمانهم على الرغم من ضعفهم أمام جبروته وطغيانه ، فمن ذاق الإيمان عرف ، ولم يرض بغيره ، وبذل روحه في سبيله .
{ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)
قَالَ أَلْقُوا
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ
فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)
فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ
إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)
وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)} (الأعراف) .

ـ وهذا سيدنا موسى يقف أمام فرعون ، معه سلاح الإيمان غير هياب ولا وجل ، يعلن كلمة التوحيد تصك أذن الجبار المتكبر ، فنرى ونسمع محاورة قوية بين فرعون الظالم وموسى المؤمن. من أقوى الأساليب الحوارية .
{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)}(الشعراء) .
{ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)} (الأعراف) .
تحدّ كالجبال الراسيات يلقم فرعون الحجة تلو الأخرى . . ولا يكون التحدي إلا :
1ـ بالحجة الدامغة والدليل الواضح .
2ـ بالإيمان الصحيح الحقيق بما تحمله .
3ـ بالثقة في الله ، والقوة النفسيّة .

وأخيراً ، فالتحدي قوة يجب أن يتسلح بها الداعية عن وعي وإدراك . إن الإخلاص لله سبحانه أقوى حجة وأبلغ دليل .

يتبع

نبيل
2015-02-13, 11:12 PM
من أساليب التربية في القرآن الكريم

التقريع والتوبيخ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


التقريع : التعنيف ، . والتوبيخ : اللوم والتهديد والتعبير.
وهذا الأسلوب دواء لمن أخطأ فأصرَّ على الخطأ ، يستوي فيه من أخطأ في موقف ، وأصرَّ عليه غيرَ عارف بخطئه ، ومن عرف أنه مخطىء فأصرّ عليه معانداً ، وإن كان الثاني أشدَّ زلة ، إذاً فالتوبيخ والتقريع نتيجة لتكرار الخطأ دون الرغبة في تركه إلى الصحيح من القول والفعل .
وقد يكون هذا الأسلوب :
1 ـ للمصرّين على مواقفهم فكرةً وعملاً ـ وأنت تعلم أنهم لا يرعوون ـ لإقامة الحجة عليهم ، كي لا يتنصّلوا فيما بعد من مواقفهم هذه .
2 ـ لتتخذ العقوبة المناسبة في حقهم معتمداً على القاعدة التي تقول : ( قد أعذر من أنذر ) فيكون موقفهم في تذرّعهم ضعيفاً .
3 ـ لتنبّه الآخرين أن لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الأخطاء والتصرفات الذميمة .
وهذا الأسلوب ـ عادة ـ يأتي بعد فضح المواقف التي اتسم بها من حاد عن الصواب ، فاستحق العقاب . واستحق الوصف الذي لا يرضاه أولو الألباب .
ولا نقصد هنا بأسلوب التقريع والتوبيخ الأساليب البلاغية التي جاءت إنما نقصد إلى :
أ ـ التعجب مما صدر عنهم من تصرفات .
ب ـ إظهار التصرف الذي كان عليهم أن يلتزموه فخالفوه ، مثال ذلك قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)}(البقرة) .
فالتعجب من أمرهم للناس بالبرّ والنأي عنه ، فحريٌّ بالعاقل أن يكون أول الناس في التزام ما يأمر به لأنه قدوة ، ولأنه يدلُّ على صدقه فيما يدعو إليه وصواب ما يفعله .
وقوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا
أ ـ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ
ب ـ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} (البقرة) .
وقوله جلّ شأنه : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
1 ـ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ
2 ـ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ
3 ـ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } (البقرة) .
وحين يظهرون الإيمان أمام المؤمنين خداعاً ، ويتواصون سرّاً أن يخفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، فلا يظهروها للمسلمين كي لا تكون حجة للمسلمين عليهم ـ معشر اليهود ـ في عدم اتباعه صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى كاشفاً سترهم موبخاً إياهم موضحاً حقيقة الأمر : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) }(البقرة) .
ومما استحق عليه اليهود التوبيخ والتعنيف ، ما أخبرنا به الله تعالى في كتابه قائلاً :
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ
أ ـ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ
ب ـ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)}(البقرة) .
{ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ
أ ـ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
ب ـ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا
أ ـ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
ب ـ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}(البقرة) .
فهم يفعلون غير ما تأمرهم بهم الديانة اليهودية التي يزعمون أنهم ينتمون إليها .
ومن صفات اليهود الفاضحة التي استحقوا عليها التوبيخ :
أ ـ { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }(البقرة) .
ب ـ { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)}(البقرة) .
جـ ـ {. . . . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)}(البقرة) .
الاستكبار على أنبيائهم ، وتكذيبهم وقتل الكثير منهم ، والتشدّق بفسادهم وكفرهم والجرأة على الله ، والكفر به .

وحين دُعُوا إلى الإيمان بالرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ادَّعوْا أنهم يؤمنون فقط بما أنزل عليهم في التوراة ، ويؤمنون برسلهم فقط ، وهم كاذبون في دعواهم ، لأنهم كانوا يقتلون أنبياءهم ، ولو كانوا يؤمنون بهم وبرسالتهم ما قتلوهم ، فيقول سبحانه موبخاً : (( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)}(البقرة) .

وانظر معي إلى هذا النداء التوبيخيّ الفاضح ، وهذا الاستفهام الدامغ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) }(آل عمران) .
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}(آل عمران).

وتأمل معي تفجير الموقف التوبيخي ، والأسباب التي سبقته فأدّت إليه .
قال تعالى :
أ ـ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)
ب ـ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)
جـ ـ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ
1ـ بِالْجِبْتِ
2ـ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)}(النساء) .

والمنافقون قال الله تعالى فيهم :
{ ..فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) }(النساء) . أتدري لماذا ؟ إنهم ادّعوا أن اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبهم بالبلاء والجهد ، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل الحسنة والسيئة والنعمة والنقمة كلها من عند الله {.. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (78)}(النساء).

واقرأ معي هذه الصفات الخسيسة التي اتسم بها اليهود :
{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ
لَمْ يَأْتُوكَ ( يقبلون كلام من لا يحضر مجلسك تكبّراً وعناداً وإفراطاً في العداوة والبغضاء ـ يهود خيبر ـ)
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ
( إن أمركم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجلد فاقبلوا)
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ...}(من الآية 41 المائدة)
(إن أمركم بالرجم فلا تقبلوا)
{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ...}( من الآية 42 المائدة).
(السحت : الحرام من الرشوة والربا ، وما شابه ذلك )
فهذه الصفات جعلتهم أهل فتنة ، قلوبهم فاسدة ، لهم خزي في الدنيا ، وعذاب في الآخرة .

أما المنافقون الذين يسرعون إلى مرضاة اليهود والنصارى ـ وما أكثرهم هذه الأيام ـ فقد جعلوا أنفسهم منهم إذْ جعلوهم أولياء لهم ، فهؤلاء إذاً نفوسهم مريضة ، ضالّون ، ظالمون ، سيندمون حيث لا ينفع الندم :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)}(المائدة) .
وهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى يدعون أن لله ولداً ، فيقرعهم سبحانه ، ويصفهم بالكذب : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)}(التوبة).
(يضاهئون : يشابهون ويماثلون)،
والعبودية اتّباع وتنفيذ ورضا ، فالرهبان والأحبار يحرفون الكلم من بعد مواضعه وأتباعهم ينفذون ما خططوه لهم ،قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ }(من الآية 31التوبة) .
وهم { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) }(التوبة) .
والله سبحانه { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}(التوبة) . فأشار الله سبحانه إلى الكفار من أهل الكتاب المناوئين لدينه موبخاً واصفاً إياهم بالشرك والكفر .

وتدّبر معي هذا التوبيخ الشديد لمن نكث عهده فبخل وفسَد وأعرض :
{ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)}(التوبة) .

ويسخر المنافقون من صدقة قليلة دفعها رجل مؤمنٌ فقير ، فيسخر الله منهم
{ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) }(التوبة) .
وهؤلاء المنافقون لا يغفر الله لهم أبداً أبداً { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ...))
لماذا ؟!
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }(التوبة).
إنها روعة في نفي المغفرة لهؤلاء مع بيان سبب شدة النفي ، وتهديد لمن تحدثه نفسه أن يكون مثلهم .
ولما فرح المخلفون عن غزوة تبوك وقالوا لا تنفروا في الحرّ بيّن الله تعالى لهم أن نار جهنم أشد حراً لكنهم لا يفقهون ثم وبخهم وقرَّعهم بقوة قائلاً : { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) }(التوبة) .

ونرى هنا توبيخاً لمن يذكر الله في الشدّة وينساه في الرخاء بل ينكر فضله متناسياً ما كان ، قال تعالى :
{ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)}(يونس) .
أما فرعون المتأله المستكبر الذي سام بني إسرائيل سوء العذاب فإنه حين يغرقه الله وتغرغر روحه يقول : إنّه أسلم لله . . فكيف كان التوبيخ والتقريع ؟ قال تعالى : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)}(يونس) .
اعترف بإله بني إسرائيل وأنكر ألوهيّة نفسه التي أضلَّ بها قومه ورعيّته ، وأقرَّ أنه واحد من المسلمين لا يزيد عنهم ولا ينقص . . وليته قالها قبل هذه اللحظة ، فلن ينفعه هذا الإيمان الذي جاء متأخراً :
أ ـ { آَلْآَنَ
ب ـ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
جـ ـ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}(يونس) .
( أتتوب في وقت لا تقبل فيه التوبة) .

وكفّار مكة لم يقدِّروا فضل الله عليهم إذ جعل حياتهم فيها آمنةً رغداً تحترمهم القبائل ، وتؤمُّ بيتهم الحرام وتحرس قوافلهم ، وجعل لهم رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، فجعلوا له شركاء ، وضلوا عن سبيله . . { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)}(إبراهيم) .

ولم أر توبيخاً أشدُّ من توبيخ مَنْ جعل لله سبحانه ولداً ، اقرأ معي هذه الجمل التي تعصف بالقلوب ، وتزلزل البنيان من القواعد ، غضباً ممن اعتدى على كمال الله وجلاله ، ووحدانيّة الله في ألوهيته :
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
أ ـ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
ب ـ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)
جـ ـ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
د ـ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)
هـ ـ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
ز ـ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
ح ـ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .
( إدّاً : منكراً فظيعاً)
وتدبّر معي التضَجّر من الإشراك على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وممن يتخذون من دون الله آلهة : { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)}(الأنبياء) .
حقاً إنهم لا يعقلون .
لقد اعترفوا حين تحدثت الفطرة بأن هذه الآلهة المزعومة لا تعقل ، ولا تنطق فهم حين عبدوها كانوا أقلَّ منها عقلاً ، فكيف يعبد الإنسان شيئاً صنعه بيده ؟!!
{ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)}(الأنبياء) .

ويكون التوبيخ على أشده حين يفتري مَنْ يفتري دون برهان ، ولا دليل ولا مزعة من ظنّ مقبول ، فهم حين يجعلون ملائكة الرحمن إناثاً يسألهم الله موبخاً : { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) }(الزخرف) .
وحين ادّعوا أن الله تعالى أمرهم أن يعبدوا ملائكته ـ وحاشاه سبحانه ـ أن يأمرهم بذلك أقام عليهم الحجة { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) }(الزخرف) .

وحين سمّوا أصنامهم بما يحلو لهم وقالوا هي بنات الله سخر ـ سبحانه ـ منهم ووبخهم قائلاً :
{ أ َلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)}(النجم) .

وفي سورة الرحمن توبيخ يقرع أسماع أعداء الله ، يستمر من أوّل السورة إلى آخرها قرعاً مدوياً بترتيب متلاحق يخلع الأفئدة إحدى وثلاثين مرة : { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) }(الرحمن) . . إنه تعنيف شديد وتهديد رهيب ، ولوم ما بعده لوم .

ولاحظ التوبيخ التصويري في قوله تعالى : { فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36)
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37)
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)
كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)
عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) }(المعارج) .
(مهطعين : مسرعين مادي أعناقهم ) ، فهؤلاء الكفار يتجمعون حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعات متفرقة ، يصيخون إليه مائلين رؤوسهم متعجبين مما يقول ، هؤلاء يجيبهم الله تعالى باستفهام إنكاري فيه تقريع وتوبيخ ، فلا يطمع أحدهم أن يدخله الله جنات النعيم بعد أن كذّب خاتم المرسلين ، ثم يردعهم بقوله سبحانه { كَلَّآ } ، ليس الأمر كما يطمعون . لقد خلقهم الله من الأشياء المستقرة ، من نطفة ثمّ من علقة ، ثم من مضغة ، فمِنْ أين يتشرّفون بدخول جنات النعيم على شركهم وكفرهم ؟!! .

وفي أول سورة المطففين توبيخ لمن يأخذ أكثر مما يستحق ، ويعطي أقل مما يجب أن يعيطه ، وهذه دونيّة الفساد ما بعدها دونيّة : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)
الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)
أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)}(المطففين) .

والقرآن بأسلوبه العجيب يعطي هؤلاء المعاندين المستكبرين ما يستحقونه من تحقير يناسب نفوسهم وجِبِلَّتَهُمْ الفاسدة ، نسأل الله العفو والعافية .

يتبع

نبيل
2015-02-13, 11:40 PM
من اساليب التربية في القرآن الكريم

الاستعلاء

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هو الشعور بالانتماء إلى الله العزيز العلي ، مما يولّدُ :

أ ـ الإحساس بالترفع عن سفساف الحياة الدنيا .
ب ـ وتحمل الأذى والصبر عليه ابتغاء رضوان الله تعالى .
جـ ـ والعزوف عن بهارج الحياة والرغبة في الآخرة .
د ـ والثبات على المبدأ الصحيح ، والبذل في سبيله كل غال ورخيص .
هـ ـ والنظر إلى طلاب الدنيا برحمة ، ومحاولة انتشالهم من شباكها .
و ـ والتعامل معهم دون الخوض فيما هم فيه ، دون نبذهم والتكبر عليهم .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحمل هذه المفاهيم وتدعو إليها .

ـ فهؤلاء أصحاب الكهف فتية طاهرون ، آمنوا بالله سبحانه وتعالى ، ولجأوا إليه ، فقبلهم ، وزادهم منه هداية وتقوى ، وثبتهم على دين الحق ، فأعلنوا بإصرار وعزم عقيدتهم وتوحيدَهم لربهم ، مستعلين على ظلام الشرك والوثنية : { وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)}(الكهف).

ـ وهذا يوسف عليه السلام راودته التي هو في بيتها ، فاستعصم ، واستعان بالله عليها . . فلما انتشر خبرها بين نساء المدينة استزارتهن لتلقمهنَّ حجرها ، وتضع بين أيديهن سبب رغبتها فيه فلما رأين جماله ـ عليه السلام ـ وقعن فيما وقعت فيه ـ فدعونه إلى مسايرتهنّ جميعاً ، فأبى ، واستعلى ، فهددته بالسجن ـ فكان السجن ـ أحب إليه من الوقوع في الزنا :{ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)}(يوسف) .

ـ وهؤلاء المنافقون يعودون إلى المدينة بعد غزوة بني المصطلق ، ويتشاجر على الماء ساقيان ، أحدهما لأنصاري ، والآخر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من المهاجرين ـ ويرى رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الفرصة مناسبة لخلخلة الصف المسلم ، فيقول : لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرّقوا عن محمد ، ونسي أن خزائن السموات والأرض لله وحده . ثم ادّعى أنه العزيز وأن المسلمين أذلاء ، ولئن وصلوا إلى المدينة ليمنعنّ العزيزُ الذليلَ من دخول المدينة ، فسمع ابنه ـ وكان مؤمناً ـ ما قال أبوه ، فوقف على باب المدينة يمنع أباه من دخولها قائلاً : وراءك ، والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول : إن رسول الله هو الأعز وأنا الأذل ، فقالها ، وسجّلها الله تعالى آية في العالمين : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)}(المنافقون) .

ـ وقد ذَكَرْنا أن انتماء المسلم لله سبحانه الذي مجّد نفسه فقال : { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ }(من الآية 114 طه)/(من الآية 116 المؤمنون) ، وقال أيضاً : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)}(فاطر) ومحققاً : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}(المجادلة) .
فهذا سيدنا سليمان يرسل إلى ملكة سبأ ، يدعوها وقومها إلى عبادة الله وحده ، فكانت عاقلة لبيبة ، ردّت عليه بالحكمة ، فبدأت بإرسال هدية مالية ضخمة ، علّه يسكت عنها إن كان من أهل الدنيا ، فماذا كان ردّه عليه السلام ؟ إنّه أعلن لمن جاءه وللحاضرين جميعاً أنّ المال ليس هدفاً وغاية يرمي إليه الإنسان { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)}(النمل) .

ـ وتأمّل معي الجواب الواحد لنبيين عظيمين ، استعليا على الدنيا وما فيها . .
أما الأول فخليل الرحمان سيدنا ابراهيم ، الذي ألقاه قومه في النار ، فأنقذه الله منها ، فانطلق معرضاً عن الدنيا ، راغباً في الله سبحانه :
{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}(الصافات) .
وأما الثاني ، فكليم الله موسى الذي خرج بقومه من مصر إلى بلاد الشام هرباً ، فلحق به فرعون وجنوده: { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)}(الشعراء) .
أرأيت إلى المشكاة الواحدة التي قبس منها هذان النبيان العظيمان ، وإخوانهما من الأنبياء الكرام ؟ !! .

ـ وهذا سيدنا شعيب يفعل فعلهما ، فقومه يضيقون عليه وعلى المؤمنين ويقولون له :
أ ـ { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
ب ـ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
ـ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا
جـ ـ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا
ـ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا
د ـ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا
هـ ـ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ
ـ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}(الأعراف) .

ـ ويجمع فرعون سحرَتَه ويستعين بهم على إرهاب موسى والناس ، ليضلّهم ويفرض سلطانه عليهم دون حقٍ إلا سبيل القوة والخداع ، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم ، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحرٍ عظيم ، فخاف موسى مما رأى . . . ولكن الله تعالى كان مع موسى ، ومن كان مع الله أفلح وانتصر . وصار أعداء الأمس أتباع اليوم .
{ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)
قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)}(طه) .

ـ وكما قال الله تعالى لموسى عليه السلام { إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى } قالها للمؤمنين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ، حيث أصابهم من المعركة ما أصابهم من قتلى وجرحى ـ وواساهم ورفع من معنوياتهم ، وأنّه سبحانه معهم :{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}(آل عمران) .
وقالها أيضاً لهم حين أمرهم أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ، ولا يبطلوا أعمالهم: { ولا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)(محمد) .

ـ وهذا سيدنا إبراهيم ، ـ وسيدنا إبراهيم أمّةٌ وحده والخير أصلٌ فيه ، ومنه نتعلم بما وهبه المولى سبحانه من كمال وسداد ـ يهدده أبوه المشرك إن لم يترك دينه ويعدْ إلى الضلال أن يرجمه فماذا يقول له ؟ وبم يجيبه ؟ إنّه عليه السلام دعاه إلى الإيمان فأبى ، ونصحه فرفض ، ووضح له فأصمَّ أذنيه ، وأغلق عينيه عن رؤية الحق :
{ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) } (مريم)
إنه عليه السلام نأى بنفسه عن والده ، وسأل الله السلامة له وسار في ركب الهداية لا يحيد عنه .

ـ وعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون إلى المدينة من حرب المشركين في غزوة أحد ، فسمعوا من المرجفين أنصار المشركين أن أهل مكة عادوا ليستأصلوهم ـ وخوّفهم هؤلاء المنافقون من المشركين ـ فقالوا لهم : عددهم كبير ، وأسلحتهم ماضية ، وهم عازمون على إنهاء وجودكم ، فلم يكن من المسلمين الذين علَّمهم قائدهم الشجاع ـ صلى الله عليه وسلم ـ الاستعلاء بالله والاستعانة به على كل مكروه إلا إن احتسبوا ذلك عند الله سبحانه ، وجعلوه ملجأهم ونصيرهم وتوكلوا عليه فرجعوا بنعمة السلامة ، وفضل الأجر والثواب :
{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} (آل عمران) .

ـ وأخيراً نقف ملياً أمام صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان :
{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } ،
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ }(من الآية 68) ،
{ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)}
فهم :
1 ـ لا يتكبرون .
2 ـ يتلطّفون مع الناس ولا يردون الإساءة بالإساءة .
3 ـ يوحدون الله قولاً وعمل .
4 ـ وقافون عند حدود الله :
أ ـ لا يقتلون لمجرّد القتل .
ب ـ لا يزنون ولا يرتكبون الفواحش .
جـ ـ يقولون الحق فقط .
د ـ يعرضون عن اللغو وفارغ الكلام .
هـ ـ يسمعون آيات ربهم بوعي وفهم .

اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين .

يتبع

الحياة أمل
2015-02-14, 10:37 AM
مآشآء الله .. طرح طيب ونقل موفق
بآرك الرحمن فيكم أستآذ للاختيآر ...~

نبيل
2015-02-14, 04:12 PM
كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

الجزاء

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هو أن ينال الإنسان حقّه لفعلٍ فَعَله ، أو قولٍ قاله إن خيراً فخيرٌ ، وإن شراً فشرّ ، وأن تقضيَه المِثْلَ المناسب .
وكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خلفه أكّدَ على الجزاء :

1ـ لأنَّ فيه العدل ، ينصف المظلوم ، ويردع الظالم .
2ـ لأنّ الإنسانَ خُلِقَ يتنازعه الخير والشرُّ، فكان الجزاء مساعداً على كبح الشر،وإطلاق الخير .
3ـ لأنّه عنوان القوّة ، والحقّ بغير قوة يضيع فلا بدّ من الجزاء لنصرة الحق .

ـ قال الله سبحانه وتعالى مؤكداً على الحساب المؤدي إلى الجزاء بشقيه الثواب والعقاب
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}(الزلزلة) .
ونبّه إلى أن العمل يعود على صاحبه بالنفع والضرر ، فقال سبحانه : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا . . .}(من الآية 46 فصلت) .وقال جلّ جلاله : { وجزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ...}(من الآية 40 الشورى) ، وقال أيضاً : { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)}(الرحمن) .

ـ والذي أقصده من الجزاء في هذا الباب الثواب والعقاب في الحياة الدنيا ، أما الآخرة وحسابها ثواباً وعقاباً ، فقد تناولته ضمن أبواب أخرى ، وسوف أتناول هنا :
1ـ جزاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم أو آمنوا بهم .
2ـ جزاء الأقوام الذين كفروا نعمة الله .
3ـ الجزاء الذي نال بعضَ الأفراد نعمةً ونقمةً ، من الله تعالى أو من البشر .

1ـ قصَّ علينا القرآن الكريم جزاء عديد من الأمم الذين كذبوا أنبياءهم .

ـ فهذا سيدنا نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يدعوهم إلى الله وحده ، فيأبون ذلك ، ويتواصون بتكذيبه ، فماذا كانت العقوبة ؟ قال تعالى يحددها :
أ ـ { فَكَذَّبُوهُ
ب ـ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
جـ ـ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ
د ـ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
هـ ـ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)}(يونس) .

ـ وهذا سيدنا هود أرسل إلى قوم عاد ، يأمرهم بعبادة الله وحده ، واستغفاره والاتكال عليه وحده ، فردوا عليه رداً قبيحاً ، واتهموه بالسَّفه ، فتبرأ منهم ، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى ، فعاقبهم الله تعالى عقاباً شديداً { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)}(القمر) .

ـ أما ثمود قوم صالح عليه السلام فلم يكونوا خيراً من أسلافهم ، فإنهم لما كذّبوه وقتلوا الناقة هددهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام ، ثم بدأ عذاب الخزي العظيم . . قال تعالى :
{ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) }(هود) .

ـ وقوم لوط كانوا يعملون الفواحش ، وحين جاءته الملائكة أسرع إليه هؤلاء المجرمون ليفعلوا فيهم ما اعتادوا من الفاحشة ، فكانت قاصمةَ الظهر إذ نجّى الله تعالى لوطاً وأهله إلا امرأته ، وكان موعد العذاب الصبح { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}(هود) .
ـ وهذا سيدنا شعيب يدعو قومه إلى دعوة الأنبياء كلهم ـ التوحيد ـ وإيفاء المكيال والميزان حقهما ، وعدم أكل حقوق الناس والبغي والفساد ، فاستهزؤوا به ، وسفّهوا رأيه وهدّدوه بالرجم ، فكيف نزل عليهم العذاب ؟ قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)}(هود) .

ـ وفرعون ذلك المتألّه الجبار المتكبّر سام بني إسرائيل سوء العذاب ، ذبح أبناءهم ، واستحيا نساءهم ، وكفر بالله عزّ وجلّ ، ونادى متحدياً ، قال تعالى : { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)}(النازعات) فكيف أباده الله تعالى ؟! أمر الله تعالى موسى أن ينطلق ليلاً إلى جهة الشرق ، حيث سيناء ، ثم بلاد الشام لينجو بقومه من شرّ فرعون ، فتبعهم هذا الشيطان ليستأصلهم
{ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64)
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65)
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66)}(الشعراء) .

ـ إن الجزاء قد يكون ماحقاً للمدن وأهلها ، وقد تبقى هذه المدن شاهدة على استئصال أهلها ، فتبقى خالية منهم ليعتبر المارّون عليها { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)}(هود) .
أما الذين آمنوا برسالات أنبيائهم ، وعرفوا الله فأسلموا له ـ سبحانه ـ قيادهم فقد عاشوا في الدنيا حياة رغيدة ـ مثالهم قوم يونس عليه السلام إذ قال الله تعالى يحدثنا عنه : { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)}(الصافات) .

2ـ إن قوم سبأ لما كفروا نعمة الله خرّب الله ملكهم ، وشتت شملهم ، ومزّقهم شرَّ ممزّق ، وجعلهم عبرةً لمن يعتبر .
فقد كانت قراهم متقاربة ، والأمان بينها وافراً والبساتين تظلل الطرقات ، فيسافر الإنسان من اليمن إلى بلاد الشام لا يحتاج للزاد ، فكفروا بأنعم الله ، فماذا كانت النتيجة ؟ { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)} (سبأ) .
إن الذي يُعْرِض عن ذكر الله يعاقبه ، فهؤلاء كما رأينا أرسل الله عليهم الطوفان فغرقت دورهم ، وخربت بساتينهم ، وانقلبت ثمارهم أشواكاً مرّةً وسدراً ، ولم يكتفوا بذلك بل سألوا الله أن تكون الأرض مفاوز وصحارى في سفرهم ، حتى يشعروا بمشاق السفر . . وهذا تفكير سفيه عجيب . . . فعاقبهم الله على كفرهم النعمة بأن :
1 ـ باعد بين مدنهم .
2 ـ جعلهم أخباراً تروى دالة عى جحودهم .
3 ـ فرّقهم في البلاد شذر مذر ، ليكونوا عبرة لمن يعتبر .
قال تعالى : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)}(سبأ) .

ـ ألم يقل الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)}(الحديد) هكذا كان ذو القرنين ، يمشي على هدى من الله ونور ، جعله هادياً للناس في مشارق الأرض ومغاربها ، ومكّن له فيها ، وسهّل له ما يساعده على نشر الدين في المعمورة ، فكان إذا مرَّ على قوم دعاهم إلى الله ، فإن كفروا عذّبهم بالقتل ، وبعد القتل نار الله الحامية ، وإن آمنوا أحسن إليهم ، فعاشوا في خير الدنيا وبركتها ، ثم يلقون عند الله سبحانه الجنّة ، ونعيمها . . ثوابان . . وعقابان
{ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)}(الكهف) .

3 ـ كان لرجل مسلم من أهل صنعاء بستان فيه أنواع النخيل والزروع والثمار ، فإذا حان وقت جني الثمر أو الحصاد ، دعا الفقراء ، فأعطاهم نصيباً وافراً منه ، وأكرمهم غاية الإكرام ، فلما مات ورثه أبناؤه الثلاثة ، فلم يكونوا مثله ، فعزموا على منع الفقراء ، وجني الثمر خفية في الصباح ، وحلفوا على ذلك فماذا كانت العقوبة ؟ أرسل الله عليها ناراً في الليل أحرقت الأشجار ، وأتلفت الثمار فذهبوا إلى حديقتهم صباحاً فلم يروا فيها شجراً ولا ثمراً ، فظنوا أوّل الأمر أنهم ضلوا الطريق ، ثم تبيّن لهم أن الله سبحانه عاقبهم بنيّتهم السيئة ، فندموا وتابوا على فعلتهم بعد فوات الأوان .
وكان الله تعالى اختبر أهل مكة ، بدعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين كلفهم أن يشكروا ربهم فكفروا بنعمته فكان مثلهم كمثل أصحاب البستان
{ إ ِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)
وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)
فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)
أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)
فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)
أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)
وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)
فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)
قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)
قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)
عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)}(القلم) .
إن عقوبتهم رادعة ، تعلموا منها أن يكونوا كراماً وأن يساعدوا الفقراء ليكون الله في عونهم ، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

- وما جزاء من يتهم الشريفات العفيفات بما لا يليق ، فيمتهنهنّ ويقذف أعراضهنّ ؟ إنه الجلد وإسقاط حقهم المدني ، ثم الجزاء الأخرويّ الشديد ، فهم في عداد الفاسقين :
ـ { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
1 ـ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
2 ـ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
3 ـ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)}(النور) .
والعقوبة في هذه الآية ثلاثة أنواع :
الأولى : عقوبة جسدية (( الجلد )) .
الثانية : عقوبة معنوية لا تقبل لهم شهادة فحقوقهم المدنية ساقطة .
الثالثة : عقوبة في الآخرة . . النار لأنهم فاسقون .

ـ حين دعت امرأة العزيز سيدنا يوسف إلى الزنا وارتكاب الفاحشة عصمه الله تعالى ، وبدل أن يكافئه المجتمع لطهره وعفافه فتكون هذه المكافئة دفعاً لشباب الأمة إلى سلوك مسلكه عوقب بالسجن !!! ليضيع في متاهات أقبيته ، ويضيع الشباب في حمأة الرذيلة !! { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)} (يوسف) . وفعلاً سجنوه!!
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)}(يوسف) .
والدلائل كلها تشير إلى براءته ، ولكنْ سهلٌ على كبار القوم أن يلفّقوا التهم إلى الشرفاء ، لينجوا بأنفسهم بصرف الأنظار إلى غيرهم . . . !! .

هذا عن العقوبة ، أما أمثلة الجزاء ثواباً .
فإن يوسف عليه السلام حين أوّل منام الملك ، ورفض الخروج من السجن ، إلا أن تظهر براءته ، فاعترفت امرأة العزيز بالحقيقة ، سُرَّ الحاضرون لنزاهته { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)} (يوسف) فانتقل من السجن إلى الصدارة والوزارة .

وهذا موسى عليه السلام يصل إلى مدين ويسقي للفتاتين ويأوي إلى ظل شجرة ، فيدعو الله التيسير ، فتأتيه إحداهما قائلة : {... إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ...}(من الآية 25 القصص) . فيزوجه أبوها إياها ، ويعيش آمناً .
والثواب على عمل الخير يدفع إلى الاستمرار فيه .

وليتنا نقف ملياً عند هذه الآيات التي تكررت في سورة الصافات في حقِّ الأنبياء الكرام : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وهارون ، وآل ياسين { سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} (الصافات) .
{ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)}(الصافات) .
{ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)} (الصافات) .
{ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}(الصافات) .
فَذِكْرُهُمْ إلى آخر الزمان تقدير ، وتبجيل ، وتعظيم . . . أهناك أحسن من هذا الثواب العظيم المستمر إلى أبد الآبدين ؟ ولهم في الآخرة المكان العالي والمكانة الرفيعة .

يتبع

نبيل
2015-02-14, 10:03 PM
كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

الحذر والحَيطة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


تعلمنا من آبائنا وأجدادنا أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وسدّ الثغرات أسهل بكثير من إعادة بناءٍ أهملناه ، فانهدم .
كما أن الحذر مطلوب في أيام السلم والحرب ، ومن الصديق والعدو ، ومن الأقارب والأباعد . والحذر كذلك مطلوب من عذاب الله ، وفتنة الشيطان ، والتصرف مع الآخرين بما لا يليق . وبشكل عام يجب الحذر وأخذ الحيطة دائماً ومن كل شيء ، دون الوصول إلى التوهّم والتوجس الذي يزيد عن حده ، ولله درّ القائل :
احــذر عـدوّك مــرّةً * واحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصديق * فـكان أعلم بالمـضـرَّه

1ـ فهناك الحذر من العدو المتربص في كل زمان ومكان ، ينتظر حالة الغفلة والاسترخاء في الصف الإسلامي ، وهي حالة تتعارض مع حالة اليقظة . . إن العدو بارع بانتهاز الفرص التي تصنعها له حالة ُ الغفلة ، فماذا يفعل العدو ، إنه يميل علينا ميلة لا تبقي ولا تذر ، تهلك الحرث والنسل ، وتهتك العرض ، وتغتصب الأرض ، وتستولي على الديار ، وتتحكم بعباد الله بطغيان لا مثيل له .
قال تعالى : { وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }(من الآية 102 النساء) .
ويقول الله تعالى آمراً بالاحتراز من العدو والاستعداد له : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)}(النساء).
وقد أمر الله تعالى أن لا نتخذ الكافرين أولياء ، وأن لا نجالسهم إذا استهزؤوا بديننا ، ومَنْ استمرأ الجلوس معهم ، ومؤانستهم كان منهم ، وانتهى إلى مصيرهم فقال :{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) }(النساء).
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)}(النساء) .
ويؤكد الله سبحانه وتعالى المعنى حين يقول ناهياً عن مجالسة اليهود والنصارى وموالاتهم:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .

وسورة " المنافقون " كلها تحذير منهم . وإليك مثالاً واحداً ، فهم :

1ـ يدّعون أنهم آمنوا بمحمد نبياً ويشهدون بذلك .
2ـ الله سبحانه يؤكد نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ويشهد أن المنافقين يكذبون في شهادتهم .
3ـ والمنافقون يتخذون الأيمان سبيلاً إلى الإيهام بصدقهم .
4ـ يجب الحذر منهم لأنّهم لا يقرّون على قرار ، يؤمنون مرة ويكفرون أخرى .
5ـ لا يغرَّنّ منظرُهم وفخامةُ مظهرهم ، فهم خشب مسنّدة ظاهرها متين ، وجوفها فارغ .
6ـ يجب الحذرُ منهم ، فهم أشدَّ كرهاً للمسلمين ، وهم كذّابون .
قال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)}(المنافقون) .

2ـ وهناك الحذر من الشيطان ، قال تعالى : {. . . . وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}(الأنعام) .
فالشيطان يأمر بالمفاسد ، والحذرُ من اتباعه واجب ، والاحتراس مطلوب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور) .
وبما أن الشيطان عدو لنا ، فمن الواجب أن تتخذه عدواً ، فهو يورد من اتبعه النار ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}(فاطر) .
وعلى هذا الأساس كانت الاستعاذة بالله من الشيطان ، ومكره ، ووسواسه ، وتشكيكه بالحق! قال تعالى : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) }(الأعراف) .

3ـ وهناك الحذر من عذاب الله ، والفتنة ، وعدم الاستجابة للرسول الكريم .
فالرسول الكريم يدعو إلى الله ودينه القويم ، فمن نأى وصدَّ صرف الله قلبه عن الإيمان ، وأصابته فتنة تودي به إلى قعر جهنّم ، قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) }(الأنفال) .

كما أنه لا يجوز خطبة امرأة في عدتها ، فمن فعل فقد أثم ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ . . . }(من الآية 235 البقرة) .

وينهانا الله تعالى عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين يأمر بأمر ، فينسَلُّ بعضهم إلى الوراء خارجاً دون استئذان ، وهو الآن في لقاء مع القائد والتزام الوجود من أدب اللقاء ، والاستئذان مشروع لمغادرة مكان الاجتماع ، ويحذرنا الله تعالى أن تعلو أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأمام حجرته الشريفة ، فهذا من الأدب معه صلى الله عليه وسلم: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}(النور) .
أما خيانة الله ، فبترك فرائضه ، وخيانة الرسول بترك سنته ، وخيانة الأمانة عدمُ تحمل مسؤولية العمل بكتاب الله وسنّة رسوله ، وترك الدعوة إلى الله سبحانه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) }(الأنفال).

4ـ وهناك الحذر من الفتنة بأنواعها .
فتنة الأموال ، والأولاد والزوج ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) }(الأنفال) .
وقال أيضاً : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)}(التغابن) .

والله سبحانه وتعالى ، حذّر الرسول الكريم من الركون إلى الذين كفروا . . هؤلاء الذين يريدون منه عليه الصلاة والسلام أن ينصرف عن وحي الله تعالى ، أو أن يزيد على هذا الوحي ما يخالف الدين ، وحاشا رسولَ الله أن يفعل هذا ، فهو الأمين المؤتمن ، ولكنّه درس لنا معشر المسلمين في الثبات على دين الله ، والدفاع عنه دون أن نهتمَّ بوعيد الكفار وتهديدهم ، أو إغرائهم للدعاة ، فالمؤمن وقاف على حدود الله :{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}(الإسراء).

وانظر إلى حذر الوالد يعقوب ، ففي أكثر من مكان في سورة يوسف يظهر الحذر في حديثه مع أولاده ، فلما سألوه أن يرسل أخا يوسف ( بنيامين ) معهم لأن يوسف منع عنهم الكيل إلا بحضوره ، قال تعالى : { قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) }(يوسف) .
ثم طلب منهم موثقاً على إعادته إن استطاعوا :{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)}(يوسف) .
ثم أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة خوف العين الحاسدة ، وهو موقن أن الله يفعل ما يشاء . .
وهذا موسى يستصرخه رجل من بني قومه على رجل من آل فرعون فيجيبه ، ويضرب ذلك الرجل فيقتله ، وهو لا يريد قتله ، فاستغفر ربه ، ووعده ألا يكون عوناً للمجرمين . . . وبعد أن قتله { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ }(من الآية 18 القصص)
والترقب : انتظار الطلب أن يدركه
حتى إن الفتاتين اللتين كانتا مع الأنعام ابتعدتا عن الرجال لا تختلطان بهم ، وتنتظران حتى يفرغوا فتتقدّمان لسقي ماشيتهما { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)}(القصص) .
وحين أُمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون قال حاذراً طالباً مساعدة أخيه : { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)}(القصص) .
فالحذر في كل الأمور مطلوبٌ ، حتى ولو كان كل شيء معك . . فقد قيل : ( من مأمنه يؤتى الحذر ) .

ويجب الحذر من تناقل الإشاعات أياً كانت ، فهي مغرضة مؤذية إذا تناقلها الناس دون تمحيصها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)}(الحجرات) .

والحذر يأمرنا كذلك أن نردَّ كل ما نسمعه إلى المختصين كي لا نقع في المحذور الذي يحفره لنا الأعداء ، قال تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}(النساء).

وتأمل معي حَذّرّ النملة التي رأت جيش سليمان عليه السلام قادماً إلى الوادي ، فحذَّرت النمل أن تبتعد عن الطريق كي لا ينالها الأذى { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)}(النمل) .

أفلا يكون المسلم العاقل أشدَّ حذراً منها كي لا يقع في المحذور ؟!! .

يتبع

نبيل
2015-02-14, 10:35 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

أساليب القتال

الدكتور عثمان قدري مكانسي


خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة إلى معركة أحد بجيش قوامه ألف مقاتل . ولما تراءى الجمعان عاد عبد الله بن أبي سلول بثلاث مئة من المنافقين إلى المدينة غير راغبين في القتال . أما حجتهم فلأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُصغِ إلى قولهم أن يتحصنوا في المدينة ،إنما استمع لقول الشباب ، فخرج بهم إلى ظاهرها ، أما الحقيقة فهي أن المنافقين جبناء كما ذكرنا ذلك في أسلوب " تطهير الصف " . ولماذا يقاتلون ، وهم يرون أن المشركين أقرب إليهم من المسلمين ، ويتمنون من كل قلوبهم أن ينتصر المشركون على المسلمين ! .

1ـ انتظام الصفوف :
إذاً عاد ثلاث مئة ، وبقي المسلمون سبع مئة ، والمشركون ثلاثة آلاف مقاتل ، فهم إذن أكثر من المسلمين بما ينوف على أربعة أضعاف .
كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدد مكان المقاتلين ، ويصفُّهم لقتال عدوهم . وحين ساور الخوف قبيلتين مسلمتين هما : بنو سلمة وبنو الحارث ـ فقد أهموا أن يعودوا لاعتقادهم أن العدد غير المكافىء لا يبشر بنصر ـ جاءهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم يشجعهم ويثبتهم ، ويرفع من عزائمهم ، وهكذا كان .
قال تعالى : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}(آل عمران) .
فالقتال إذاً كان صفوفاً تثبتت في مكانها تصدُّ الهجوم ، ثم تنتقل إلى الهجوم .
وهناك أيضاً ترتيب الأصناف ، كل مع جنسه قال تعالى:
{ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)}(النمل) .
يوزعون : يوقف أوائلهم لتلحقهم أواخرهم .
فلم تكن هناك فرجات بين الأنواع ، وإن كانت منفصلة يتبع بعضها بعضاً ، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه يجب أن يكون المقاتلون لُحمة واحدة ، وصفاً منضبطاً ، وحركة متتابعة { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)}(الصف) .
والانتظام صفوفاً يورث الهيبة والجلال في نفس الناظر ، ففي يوم القيامة تنزل الملائكة من السماء صفوفاً متتابعة ، تبعث على الخوف ، والإجلال ، والرهبة ،قال تعالى:
{ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)}(النبأ) .
{ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)}(الفجر) .
والصفُّ المتراص دلالة على الوحدة والقوة ، فهذا فرعون يأمر السحرة أن يأتوا صفاً واحداً ليرهبوا بمنظرهم وحركتهم موسى عليه السلام ، وليزرعوا الإعجاب والإكبار في نفوس عامة الشعب ، بل إن السحرة أنفسهم كانوا أصحاب هذا الأسلوب،قال تعالى :
{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)}(طه) .

2ـ القتال من وراء الحصون :
ويكشف الله سبحانه وتعالى جبن اليهود ، وهلعهم من لقاء المسلمين ، فهم لا يقاتلون وجهاً لوجه ، إنما يتتّرسون بالحصون العالية القوية ، والجُدُرِ السميكة المتينة ، يقول الله سبحانه وتعالى :
{ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14){(الحشر) .
وهم الآن على قوتهم ، وكثرة سلاحهم لا يقاتلون مشاة هاجمة ، أو محمولة ، وإنما يقاتلون وهم داخل الدبابات ، ومن وراء الخنادق ، وداخل الملاجىء السميكة ، والصواريخ العابرة والطائرات . . . صحيح أن هذا النوع من القتال الآن هو الأكثر فائدة ونجاة إلا أنهم لا يستطيعون مواجهة الجيش المعادي سفاحاً ، وأفضل سلاح لديهم وأفضل طريقة في القتال بث الفرقة بين المسلمين ، وجعلهم أعداءً بعضهم لبعض .
وحين يعرف المسلمون أنفسهم حق المعرفة ، ويتوحدون ، ويحكِّمون شرع الله فيما بينهم تسقط أسطورة اليهود ، ويذوبون كما يذوب الجليد في الظهيرة الحارة . . .

3ـ الحرب الصاعقة السريعة تشل الحركة :
وقد أكدت الآيات في القرآن الكريم على :
قطع الرقاب وأصابع الأيدي كي لا تستطيع حمل السلاح .
{ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
1ـ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ
2ـ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)}(الأنفال) .
وهي ، الحرب النفسية الإيجابية للمسلمين ، والسلبية للأعداء ، وتكون الضربة القاضية بقطع الأعناق ، وشلّ الحركة بقطع الأصابع (( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }(من الآية 4 محمد(القتال)) .

4ـ الإثخان في القتل والاستئصال :
وهنا ينبهنا الله تعالى أن نشتد في قتل الأعداء ، حتى يعلموا أننا لا نرحمهم إن فكروا في الاعتداء علينا ، فإذا كثر فيهم القتل ، وبلغت قلوبهم الحناجر ، واستسلموا جاز لنا أن نأخذ منهم أسرى ، أما في بداية المعركة ووسطها فليس لنا إلا القتل والاستئصال لأعداء الله كي تخنس نفوسهم وتذل ، فلا يفكّروا مستقبلاً في إيذاء المسلمين والتصدي لهم، قال تعالى :
{ فإما تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) }(الأنفال) .
ونجد الأمر بالإثخان ، وكثرة الإصابة في قوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) }(الأنفال) .

وذكر الله سبحانه وتعالى قُوّة موسى حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها :
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ }(من الآية 15 القصص) .
والوكز : ضربة في الصدر بجمع الكف .

وفي السنَّة النبوية طرقٌ عديدة في القتال ، وليس في القرآن الكريم الكثير منها ، لأنه ـ كما نعلم ـ كتاب تشريع وكتاب حياة ـ التفصيل فيه في الحياة المعيشية غير وارد .

يتبع

نبيل
2015-02-14, 10:48 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

تطهير الصف

الدكتور عثمان قدري مكانسي


المجتمع الإسلامي لا يمنع أن يعيش غير المسلمين فيه ، وليس فيه ما يسمى التطهير العرقي الذي تمارسه كثير من الدول ضد المسلمين في أصقاع العالم كله ، والتاريح الإسلامي شاهد على ذلك ، لكنّه يمنع أن يمارسوا ما يخالف الإسلام ، ويفسد المسلمين .
للآخرين أن يمارسوا طقوسهم وعاداتهم دون أن ينتج أثر سلبي على المسلمين فإذا حدث هذا منعوا من إقامتها ، لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وقد لا ينفع قناطير في تطهير هذا الأثر السلبي .
كما أن المجتمع الإسلامي في مناسك العبادة ، والأجهزة المهمة التابعة له لا يقبل وجود عنصر غريب عنه ليبقى نقياً صافياً من الشوائب التي قد تعطل مسيرته وتقلل من إيجابيّاته .

وقد علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن عامله على العراق أبا موسى الأشعري استعمل يهودياً على ديوان المحاسبة ، فأرسل إليه أن يصرفه عن العمل ، لكن أبا موسى أرسل إليه : إننا لا نجد من يقوم مقامه ، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن أرسل إليه يقول : (( مات اليهودي )) إنهما كلمتان واضحتان لا لبس فيهما . . فاضطر أبو موسى أن يصرفه .
وفي القرآن الكريم ما يعضّدُ فعل عمر رضي الله عنه ، فالصف المسلم ينفي عنه ما يعوق تقدّمه ويثقل كاهله .

ـ فهذا طالوت ملك اليهود ينطلق بجيشه لقتال العماليق ، وقد علم أن في جيشه كثيراً من الجبناء ، وضعفاء الإيمان ، وغير الملتزمين بالطاعة والولاء ، وجيشٌ فيه أمثال هؤلاء يهرب من أوّل لقاء ، فأراد أن يتخلّص منهم ، فمرَّ بهم على نهر،قال تعالى: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ..}
فتخلص من الكثير منهم وبقي بعضهم في جيشه ، وظل الباقون شوكة في القلب ، فانظر ما فعلوا حين التقى الجيشان
{ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ..}
فالخوف من الجهاد يورث الذل والهوان أما الإيمان بالله والاعتماد عليه فكان في جواب الربانيين حين قالوا :
{ ...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) }(البقرة) .
تخلص طالوت من القسم الأكبر من جيشه ، فلا حاجة للعدد الكثير الضعيف ، ولا للمختلفين في آرائهم ومشاربهم ، هؤلاء عبء متعب ، وضغث على إبّالة ، والعدد القليل المؤمن المتجانس في الطاعة ، والولاء ، والإيمان خير وأقوى ، وهكذا كان . . فقد انتصرت القلة المؤمنة بإذن الله على العدد الكبير الكافر .

ـ وهذا سيدنا موسى يعود من لقاء ربه في جبل الطور ، فيرى قومه قد ضلوا على الرغم من وجود هارون عليه السلام بينهم ، وكان السامري قد رأى جبريل جاء على فرس الحياة ، فألقى الشيطان في نفسه أن يقبض قبضة من أثر فرس جبريل ، فطرحها على طينٍ صنعه فكان له خوار ، فعبدوه لأن أصول الوثنية فيهم كانت راسخة فماذا فعل موسى :
1ـ عاقب السامريَّ بأن طرده من المجتمع المسلم ، فلا مكان فيه لفاسد .
2ـ حرَّق إله الذي صنعه بنفسه وذرّ رماده في البحر .
3ـ بيّن لليهود أن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة لا غيره .
قال تعالى: { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) }(طه) .
وكانت عقوبة السامري المفسد رائعة حين طرده موسى عليه السلام من المجتمع المؤمن .

ـ وفي حج العام التاسع للهجرة كان أميرَ الحج سيدُنا أبو بكر الصديق ، ونزلت سورة براءة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأمر علياً رضي الله عنه أن يلتحق بالصديق ليقرأ هذه السورة على المسلمين ، ومنها هذه الآية الكريمة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) }(التوبة) .
فمُنِعَ المشركين أن يحجوا اعتباراً من العام القادم ، فالإسلام دين الطهر ، والمسلمون طاهرون ، والشرك رجس نجس ، والمشركون كذلك ، فلا يسمح لهم أن يختلطوا بالمسلمين حين يؤدون المناسك ، وهكذا طهر البيت الحرام .
ولئن كان المشركون يجلبون الأطعمة والتجارات في مواسم الحج ، لقد أبدل الله مكة رزقاً خيراً من ذلك ، لقد رزقها الغنائم والجزية ، وأموال المسلمين الطاهرة .

ـ لم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلن عن وجهته إذا غزا إلا ما كان في غزوة تبوك ، لأن المسافة بعيدة ، والمشاق كثيرة ، ولا بدَّ أن يعرف المسلمين وجهتهم ليجهزوا أنفسهم ، فأعلمهم بها ، فجاء المنافقون يستأذنونه في البقاء في المدينة بأعذار واهية ، فقبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو لا يريد في المقاتلين ذوي أهواء ، مفسدين . لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، بخلاء . وعلم الله فيهم هذه المفاسد فثبطهم وحبب إليهم القعود لأثرهم السلبي ، وحبهم للفتنة ، بينما يجب أن يكون الصف الإسلامي طاهراً من كل هذه الخبائث ليكون لحمة واحدة وصفاً متماسكاً قوياً ، فالسفر طويل ، والعدو كثير العدد والعدّة ، ولا يستطيع تحمل الأمرين إلا المؤمن التقيُّ النقيُّ ذو النيّة الخالصة لله سبحانه وتعالى المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله . قال سبحانه:
{ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) }(التوبة).

ــ ويؤكد القرآن الكريم على طهارة الصف المسلم فهذا الصف نظيف لا يعمل أفراده الفاحشة { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)}(النور) .

ــ أما الذي يرمي المحصنات ، فله عقوبات ثلاث : الأولى عقوبة بَدَنية ، والثانية سحب الحق المدني ، فليس له ما للمسلمين ، والثالثة النار في الآخرة لفسقه ،قال تعالى:
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
1ـ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
2ـ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
3ـ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}(النور) .
والملاحظ إذاً في الآية الآخيرة ، أن الذي أساء للمسلمات لا يعود إلى صف المسلمين إلا إذا تطهَّر بالتوبة ، وأصلح ما أفسده .

ــ وحادثة الإفك تبدأ بآية توضح بأن الذين خططوا لها كانوا يحسبون على المسلمين ، فلما تولّوا إفكها ، وتحملوا وزرها ، انكشفوا ، فبان الصالح من الطالح ، وتطَّهر الصف المسلم منهم حين عرفوا { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)}(النور) .
فأما الذين أذاعوه دون تفكير ، فقد عوقبوا وتابوا إلى الله .
أما المنافق الكبير ابن سلول ، فهذا مع الكفار في جهنم ، والعياذ بالله . وأمثاله في هذا الزمن الذي تكالب فيه المارقون على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها معه في الدرك الأسفل من النار.

وتعال معي نقرأ الآيتين اللتين تفضح المنافقين وتخرجهم من بوتقة المسلمين : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) }(الأحزاب) .

1ـ أمْرُ المنافقون المثبطين للعزائم معروف .
2ـ هؤلاء يعوّقون الناس عن الجهاد ، ويصدونهم عن القتال .
3ـ يقولون لإخوانهم في الكفر والنفاق تعالوا إلينا ، واتركوا محمداً ، وأصحابه يهلكوا ، ولا
تقاتلوا معهم .
4ـ يحضرون القتال قليلاً سمعة ورياء ، وهذا غَرَضٌ خبيث يريدون به إيهام المسلمين أنهم
معهم .
5ـ بخلاء بالمودّة ، والشفقة ، والنصح ، فهم لا يريدون للمسلمين النصح .
6ـ إذا حضر القتال رأيتهم في رعب شديد لا مثيل له ، فهم شديدو الجبن .
7ـ وإذا جاء وقت قسمة الغنائم ، فهم سليطو اللسان لا يرحمون المسلمين من ألسنتهم .
8ـ عملهم باطل لنفاقهم ، فهم حقيقةً لم يؤمنوا .

ـ وهذا سيدنا نوح حين غرق ابنه فيمن غرق ، وكان الله تعالى وعده أن ينجي أهله اتجه بقلبه إلى ربه { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)}(هود) . ولا ننسَ رحمة الأب ببنيه ...
فبم أجابه الله عزّ وجل ؟ : { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }(هود) .
وهنا البراءة من الكافر ، ولو كان أقرب الناس إليك ، فما يجمعك معه إلا العمل الصالح والإيمان بالله تعالى .

ــ ونجد امرأة لوط كانت ممن أصابهم الموت ، والدمار مع أنها زوجة نبي الله ولكنْ لا بدَّ من تطهير الصف ليبقى نقياً صافياً ليس فيه معوقات { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33)}(العنكبوت) .

وهكذا لا يكون الصف سليماً ، ولا يستطيع أن ينهض بدعوته ، إلا إذا كان طاهراً من الأمراض سليماً من المعوّقات ، قوياً ليس فيه طفيليات تمتص نشاطه ، وسوس ينحر فيه .

يتبع

نبيل
2015-02-14, 11:02 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التمايز والمفاصلة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


عرفنا من تطهير الصف أنه لا يجوز أن يكون في الجسم الإسلامي طفيليات تعوق مسيرته ، وتضعف قوّته ، بل يجب أن يتخلّص منها ليبقى نظيفاً سليماً معافى .
لكنْ لا بدَّ من معايشة بعض المجتمعات غير الإسلامية ، قد يكونون معنا ، وقد يكون جيراناً لنا ، نبايعهم ، ونشتري منهم ، ونتبادل معهم المنافع الدنيوية . . . هذا أمر لا مفر منه ، أما الذي لا ينبغي أن يكون ، فهو الودّ لهم والولاء ، فهنا التمايز والمفاصلة والبراء . . . وهذ الذي نريده في هذا الباب .
قال الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}(الكافرون). إننا والكفار على طرفي نقيض

ولقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً عليه الصلاة والسلام أن يتبع إبراهيم عليه السلام في عقيدته السليمة ، فماذا فعل إبراهيم ؟ قال سبحانه:
{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)
وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)
ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)}(النحل) .
وسيدنا إبراهيم هو الذي { . . . قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}(الأنعام) .
فكان موقفه غاية في الصراحة والبراءة من المشركين ، والتمايز عنهم .
وهو الذي قال لقومه : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)}(مريم) .
فانفصل عنهم نفسياً وإن ظل بينهم يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الدين الحق.
وهو الذي صرح بعداوة الآلهة المزعومة التي يعبدها قومه { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) }(الشعراء) .
وهو عليه السلام الذي توجّه إلى الله سبحانه وتعالى : { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}(الصافات)

فالهداية من الله فقط .

وهو عليه السلام الذي أعلن براءته من عبادة غير الله وأمر أبناءه بذلك ،قال سبحانه :
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)}(الزخرف) .
وهذا ما ينبغي أن نزرعه في قلوب أبنائنا منذ نعومة أظفارهم .

ولذلك أعلنها النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}(يوسف) .

وحين شهد الكافرون أنّ مع الله آلهة أخرى زوراً وبهتاناً كان القول الفصل من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ البراءة منهم {. . . أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}(الأنعام) .
{ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) }(غافر) . فكان التمايز بيننا وبينهم .

ويعلن الله سبحانه وتعالى أن رسوله الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام بريء من اليهود والنصارى ، الذين بَدّلوا دينهم ، وانقسموا شيعاً ، وأحزاباً :
{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) }(الأنعام) .

إنها براءة من المشركين ، ومفاصلة تامة لمعتقداتهم ، وتمايزٌ عنهم ، فهم في وادِ الكفر السحيق ، ونحن ـ معشر المسلمين ـ في ذرا النور والضياء .

وكما أننا نمايزهم في الدنيا فالله سبحانه يأمرهم بالابتعاد عنا يوم القيامة، قال سبحانه:
{ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) }(يس) .

والأنبياء الكرام كلهم أعلنوا براءتهم من المشركين ، فالدين واحد .

هذا هود عليه السلام يعلن براءته من المشركين (( . . . قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)}(هود).

وهؤلاء أصحاب الكهف يعلنون توحيدهم لله سبحانه ، ويستنكرون شرك قومهم ، قال تعالى:
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}(الكهف) .

والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن لا نعاشر من يتخذ ديننا لهواً ولعباً ، ويستهزىء بآيات الله خشية أن نأنس إليهم فنكون ـ والعياذ بالله ـ مثلهم منافقين ، أو كفاراً وأن لا نتخذهم أولياء ، فأولياؤنا يجب أن يكونوا منا ـ معشر المسلمين ـ قال تعالى:
{ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ
إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)}(النساء) .

ومن سمات المسلمين أنهم ينأون بأنفسهم عن اللغو واللهو { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)}(القصص) فليسوا منا ، ولسنا منهم .

وعلينا معشر الدعاة أن نتمايز عنهم ، فلا يكون الودُّ إلا للمؤمنين ، والحبُّ ، والأمان إلا لهم قال تعالى:
{ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}(المجادلة) .

ويحذرنا الله سبحانه وتعالى من موالاة اليهود والنصارى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) }(المائدة).

ويحذرنا مرة أخرى من الأهل إن كانوا كفاراً ، فلا نواليهم :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)}(التوبة) .

لكنَّ الله سبحانه لا يمنعنا أن نحسن إلى الكفار الذين لم يقاتلونا ، ولم يؤذونا ، فالبر من سمات المسلمين ، والعدل من صفاتهم ، أما الذين قاتلونا وآذونا فهؤلاء لا ينبغي الإحسان إليهم ولا موالاتهم وإلا كنا ظالمين لأنفسنا ـ والعياذ بالله ـ قال تعالى:
{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) }(الممتحنة) .
ويؤكد ذلك في السورة نفسها " الممتحنة " ناهياً عن موالاة الكافرين:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) }(الممتحنة) .

فلا تلاقيَ مع الكفار أبداً فطريقنا غير طريقهم ، ومآلنا غير مآلهم ، ولا يجوز الركون إليهم ، واتخاذهم أولياء ، فليعِ المسلمون حقيقة أمرهم ، وليحذروا منهم . .

يتبع

ياس
2015-02-15, 01:37 AM
http://up.3dlat.com/uploads/128711723812.gif

نبيل
2015-02-15, 02:06 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الاعتراف بالخطأ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هو فضيلة يفتقر إليها الكثير من الناس ، بل إنه شجاعة يقدم عليها المنصف الجدير بالاحترام . فمن اعترف بخطئه أقرَّ بإنسانيته . فالإنسان خلق من عَجَل ، وفيه عنصر الخطأ ، ومن أقرَّ بخطئه قمين أن يصلح ما أفسده . أما الذي يخطىء ، ويدعي العصمة ، ولا يقرُّ بما اقترفَ ففيه لؤم ولا أمان له .

ـ فهذا أبونا آدم وأمنا حواء ، حين انجرّا وراء إبليس بعد أن أقسم لهما أنه صادق ، فأكلا من الشجرة ، وبدت لهما سوءاتهما اعترفا بالخطأ ، فأقرّا بذنبهما ،قال تعالى:
{ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} (الأعراف) ،
وقد عفا الله تعالى عنه وزوجته حين أقرا بالخطأ ،قال سبحانه:
{ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)}(طه) .

ـ وهذه امرأة العزيز حين أبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا إذا بُرِّئَت ساحتُه ، يستدعيها ، وصاحباتها الملكُ ويسألهن ،قال تعالى :
{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَـصَ الْحَـقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَـنْ نَفْـسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) }(يوسف) .

ـ هذا سيدنا موسى عليه السلام يستنجده اليهودي في خصامه مع القبطي ،قال سبحانه :
{ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) }(القصص) .
1ـ علم موسى أنه أخطأ ، ولم يكن يقصد قتل القبطي .
2ـ نسب هذا الفعل إلى الشيطان ، ووسوسته .
3ـ استغفر ربه وأناب إليه ، فتاب الله عليه .
4ـ عاهد ربّه أن لا يعود إلى مثل هذه الأمور .
وعلى هذا فإن موسى عليه السلام حين أتى فرعون يدعوه إلى عبادة الله وحده استنكر فرعون أن يكون القاتل نبياً ، وذكَّره بقتله القبطي ، قال تعالى :{ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }(الشعراء)، فما كان من موسى عليه السلام أن اعترف بذلك ، قال سبحانه :
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)}(الشعراء) .
ونسي فرعون ، أو تناسى أن موسى عليه السلام قتل المصري خطأ أمّا هو فطاغية مجرم قتل عشرات الآلاف من المصريين ، واستعبد بني إسرائيل ، وكان يقتل المواليد من الذكور لِحُلُم رآه ـ قتلهم عن قصد ـ لكنّ الإنسان لا يرى ذنبه مهما كبر ، ويرى ذنب غيره مهما صغر .

ـ وذهب موسى مع الرجل الصالح ليتعلم منه ( في قصة موسى مع الخضر في سورة الكهف ) فلما استعجل العلم مرتين ، مرّة في خرق السفينة ، ومرّة في قتل الغلام رأى في المرة الثالثة أنّه أخطأ ، قال تعالى : { قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) }(الكهف) .

ـ والله سبحانه وتعالى وعد المخطئين الذين فعلوا ما فعلوه عن جهل ، وسوء تقدير ، ثم استدركوا ، فتابوا ، بالمغفرة والرحمة ، { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) }(النحل) .

ـ وهؤلاء أصحاب الجنة لم يكونوا كأبيهم كرماً ، وفضلاً ، وإحساناً فبخلوا على الفقراء أن يعطوهم نصيبهم ، فاتفقوا على قطف ثمارها وبيعها قبل مجيئهم ، فأحرق الله زرعها نكاية بهم ، وجزاء لهم على شحهم ، وبخلهم ، قال تعالى:
{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) }(القلم).
فاعترفوا بخطئهم ، وأنابوا إلى ربهم واستغفروه ، وأقروا بظلمهم المساكين ، وظلمهم أنفسَهم .

ـ هؤلاء أقروا بما فعلوا في الدنيا ، وما زال في الوقت متسع وإن أنابوا واستغفروا رضي الله عنهم ، ولكنْ في الآخرة لا ينفع الندم ، ولا يفيد الاستغفار ، ففي الدنيا عمل ، وفي الآخرة حساب ، قال تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)}(السجدة) .
فبماذا يجيبهم الله سبحانه وتعالى ؟ إنه سبحانه يعاقبهم ويوبخهم : { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)}(السجدة) .
وهؤلاء المجرمون ، وهم في العذاب الشديد يدعون على أنفسهم ، فهم الذين أوقعوها في جهنّم ، فيخبرهم الله تعالى أنه يكرههم ، ويمقتهم أكثر مما يكرهون أنفسهم ويمقتونها :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)(غافر) .

ـ وتعالَ معي من قريب نلحظ هذه الصورة ، وهذا النقاش بين ملائكة العذاب ، والكفار الذين اعترفوا بما اقترفوا ، قال سبحانه :
{ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)
قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)}(الملك) .

فالاعتراف إذاً بالخطأ وفي الوقت المناسب ينجي من اقترفه في الدنيا حين يسامحه من أساء إليهم أما الاعتراف في الآخرة ، فهو على نوعين :
الأول : الخطأ في العقيدة كالكفر بالله والشرك به ، فهذا لا غفران له .

الثاني : الخطأ في التصرف ، فالله غفور رحيم نسأله أن يغفر لنا خطايانا أَنْ كنا من المؤمنين .

يتبع

نبيل
2015-02-15, 02:23 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التعريض والتلميح

الدكتور عثمان قدري مكانسي


عرّضَ في حديثه : لم يبيّنْه ولم يصرّح به .
وعرّضَ له وبه : قال قولاً وهو يعنيه ، ويريده ، ولم يصرّح به .
ولمَّحَ إلى الشيء تلميحاً : أشار إليه ، وقديماً قالوا : ( ربّ تلميح أوقع من تصريح ) ، وقالوا كذلك : ( إياكِ أعني واسمعي يا جارة ) .

وللتعريض فوائد عديدة ، منها :

1ـ التنبيهُ دون الاتهام والتجريح .
2ـ التراجع عن الشيء دون حرج " حفظ خط الرجعة " .
3ـ تقبّل النصيحة دون فضيحة .
4ـ إيصال الأمر مغلفاً باللطف والأدب .
5ـ التعميم في الحديث دون لفت النظر إلى المعنيّ به .
6ـ المديح والتعظيم للعمل الطيب وأصحابه .
7ـ الجهل بالفاعلين ، أو القائلين ، وإظهار الرضا ، أو الامتعاض .
8ـ الذمّ والتحقير . .

وقد حرص القرآن الكريم ـ وهو يعلمنا ـ على هذا الأسلوب ، لما فيه من تلك الفوائد وغيرها .

ـ فهو على سبيل الجهل بالقائلين وذمّ مقالهم يحدثنا عن الكثير من الناس الذين لا يصل تفكيرهم أبعدَ من أرنبة أنوفهم ، فيطلبون الخير الزائل ، والمكسب القليل النافد فقط ، وهم بذاك يقطعون على أنفسهم الفضل العميم الزائد المستمر ، وعلى نفسها جنت براقش ، قال تعالى: { .....فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)}(البقرة) .

ويمدح مباشرةً أصحاب العقول الراجحة ، والنظرة الثاقبة الذين تتحرك قلوبهم ، وأفئدتهم نحو النعيم المقيم ، والخير الأبدي ، إلى رضى الله وجنته : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) {(البقرة).
لم يحدد الطرفين ، ولكنهم كثير { الناس } كمٌّ هائل ، ولفظ عام ينضوي فيه ابناء آدم إلى يوم القيامة .

ـ ومن الأمثلة على التعريض والتلميح في التوبيخ والذم قوله سبحانه : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}(آل عمران) .
فقد أصاب المسلمين يوم أحد جراحات . . فما إن عادوا إلى المدينة حتى أرجف المنافقون فيها ـ وهم لفظ { الناس } الأول ،أما المشركون فلمّح إليهم لفظ { الناس } الثاتي ، وقد فكر المشركون أن يعودوا إلى المدينة ليستأصلوا المسلمين . . فماذا فعل المسلمون وماذا قالوا ؟ :

1ـ ازداد إيمانهم بالله لأنهم واثقون بنصره إياهم .
2ـ لجأوا إليه ، واعتمدوا عليه ، وتوكلوا عليه ، وهو سبحانه لا يخيِّبُهم .
3ـ ألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ، فانكفأوا عن المدينة إلى مكة ، وعاد المسلمون
راضين مطمئنين . فالشيطان يخوّف أولياءه ، وليس له سلطان على أولياء الله تعالى .
لكنَّ المسلمين جميعاً عرفوا المقصود من كلمة { الناس } الأولى ، وكلمة { الناس } الثانية ، وكذلك عرف المنافقون أنهم قد عُرِّضَ بهم ، فخنسوا وذلّوا . . .

ـ ومن الأمثلة على التعريض دون التصريح في التحقير والذم قوله سبحانه :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) {(البقرة).
فبعض المنافقين يروق للناس كلامهم ، ويثير إعجابهم بخلابة ألسنتهم وبلاغة بيانهم ، لكنَّ الله تعالى لا تجوز عليه سبحانه مثل هذه الأمور لأنه علام الغيوب ، المطلع على السرائر ، هؤلاء المنافقون يُشهِدون الله ـ زوراً ـ على صلاحهم المزعوم وكلامهم المعسول ، فإذا انصرفوا عن المسلمين عاثوا في الأرض فساداً ، فأحرقوا الزرع ، وأهلكوا النسل .
وإذا وُعظ هؤلاء الفجرة الأفّاكون ، وقيل لهم : اتقوا الله ، وانزعوا عن أقوالكم وأفعالكم القبيحة حَمَلَتْهم الأنَفَةُ ، وحميّة الجاهلية على الإغراق في الفساد ، والإمعان في العناد ، فعقوبتهم النار ، أعاذنا الله من عذابها .

ـ أما المؤمنون الأتقياء ، فهم بريئون ممّا يفعل أولئك ، بل إنهم يبيعون نفوسهم لله سبحانه ، يرجون ثوابه ، ويبتغون مرضاته ، وهؤلاء هم الذين سيرحمهم الله ، ويغفر لهم ، فهو الرؤوف الرحيم بحالهم ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم ، { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) {(البقرة) .

ـ ومن الأمثلة على التعريض يالمفسدين علماً بما يفعلون ، وتحذيراً منهم قوله تعالى :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}(لقمان) .
فكل من يشتري ما يلهي عن طاعة الله ، ويصد عن سبيله ، مما لا خير فيه ، ولا فائدة نحو السمر بالأساطير ، والتحدث بما يضحك ، وما لا ينبغي ، ليضل الناس عن طريق الهدى ، ويبعدهم عن دينه القويم بغير حجة ولا برهان ، ويستهزىء بكتاب الله له عذاب شديد مع الذلة والهوان .
فإذا أفهمته ما يجب أن يفعل ليكون من عباد الله المتقين ، ونهيته عن مباذله ومفاسده صك أذنيه ، وأدبر متكبراً كأنه لم يسمعها ، ويتغافل عنها ، راغباً عنها ، فلهذا ولأمثاله عذاب أليم .
والآيات التي استشهدنا بها بدأت كلها بقوله : { وَمِنَ النَّاسِ } دون أن يحددهم للأسباب التي ذكرناها . وأصحابها يعرفون أنفسهم ، فيغتاظون ، والمسلمون يعرفونهم ، فيحذرونهم ، ويتجنبون الوقوع فيما وقع فيه هؤلاء .

ـ ومن الأمثلة على التعريض توبيخاً ، وذمّاً ، وتقريعاً قوله تعالى في المنافقين :
{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}(محمد) .
فهؤلاء المنافقون يعتقدون أن الله تعالى لن يكشف للمؤمنين شكهم ونفاقهم ، وأنّه لن يظهر بغضهم وحقدهم على المسلمين . . بل إنه ـ سبحانه ـ فاضحهم ، وكاشفُ أمرهم ، ولو أراد الله سبحانه لعرَّف لرسوله عليهم بأشخاصهم ، وعلاماتهم . . كما أنهم يكشفون أنفسهم في طريقة كلامهم وأسلوب عرضه وتعريضهم بما يسيء للإسلام والمسلمين .
والله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوب عباده كلهم ، شاكرهم ، وعاصيهم ، مؤمنهم وفاجرهم ، وقوله : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } هو التعريض والتلميح نفسه ، فلحن القول عدم التصريح به .

يتبع

نبيل
2015-02-15, 02:39 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

القصد والاعتدال

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قالوا قديماً : ( خير الأمور أوسطها ) والوسطُ : الاعتدالُ ، فهو يأخذ من الطرفين المختلفين أحسن ما فيهما ، ويترك سيئهما ، فيجمع الخير منهما ، ويُسقط ما عدا ذلك .
وقال رسول الله حاثّاً على التأنّي : ( ...فإن المنبَتّ لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى ) (رواه جابر/الدرر السنية).
وحين كلفنا الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا سوى ما نستطيعه ، فقال سبحانه : { َاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...(16)}(التغابن) ، فلم يرهقنا ، ولم يأمرنا بما يقصم الظهر ، ويهدُّ الكاهل ، بل ما نقدر عليه لنقوم بفروض الطاعة وقد قيل : ( إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع ) .
وحين نزلت الآية :
{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) }(البقرة)
جثا المسلمون على ركبهم ، وأكل الخوف قلوبهم ، فما من أحد إلا والأفكار تساوره من كل مكان ، ويخطر على بال أحدهم ما يُسْلِمُ عنقه للقطع ، ولا يبوح بما خطر على باله ، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ ، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (أبو هريرة /صحيح مسلم)، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى قوله :
{ آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}(البقرة) .
فارتاحت قلوب المسلمين ، وهدأت نفوسهم ، ورجوا من ربهم التيسير ، فنزلت الآية الأخيرة من سورة البقرة :
{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}(البقرة).

ـ والقصد في كلِّ شيء عنوان المسلم ، فلا يذهب يميناً ، ولا يذهب شمالاً ، بل يكون معتدلاً في كل تصرف من تصرّفاته . . قال تعالى على لسان لقمان يعظ ابنه :
{ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)}(لقمان) .

ـ وقال الله سبحانه في سورة الإسراء :
{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)}(الإسراء ) .
{ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)}(الإسراء) .
{ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) }(الإسراء).

1ـ لا ينبغي للمسلم أن يكون بخيلاً شحيحاً ، ولا مبذراً مسرفاً :
{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) }(الإسراء) ، والتبذير في معصية الله والباطل يجعل صاحبه مثل الشيطان .
2ـ فمن بخل ، أو أسرف صار مذموماً من الخالق والخلق ، منقطعاً من المال .
3ـ وأنّ القتل إجرامٌ حرّمه الله ، وعاقب عليه أشدَّ العقاب ، ولا يكون القتل إلا في ثلاثة مواضع معروفة ، أوجبها الله .
4ـ وأنّ من قُتل ظلماً بغير حق يوجب قتله ، فقد جعل الله لوارثه سلطة على القاتل بالقصاص منه ، أو أخذ الدية ، أو العفو ، فلا يتجاوز الحد المشروع بأن يقتل غير القاتل ، أو يمثل به ، أو يقتل اثنين بواحد فِعْلَ أهل الجاهليّة ، وحسبه أن الله نصره على خصمه ، فلا يتجاوز حدّ القصد ، والاعتدال .
5ـ وأن التصرف الحسن بمال اليتيم تثميره وحفظه ، أما أكله فهو ظلم كبير:
{... وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}(النساء) .
{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا
وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . . .(6)}(النساء)،
فجاز الأكل من مال اليتيم بالقدر القليل ، فلا يفنيه أو يأكل منه كثيراً .
6ـ وأن السير الذي يرتضيه الله تعالى ما ليس فيه فخر ، ولا كبرياء ، ولا تعاظم ، ولا مباهاة .
ـ كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول يبلغ رسالة ربّه ، ويدعو إلى الإيمان به والعمل بما يرضيه ، وهناك من يؤمن به ، فيفرح وترتاح نفسه ، وهناك مَنْ يكفر به ، ويأبى الإيمان ، فيحزن الرسول الكريم ، ويتألم لإعراضهم ، ويشتد حزنه ، فينبهه الله تعالى أن لا يشغل باله فيهم كثيراً ، ويهلك نفسه لإعراضهم :
{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}(الكهف) .
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)}(الشعراء) .
{... فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ....( 8 )}(فاطر) .
فالحزن إذاً من شيمة المسلم الحساس ، وهذا أمر إيجابي ولكنْ حين يزيد عن حده يصبح سلباً . . فالاعتدال مطلوب .

ـ وكل أمر يفعله الله تعالى حكمة واعتدال { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}(القمر)،
حتى الرزق ينزله بقدر كي لا يطغى الناس ويفسدوا ، وهو – سبحانه - الذي يعرفهم لأنّه الذي خلقهم ، فلا يفتح عليهم ما يزيدهم طغياناً ،
{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)}(الشورى) .

ـ وهذا قارون ازداد ماله فبغى وطغى ، وهو مثال للإنسان الذي يكثر ماله ، فيرى نفسه فوق الجميع :
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي…(78 )}(القصص) .
فقارون :
1ـ بغى على قومه ، وكان حريّاً به أن يكون عوناً لهم .
2ـ ونصحه قومه خمس نصائح :
أ ـ أن يتخلى عن الكبر والبطر ، وينقلب إلى شكر النعمة ، والاعتراف بفضل الله عز وجل .
ب ـ أن يوظف أمواله في خدمة دين الله وابتغاء الآخرة .
جـ ـ والإسلام - كما علِمْنا - دينُ الاعتدال ، فلا ينسَ نصيبه من الدنيا .
د ـ أن يحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليه { ... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . . (7)}(إبراهيم) .
هـ ـ أن لا يتطاول على الناس بهذا المال ، ويفسد ضعفاءهم ، فيشتري ذممهم بالمال .
3ـ ادّعى قارون ـ وهو كاذب مدّع ـ أنّه كسب المال بذكائه ، ونبوغه ، وعبقريته .
ويرى مَن تدبّر هذه الآية أنَّ فيها دعوة إلى الحق ، والقصدَ في التصرف .
ـ وقد تكون النعمة نقمة حين يفرح الإنسان بها ، والفرح كما مرَّ معنا في الآية السابقة ، البطر والأشر والتعالي على الناس والتطاول ، والنعمُ قد تكون صحة وغنى وأمناً .

ـ وحين يقترف الناس الآثام يصيبهم جزاءَ ما اقترفوه جدبٌ ونقمةٌ وبلاء وشدة ، فيبالغون في الجحود والنكران والكفران . أما المؤمن فإنه إن أعطيَ شكر ، وإن مُنع صبر ، فكان له الخير في الأمرين {. . . وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)}(الشورى)} .

ـ ولماذا يقول الله سبحانه وتعالى مهدداً المطففين { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}(المطففين).
التهديد سببه أنهم لا وسطيّة عندهم ، والوسطيّة إعطاء كل ذي حق حقّه ، والتصرف مع الناس بما يرتضونه لأنفسهم ، ولا يلتزمون الحد الشرعي ولا الحدَّ المنطقي ، فقدوا العدل والاعتدال والقصد وتاهوا في الضلال .

ـ وعاتب الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم في منع نفسه ما أحلَّ الله له من النساء لأن زوجتيه غاضبتاه :
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)}(التحريم) .
ولاحِظِ الخطاب المشعرَ بالتوقير والتعظيم ، والتنويه بمقامه الشريف حين خاطبه بلفظ النبوَّة لا باسمه كما خاطب بقيّة الأنبياء بأسمائهم . . . فقال له متلطفاً لماذا تمنع نفسك ما أحلَّ الله لك ، وتضيّق على نفسك في مرضاة أزواجك ، وهنّ أَحْرى أن يُتبعن أنفسهن في مرضاتك ، فأرحْ نفسك من هذا العناء .
وكان قد امتنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ماريّة ـ ولقاء المرأة أنس ومتعة ـ ليرضي خاطر بعض أزواجه ، وكان له أن لا يمتنع عنها . . .
وهذه اللفتة الإلهية الكريمة تدعو إلى الوسطيّة في التصرف ، والابتعاد عن الإعنات .

ـ وأخيراً ، يقول الله تعالى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ . . . .(6) }(الطلاق) ، فالله تعالى يأمر المسلمين الذين يطلقون زوجاتهم أن يسكنوهن في بعض مساكنهم التي يسكنونها ، وإن كان فقيراً فعلى قدر الطاقة . . فلا يكلفهم الله سبحانه وتعالى إلا ما يستطيعون . . .

فالقصدَ القصدَ في المعاملة ، والاعتدالَ الاعتدالَ .

يتبع

نبيل
2015-02-15, 04:29 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

أسلوب الحكيم

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قد يسأل أحدهم سؤالاً ، فتجيبه بغير ما يترقبه إما بترك سؤاله ، والإجابة عن سؤال لم يسأله ، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصِده إشارةً إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال ، أو يقصد هذا المعنى .

ـ من ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ }(من الآية 189 البقرة) .
هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الأهلّة ، لِمَ تبدو صغيرةً ثم تزداد حتى يتكامل نورها ، ثم تتضاءل حتى لا ترى ، وهذه مسألة من مسائل علم الفلك ، يُحتاج في فهمها إلى دراسة دقيقة طويلة ، فصرفـَهم إلى بيان الحكمة من الأهلّة ، وكأنّه يقول : كان الأولى بكم أن تسألوا عن حكمة خلق الأهلّة ، لا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره ، فهي وسائل للتوقيت في المعاملات ، والعبادات .

ـ ومن ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ }(من الآية 215 البقرة) .
سأل الصحابةُ عن بيان ما ينفقوه ـ ما الذي ينفقونه ـ فأجابهم ببيان المصارف ، تنبيهاً على أن المهم هو السؤال عنها ، لأن النفقة لا يُعتدُّ بها إلا أن تقع موقعها . وكل ما فيه خيرٌ فهو صالح للنفقة . . فالمال ينفق منه ، والطعام كذلك ينفق منه ، ومساعدتك الآخرين في أمورهم وتفريج كروبهم نفقة ، وتبسمك في وجه أخيك صدقة . . إذاً ليس المهم ماذا تنفق فهو كثير ، ومتنوّع ، وشامل إنما الأهم معرفة المواطن التي يجب أن يكون الإنفاق فيها .
ـ ومن ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }(من الآية 217 البقرة)
فقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم رسولهم الكريم : أيجوز القتال في الشهر الحرام ؟ وهل يحلُّ ذلك ؟ إننا نحسب ذلك حراماً ، ومَنْ فعله أخطأ خطأً ذريعاً . فنبّه القرآن إلى أن القتال فيه ، وإن كان خطأً جسيماً ووزراً عظيماً ، إلا أن هناك ما هو أعظم وأخطر ، إنه الصدُّ عن سبيل الله ، وكفرٌ بالله ، ومنع المؤمنين عن دين الله ، وإخراجهم من مكة . . كلُّ هذا أعظم وزراً ، وذنباً عند الله من قتل من قتلتُم من المشركين في هذا الشهر الحرام ، فإن استعظم المشركون قتالكم لهم في الشهر الحرام ، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين أعظم وأشنع .

ـ ومن أسلوب الحكيم كذلك قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)}(البقرة) .
فالصحابة يسألونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبب حيضة المرأة، فينبههم الله تعالى إلى أمور عدةٍ غير ما سألوه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه فأخبرهم أن الحيض :
أولاً : أذىً يصيب الزوجين لأنّه شيء مستقذر ، فاجتنبوا النساء فيه مدَّة حيضهِنَّ .
ثانياً : فإن طَهُر المكان ، وصار نظيفاً حقَّ للرجال معاشرة أزواجهنّ ، والتمتع بهنّ ، وقد كانت العادة عند اليهود أن المرأة إذا حاضت عندهم نبذوها ، فلم يجالسوها ولم يؤاكلوها فنبّههم القرآن أن الغرض عدم المعاشرة الزوجية فقط ، فالنساء شقائق الرجال .
ثالثاً : فإذا طهُرَتِ المرأة ، فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم ، وهو مكان النسل والولدِ ، القُبُلُ لا الدُّبُرُ ، فالله يحب التوابين من الذنوب المنزهين عن الفواحش والأقذار .

ـ ومن ذلك قوله تعالى :
{ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)}(التوبة) .

فالمنافقون يبسطون ألسنتهم في أذيّة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويقولون : إن عاتَبَنا حلفنا له أننا ما قلنا في حقّه ما يسيء ، فيقبله منا ، فإنّه أذنٌ سامعةٌ يصدق كلَّ ما يقال له !! وهذا سوء أدب منهم في حقّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ! ولكنَّ الرسول الذكي الأديب الأريب الذي رباه ربه ، فأحسن تربيته ، ووصفه بالخلق العظيم يستمع للصادق في صدقه ، حتى إذا فرغ شيّعه بالدعاء ، وبشَّ في وجهه ، ويستمع للكاذب في كذبه حتى إذا فرغ لم يجبه ، بل شيّعه بكلمات تعلمه الأدب دون أن يجرح نفسه لأنه المربي . . القدوة . . وأصحاب الأدب يحمدون له هذه الصفة ، فلا يُجلّ الكريم إلا الكريم . . أما اللئام فيحسبون ـ لخساسة نفوسهم وسوء طبعهم ـ أن الرسول الكريم سمّاع لكل قول . . يصدق كلَّ إنسان ، يجوز عليه الكذب والخداع ، لا يفطن إلى زور القول وغشّه ، من حلف له صدّقه ، ومن دسَّ عليه قولاً قبله .
فيردُّ القرآن معلماً ، ومنبهاً ، فيقول : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذنٌ . . نعم . . ولكنّه أذن خير للمسلمين يبلغهم رسالة ربهم التي فيها الخير والفلاح ، وأذن خير للمنافقين ، يستمع إليهم ، ويعلم أنهم كاذبون ، فلا يجْبَهُهم بخداعهم ونفاقهم ، ولا يصدقهم فيما يقولون فالله أرسله رحمةً للعالمين ، أما الذين يؤذون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فحسبهم الذلة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة .

ـ ومن أسلوب الحكيم كذلك قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)}(يونس) .
فهؤلاء الكفرة المعاندون يقولون معاجزين ـ وكأن الأمر بيد رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ يفعل ما يشاء ـ هلّا أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ معجزة من ربّه كما كان للأنبياء من قبلُ من الناقة ، والعصا ، واليد ، وما إلى ذلك من المعجزات . . . فينبّه القرآن هؤلاء المجرمين إلى أن أمر الغيب لله وحده ، ولا يأتي بالآيات إلا الله سبحانه . أما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيبلّغ ما أمره الله تعالى به ، وينتظر قضاء الله ُ فيما يريد ، وما على الرسول إلى البلاغ المبين أفلا ترونه بشراً مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون ؟!! .

ـ ومن أسلوب الحكيم كذك قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}(الإسراء) .
جاء الكفار يسألون رسول الله ـ صلى الله عيه وسلم ـ عن ماهية الروح ، وكيف تدخل الأجسام ، ولماذا تخرج منها . . . فنّبههم القرآن الكريم ، أنّه كان عليهم أن يعرفوا حدود علمهم ، وأن يسألوا عما يهمهم ويفيدهم في أمر أُخراهم ، لا أن يسألوا عن أمور لن يصلوا إلى فهمها بعلمهم القليل الضحل ، فالروح من أمر الله تعالى ، وأسراره ، وما أُوتي الإنسان من العلم إلا القليل . .

ـ ومن أسلوب الحكيم في القرآن الحكيم قول الله تبارك وتعالى :
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ
فقل يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)
لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)}(طه) .
هؤلاء الكفار يميّعون القضيّة ، فيسألون عن خلق الجبال ، وارتفاعها ، وعظمتها ، فينبّه القرآن في جوابه إلى أنّ عليهم أن يعلموا أمرين ، حدوثُهما خطير :
الأول : أن هذه الجبال الشاهقة المتسامقة علوّاً ، التي تناطح السحاب بكلكلها ، الضاربةِ في أعماق الأرض أوتادها . . إذا جاء يوم القيامة ينسفها الله تعالى نسفاً ، فيفتتها كالرمل ، فيتركها ملساء مستوية لا نبات فيها ، ولا بناء ، ولا انخفاض ، ولا ارتفاع . . إنه ليوم عظيم هائل لا بدَّ قادم .
الثاني : أن الناس في هذا اليوم ينطلقون سراعاً إلى أرض المحشر لا يزيغون ، ولا ينحرفون ، ذليلةً لِهيبة الله تعالى ساكنة أصواتُهم ، لا يتكلمون إلا من أذن له الله تعالى في القول . إنه لـَيوم رهيب . على العاقل أن يسأل عنه ويؤمن به ويعمل له ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، ونيّة خالصة . . .

إن أسلوب الحكيم أَخْذٌ بيد السائل إلى الاهتمام بما ينفع ليصل به إلى بر الأمان وشاطىء السلامة . . وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المعلم الرائع في أحاديثه الشريفة ، يسير على هدي القرآن وينير بهذا الأسلوب العظيم درب الإنسان . . . . فهلّا كنا تلاميذ له نُجباء ..؟!!.

يتبع

نبيل
2015-02-15, 04:39 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الحكمة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


تعريفها :
1ـ الوصول إلى أفضل الأهداف ، بأفضل الطرق ، وأنسبها .
2ـ وهي ـ أيضاً ـ العلم والحِلْم ، وصواب الأمر وسدادُه ، والكلامُ الموافق للحق .
وبما أن السنّة النبوية المطهرة توافق التعريف الثاني ، فقد وردت الحكمة بهذا المعنى في قوله تعالى :
{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)}(البقرة) .
ووردت كذلك في قوله تعالى :
{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}(آل عمران) .

وتأتي الحكمة في القرآن الكريم في معاني كثيرة منها :

1ـ العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح كقوله تعالى :
{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) }(البقرة) .

2ـ السداد في القول ، والعمل كما في قوله تعالى يمدح عيسى عليه السلام :
{ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)}(آل عمران) .

3ـ اللين والرفق ، والأسلوب الحكيم المؤثر كما في قوله تعالى :
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(من الآية 125 النحل).
وليس هناك أحسن من التلطف والهدوء ، والحجة ، والبرهان الواضح المقنع دون تشنّج ، وعصبيّة .

ـ ومن الأمثلة الموافقة للتعريف الأوّل في الدعوة إلى الله تعالى قوله سبحانه :
1ـ { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}(آل عمران) .
أ ـ فالقاعدة أنه لا ينبغي موالاة الكافرين .
ب ـ ومن والاهم تعرّض للطرد من جماعة المسلمين ، فلا يلتقي كفر وإيمان .
جـ ـ وقد يكون هناك حكمة من ملاينة الكافرين ، ومتابعتهم أحياناً لسبب ما : تقاةً منهم ودرءاً للمخاطر ، وجلباً للمنافع ، فلا بأس إذ ذاك من إظهار غير ما نبطن ، والحذر مطلوب ، لكن دون المساس بالقواعد الإيمانية والأصول الإسلامية .
2ـ وقوله سبحانه على لسان أهل الكهف : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}(الكهف) .
أـ فقد شعروا بالجوع بعد أن استيقظوا من سباتهم الطويل ، وهم يحسبون أنهم ناموا يوماً ، أو بعض يوم .
ب ـ أرسلوا أحدهم ليأتيهم بطعام طيب ، وأمروه بالتستر والملاطفة كي لا يظنوا به الظنون ، فينكشف أمره ، ويدل على أصحابه ، فتكون العاقبة أليمة .
3ـ وقوله سبحانه في التزام مَنْ كان سباقاً إلى الإسلام :
{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)}(الكهف) .
فالكفار حين دعاهم الرسل صلوات الله عليهم إلى الإيمان تذرّعوا بأعذار كثيرة واهية ، منها : أنهم لن يؤمنوا بهم ، فلا يكونون وضعفاء المسلمين سواء بسواء فقالوا : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111)}(الشعراء) .
فكان جواب القرآن الكريم : { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)}(الشعراء) .
وهؤلاء الكفار غير صادقين ، والمؤمنون الضعفاء سبّاقون إلى الإسلام ، باعوا أنفسهم لله ، واستبعادهم ولو قليلاً يؤدي إلى :
أ ـ إيذاء مشاعرهم ، وصدمهم صدمة عنيفة تفسد عليهم دينهم .
ب ـ طمس فضلهم في خدمة الإسلام ، وسبقِهم إلى الإيمان ، وهذا إجحاف بهم ، وظلمٌ نفَّرَ الإسلامُ منهم فكيف يؤصلّه ؟!! .
جـ ـ خسارة مزدوجة ـ لا سمح الله ـ فهؤلاء لن يؤمنوا ، أما الذي آمن ورأى الظلم ما زال واقعاً عليه ، فسيرتد ، أو يضعف إيمانه .
ولذلك أردف الله سبحانه تلك الآية بقوله مهدداً الكفار واعداً إياهم بالعذاب الشديد : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ
مُرْتَفَقًا (29)}(الكهف) .
وأتبعها بما يثلج صدور المؤمنين السابقين إلى الإيمان فقال :
{ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}(الكهف) .
وأكد هذا بقوله سبحانه :
{ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . . (54 )}(الأنعام) .
فالحكمة من هذا التلطف الاعتراف إلى الإسلام ، وتثبيت الإيمان في نفوس السابقين إليه ، ورفع درجاتهم .
4ـ ومن الأمثلة على الوصول إلى أفضل الأهداف بأفضل الوسائل قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام مخاطباً أباه يدعوه إلى الإيمان :
{ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)
يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)}(مريم).
فهو يحب أباه ويريد له الخير . . فكيف خاطبه ؟ :
أ ـ تلطف إليه بقوله : { يا أبت } ليدخل إلى قلبه المتحجر .
ب ـ نبهه إلى خطئه في عبادة الأصنام ، وهوّن من شانها .
جـ ـ أعلمه ان الله وهبه علماً نافعاً ، وهو يريد لوالده الهداية .
د ـ حذره من اتباع الشيطان المؤدي إلى المهالك .
هـ ـ خوّفه من عذاب الله .
و ـ كرّر كلمة { يا أبت } ليخفف عليه وطأة التغيير ، وليمتص غضبه .
فالحديث مع الأب والأم وذي المكانة في نفس المتكلم يستدعي التلطف ، واللين ، والرفق ، وهذا من الأسلوب الحكيم الذي يدخل فيه الإنسان إلى قلوب الناس ، أو يحيّدهم على الأقل ويستل الضغينة من نفوسهم .
5ـ ومن الأمثلة أيضاً : التعريض والتلميح في العتاب خاصة لمن تحبُّ ، مع إظهار الحب والودّ.
وألطف ما رأيت ذلك العتاب الرفيق ، والتحبب الرقيق من سيد الكائنات وخالقها لحبيبه سيد المخلوقات . . سبحان الله . . والصلاة على رسول الله . . .
وذلك في قوله سبحانه : { طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)}(طه) .
وذلك حين قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الليالي مع أصحابه في مكة صلاةً وقراءةً ، وتدبراً ، فقال الكافرون : ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى !!! وكأن لقاء الله ، ومناجاته عذاب وشقاء !! كبرت كلمة تخرج من أفواههم !! .
وفي قوله : { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)}(عبس) ، فلم يقل الله تعالى لنبيه عبستَ ، وتوليتَ أن جاءك الأعمى . . بل جعله في صيغة الغائب ، وهذه حكمة الله في تعليم نبيّه
ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ففي الآيات الأولى من سورة طه كان الحديث مباشرةً لأن فيها دفعاً للأقاويل ، وتشجيعاً على المثابرة في قيام الليل .
وفي الآيتين الأوليين من سورة عبس عتاب رقيق استجوب التعريض ، والتلميح ، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتهد حين جاء ابن ابن أم مكتوم يسأله ، وعنده رجالات من قريش يأمل أن يؤمنوا به وبرسالته ، فاستأخره حتى ينتهي من لقائهم .

ـ ومن الأمثلة أيضاً في الحكمة المُشاكلة والمُشاكهة :
فقوم فرعون كانوا ماهرين في أعمال السحر ، فكان من الحكمة ـ والله أعلم ـ أن تكون معجزات سيدنا موسى ، العصا التي صارت حيّة ، وإخراج اليد من الجيب ، فتلمع بيضاء من غير سوء ، وضمها إلى جنبه ، فيذهب عنه الخوف إن شاء الله ، ويثبت جنانه . . قال تعالى :
{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ
وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ (32)}(القصص) .
فكانت معجزات موسى عليه الصلاة والسلام مناسبة لجو السحر الذي كان قومه يحسنونه .
والأمثلة على التصرف المناسب لكل موقف أياً كان ، والحكمة في معالجة الأمور كثيرة ، تدل على حكمة العليم القدير الذي علَّمنا ما لم نكن نعلم .
وأخيراً ، يقول الله تعالى : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ (35)}(فصلت) .
1ـ فقد يسيء أحدهم ، وينتظر منك أن ترد على إساءته بإساءة مثلها ، أو أشد منها ، فهو متوثب حذر .
2ـ فإذا بك تتغاضى عن إساءته ، أو تسامحه ، أو تتقدم إليه متحبباً ناصحاً متودداً .
3ـ يشعر أنّه أخطأ نحوك ، فتنقلب عداوته لك شعوراً بالذنب ، ورغبةً في تصحيح موقفه .
4ـ يتقرّب إليك ، ويحبّك بإخلاص وودٍّ .
فهل هناك أعظم انتصاراً مما فعلتَ .
أ ـ انتصرت على نفسك الأمارة بالسوء .
ب ـ انتصرت على الخلاف بينكما فمحوته .
جـ ـ انتصرت على كيد الشيطان .
د ـ اكتسبت أخاً محباً مخلصاً .
5ـ وكل ذلك بالصبر والمصابرة ، وما يستطيع كل إنسان ذلك ، إنما يفعل ذلك من كان ذا حظ عظيم ، وأخلاق رائعة .

يتبع

نبيل
2015-02-18, 08:05 PM
سلسلة من أساليب التربية في القرآن الكريم

التفكير المنطقي ( المحاكمة العقلية )

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يدعونا القرآن الكريم دائماً إلى التفكير وإعمال الذهن للوصول إلى الحقيقة ، والآيات في هذا الصدد كثيرة تملأ الصفحات منبهة إلى أن " أولي الألباب " والذين يتفكرون ، والذين يعقلون ، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . . . هم المؤمنون حقاً .
والإيمان التقليدي لا يجدي فتيلاً . أما ما قام على تفكير صحيح ، ومحاكمة عقلية سليمة فهو الإيمان الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى .
فهلمَّ نقتطف من رياض القرآن العظيم بعض هذه الأنوار التي تدفع المسلم أن يلاحظ ويفكر ، ليصل إلى القرار الصحيح .

ـ فاليهود يدّعون أن أخطاءهم قليلة ، يدخلون لأجلها النار أياماً معدودة ، ثم يخرجون منها إلى الجنّة ، ونرى القرآن الكريم يردُّ إفكهم : أهذا ما عاهدكم الله عليه ؟!! ـ والله لا يخلف الميعاد ـ أم إنّكم تفترون على الله ما لا تعلمون ؟ ثم يقرر بعد هذا التوبيخ أن من أصاب سيئة ، وأحدقت به هذه الخطيئة فهو خالد في النار جزاء كفره وعناده قال تعالى :
{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)}(البقرة) .

ـ أما النصارى فيقولون زاعمين : إن عيسى ابن الله ، وإلا فأين أبوه ؟! ويعجبون أن يولد هذا النبي دون والد ، ونسوا أن أعجب منه آدم عليه السلام إذ خلقه الله تعالى دون أم أو أب ، فهو قادر على كل شيء سبحانه القائل : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)}(آل عمران) .

ـ واليهود والنصارى كلٌّ يدعي أن إبراهيم منهم ، وهذا زعم عجيب فالمعروف أن التابع يأتي بعد المتبوع ، وإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، من نسله جاء اليهود والنصارى فأحرى أن يتبعوه في توحيد الله . . ويلفت القرآن الانتباه إلى أن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به جاءوا على دين التوحيد ، فهم أولى بإبراهيم عليه السلام ، قال تعالى:
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)}(آل عمران) .
وفي قوله تعالى : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}(آل عمران).

ـ ولمن تكون التوبة ؟ ومتى يقبلها الله تعالى ؟ . . تكون لمن أخطأ عن جهالة ثم استغفر الله ، واستقام على الحقِّ سريعاً ، أمّا من سدر في غيّه ، وأصرَّ عليه إلى الغرغرة فهذا لا توبة له ، وكذلك لا يقبل الله التوبة من الكافر .
{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)}(النساء) .

ـ والله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً ، فهو يرسل رسله إلى الناس يبشرون بالجنة من أطاعه ، وينذرون بالنار من عصاه ، فالمؤمن المصلح لا يخاف ولا يحزن ، والكافر المكذّب يعاقب جزاء وفاقاً .
قال تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)}(الأنعام) . وبهذا نقول : ( قد أعذر من أنذر ) .

ـ ونرى التفكير المنطقي عند مرافق زوج المرأة التي راودت سيدنا يوسف عن نفسه فلما فوجئت ـ وهي تشد النبي يوسف عليه السلام إليها ـ بزوجها ادّعت أنه تحرّش بها ، فنفى يوسف عن نفسه التهمة وألصقها بها وهذا حق فقال المرافق :
{ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)}(يوسف) .
لأنه لو شدَّها فسوف تدافع عن نفسها وتشق قميصه من أمام ، لكنه هرب منها ، فشدته ،
فشقت قميصه من الخلف:قال تعالى:
{ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
عَظِيمٌ (28)}(يوسف)
وهكذا ثبتت براءة يوسف عليه السلام .

ـ ونرى المنطقيّة في ردّ القرآن الكريم على الكفار الذين تعجبوا من إرسال بشرٍ نبيّ ، واحتجوا بأن النبي إذا كان ملَـَكاً كان ذلك أدعى إلى التصديق ، فكان جواب القرآن أن الله يرسل إلى كلِّ جنس نبياً من جنسه كي لا يكون هناك انبهار وقهر ، قال تعالى:
{ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95){(الإسراء) .

ـ وترى القرآن يسأل في محاكمة عقليّة سليمة ، مَنْ خالق السموات والأرض وله التصرف والقوة ؟ ، فيجيبون : الله ، فيقول معقباً : ما دام هو الخالق فهل تستطيع الآلهة المزعومة أن تمنع نفعهه إن أراد نفعي ، أو تدفع ضره إن أراد ضرّي ؟ . . والجواب لا تستطيع . . فلمن نلتجىء إذاً ؟!! لا شك أن الالتجاء إلى الله ، . . . فهو حسبنا ، وعليه توكلنا .قال سبحانه:
{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)}(الزمر) .

ـ ويؤكد هذا حين يستنكر أن يتخذ الناس من هذه الآلهة المزعومة شفعاء يوم القيامة وهي من صنعهم ، لا تضر ولا تنفع ، بينما الشفاعة الحقّة لله تعالى الذي يملك السماوات والأرض ، وإليه نعود ، وعليه نعرض ،وهو القائل:
{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)}(الزمر) .

ـ أما مؤمن آل فرعون فإننا نرى في تحليله الأمورَ محاكمة عقلية راجحة ، قال تعالى:
{ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
أ ـ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ
ب ـ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)}(غافر) .حيث قرر في نهاية الآية قاعدة رائعة .

وينبه هذا الرجل المؤمن إلى أننا اليوم نملك القوة ، فماذا نفعل حين يأتي عذاب الله ؟!! قال عز وجل:
{ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ...(29)}(غافر) .

ـ وتتكرر المحاجة والمجادلة بين ملائكة العذاب والكفار :
{ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
قَالُوا بَلَى
قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)}(غافر) .
إنها محاكمة عقلية فقد جاءتهم الرسل بالبينات ، فكفروا ، فكان عقابهم حتماً لازماً .

ـ وتعال معي إلى الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان ـ مراحل الخلق والحياة ـ وبما أن الخالق هو الله ، فبيده كل شيء وهذا أمرٌ لا يختلف فيه اثنان من أهل العقول وهو القائل:
{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)}(غافر) .

ـ والكفار من المشركين وأهل الكتاب يجعلون الملائكة إناثاً ، فيوبخهم القرآن : هل شهدتم خلق الملائكة حتى حكمتم بأنوثتهم . والمشركون وهم مخلوقون يكرهون الإناث ، فكيف يرضون للخالق ما يكرهون ؟! أمر عجيب . . مع أن الذكور والإناث سواء ، قال عز وجل:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)}(الزخرف) .
{ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ
وَيُسْأَلُونَ (19)}(الزخرف) .

ـ ويدّعي النصارى واليهود أن لله ولداً ، وهذا أمر عجيب ، وبهتان كبير . . لماذا ؟! إن الولد يأتي عن شهوة الجماع ، والرغبة في دوام النسل ، فتقلبات الدهر حياة وموت واستبدال قوم
بقوم . . والله سبحانه حي لا يموت منزّه عن النقائص كاملٌ كمالاً مطلقاً ، فهو سبحانه لا يحتاج لولد فكل شيء عبيد له خاضعون لسلطانه . .
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .

ـ وترى القرآن يفتح عقول الناس بهذه الأسئلة الأربعة التي لا تحتاج جواباً باللسان إنما بالقلب والجنان ، والتدبر والتفكير والحسبان .

1ـ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)}(الواقعة) .

2ـ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)}(الواقعة) .

3ـ { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)}(الواقعة) .

4ـ { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)}(الواقعة) ،
{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)}(الواقعة)

ولا نملك إلا أن نسبح باسم الله العظيم . . . [/b] ـ وتابع معي هذه الاحتمالات التي تراود المشركين في الصدّ عن سبيل الله ومغالطة الحقيقة الساطعة التي لا تحتمل جدالاً إلا في أوهام المشركين ، وليس لها من الصدق شروى نقير إلا في خُزَعبلاتهم ... احتمالات يطرحها القرآن ، يلجم بها تخرصات المتخرصين وإفك الآفكين .
{ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36)
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37)
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)
أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)}(الطور) .

وأخيراً ، نجد في سورة القلم ، استفهاماً استنكارياً واحتمالات تدحض ـ حين يتمعن بها القارىء ـ أكاذيبَ المشركين .

{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38)
أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39)
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)}(القلم) .
{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) }(القلم) .

إنك ترى الدفع إلى التفكير المنطقي ، والمحاكمة العقليّة ، يوصل ـ إن كنت منصفاً ـ إلى الجواب الصحيح .
نسأل الله تعالى أن نكون من المنصفين

يتبع.

نبيل
2015-02-19, 08:16 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التسلسل المنطقي

الدكتور عثمان قدري مكانسي


سرد الأحداث أو الأفكار مسلسلة مرتّبة يقيّد المتلقي في أمور عدة منها :
1ـ استيعاب الأفكار أو الأحداث دون انقطاع.
2ـ حسن المتابعة لما يُلقى عليه وحسن التفاعل.
3ـ قدرة المتلقي على الحكم السليم على ما يسمع.
4ـ الاستجابة لعدد أكبر من الأفكار والمعلومات.
والقرآن الكريم يخاطب أولي الألباب ، والقومَ الذين يعقلون ، ويتفكرون وأولي الأبصار . . . ويسعى إلى إقناعهم بما يلقي عليهم واكتسابِهم وإنقاذهم من الضلال . . فلا غرو أن يخاطبهم بهذا الأسلوب المتميز الذي يسارع في الوصول إلى الهدف .

ـ فمن الأمثلة على التسلسل المنطقي قوله تعالى : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)}(آل عمران) .
إن التسلسل المنطقي في هذه الآية :
1ـ تقديم الذكر على الأنثى.
2ـ يشعر المسلم بالضيق فيهاجر.
3ـ ينصبُّ العذاب على من بقي فيضطر للخروج مكرهاً .
4ـ يُطاردون ويؤذَوْن في سبيل الله.
5ـ يقاتلون الأعداء الذين أساءوا إليهم.
6ـ يُقتلون في المعركة.
7ـ إن الصبر على الذى ثم الجهاد في سبيل الله والاستشهاد يكفّر عنهم سيئاتهم فيكونون أهلاً لدخول الجنة .
8ـ فيدخلونها . . .

ـ ومن الأمثلة عليه كذلك قوله تعالى :
{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ
وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)}(التوبة).
فكان التسلسل المنطقي كما يلي :
1ـ شراء النفس وهي أغلى.
2ـ شراء الأموال. . والبَدَلُ " الجنّةُ " .
3ـ بدء القتال في سبيل الله.
4ـ يَقتلون ويُقتلون .
5ـ الوعدُ في التوراة أولاً والإنجيل ثانياً والقرآن ثالثاً حسب التسلسل الزمني.
6ـ الذي وعد بذلك هو الله سبحانه وتعالى ، ووعدُهُ الصدق.
7ـ البيع ـ إذاً ـ صحيح وافر الربح كبير الفوز . . .

ـ ومن أمثلة التسلسل المنطقي كذلك قوله سبحانه جلّ شأنه :
{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)}(هود) .
يظهر التسلسل المنطقي فيما يلي :
1ـ نُظِّم القرآن تنظيماً محكماً ليس فيه تناقض ولا خلل.
2ـ ثم فُصِّل تفصيلاً دقيقاً كاملاً موضحاً مراميه.
3ـ جاءت صفة حكيم تناسب الإحكام ، وصفة خبير تناسب التفصيل والشرح .
4ـ لِمَ أُحكم وفصِّل ؟ ليعبد الناسُ ربهم العبادة الصحيحة .
5ـ ما دور الرسول صلى الله عليه وسلم:
أ ـ إنذار الناس من عذاب ربهم إن خالفوه .
ب ـ بشارتهم بفضله وعفوه إن آمنوا به وأطاعوه .
6 ـ من علائم العبادة عند معرفة الله تعالى الاستغفار أولاً ، والتوبةُ إليه من الذنوب ثانياً .
7 ـ فإن حصل هذا نال كل محسن جزاءه.
8 ـ وإلا كان هناك عذاب كبير في يوم مخيف.
9 ـ ومتى هذا ؟ يوم القيامة حين ترجعون إلى الله تعالى .
10ـ وهل يستطيع ربنا إحياءنا بعد إماتتنا ؟ نعم إنه على كل شيء قدير .
11ـ يظهر بعض من يخالف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حبه إياه ويضمر كرهه وعداوته .
12ـ فالله سبحانه يعلم ما يسرون وبدأ بالسر ليناسب الاختباء والتغطية بالثياب خوف الفضيحة ، ثم
جاءت كلمة يعلنون .
13ـ هل يعلم الله السر ؟ نعم . . إنه عليم بذات الصدور .
إنها متابعة دقيقة وتعليل متسلسل ، ينتقل من فكرة إلى فكرة انتقالاً واقعياً منطقياً ليس فيه انقطاع .

ـ ومن الأمثلة كذلك قوله تعالى :
{ َمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ
أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)
أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ
يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)
أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)}(هود).
ويبدو التسلسل المنطقي في عرض الأفكار هنا فيما يلي :
1ـ يوم القيامة يعرض المكذبون على ربهم سبحانه.
2ـ يفضحهم الله تعالى حين يأمر الأشهاد من الخلائق أن يشيروا إليهم بالكفر، والفساد ، والكذب.
3ـ تنصبُّ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لكفرهم ، وظلمهم.
4ـ هؤلاء كانوا يمنعون الناس من اتباع الحق ، ويريدون أن تكون السبيل معوجة ، وجحدوا
بالآخرة وكفروا بها .
5ـ فهل أفلتوا من عذاب الله ؟ هل هناك من نصير يدفع عنهم العذاب ؟ لا . . .
6ـ بل يضاعف لهم العذاب لأنَّ الله تعالى جعل لهم سمعاً وبصراً ، لكنهم كانوا صماً عن سماع الحق ، عُمياً عن اتّباعه ، فلم ينتفعوا بما حباهم الله من حواس .
7ـ قد يخسر الإنسان شيئاً مَهْما كان مُهِمَّاً فيعوضُه. لكنْ حين يخسر نفسه فهذه هي الخسارة التي لا تعوّض .
تسلسل رائع في عرض الأفكار وتحليلها ، والوصول إلى الهدف المنشود .

ـ ومن الأمثلة على التسلسل المنطقي قصة نوح عليه السلام لكننا نقتطع من المشهد كلِّه جانباً واحداً . .
قال تعالى : { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي
وَغِيضَ الْمَاءُ ،
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}(هود) .
ويبدو التسلسل فيما يلي :
1ـ الأمر للأرض أولاً أن تبتلع ماءها الذي نبع فيها ، ويرتفع إلى السماء الماءُ الذي نزل على الأرض. هذا في رواية ، وفي رواية أخرى أن تبتلع الأرض ماءها وماء السماء الذي نزل ، فمهمتُها أشقَّ ، ثم الأمر للسماء أن تحبس مطرها .
2ـ ذهب الماء في أغوار الأرض ، وتم بهذا إغراق مَنْ غرق ونجاةُ من نجا.
3ـ ثبات السفينة على الأرض فوق جبل الجودي ، فنزل الناس واطمأنوا .
4ـ لما انتهى كل هذا ، وتبيّن هلاك الكافرين كان الدعاء عليهم .

ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :
{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا
فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)}(يوسف) .
ويظهر التسلسل هنا فيما يلي :
1ـ زرع سنين سبعٍ بجهد ونشاط وهذه سنوات الرخاء.
2ـ تخزين مالا يحتاج إليه من القمح في سنبله كي لا يسوس ، وأكل ما يُحتاج إليه .
3ـ تأتي سنون سبعٌ جدباء لا زرع فيها ذات شدة وقحط على الناس ، تأكلون فيها ما ادخرتم أيام الرخاء .
4ـ اتركوا للسنة الثامنة بعض القمح الذي ستزرعونه فيها.
5ـ في السنة التي تخلُفُ سنيَّ الجدب العصيبة يعم الرخاء فيكثر المطر والزرع والأعناب .

ـ ومن الأمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى :
{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}(النحل) .
1ـ يعذب المشركون مَنْ آمن ويفتنونهم عن دينهم.
2ـ يضطر المسلمون إلى الهجرة للنجاة بدينهم وإنشاء مجتمع مسلم.
3ـ والمجتمع المسلم لا يحميه سوى الجهاد في سبيل الله.
4ـ للجهاد في سبيل الله مشاق ، على المسلم أن يتحمّلها ويصبر عليها.
5ـ بعد الهجرةِ والجهادِ والصبرِ يغفر الله تعالى ويرحم.
أفكار متسلسلة تأتي الواحدة إثر الأخرى بشكل طبيعي .

ـ ومن الأمثلة على التسلسل قوله تعالى :
{ وإذا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُوا فِيهَا
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)}(الإسراء) .
لا بدّ لإهلاك أي قرية من سبب . . فما هو السبب . . ؟ :
1ـ يسلط الله الأشرار المتنعمين ، فيأمرهم أن يحكموا بشرعه ، ويسرعوا إلى مرضاته .
2ـ لكنّهم يعصون فهم مجبولون على الفساد والطغيان.
3ـ وجب ـ إذاً ـ عليهم العذاب بفسقهم وطغيانهم.
4ـ فيدمّرُون تدميراً مريعاً ويهلكون هلاكاً شديداً.

ـ ومن أمثلة التسلسل المنطقي قوله تعالى :
{ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}(الكهف) .
1ـ رَفَعَ سداً بين الجبلين من قطع الحديد بارتفاعهما.
2ـ أشعل النار في الحديد حتى احمرَّ ، وصار كالنار من شدة الإحماء.
3ـ صبَّ النحاس المذاب على الحديد ، فسدَّ ما بين الشقوق وملأ الفراغات .
4ـ صار السدُّ قطعة واحدة يستحيل تحريكها أو نقبها.
إنه عمل متقن مرتب ترتيباً محكماً .

ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ
1ـ تَابَ
2ـ وَآَمَنَ
3ـ وَعَمِلَ صَالِحًا
4ـ ثُمَّ اهْتَدَى (82)}(طه).
إنّ هذه الآية مثال صارخ على التسلسل ، فأمعن النظر فيها وتدبّر .
ـ هناك آيات كثيرة تتحدث عن الخَلْقِ وترتيبه .
في سورة " المؤمنون " الآيات [ 12 ـ 16 ] ، وسورة " الروم " الآية [ 40] ، وسورة " السجدة " الآيات [ 7 ـ 9 ] ، وسورة " الحج " الآية [ 5 ] .

ـ وأخيراً يقول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
1ـ مِنْ تُرَابٍ
2ـ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
3ـ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
4ـ 5ـ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ
6ـ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
7ـ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
8ـ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
9ـ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا . . .}(الحج).
(قدّ صم المخلقة على غير المخلقة للبناء اللفظي المحكم وهذا لا يخفى على القارىء اللبيب)

يتبع

نبيل
2015-02-20, 07:27 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التجريب

الدكتور عثمان قدري مكانسي


طريقة تربوية ، عمليّة ، تفيد في عدة أمور :

أولها : تثبيت الفكرة أو الأمر في النفس ، وتأكيدها .
ثانيها : اختبار المرء في أمرٍ ما ، للحكم على مقدرته .
ثالثها : تعويده على شيء يخافه ليطمئنَّ قلبه ، فلا يخاف استعداداً لما قد يستجد .
رابعا : كشف سريرة المدّعي ، وفضحه .
خامسها : تنقية الصف من شوائبه .
سادسها : التوصل لأمر جديد لم يكن موجوداً سابقاً .

ـ فمثال الأمر الأوّل : تثبيت الفكرة وتأكيدها :

أ ـ قصة عُزَير الذي أماته الله مئة عام ، وحفظ طعامه وشرابه ، فلم يفسُدا وجمعَ عظام حماره ثم كساه لحماً ، ونفخ فيه الروح فعاد كما كان . قال تعالى :
{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؟.
فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ؟
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ
فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)}(البقرة) .
ننشزها : نركب بعضها فوق بعض

ب ـ وقصة إبراهيم عليه السلام الذي أراد أن يزداد بصيرة في قلبه ، وعقله ، فسأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ، مع العلم أنه شديد الإيمان بربّه وقدرته
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)}(البقرة) .
صرهنّ : اقطعهنّ واخلطهن بعضهنّ ببعض
ولم يَشُكَّ إبراهيم عليه السلام في قدرة الله ، ولكنه سؤال عن كيفيّة الإحياء ، ويدلُّ عليه وروده بصيغة " كيف " وموضوعها السؤال عن الحال ، ويؤيد هذا المعنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم )) ومعناه : نحن لم نشكَّ ، فلأنْ لا يَشُكَّ إبراهيم أولى .

ـ ومثال الأمر الثاني : اختبار المرء :
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }(المائدة).
فاختبر الله تعالى المؤمنين في إحرامهم بالحج بشيء من الصيد يمكن إمساك صغاره باليد ، واقتناص كباره بالرمح . . ومع أن العرب تتلذَّذ بالصيد واقتناصه إلا أن المسلمين لم تمتدَّ أيديهم إليه . . وهكذا كان المؤمنون عند حسن ظنِّ ربهم بهم إذ امتنعوا عن الصيد وهم مُحرِمون وكانوا من الصادقين .
وقال سبحانه عزّ من قائل : {. . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}(لأنبياء) ، فهو سبحانه يختبرهم بالمصائب والنعم ليرى الشاكر من الكافر ، والصابر من القائط ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال . . . يختبرهم بما يحبون ليرى كيف شكرهم ، وبما يكرهون ليرى صبرهم . فهم إليه راجعون فيجازيهم بأعمالهم .

ـ ومثال الأمر الثالث : التعوّد على الشيء والاطمئنان إليه :
قوله سبحانه وتعالى :
{ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) }(النمل).
إن الله سبحانه وتعالى حين أراد لموسى أن يكون رسوله إلى فرعون ، وأمام فرعون سيلقي عصاه وتنقلب ثعباناً ، ويخاف موسى من الثعبان ويهرب وعندئذ يكون سخرية لفرعون وقومه حينما يهرب ، جرّب الأمر ، بعيداً عنهم ليعتاد عليه ، فحين ألقى العصا أمام فرعون كان هذا سهلاً عليه ولم يفاجأ ، وكذلك الأمر في إدخال يده إلى فتحة ثوبه ، وإخراجها مضيئة ساطعة تتلألأ كالبرق الخاطف دون مَرَشٍ أو بَرَص .

ـ ومثال الأمر الرابع : كشف سريرة المدعي وفضحه :

أـ قول الله سبحانه مخاطباً رسوله الكريم :
{ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) }(التوبة) .
فهذا عتاب لطيف للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أذن للمنافقين في التخلف عن الخروج بمجرّد الاعتذار . فهم سواءٌ أَذِنَ لهم أم لم يأذَنْ لهم فسيقعدون ويتخلفون عن غزوة تبوك ، فكان الاعتذار وقبُوله ساتراً لهم ، فلم يفضحهم أما المؤمنون فلا يعتذرون عن الجهاد لأنه سنام الأمر وذروة الإسلام .

ب ـ وقوله سبحانه وتعالى في المخلفين من الأعراب : { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) }(الفتح) .
لم يسمح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمخلّفين عن عمرة الحديبية أن يخرجوا معه إلى خيبر لفتحها وأخذ غنائمها مع المسلمين ، وهذا عقاب لهم لتخلفهم ذاك . فلما ادعوا أن المسلمين منعوهم الذهاب معهم لأنهم لا يودون مشاركتهم في الغنيمة قال لهم : ستدعون إلى حرب قوم أشداء هم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب أصحاب الردّة ، فإما أن يدخلوا في دينكم أو تقاتلوهم ، فإن تستجيبوا ولا تتخلفوا يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا ، والجنّة في الآخرة ، وإن تتخلفوا كما تخلفتم زمن الحديبية ، يعذبكم الله عذاباً أليماً في نار جهنّم ، فلا عذر أبداً عن تخلف المسلمين عن الجهاد .

ـ ومثال الأمر الخامس : تنقية الصف من الشوائب :
قوله سبحانه :
{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ . . . (249)}(البقرة) .
إن طالوت أراد أن يعرف جلد جنوده وصبرهم وثباتهم في القتال ، والقائد حين يعرف جنوده يقدِّر للمعركة ، مكانها ، وزمانها ، وحجم قواتها . . فمرَّ بهم على نهر ، وأمرهم أن لا يشربوا منه ، ومَنْ كان عطشان فليشرب قليلاً ، لكنَّ أكثر الجنود شربوا فصرفهم من جيشه ، فلا خير في
جنود لا يطيعون قائدهم قبل القتال لأنهم في القتال سينهزمون ، فلْيتخلص منهم ليكون على بينة من أمره وليكون جيشه من النوع الجيّد الذي لا شائبة فيه .

ـ مثال الأمر السادس : التوصل لاكتشاف جديد :
قوله تعالى على لسان الجن : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)}(الجن).
فمن عادة الجن أن يبلغوا السماء لاستماع كلام أهلها ، لكنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين ولد مُنِعت الجنُّ أن تسترق السمع من أهل السماء بله الاقتراب منها ، فقد ملئت بالملائكة الذين يحرسونها ، وبالشهب المحرقة التي تقذف من يحاول الاقتراب منها .
لقد كانوا يأخذون الأخبار ، ويلقونها إلى الكهّان مغلوطة مبتورة ، فيتلقفها هؤلاء يزيدون فيها ويسرفون ، فمن يحاول استراق السمع بعد الآن يجد شهاباً ينتظره راصداً إياه ، فيحرقه ويهلكه .
فعملية التجريب إذاً تجعل الإنسان يلمس بيديه ، ويرى بعينيه ، ويسمع بأذنيه ، فيثبت الأمر في نفسه ولا ينساه أبداً .

يتبع

نبيل
2015-02-20, 07:58 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التخطيط واتخاذ الأسباب

الدكتور عثمان قدري مكانسي


العمل الارتجالي لا يؤتي أكله كما لو كان مُعَداً إعدادً جيداً ومدروساً دراسة وافية ، ومعروفة أبعاده وجدواه ، ومراحله .
وكل عمل أو فكرة تخطر على البال لا بدَّ أن تخطط له تخطيطاً ، جيداً تراعي فيه الهدف منه وبدايته وإتمامه وإيجابياته وسلبيّاته ، وإلا كان عملاً عشوائياً قد ينجح وقد يفشل ، واحتمالات فشله أكبر . وإن نَجَحَ فنجاحُه مرحليٌّ أو غير مكتمل .
والقرآن الكريم يضع بين أيدينا نماذج من التخطيط ، الذي يؤدي إلى الوصول إلى الهدف المنشود منها
ـ ولنقرأ في سورة يوسف ما فعله إخوته حين شعروا أن أباهم يحب يوسف أكثر منهم ، ويفضله عليهم ، فماذا يفعلون ؟ تدارسوا الأمر فيما بينهم ، قال تعالى : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)} .
تفكير شيطاني سهَّلَ لهم القتل ، وبعد ذلك يعودون أتقياء أنقياء وكأن القتل لا يترك في القلب نكتة سوداء تؤرق صاحبها إلى أن يموت ، قال سبحانه: { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)} .
وقلبوا وجوه الأمر فرأوا أن إلقاءه في الجب أسلم لهم ، ولن يؤرقهم كما لو أنهم قتلوه . . ثم جاءوا أباهم يقنعونه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف معهم ، في رحلة برية يتريضون ويصطادون ، وأكدوا لهم حرصهم على أخيهم ، فلما أظهر الأب تخوفه أن يتركوه وهو صغير فيعدو عليه ـ في غفلة منهم ـ الذئبُ فيأكله أقسموا أنهم لا يتركونه وإلا فهم خاسرون . وكأنه لقّنهم حجة هم بحاجة إليها يتعللون بها عند أبيهم . . وهكذا كان ، قال تعالى:
{ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)} .
وحبكوا قصّتهم ورتبوا مكرهم ونفذوا خطتهم ، قال عز وجل: { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)} .
فقد :

1ـ جاءوا أباهم عشاءً فلا يرى الغدر في عيونهم.
2ـ بدأوا يبكون فشعر بالخطب الجسيم قبل أن يلقوه على سمعه .
3ـ هيّأه بكاؤهم على تقبّل المصيبة التي سيسمعها منهم.
4ـ تلطّفوا له بالقول: " يا أبانا " ولهذا فائدتان:
الفائدة الأولى : هي كلمة استعطاف ليرقّ قلبه لهم فلا يعاقبهم .
الفائدة الثانية : إيهامه صدقهم في حرصهم على أخيهم .
5ـ لقّنوه الحجة التي سمعوها منه في اعتذاره عن إرسال يوسف معهم " يأكله الذئب " .
6ـ أنت لا تصدقنا مع أننا صادقون.
لكنَّ هذا التخطيط المحكم نقض بخطأ كبير وقعوا فيه دون أن يشعروا ، قال جل شأنه : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ...(18)} .
كان القميص ملوّثاً بدم لكنّه غير ممزّق ، فالذئب الذي أكله كان ذكياً!! لقد جعله يخلع قميصه قبل أن يأكله حتى يستفيد منه إخوته!! لذلك لم يكن التخطيط كاملاً ، فهذه الثغرة فضحتهم ، وعرف الأب ذلك فقال : هذا مكر دفعكم إليه نفوسكم الخبيثة .

ـ وهذه إمرأة العزيز تراود يوسف حين بلغ مبلغ الرجال وكان جميلاً ، وسيماً ، تتفجر الدماء من عروقه ويطفح وجهه إشراقاً فيأبى ذلك ، قال تعالى : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) }، فزوجُها أكرمَ يوسفَ ، وتعهده بالرعاية . فكيف يسيء إليه في زوجته ؟! لا يفعل ذلك إلا الخائنون الذين يجازون الإحسان بالسوء ، ويوسف ليس منهم .
وانتشر الخبر بين نساء المدينة :
أـ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .
ب ـ امتنع عليها وأذلَّ كبرياءها .
والأمران وصمة عار عليها فأرادت أن تلجم أفواههن فماذا فعلتْ :
1ـ دعتهن إلى قصرها.
2ـ أكرمتهن بالطعام والفاكهة.
3ـ أمرت يوسف أن يخرج عليهن فخرج.
4ـ رأينه فائق الجمال ملكاً يمشي على الأرض ، فدهشن لهذا الجمال الأخاذ.
5ـ لم يشعرن إلا والدماء تسيل من أصابعهن فقد أخذ الإعجاب بجماله والدهشة له منهن كل مأخذ ، فجرحن أيديهن .
6ـ شعرت بالانتصار عليهن ، فعاتبتهن على ما قلن في حقها من تجريح .
7ـ حين رأت نفسها منتصرةً عليهن باحت بمكنون قلبها نحوه ، وأصرت على تعلقها به والرغبة في وصاله ، ولو أدى ذلك إلى سجنه إن أبى .
وهذه خطة جهنميّة لا يفعلها إلا صاحب الكيد الذكي ، قال سبحانه : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) }.
ثم تأمل معي كيف خطط عليه الصلاة والسلام للخروج من السجن بل كيف خطط الله تعالى له :
1ـ { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ
2 ـ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)
3ـ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
4 ـ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
5ـ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
6ـ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
7ـ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)
8ـ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) }.

وهكذا كان تخطيط الله تعالى له حيث أخرجه من السجن إلى الصدارة ومن كونه مرؤوساً إلى صيرورته رئيساً .

وكيف خطط يوسف عليه السلام لاستعجال أخيه بنيامين إلى مصر ؟ :
1ـ { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)
2ـ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)
3ـ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)
4ـ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)
5ـ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
6ـ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)} .
7ـ { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) }
إضاءة : أراد أن يرى أخاه الشقيق ، فأظهر تعجبه من كثرتهم وهم عشرة رجال ، فقالوا هناك عند أبيهم رجل آخر . فقال عند ذلك جيئوا به لأراه ، فإن لم يجيء فلا كيل لكم عندي .
ولن يعودوا سريعاً ، إنما سيعودون حين ينفذ القمح ، لذلك جعل ثمن البضاعة فيها لعلمه أنهم حين يفتحون متاعهم ، سيجدون ثمنه ، وسيضطرون إلى العودة لدفع الثمن ، وفي الوقت نفسه يأخذون ميرة جديدة ، لكنه لم يعطيهم إذا لم يكن أخوه معهم . إذاً سيضغطون على أبيهم ليسمح باصطحابهم بنيامين وهكذا كان ، بعد أن استوثق منهم على الحفاظ عليه .
أما كيف خطط ليحتفظ بأخيه دون أن ينتبهوا إلى ذلك ؟ قال عز وجل :
1ـ { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)
2ـ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ
3ـ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)
4ـ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)
5ـ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
6ـ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ
7ـ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ . . (76) .
في شرع الملك كان السارق يضرب ، ويعنّف ، ويدفع ضعف ثمن ما سرقه . أما في شرع يعقوب وأبنائه فإن السارق يصبح عبداً لمن سرقه ، فعاملهم بشريعتهم لا شريعة الملك .

ـ أما قصة سيدنا موسى في سورة طه ، وتيسير الله وحفظه له في قصر فرعون فتراها في الآيات
[ 37 ـ 40].
1ـ أوحى الله إلى أمّه أن تضعه في صندوق خشبي بعد إرضاعه .
2ـ أمرها بإرضاعه كي يحبه موسى ، فلا يتقبّل موسى ما يُقدَّم له من حليب المرضعات غير حليب أمه الذي استساغه ولن يرضى بغيره .
3ـ دفعته الأمواج بإذن الله إلى قصر فرعون ، عدو الله ، وعدو موسى .
4ـ كتب الله له القبول عند آل فرعون ، ليبقى عندهم .
5ـ متابعةُ أخته له حتى تعرف إلى أين سينتهي.
6ـ أختُه تدلُّ الباحثين على أمه لترضعه.
7ـ عودة موسى إلى أمّه بعون الله ومساعدته.
إنه تخطيط رب العالمين ، يحفزنا على ترتيب ما نريده بخطة سليمة ، وتفكير سديد .

ـ ونلحظ التخطيط في كسر إبراهيم أصنام قومه ، حين أرادوا الخروج من المدينة في عيد لهم فأعتذر بأنه مريض فتركوه ، وخرجوا ، فاغتنم فرصة خلوّ المكان فانطلق إلى الأصنام فحطمها ، قال جل شأنه : { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)}(الصافات) .

ـ أراد الله سبحانه وتعالى أن يعبده الناس متجهين إلى قبلة محددة ، فبيّن لإبراهيم مكان بناء البيت كي يقصده الناس حاجين وأمره بعد انتهاء البناء أن يؤذِّن فإذا أذَّن أسمع الله نداءه إلى المخلوقات جميعاً .
{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ
أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) }(الحج) .
فالله سبحانه خطط منذ القدم أن يكون البيت الحرام في مكة قبلة لعباده ، يحجون إليه ويطوفون حوله ويعبدون ربّه .
وقام إبراهيم وابنه اسماعيل ببناء البيت وتجهيزه لحجاج بيت الله الحرام ، ثم أذّن فسمعت النُّطَفُ أذانه فرددت ما قال .

ـ وفي سورة النمل الآيات [ 27 ـ 44 ] :
1ـ عاد الهدهد إلى سليمان يحمل خبر مملكة اليمن التي يسجد أهلها للشمس ويعبدونها .
2ـ حَمَّلَ سليمانُ عليه السلام الهدهد كتاباً فيه دعوة إلى الإيمان بالله ، يلقيه بين يدي بلقيس ملكة سبأ ، ثم يبتعد فيراقب ردة الفعل .
3ـ أرسلت بلقيس هدية إلى سليمان علّه يتركها وبلادها.
4ـ لما أبى سليمان إلا إسلامها وقومها انطلقت إلى عاصمة ملكه زائرة .
5ـ أراد اختبار ذكائها فأمر بحمل عرشها إلى فلسطين.
6ـ حمله أحد العارفين بالله في لمحة البصر بإذن الله.
7ـ نكّر عرشها وعرضه عليها فلم تخطئه.
8ـ بنى قصراً من الزجاج الصافي ، فلما أرادت دخوله كشفت عن ساقيها ظانّة أنه ماء لشدة صفائه .
9ـ رأت عظمة ما لسليمان من ملك ونبوّةٍ فآمنت بدينه.
والملوك لتعاظمهم لا يسلّمون لأمر إلا إذا كان عظيماً ، فخطط سليمان لذلك بجلب عرشها وبناء القصر العظيم ليخلب لبَّها ابتداءً فتسلم له ، وكان تخطيطه موفقاً .
ـ وقبل ذلك نجد النملة تتخذ الأسباب ، ويساعدها على ذلك سليمان عليه السلام ، فنرى سليمان ينطلق وجنوده من الجن والإنس والطير ، فيصلون إلى وادي النمل ، وكان النمل خارجاً من أعشاشه يبحث عن رزقه ، فإذا ظلَّ منتشراً في الوادي فستطؤه أرجل الجنود ، وحوافير الخيل ، وقوائم السباع ، والجيش كبير العدد ، ولن تسلم نملة منهم ، فقالت نملة لبيبة رأت من بعيد جيش سليمان يهز الأرض تحته صارخة في قومها منبهة السامعين منهم ليحذروا ، قال سبحانه: { حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) }(النمل) .
فيسمع سليمان عليه السلام صوتها وتحذيرها ، فيوقف تقدم الجيش ، ويسألُ ربه أن يرزقه شكره على نعمه التي وهبه إياها ولوالديه ، ويسأله العمل الصالح الذي يرضيه ، وأن يرزقه جنته ورضوانه ، ودخلت النملة مسكنها وتبعها النمل فخلا الجوُّ منهم (عاملتُ النملَ معاملة المذكر لأن الله سبحانه وتعالى حين تحدث عنهم فقال { . . ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ . . } جعل الخطاب بواو الجمع وميم الجمع ، والله أعلم ) .
وفرغت الأرض ، فانطلق الملك سليمان عليه السلام إلى هدفه شاكراً حامداً . .
ويخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الأسباب الماديّة والمعنوية في لقاء العدو .

ـ أما المثال على اتخاذ الأسباب المعنوية فقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
أ ـ فَاثْبُتُوا
ب ـ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)
جـ ـ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
د ـ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
هـ ـ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}(الأنفال) .
ثم نهاهم أن يكونوا بطرين أشرين يراؤون الناس ولا يخلصون لله سبحانه :
{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) {الأنفال).
فالثباتُ ، وذكرُ اللهِ ، وطاعتُه وطاعة رسوله ، والوحدةُ الإيمانية ، والصبرُ ، والبعد عن الرياء ، والإخلاصُ لله سبحانه أسباب معنوية ، إن اتخذها المسلمون نصرهم الله تعالى ، ولا أرانا في هذه الأيام الرديئة نتصف بواحدة منها . . . لذلك ترانا كالقصعة التي يتداعى الأَكَلَةُ الشرهون إلى التهامها .

ـ والمثال على اتخاذ الأسباب المادية قوله سبحانه : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)}(الأنفال) .
فالإعداد الماديّ يستدعي :
1ـ التربية البدنيّة واللياقة العالية.
2ـ التدريب على السلاح بكل أنواعه.
3ـ تأمين السلاح الثقيل ، والتدرب عليه.
4ـ إرهاب العدو بإظهار القوة قدر الإمكان.
5ـ القوة ترهب من يمدُّ العدوُّ ويساعده.
6ـ إنفاق المال في سبيل الله والعقيدة.

وهذا سيدنا موسى عليه السلام يرى ـ وهو عائد إلى أهله في مصر وزوجته معه ـ ناراً والدنيا باردة ، والمكان مظلم ، ولا بدَّ للدفء والأمان ، ورؤية من يقصدونه من الحصول على النار ، وها هو يراها من بعيد فيترك أهله قريباً من المكان ، ويسرع إلى الضوء ليقبس قبسة تفيده فيما يرمي إليه من أحد يدله على الطريق ، فقد ضلّ عنه وقد هبت ريح شديدة فرّقت ماشيته ، فهو يسعى لنار تريه إياها كما أن زوجته أخذها الطلق ، وهذا أخذ بالأسباب الموصلة إلى الراحة ، والأمان ، والدفء . . .
وهناك يكلمه الله سبحانه وتعالى ويعرفه بحقيقته ، ويأمره أن يذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله سبحانه { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)}(القصص) .
ويعطيه الله سبحانه من الأسباب المساعدة على إبلاغ الدعوة سلاحين :
أ ـ العصا التي تنقلب ثعباناً يثير الرعب والهلع في نفوس الحاضرين .
ب ـ التوهج الشديد ليده حين يدخلها في جيب قميصه .
كما يؤيده بأخيه هارون فهو فصيح اللسان واضح الكلام .
وينفي عنه الخوف من فرعون أن يقتصَّ منه لأنه قتل قبطياً ، قال عز وجل:. .
{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31)
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا
بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)}(القصص) .

ـ وتأمل معي أمر الله تعالى لموسى في النجاة من فرعون ، ثم إغراق فرعون :
{ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) }(طه).
{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64)
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65)
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66)}(الشعراء) .
{ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)}(الدخان) .
والرهْوُ : ترك البحر منفرجاً مفتوحاً
تجد موسى عليه السلام اتخذ الأسباب التالية :
1ـ استنجد بربه حين دعاه أن ينقذه وقومه من فرعون وجنده .
2ـ أمره الله أن ينطلق بقوة اتجاه المشرق ، فسار بهم ليلاً كي يقطع مسافة طويلة قبل أن يشعر بهم فرعون .
3ـ وحين وصلوا إلى شاطىء البحر كان فرعون مسرعاً بجيشه يقترب منهم . فقد رأى كل من الطرفين الطرف الآخر ، فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ففعل ، فانفلق البحر ، وانشق طريقٌ يابسٌ بين جبلين من الماء .
4ـ أسرع موسى بقومه إلى الطرف الآخر وهم مشفقون خائفون .
5ـ وصل موسى وقومه إلى الشاطىء الآخر ، وهمَّ أن يضرب الماء ليعود البحر كما كان حتى لا يستطيع فرعون العبور إليهم .
6ـ أمره الله سبحانه أن يترك البحر كما هو ليدخل فرعون الطريق وجنوده ، فلما صار الجيش كلّه في الطريق أمر الله تعالى الماء ، فعاد كما كان فأغرق الكافرين .

فالاستنجاد بالله ، والدعاء له ، والمسير في الليل ، وضرب الماء ، ثم الهمٌّ بضربه مرة أخرى ليعود كما كان . . اتخاذ للأسباب .
لكنَّ التخطيط واتخاذ الأسباب لا يوصلان إلى الهدف إلا إذا أراد الله سبحانه وتعالى ذلك ، فعلينا التفكير وعلى الله التدبير ،

وهذا هو التوكل على الله .

يتبع

نبيل
2015-02-20, 08:30 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الإشهاد . . والشهادة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لهاتين الكلمتين معانٍ عدة :
فـ (شهد) : أَخبر الخبر القاطع ، وأدّى ما عنده من علم بأمرٍ ما ، وأقرَّ بما علم ، وعاين الشيء ، وأكد ما سمع ، وأخبر بما رأى .
و (أشهد) على الأمر : جعله يشهد عليه ، وأشهد الشيء : أحضره .
فلا تكون الشهادة والإشهاد إلا على حقيقة ساطعة ، وأمْرٍ بيّن لا إبهام فيه ، وقد قيل :
( على مثل ضوء الشمس فاشهد).

أولا ـ فرضية الشهادة : وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نشهد لإرضائه في إقرار الحق وإبطال الباطل ، فقال آمراً بالشهادة :
{ ...وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ... (282)}(البقرة) .
وقال أيضاً : { ...فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ...(6)} (النساء).
وقال أيضاً : {... وأقيموا الشهادة لله...(2) }(الطلاق).
ولذلك كان كتم الشهادة وإغفالها ظلماً وجوراً ، لا ينبغي للمسلم الوقوع في إثمها ، قال تعالى :
{ ...وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ... (140)}(البقرة).
وقال تعالى : { . . . وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)}(المائدة) .

ثانيا ـ مكانة الشهادة :
أ ـ الشهادة إقرار بالحق .
ب ـ دعوة إليه وإصرار عليه .
جـ ـ أصحابها بلغوا ذروة من الشرف والعلم .
قال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} (آل عمران) .
ولأن الشهادة إقرار بالحق استنكر القرآن الكريم كفر أهل الكتاب على الرغم من أنهم يشهدون الحق ويعرفونه . . قال تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) }(آل عمران) .
ويقول الله تعالى موضحاً مكانة الشهادة كي لا يضيّعها أحد : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى
قُلْ لَا أَشْهَدُ
قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}(الأنعام) .
وقال سبحانه : { ... أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)}(الزخرف) .

ثالثا ـ وجوب أداء الشهادة :
وحين تشهد على أمرٍ فلتـُلق ِ شهادتك كاملة ، ليس فيها نقص أو إبهام ، وإلا غاب الحق عن أهله ، وطمست معالمه .
قال تعالى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ...(108)}(المائدة) .
وإذا طلب أحد لأداء الشهادة لبّى وأداها على أحسن وجه . قال تعالى {. . . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا . . . . . . . . ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا }(من الآية 282 البقرة) .

رابعا ـ مَنْ يشهد ؟ :
ذلك القرآن أنواعاً من الشهداء وكلـُّهم شهادته مقبولة معتبرة .

1ـ طائفة من المؤمنين: { ....وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)}(النور).
2ـ أهل الحق: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)}(الزخرف) .
3ـ أهل العدل: { ...وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ . . .(2) } (الطلاق).
4ـ كل مؤمن بالله: { ...وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ..(10)}(الأحقاف) . وابن سلام رضي الله عنه من اليهود الذين أسلموا وشهدوا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان سيد بني إسرائيل ، فغاضبوه وخاصموه لإسلامه
5ـ مَـنْ لا تـردُ شهـادتـه لـقـربه مـن المـتـهـم وهـو أدعـى أن يـصـدَّق : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا . . . (26)}(يوسف) .
6ـ الصالحون ، فهذا سيدنا عيسى شاهد على قومه ما دام حياً : { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ...(117)}(المائدة).
7ـ مَنْ عنده علم من الله تعالى صادقٌ : { ... قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)}(الرعد) .
8ـ وأولاً وأخيراً يشهد الله تعالى كما مرَّ معنا قبل قليل وكما في الآية التالية ومعه ملائكته الكرام :
{ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) })النساء) .

خامسا ـ مكانة الشهداء :
إنَّ للشهداء الذين يشهدون الحقَّ وبالحقِّ مكانة كبيرة ، فقد ذكرنا قبل قليل أنواعهم ، وكلهم عدول ، يتمنّى كل واحد منا أن يكون مشهوداً له بمثل ما شهد الله لهم ، وهنا نذكر أنَّ مكانتهم من الله تعالى قريبة .
ـ فمن قـُتل في سبيل الله وإعلاء كلمته كان شهيداً لله ، قال تعالى :{ ... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ..(140) }(آل عمران) .
ـ وقد سمى الله سبحانه وتعالى الأنبياء شهداء ، فكل نبي شهيد على أمته ، والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيد على الجميع ، فقال سبحانه : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) }(النساء) .
ـ ومن قام بالحقِّ وعمل في سبيل الله فقد شهد بالعدل ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ...(8)}(المائدة).
ـ والشهداء أهل النور ، وأصحاب الثواب العظيم : {. . . وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ... (19)}(الحديد) .

سادسا ـ علام نشهد ؟ :
أ ـ الصادق لا يشهد إلا بما علم وتأكد ، وإلا كان كاذباً ، فإخوة يوسف نصح بعضهم بعضاً بالعودة إلى أبيهم لإخباره أن ابنه سرق ، قال عز وجل : { .... وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)}(يوسف) ، ولا يزيد ولا ينقص ولا يقـْلِب الأمور فيكون ـ والعياذ بالله ـ من أهل الزور قال تعالى : { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)}(الفرقان) .
ب ـ نشـهد بـالإيـمـان والإســلام: {...واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )52)}(آل عمران)
هـذا مـا قاله الحواريون ،وأطاعوا أمر ربهم حين أكدوا مكررين قال سبحانه :
{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)}(المائدة) .
وشهد النبيون جميعاً على التبشير بالرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ، واتباعه ، ونصرته إنْ بُعث وهم أحياء ، فأقروا وشهدوا ، قال جل شأنه : {.... قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)}(آل عمران)
جـ ـ ونشهد على وحدانية الله وربوبيته : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) }(الأعراف) .
د ـ والشهادة على الأمن والأمان ، وعدم الإساءة إلى الآخرين ، فقال تعالى مخاطباً اليهود : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ . . . (35)}(البقرة) .
هـ ـ وتكون الشهادة لنفي التهمة كذلك ـ فلما قالت ثمود لنبيهم هود عليه السلام ،قال تعالى : { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)}(هود) .
ويوم القيامة يُسأل الله المشركين عن آلهتهم المزعومة (( …وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)}(فصلت) .
و ـ ويشهد الكفار على أنفسهم وكفرهم ، قال تعالى : { إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) }(العاديات)،
وقال سبحانه : {... حتّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(37)}(الأعراف) .
ز ـ وقد يشهد الإنسان لدرء العذاب عنه - في قضيّة الملاعنة بين الزوجين ، قال سبحانه: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)}(النور) .

سابعا ـ عدد الشهداء :
وينبهنا القرآن الكريم أن أقلَّ الشهادة في المعاملات الدنيوية شاهدان من الرجال ، قال تعالى : {... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ....} ،
وقد يكون الشاهد رجلاً معه اثنتان من النساء : {... فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ...}(282)(البقرة) .
وفي حوادث الزنا يشهد أربعة رجال : { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ....(15)}(النساء) .
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) }(النور) ، وقد جُعل للزنا أربعة شهداء من الذكور لمنع الفاسقين من ثلم أعراض المسلمين ونشر الفاحشة بينهم .

ثامنا ـ إقامة الحجة :
ـ وقد يُكثِر الكاذب ، وصاحب الهوى ، والمفسد ، وأقرانهم من أهل السوء ، الكذبَ فيكون الإشهاد للتكذيب وإقامة الحجة على المفسدين أيّاً كانوا ، قال عز وجل: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)}(التوبة)، فكانت شهادة الله فيهم أنهم أهل الكذب والفساد . . . وعرَّاهم فبانوا على حقيقتهم .
ـ وشهد سبحانه وتعالى في المنافقين { . . . إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1)}(المنافقون) حين ادّعَوا أنهم مؤمنون بالله ورسوله .
ـ وتعال معي إلى شهادة من نوع عجيب غريب ـ وما ذلك على الله بعزيز ـ فيوم القيامة ترى ، وتسمع شهادةً ما بعدها من إنكار ، قال عز وجل : { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)}(فصلت) .
فيشهد الإنسان على نفسه ، ويشهد بعضُه على بعض ! نعوذ بالله من هكذا مصير .

تاسعا ـ بعض الشاهدين كاذبون :
أ ـ وفي الدنيا تجد كثيراً من الكفار والمنافقين وأهل الأهواء يشهدون كذباً ، ويحلفون كذباً ، وهذا ديدنهم ، وعليه جبلوا .
فمن أمثلة المنافقين قوله تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)}(المنافقون) .
ومن أمثلة الكافرين المدعين أنهم يحبون الخير ، ويكرهون الفساد قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} (البقرة)
. يدّعون الصلاح وهم فاسدون ، ويغضبون إذا جوبهوا بذلك وقيل لهم: أصلحوا.
وبعض المسلمين ذوي الإيمان الضعيف يرمون أزواجهم بالزنا ـ وعددهم هذه الأيام كثير فعقوبتهم اللعنة ـ والعياذ بالله ـ ومن النساء من يزنين ، وينكرن ذلك ، ويكذبن أزواجهم الذين رموهنّ ، فعقوبتهن الغضب من الله ـ والعياذ بالله ـ وقد ذكرت آيات من سورة النور تحت عنوان : " علامَ نشهد "؟ .
ـ وعلى هذا لا يؤذن يوم القيامة لهؤلاء الكاذبين الذين ذكرنا بعضهم بالحديث ، ولا يقدرون عليه قال تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85)}(النمل) .

عاشرا ـ الشاهد لا يؤذى :
وكثير من غلاظ الأفئدة مغلّفي القلوب يظلمون الناس ، ويسيئون إليهم ، وقد يضطرون لإشهاد بعض الناس في أمرٍ ، فإذا جاء وقت الشهادة لاستعادة الحقّ ، وشهد هؤلاء نالهم السوء من العتاة المجرمين ، فهددوهم وأرهبوهم كي يسكتوا . ولا يرضى اللهُ سبحانه وتعالى مثلَ هذا التصرف المشين ، فقال سبحانه : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ...(282)}(البقرة) .

نسأل الله أن يجعلنا من المتقين ، الذين يشهدون الحقَّ ، ولا يخافون الباطل .

يتبع

نبيل
2015-02-20, 09:35 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التقعيد

الدكتور عثمان قدري مكانسي


كل بناء له أساس يقوم عليه ، وقاعدة يرتكز عليها ، ولن تجد بناءً متيناً إذا لم يقم على أسس صُلبة وقواعد ثابتة .

ـ والدين بناءٌ قاعدته الأولى ( التوحيد ). قال تعالى :
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }(الإخلاص) .
وقال سبحانه : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}(البقرة) .

ـ ومع القاعدة الأولى تتصل القاعدة الثانية ( الإيمان باليوم الآخر ) ذلك اليوم الذي يحاسَبُ فيه الإنسان على ما قدّمت يداه خيراً أو شراً .
قال تعالى : { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)} (النحل).
وقال تعالى : { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}) البقرة).
وقال تعالى يؤكد لقاءَه سبحانه يوم القيامة : { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .

ـ والقاعدة الثالثة : ( الموت والبعث ). . . والموت يؤمن به كل الناس مؤمنهم وكافرهم إلا أنّ مفهوم الموت يختلف عندهما ، فالمؤمن يوقن به وبالحساب والعقاب ، والكفار ينكرون البعث ، ولا يرون حياة بعد الموت ، قال تعالى على لسان الكفار : { . . . وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ (24)}(الجاثية) ، وقال كذلك على لسانهم : { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) }(ق).
أما المؤمنون فيقول الله تعالى فيهم مادحاً : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)}(الكهف) .

ـ والقاعدة الرابعة : ( الحساب والعقاب ) ، قال تعالى : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا....(30)}(آل عمران) ،
وقال تعالى : { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}(الأعراف) .
وقال كذلك : { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) } (القارعة)

ـ والقاعدة الخامسة : ( أن طريق الله تعالى واحد مستقيم ) ، لا يضل من سلكه لأنه صادر عن الله تعالى أصل الأنوار : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...(35)}(النور).
وقال تعالى : { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ...(126)}(الأنعام) .
وقال سبحانه : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} (الفاتحة) .

ـ القاعدة السادسة : (أن الإيمان بالله لا يُقْبَلُ إلا أن يؤمن الإنسانُ بنبوّة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ورسالته ويتبعه) ، قال تعالى :
{ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} (النساء) .
قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) }) الأعراف) .

ـ القاعدة السابعة : ( مفاصلة المشركين لكفرهم وعداوتهم للمسلمين )، قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} (المائدة).
قال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) }(المائدة) .
وأعداؤنا لا يحفظون ذمة ولا عهداً ، وإذا أحسّوا بالقوة قلبوا لنا ظهر المِجَنّ ، وسامونا العذاب ألواناً ، قال تعالى :
{ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)} (التوبة) .
وقال سبحانه : { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}(الكهف) ،
وقال تعالى : { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً
وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}(الممتحنة) .

ـ القاعدة الثامنة : (أن الله تعالى شديد العقاب لمن عصى ، وواسع المغفرة لمن آمن به)
قال تعالى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)}(الحجر) .
وقال سبحانه : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)}(المائدة) .
وقال سبحانه : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)}(إبراهيم) .

ـ القاعدة التاسعة : ( أن العاقبة لأهل الإيمان )،
قال تعالى : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}(المجادلة) .
وقال تعالى مخاطباً نبيّه الكريم : { ...فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)}(هود) .
وقال تعالى مؤكداً نجاة المؤمنين من جهنم على الصراط ، ووقوع الكاذبين في عذابها
: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }(مريم).

ـ القاعدة العاشرة : ( دمار الكافرين ، ولكنْ بعد أن يرسل الله إليهم الرسل فيكفرون بهم) ، قال تعالى : { وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)}(الإسراء) .
وقال تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)}(هود) .
أما حين يقتلون الرسل فعقابهم شديد { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)}(الإسراء) .
وقال تعالى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)}(الإسراء) .

- القاعدة الحادية عشر : ( عداوة الشيطان للإنسان ) ، فهو ـ الشيطان ـ يعتقد أن الإنسان سبب شقائه ، فحين خلق الله تعالى آدم أمر الملائكة وإبليس أن يسجدوا له تعظيماً ، ورأى إبليس نفسه أكرم من آدم ، فأبى أن يسجد له ، وعصى ربه ، فلعنه ، وطرده من رحمته ، فآلى هذا على نفسه أن يغوي الإنسان ، ويضلّه ليكون شريكاً له في النار قال سبحانه : { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}(ص) ،
فنبه الله تعالى آدم محذراً إياه من إبليس ، فقال : { فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)}(طه) .
ومِن تحذيرات الله سبحانه وتعالى لعباده من الشيطان قوله سبحانه : { يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ...(27)} (الأعراف) ، وقوله سبحانه : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}(الأعراف) ، وقوله سبحانه : { . . . إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)}(الإسراء) .

ـ القاعدة الثانية عشرة : ( أن الإنسان يتحمل وحده نتائج ما آمن به وما عملته يداه ) ، قال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)}(المدثر) .
وقال أيضاً : { ...كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)}(الطور) ، وقال سبحانه :{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . . . (18)}(فاطر) .

وهناك قواعد عديدة وأسس واضحة تقوم عليها العلاقة :

1ـ بين الله سبحانه وعباده .
2ـ بين الناس أنفسهم .
نترك لك أيها القارئ استجلاءها وتوضيحها .

فلا بد ـ إذاً ـ أن تكون أعمالنا وتفكيرنا قائميْن على قواعد متينة ثابتة وراسخة كي لا نزل
ونخطئ ، أو نميل مع الهوى ، أو نتيه في دروب الضلال بعيدين عن الحقِّ . لا سمح الله

يتبع

نبيل
2015-02-20, 10:23 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

العظة والعِبرة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


توقَدُ النار في الليل ، فترى الفراشات تتسابق إليها وتحترق بها ، وتُنصب الشباك في مياه النهر والبحر فتعلق بها ملايين الأسماك يوميّاً ، ويحمل الصياد بارودته إلى النبع القريب ليصطاد العصافير ، فتأتي هذه لتشرب فتلقى حَتفها ، ولا تحجم العصافير الأخرى عن العودة إليها ، لتقع فيما وقعت فيه مثيلاتها .
فلا عقل لها ولا تدبير يعصمها ، ولا تفكير يقودها إلى النجاة . . فالإنسان وحده الذي يتعظ بغيره ويعتبر ، الإنسان الذي يفكر في عاقبة كل أمر . . .
ولكنْ مع الأسف تجد الكثرة الكاثرة من الناس لا تفكر ، ولا تريد أن تفكر ، وهبها الله صمام الأمان ( العقل ) فطرحته جانباً إلى الأمور المعيشية ، وتنسى البشرية أنها خلقت لتمر بمراحل الحياة ، ثم تطوي صفحة الملايين من الناس يومياً والعجلة تدور ، والناس غافلون ساهون عن الحقيقة التي خلقهم الله لأجلها ، ويأتي الأنبياء والرسل ويأتي الدعاة من بعدهم يهزُّون الناس ليستيقظوا من سباتهم ، لينتبهوا إلى حقيقتهم . . ويصحو أناس ويغرق أناس . .
والقرآن الكريم يهزّنا لنستفيق ، ويدعونا إلى العظة والعبرة ، فيطرق أفكارنا من جهات عدة :
أولا ـ الاتعاظ بمصير الأمم السابقة .
ثانيا ـ الاتعاظ بنا أنفسنا .
ثالثا ـ الاتعاظ بما حولنا من حياة طبيعيّة ، نراها يومياً .

أولا ـ الاتعاظ بمصير الأمم السابقة:
أرسل الله سبحانه وتعالى أنبياءه الكرام إلى الناس ، يهدونهم إلى صراطه المستقيم ، فلما أبَوْا عاقبهم سبحانه : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
1ـ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
2ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
3ـ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
4ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ....(40)}(العنكبوت) .
ـ أما قوم لوط فقد عوقبوا بأن اقتلع جبريلُ عليه السلامُ قراهم من قرار الأرض ، ثم رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل عليهم حاصباً ( حجارة من سجيل منضود ) ، وجعل اللهُ مكانها بحيرة خبيثة منتنة " البحر الميت " وجعلهم عبرة إلى يوم التناد ، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد ، وتَرَكَ من هذه القرية آثارَ منازلهم الخربة ، ليعتبر بها الناس ، قال تعالى: { .. تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)}( العنكبوت) .

ـ وأما قوم شعيب ـ أهلَ مدين ـ فقد نصحهم أن يؤمنوا بالله وحده ، ويخافوا العذاب الشديد ، ولا يبخسوا الناس أشياءهم ، ولينصفوا فلا يطففوا المكيال والميزان ، فكذّبوه ، وهددوه والمؤمنين معه ، قال تعالى: { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)( العنكبوت).
هذه الرجفة دمّرَت منازلهم ، وزلزلت قراهم ، ثم جاءتهم صيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها ، فأصبحوا هلكى على الرُّكبِ ميتين .

ـ وأما ثمود فقد قال سبحانه: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5)( الحاقة) فقد أرسل الله تعالى عليهم صيحة مدمّرة جاوزت الحدَّ في أحَدّه فخلعت قلوبهم ، وذلك أنهم لما عقروا الناقة أخبرهم نبيهم بوعد الله ،قال سبحانه : { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)}(هود) وهكذا كان ، ففي اليوم الرابع جاء الهلاك المحتوم ، قال عز وجل: { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)}(هود) .
ثم ينبهنا الله تعالى إلى الإيمان بالله وحده ، مخوّفاً إيانا من عذاب يشبه عذابهم { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)} (هود) .

ـ أما عاد التي سبقت ثمود فقد سبقتها كذلك بالكفر والفساد ، وحذرهم نبيهم هود من مغبّة الكفر ، فلم يأبهوا فكانوا ملعونين في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)}(هود) .
ولكن كيف أهلكوا ؟
قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ(20)}(القمر) .
إنها ريح عاصفة باردة شديدةُ العبوب والصوتِ ، استمرَّت عليهم ، قال جل شأنه :
{ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)}(الحاقة) ، تقلعهم إلى الأعلى ، ثم ترميهم إلى الأرض على رؤوسهم ، فتدقُّ أعناقهم ، وتتركهم على الأرض ، كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ، وشبههم بالنخل لطولهم ، وضخامة أجسامهم .
وينبهنا الله تعالى أن لا نكون مثلهم ، فيعاقبَنا كما عاقبهم { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) }(الحاقة) ، { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)}(القمر) ؟ .
نعوذ بالله تعالى من سوء المصير

ـ وهؤلاء قوم نوح عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يدعوهم إلى الإيمان بالله وحده ، وترك الأصنام ، لكنهم أبَوا الإيمان ، قال تعالى: { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)}(نوح) .
فكيف كان عقابهم ؟ يئس منهم نوح حين نعتوه بما لا يليق به ، قال سبحانه : { . . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ }(هود) ، وقال عز وجل:
{ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)}(القمر) ،
وسأل الله أن يهلكهم ، قال جل شانه : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)}(نوح) ، فاستجاب له ربه مصوّراً هلاكهم الرهيب :
{ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11)}
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)
تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)} (القمر) .
ولما انتهى كل شيئ ونصر الله تعالى نبيّه نوحاً والمؤمنين معه ، وغرق الكافرون توقفت السماء عن المطر ، والأرض عن إخراج الماء بأمر الله العظيم .
أ ـ { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ
ب ـ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي
جـ ـ وَغِيضَ الْمَاءُ
د ـ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
هـ ـ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
و ـ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}(هود) .
نعم بعداً للقوم الظالمين . . .

ـ وهذا فرعون المتجبر المتغطرس ، قال تعالى : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي...(38)}(القصص) ، ثم تجاوز في طغياته ، قال سبحانه: { فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)}(النازعات) .
فكيف أهلكه الله تعالى ؟ لقد سار موسى إلى البحر ، وتبعه فرعون ، فنجا موسى وأغرق الله فرعون وجنوده ، قال عز وجل: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)} (القصص) .
ونجى الله بدنَ فرعون ليكون عبرةً لمن يعتبر ، قال جل شأنه : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً...(92)}(يونس) وما يزال بدنه في متحف مصر عبرةً للمعتبرين .

وهذا قارون آتاه الله المال الكثير ، يعجز عن حمل مفاتيحه الرجال الأقوياء ، يتكبّر ، ويبطر ، ويدّعي أن المال أتاه بكده وفهمه وذكائه، فغضب الله عليه ، ولمّا خرج يزهو بنفسه ابتلعته الأرض جزاءً وفاقاً ، قال عز من قائل : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)}(القصص) .
أما ضعفاء الإيمان الذين كانوا يرغبون أن يحوزوا مثل ما عند قارون فقد انتبهوا من غفلتهم ، وحمدوا الله على نعمة الإيمان ، واتعظوا . قال عز وجل: { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) }(القصص) .
ثانيا ـ الاتعاظ بنا أنفسنا :
يفرح الوالدان بولدهما الذي أنجباه ، ويكرسان حياتهما لخدمته ، فإذا شبَّ هيآ له ما استطاعا ، ويكبر فيموتان ، ويتزوَّج هو وينجب . . . وتدور العجلة من نطفة إلى علقة إلى مضغة غير مخلقة ثم إلى مضغة مخلقة ثم يكون جنيناً كاملاً ، ثم يخرج طفلاً ، ثم فتى يافعاً ، ثم شاباً نشيطاً ثم رجلاً قوياً ، ثم يشيب ثم يهرم ، وقد يردُّ إلى أرذل العمر ، ويموت . . . وقد ينتهي أجله شاباً( عُدْ إلى سورة الحج ، الآية : 5 ، وإلى سورة المؤمنون ، الآيات : 12 ـ 14) . والعاقل يفكر ، ويعي أن هذه الدنيا فانية ، لا دوام لها ، وأن الآخرة هي الباقية ، فليعمل لها .
والإنسان يرى العبر بعين البصيرة قبل عين البصر ، يرى تلك التحولات فيتساءل ما أعظم قدرة َ الله تعالى ، وما أجدرَه بالألوهية والربوبيّة !.
والقرآن ينبهنا إلى التفكير والتدبير { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون(21)}(الذاريات)، ألا تبصرون قدرة الله في مراحل الخلق وفي اختلاف العصور ، والألسنة ، والألوان والطبائع ، والسمع والبصر ، وما إلى ذلك ؟ .
يقول قتادة : مَنْ تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ، ولُيّنت مفاصله للعبادة .
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يُنوِّه إلى عظمة الله في خلق الإنسان :
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
لماذا جعل الله الإنسان خليفة في الأرض ؟ أليس لأنه حَمَلَ الأمانة التي أَبَتْها السموات والأرض ؟ خلقه فأحسن صورته { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)}(التين) .
ثالثا ـ الاتعاظ بما حولنا من طبيعة ومخلوقات نراها دائماً :
فهذه الأنعام يخرج الله عزّ وجل منها شراباً لذيذاً { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)}(النحل) .
والعجب أن ما حوله دمٌ وكَرِشٌ مليئ بالثُفل . . يا سبحان الله .
وهذا العسل الحلو المذاق المفيد تصنعه لنا حشرات صغيرة دائبة العمل { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) }(النحل) .
وإذا نظرت فيما حولك من الأرض وجدت واحدة خصبة ، والثانية صخرية ، والثالثة رملية . من الذي قسمها هكذا ؟ .
وإذا نظرت إلى المزارع والحقول ، وجدت الأنواع الكثيرة التي لا تحصى من أنواع الثمار ، كلها تشرب الماء ، ولكن طعومها مختلف من حلوٍ ، إلى مرٍّ ، إلى حامض إلى مالح ، " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " . مَنْ خلقها ونوَّعها ؟ .
بل إن الشجرة الواحدة قد تكون لها فرعان لثمر واحد ، لكنهما يختلفان في الطعم .
بل انظر إلى الأرض الممتدة أمامك فيها الوديان والجبال والأنهار ومن كل الثمرات ، ثم تمعن في اختلاف الليل والنهار بشكل منتظم . . . أليس مَنْ خلق هذا ودبّره قمين أن يُعْبَدَ ـ سبحانه ـ ؟
{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)}(الرعد) .
وكل ما حولنا فيه تعظيم لخالقنا ، دال على قدرته ، سبحانه وتعالى من إله عظيم قدير .

اللهم ارزقنا البصر والبصيرة .

يتبع

نبيل
2015-02-20, 10:56 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الدقّة في العلم والتصرف

الدكتور عثمان قدري مكانسي


صفة في الإنسان تدلُّ على نباهة صاحبها وذكائه ، تصدر عنه الأمور بعد رويّة وتدقيق ، وحساب ومراجعة ، يتابع الأمور معتمداً على آليات ومعطيات موثوقة ، ويتحرى الأشياء قبل الحكم عليها ويحسب لكل شيء حساباً .
وهذا لا يعني أنه موفق دائماً فالأمر بيد الله لكنّه يتعاطى الأسباب ، وغالب أفعاله توصله إلى ما يرميه .
والقرآن الكريم يضع بين أيدينا كثيراً من الآيات التي تصف المولى عزَّ وجلَّ بالعلم المطلق ، والدقة الكاملة سبحانه وتعالى ، فلِمَ لا نسير على هداه ، ونقطف من جناه ، ونستقي من ضياه ، ونقبس من سناه ؟ .
فهو سبحانه وتعالى يحكي عن ذاته العظيمة فيقول : { .... وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)}(يونس) .
فهناك إذاً ما هو أصغر من الذرة ، وقد اكتشف العلم الحديث ذلك . . { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)}(سبأ) .

وكما أنه سبحانه يعلم كل شيء ، ولا يغيب عنه شيء : فهو سبحانه يحاسب على كل شيء ، مهما صغر أو كبر ، قال تعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )}(الزلزلة) .
وقال سبحانه كذلك : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) }(النساء) .

كما أن الذي يؤمن بالله ، ويقرن الإيمان بالعمل يكرمه الله تعالى فيدخله الجنة ، ولا يُنقِص من ثوابه شيئاً مهما كان صغيراً ، كيف لا والمجازي هو الرحمن الرحيم ؟
قال تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) }(النساء) ، والنقير : حفرة في ظهر النواة ، كرأس الدبوس ، لا تكاد تُرى .

والله سبحانه وتعالى المتصرف في كل شيئ . أما المعبودات الأخرى فلا تملك شيئاً
مهما حَقُر ، فضلاً عن أنها لا تملك نفسها ، فكيف يعبدها الضالون .
قال تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)}(فاطر) ، والقطمير : تلك القشرة الرقيقة بين الثمرة والنواة .
أرأيت إلى هذه الدقة في التعبير ففي هذه الآية ذُكِرَ " القطمير " وفي الآية السابقة
ذُكر " النقير " .

فإذا وقفت في غابةكبيرة فيها مئات الآلاف المؤلفة من مليارات الأوراق ، وعشرات الآلاف من مليارات الحب والثمار ، قلتَ مَنْ يعلم عددها ونوعها ؟ .
والله سبحانه وتعالى يعلم عددها وعدد ما سقط على الأرض منها . . . دقة عجيبة ، وحساب متقن { . . . . وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}(الأنعام) .

وكل ما يفعله الله بقدر ، وهو مكتوب عنده في لوحه المحفوظ .
قال تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}(القمر) ، { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)}(القمر) ، وقال أيضاً : { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}(يس) .

والمشركون يأخذون كتبهم بشمالهم ، فيقرؤونها ، فلا يجدون إلا ما عملوه كاملاً لم ينقص شيئاً صغيراً كان أم كبيراً ، فيتملّك اليأس قلوبهم .
أ ـ { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا
ب ـ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا
جـ ـ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)}(الكهف) .

وحين يرفع الله سبحانه وتعالى أولياءه الصالحين إلى الدرجات العلا ، يكرمهم ، فيرفع معهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإحسان ، إلى مراتبهم على الرغم من أن صلاح الذرية لم يبلغْ صلاح الآباء مَنّاً منه سبحانه وفضلاً ، دون أن ينقص من ثواب الآباء شيئاً ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . . .(21 }(الطور) .

ومن الدقة العجيبة كما مرَّ في "النقير" و "القطمير" ، "الفتيل" أيضاً وهو الخيط الذي في شق النواة . . لا يظلم الله المؤمنين في ثوابهم وأجورهم ، بل يكرمهم ويزيدهم ، فهو المنعم الوهاب .
قال تعالى : { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) }(الإسراء) .

وتعالَ إلى الحساب الدقيق في السنوات ، فهؤلاء أصحاب الكهف لبثوا فيه ثلاثة مئة سنة ميلادية ، وهي تساوي ثلاث مئة وتسع سنوات هجرية . وعلى هذا لاحظ الدقة في الحساب
{ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) }(الكهف) .

واقرأ معي هذه الآية وتمعن في بعض الأسباب تتابع الليل والنهار :
{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
أ ـ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
ب ـ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) }(الإسراء) .

فالدقة دليل على التمكن ، وطريق إلى التثبت .

يتبع

نبيل
2015-02-22, 05:59 PM
سلسلة من أساليب التربية في القرآن الكريم

الوضوح في المعاملة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ليس هناك أفضل من الوضوح في التعامل ، ففي الوضوح فوائد عديدة منها :

1 ـ أن يعرف كل من الفريقين حدوده ، فلا يتعدّاها .
2 ـ أنْ يلتزم المتعاملون بما اتفقوا عليه ، فترتاح النفوس .
3 ـ أنْ تنسدَّ أمام المتلاعبين طرق الاحتيال والفساد .

والقرآن الكريم علمنا أن نعمل في ضوء الشمس ، دون مواربة أو ختل ، فنحن ندعو إلى الله بطريق واضحة ، يراها من يريد أن يراها ، ويتبعها من يريد اتباعها من أهل الفطانة والعلم ، والطويّة النظيفة .

ـ والله سبحانه وتعالى علّمَ نبيّه الكريم أن يكون قدوة في الوضوح { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}(يوسف) .

ـ أما شعيب عليه السلام ، أو الرجل الصالح في مدين ، الذي سقى موسى عليه السلام لابنتيه غنمه ، فقد أراد أن يزوج موسى ابنته ، فكان شرطه واضحاً ، قَبِـِلَـَه موسى عليه السلام:
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ
1 ـ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ
2 ـ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ
3 ـ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
4 ـ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
5 ـ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
6 ـ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ
7 ـ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) }(القصص) .
شروط واضحة ليس فيها لبس . . وعلى مثل عين الشمس فاشهد .

ـ وتزوَّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ومكثت عنده فترة ، ثم لم يتفقا ، فطلّقها وكان زيد مملوكاً للسيدة خديجة ، وهبته للرسول الكريم حين تزوجها ، فأعتقه وتبنّاه ، وكان رسول الله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر زيداً أن يمسكها ، فلا يطلِّقْها . وهو يعلم أن الله سيبطل التبنّي وأحكامَه بتطليق زينب من زيد ، وتزويجها للرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وبما أن الدِّينَ لا يمكن أن يكون فيه غموض وإبهام نزلت الآيات ، موضحة الأحكام دون حرج ولا خجل ، فالحق أحقُّ أن يتبع ، ولا يصح إلا الصحيح:
{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا
لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)}(الأحزاب) .

ـ وفتح الله سبحانه على نبيه وعلى المسلمين خيبر ، فملكوا الكثير الكثير ، ورأت نساء النبي صلى الله عليه وسلم كثرة المال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألنه الزيادة في النفقة ، ليتمتعن بسعة الدنيا ونعيمها وبهرجها الزائل ، فتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إلحافهن في السؤال ، وإلحاحهن فيه . فنزلت الآيات واضحة تبيّن ما على نساء النبي أن يكنّ:
أ ـ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)
ب ـ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)
جـ ـ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
د ـ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)
هـ ـ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)
و ـ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
ز ـ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)}(الأحزاب)

فوضّح الله لهنّ مكانتهن العظيمة في بيوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأنهنّ قدوة لنساء المسلمين توضيحاً بيّناً . فرضين كلهن برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجاً وحبيباً ، وقلن كلهن : بل نريد الله ورسوله والدار الآخرة . . . رضي الله عنهنّ وأرضاهنّ .

ـ وليس المسلمون والكفار سواء في المعاملة في المجتمع الإسلامي . . صحيح أن لغير المسلمين في مجتمعنا حقَّ المواطنة والعيش الكريم ، والأمان ، إلا أنهم لا ينبغي أن يكونوا على قدم وساق مع المسلمين ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى . فقال في كتابه الكريم ، نافياً أن يعامل المجرمون في الآخرة بما يماثل معاملة المسلمين ، في كثير أو قليل :
{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}(سورة القلم) .
وقال سبحانه : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) }(سورة ص) .
ـ وما أشد وضوح معاملة المطلقات في هذه الآيات :
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
أ ـ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
ب ـ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ
جـ ـ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ
د ـ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
هـ ـ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ....(1) }(سورة الطلاق) .
و ـ { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
ز ـ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ...(2) }(سورة الطلاق) .
ح ـ { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ
يَحِضْنَ ...*
ي ـ ... وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْرًا (4) }(سورة الطلاق) .
* (لم يحضن لصغرهن ، عدتهن ثلاثة أشهر )

ـ وكثيرٌ من النساء هربن من المجتمع المكي المشرك إلى المدينة المنوّرة ، بعد صلح الحديبية ، فجاء أزواجهن أو إخوتهن يستردونهن بموجب الاتفاق المبرم ، إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، اعتبر المتفق عليه بحق الرجال لا النساء ، وجعل لهن امتحاناً يَعرِف به المسلمون إن كنَّ مؤمنات حقاً ، أو هربن لأمر ما .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
1 ـ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
2 ـ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
3 ـ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا
4 ـ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
5 ـ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا . . .(10) }(سورة الممتحنة) .
6ـ { وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا
أَنْفَقُوا ..(11) }(سورة الممتحنة) .
فهذه الآيات كانت موضحة تمام التوضيح لمعاملة النساء المسلمات ، اللواتي هربن إلى المجتمع المسلم ، والنساء اللواتي ارتددن إلى الكفر ، وكيف يدفع للمسلمات الجديدات مهرهن ، وكيف ـ إن كان ممكناً ـ استرداد ما دفعه المسلمون من مهور النساء اللواتي عدن إلى مكة مرتدات . . . وضوح ، وتنظيم ، ودقة في المعاملة ، كي يبتعد المسلمون عن الحرج . . .

ـ ويجب البرّ بالوالدين ، ولو كانا مشركين ، ولا يكون الشكر لله إلا مقروناً مع الشكر لمن أحسن إليك ـ الوالدين ـ ولكنْ للبر حدودٌ لا يمكن تخطيها !! . خاصةً إذا كانت حدود الله تعالى .
أ ـ { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ
ب ـ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
جـ ـ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
د ـ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
هـ ـ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
و ـ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ . . . . (15) }(سورة لقمان) .

ـ ونرى الوضوح كذلك في التعامل مع من يرتكب فاحشة الزنا :
1ـ فإن كان الزاني والزانية غير محصنين فكيف يعاقبان ؟ : .
أ ـ { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ
ب ـ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ
جـ ـ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) }(سورة النور) .
2 ـ بمن يقترن الزاني والزانية ؟ :
أ ـ { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
ب ـ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
جـ ـ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) }(سورة النور) .
3ـ ما عقوبة مَنْ يقذف المحصنات دون وجه حق ؟ :
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
أ ـ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
ب ـ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
جـ ـ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) }(سورة النور) .
4ـ فهل تبقى العقوبتان المعنوية في الدنيا والنار في الآخرة إن تاب القاذف ؟ { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوامِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }(سورة النور) . لا ، إنما يعود الأمر إلى مجراه بعد التوبة ، فتنتفي عنه صفة الفسوق حين يعترف أنه أخطأ .
5ـ فإن كان القاذف الزوج نفسه فما يكون من الزوجين ؟ :
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
أ ـ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
ب ـ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)
وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ
أ ـ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 )
ب ـ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) }(سورة النور) .
وهكذا يفرَّق بين الزوجين المتلاعنين فراق بينونة كبرى ، ويكون أحدهما قد باء بالخسران الأبدي إلا إذا كانت المرأة زانية ، واعترفت ، فرجمت ، فقد طهرت ، وتابت توبة نصوحاً .

إن الغوص في أعماق القرآن والقراءة فيه بإمعان يجلي للقارىء كنوزاً من الأمثلة في كل اسلوب تعليمي من أساليب القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

يتبع

نبيل
2015-02-22, 07:13 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

اغتنام الفرص

الدكتور عثمان قدري مكانسي

كيف يغتنم المرء هبوب رياحه ؟ وهل تتاح الفرصُ كثيراً ؟ وماذا يسمى من أضاع شيئاً كان بين يديه ثم سعى وراء ما يهرب منه ويبتعد عنه ؟ .
إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا في قرآنه العظيم إلى اغتنام ما بين أيدينا ، والحرص عليه في مرضاة الله ، قبل أن نلقاه مفلسين خاسرين نادمين على ما فرطّنا فيه ، وما دمنا في الدنيا لم نغرغر بعد فلنغترف من الخير قبل الممات ، ففي الدنيا عمل ولا حساب ، وفي الآخرة حساب ولا عمل .
قال تعالى يدعو إلى الإسراع إلى فعل الخير :
{ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ . . . (148)}(البقرة) .

ويمدح المؤمنين الفاعلين الخير المسرعين إليه قبل غيرهم :
{ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)}(المؤمنون) .

أما أهل الغرف من جنات النعيم فهم الذين شمروا عن ساعد الجد واغتنموا الفرص فكانوا أهل الحظوة والقرب ، قال سبحانه :
{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)}(الواقعة) .

والله سبحانه وتعالى ينادي عباده داعياً إلى التوبة واللجوء إليه :
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)}(الزمر) .

ويناديهم أيضاً منبهاً إلى حاجتهم إليه ، فليغتنموا الدنيا ولْيعملْ كل إنسان بما يفيده .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16)
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)}(فاطر) .

وما دام الله سبحانه قادراً على أن يفعل ما يشاء ولا حول لنا ولا قوة فعلامَ نستكبر عن عبادته؟ ولماذا نكفر به ونعصيه ؟

ـ ومن فضل الله سبحانه علينا أنه لا يعاقب إلا بعد أن ينذر ويوضح ، فيرسل رسله إلى
الناس ، ويفسح لهم الفرصة ليغتنموها فإن أضاعوا حلَّ بهم العذاب { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)}(الإسراء) .

وقد جرت العادة أن يرسل الله رسولاً إلى المدن الكبيرة ، يبلغ رسالة ربّه ، وينذر الكفار ، فيقطع الحجج والمعاذير . حتى إذا أهلكهم لإصرارهم على الكفر والإنكار ، لم يدَعْ لهم حجة يتمسكون بها ، وهذا قمة العدل ، ومَن أكثرُ عدلاً من الله سبحانه ؟:
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ (59)}(القصص) .
فالعاقل يغتنم الفرص التي يقدمها له الله سبحانه وتعالى ، ويؤمن به ، ويطيعه ، ويطيع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ـ ومن الفرص التي يقدمها الله سبحانه وتعالى لعباده دائماً قوله سبحانه :
{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ . . . (26)}(الشورى) .
فهو سبحانه :
1ـ يفتح أبواب التوبة مشرعات دائماً .
2ـ فإذا أخطأ الإنسان ـ وهو خطاء ـ ثم استغفر ، غفر الله له .
3ـ العاقل يستجيب لهذا العفو ، فيغتنم الفرصة ، ويتوب .
4ـ فإذا تاب وعمل صالحاً زاده من فضله وأكرمه .

ـ ومن الفرص التي يقدمها الله تعالى فيتلقفها المسلم المؤمن دون أن تفلت منه ..الدعوة ُ المتكررة للإيمان بالله ، فالله سبحانه لا يفتأ يرسل المرسلين ـ سابقاً ـ والدعاة المخلصين ـ لاحقاً ـ مذكرين ، منبهين ، منذرين ، معلمين . . . ليستفيد منهم الناس قبل أن يفقدوهم .
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ
إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)
إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا
فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)
قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)
قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى
قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)
اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)
وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً
إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)
إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ... (26)}(يس) .
فدخل الجنة ، وكسب رضوان الله لأنه رأى الفرصة مواتية فاغتنمها . . .
ويغتنم المسلم وجود الدعاة المصلحين بين يديه فيلتزمهم ويتعلم منهم ، ويسألهم عما يفيده في دنياه وآخرته ، ليكون على نور من ربه .

ـ ويدعونا الله تعالى إلى الإسراع إلى الفرص واكتسابها فيقول : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)}(الصافات) .
فيسرع المؤمنون إلى اقتناص ما يجعلهم فائزين ، ويعملون جادين مجتهدين .
ويعرض الله سبحانه وتعالى السبيل الذي يصل فيه المسلمون إلى الفلاح ، وإرضاء الله ، ليهرع إليه أصحابه المريدون له :
{ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38)}(الروم) . . يهرعون ، فيدفعون زكاة أموالهم وصدقاتهم لمن ذكرهم اللهُ تعالى ، فينالون ما وعدهم من رضاه وفلاح .

ـ وهذا سيدنا موسى وأخوه هارون – صلوات الله عليهما - يقدمان على فرعون ، ويدعوانه إلى عبادة الله وحده ، وترك البطر وادعاء الألوهية الكاذبة ، فينكر عليهما ذلك ، فيفجؤه موسى بالآيتين اللتين تبهرانه وأتباعه ، فيدعي أن موسى ساحر ، وأنّ أخاه يؤيده ، وأنّه سيبطل هذا السحر ، فعنده من السحرة الكثير ، ويضرب لموسى موعداً في يوم عيد للمصريين ، فيمهله موسى إلى ذلك اليوم . . .فيغتنم فرعون المهلة ، ويجمع السحرة والأعوان .
{ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) }(طه) .

{ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) }(الشعراء) .
فإذا كان الفاسدون يغتنمون الفرص فنحن أحق منهم بذلك ، إننا أصحاب الحق ، والعاملون له .
حتى إن السحرة اغتنموا حاجة فرعون لهم ، فطالبوه بمكاسب ووعدهم بتنفيذها ، بل وعدهم بأكثر مما طلبوا ، فال عز وجل:
{ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) }(الشعراء) .

ـ وهذا سيدنا يوسف عليه السلام في السجن ، يأتيه رجلان ، رأى كل منهما حلماً ، يستفتيانه ، فلم يجبهما ابتداءً ، بل اغتنم فرصة حاجتهما إليه وإصغائهما إليه ، ودعاهما إلى الله تعالى ، وعبادته وتوحيده بشكل مفصل ، فلم يترك لهما حجة ، ثم أفتاهما فيما عرضاه :
{ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)}(يوسف) .

ـ وهذه ابنة الرجل الصالح ترى في موسى قوة وأمانة ، وقلّما تجتمع هاتان الصفتان في
رجل . وأبوها بحاجة إلى مثله ، يرعى مصالحهم ، ويرعى الغنم ، فطلبت إلى أبيها أن
يستأجره ، فهو مغنم يعز نظيره ،قال تعالى: { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)}(القصص) ففعل أبوها ذلك ، أليس هذا اعتناماً رائعاً في اختيار زوج صالح للبنت وعامل أمين جلد يرعى الأسرة ويخدمها؟ .

وفي سورة الكهف ، في قصة موسى والرجل الصالح نجد :
أ ـ موسى يغتنم صحبة الرجل الذي آتاه الله رحمةً من عنده ، وعلَّمه من لدنه علماً ، فهو لا يتركه إلا أن يستفيد منه ما شاء الله له الاستفادة ، فيصحبه في أعمال ثلاثة ، ولا يفارقه إلا
مضطراً .
ب ـ الرجل الصالح نفسه يحاول منذ البداية أن يعتذر عن صحبة موسى ، لأن موسى لن يصبر عليه دون ان يعلم الأسباب الدافعة له في ما يفعل من أمر الله ، وحين يجرّبه ثلاث مرّات لا
يصبر موسى فيها على قبول أفعالٍ لا يعرف لفعلها سبباً يعلن الرجل الصالح وجوب
الفراق ، مغتنماً فرصة إخفاق موسى في الصبر دون سؤال إلى ان يخبره الرجل حين
يريد . . فيفارقه . .(راجع سورة الكهف الآيات 66 ـ 82 ) .

ونظرة ممعنة في آيات القرآن الكريم تجعلك أيها الأخ العزيز قادراً على الوقوف أمام عديد منها ، توضح لك اغتنام الفرص ، واقتناصها لتكون من الناجحين الفائزين .

يتبع

نبيل
2015-02-22, 08:00 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

إيصال الأمر إلى أهله

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقول الله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) }(الحجر) .
هو أعلم بما جاء به ، فهو سبحانه صاحب القرآن ومنزله على رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو الذي يحفظه من التحريف والتبديل والتلف ، والقادر على ذلك ، وهو الذي يأمرنا ـ سبحانه ـ إذا غاب عنا أمرٌ من الأمور أن نلجأ إلى من هو عالم به ، عارف بأحواله ، عنده الحل عن دراية وخبرة .
ففي حالة المرض نلجأ إلى الطبيب لا إلى بائع الحليب .
وفي الرغبة في بناء منزل جديد نلجأ إلى المهندس ومقاول البناء ، لا إلى المزارع وبائع الدبّاء .
وفي الأمور الشرعية ـ إن استغلق علينا فهم حكم شرعي ـ نستفتي العالم والفقيه ، لا الصانع والتاجر النبيه . . .
والقرآن كما علمنا ويعلمنا دائماً ينبه إلى إيصال الأمر إلى أهله فيقول : { ....فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (42) }(النحل) وليس المقصود بالذكر فقط الفقه والتفسير ، والسنّة . . إنما يتجاوز إلى الأمور الحيويّة والحياة المعيشيّة . وإن كانت الآية هنا تخصص هذه المقاصد لأن الحديث في هذه الآية عن الأنبياء وما يوحى إليهم .
كما أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلّمه كي يعلِّم الناس ، ويوضح لهم هذا الدين ويشرحه ، ليكونوا عارفين به عالمين ، ويستطيعوا تطبيقه :
{... وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) }(النحل) .
والقرآن الكريم يحضُّ المسلمين أن يسألوا العارفين بالبواطن والظواهر كي يعملوا على هدى وبصيرة . من أمثلة ذلك : { وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا . . (45)}(الزخرف) ،
{ ..... فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)}(الفرقان) .

كما أنّ الإيمان يعتبر ناقصاً بل مفقوداً إذا احتكم المسلمون إلى غير كتاب الله ، وغير رسول الله ، ولا يكون إيماننا مقبولاً إلا إذا تبعنا هذا الرسول الكريم الذي يبعثه الله معلماً ومرشداً ، قال سبحانه: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}(النساء) ، وكيف يكون الحرج وأنت تسلم أمرك إلى المختص النبيه ، صلةِ الوصل بيننا وبين صاحب التشريع جلَّ شأنه ؟!.

وإذا سألنا أنفسنا : لماذا يحتكم الناس إلى ربّهم ؟ فالجواب بديهي معروف ، إنه العالم بكل شيء ، والقادر على كل شيء .
أ ـ { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
ب ـ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
جـ ـ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ
د ـ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا
هـ ـ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
و ـ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) }(لقمان) .

وقد نعى القرآن الكريم على المدَّعين الإسلام إحجامهم عن طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإيغالهم في الابتعاد عن الاحتكام إليه ، فهذا ليس من شأن المسلم الصادق الإيمان ، بل هو من شأن أهل الأفئدة الضعيفة والقلوب المريضة . فكيف نبتعد عن النطاسيّ البارع ، وبيده الدواء الشافي ، والعلاج الناجع ؟!! . قال عز وجل:
{ لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ
بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)}(النور) .

ففي طاعة أهل الاختصاص وأولي الأمر ، والاحتكام إليهم ، والنزول على أحكامهم الصائبة ، وتسليم الأمور لهم فوز أيّما فوز ، وفلاح أيما فلاح .

ومن الآيات الواضحة جداً في هذا الباب قوله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ . . .(7)} (الحجرات) .
فالمسلم المؤمن يسمع الخبر فلا يعجبه ، لأنه مخالف للحقيقة ، مجاف لها ، هكذا يحسُّه بفطرته ، فيتحرّاه ، ويسأل عنه ، حتى يتبيّنه على حقيقته ، فلا يجوز اتخاذ القرار إلا بعد معرفة حيثيات الأمر ، وإلا ظـُلِم أقوام ، وأوذي آخرون ، وندم المسلم على عملٍ عمِله دون البحث عنه وتحريه ومعرفته المعرفة التامة .

ومن الآيات الواضحة وضوحاً بيناً كذلك قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}(النساء) .
فالخبر يأتينا سواء كان مفرحاً أم محزناً ، مبشراً أم محذّراً فينشر خبره بين الناس انتشار النار في الهشيم ، ولا يصل إلى أهل العلم والدراية إلا متأخراً وقد لا يصل ، وكان أحرى بمن سمعه أول ما سمعه أن يحمله إليهم ليحللوه ، ويتأكدوا منه ، فإن كان إشاعة لبلبلة الصف طوَوْه ، ومنعوا وصوله إلى العامّة من سوئه وسمومه ، فضيعوا الفرصة على المغرضين ، المصطادين في الماء العكر ، وإن كان صحيحاً استعدوا له وحذّروا الناس منه .
وكذلك يفعلون بالخبر الحسن .
وإلا يفعل المسلمون ذلك ينزلقوا إلى المستنقع الآسن ، الذي أراده لهم أعداؤهم أن يقعوا فيه ، وأراده الشيطان لهم أن يسقطوا في أوساخه ، وتعلقَ بهم أوشابُه .

لكنَّ رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ، وفضله عليهم نبههم إلى ضرورة إيصال الأمر إلى أهله ، فهم أولى به ، وأقدر على التعامل معه .

يتبع

نبيل
2015-02-26, 09:54 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التزام الوقت

الدكتور عثمان قدري مكانسي


التزام الوقت يدلُّ على أن صاحبه دقيق في عمله ، ملتزم بأدائه في وقته ، صادق في وعده ، حريص على كسب ثقة الآخرين ـ وأخيراً ـ يعرف قيمة الوقت واستغلاله فيما ينفع ، وضرره إن لم يستفد منه .
وقد قيل قديماً في التزام الوقت والاستفادة منه : ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) .

والقرآن الكريم حافل بالآيات الشريفة التي تحضُّ على استغلال الزمن ، وسباقه في الوصول إلى الهدف الصحيح ، قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم .
فالله سبحانه وتعالى خلق الكون كله في أيام ستةٍ ، أرضَه وسماءَه ، وما بينهما فقال :
{ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }( الفرقان 59 ، والسجدة 4 ) وكرر هذه الآية لفظاً ومعنىً ، أو معنىً فقط سبع مرات في كتابه الكريم ، مع أنه سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى الزمن في أفعاله ، قال عز من قائل : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)}(يس) .
فلماذا خلقهما في ستة أيام إذاً ، وألزم نفسه هذا الزمن ؟ أليس فَعَلَ هذا ليعلّم عباده التوقيتَ لكل أمرٍ ، والاستفادة منه وعدمَ تضييع الزمن الذي تمضي عقاربه إلى الأمام ، ولا تعود أبداً إلى الوراء ؟
بلى إنه سبحانه : { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}(العلق) .
وعلى الرغم من أن الله سبحانه خالق الزمن والمتصرف فيه ، قال عز وجل :
{... وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( 8 )}(الرعد) ، فقد فرض على نفسه التزام الزمن كي لا يترك للكافرين والمشركين ثغرة للتخلص من عاقبة كفرهم وإشراكهم ـ فهو سبحانه ـ يوبخ الكافرن الضالين الذين لم يعرفوا قدر الله تعالى وعظمته إلى أن هذا الكون العظيم من صنعه . فإلى أين يتيهون ؟ وقد خلقه في أزمان حدّدها ورتّبها ترتيباً رائعاً ؟ قال سبحانه :
{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)}(فصلت) .

وهؤلاء الكفار يكذبون أنبياءهم ، ويسخرون منهم ، ومن تهديدهم بالعذاب ، ويستعجلون العذاب الأبدي الذي واعدهم الأنبياء بهم ، فهل يأتيهم العذاب سريعاً ؟ لا ، فالله سبحانه وتعالى حدّد لهم يوماً لا مناص منه .
{ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) }(هود) .
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) }(العنكبوت) .

والبشر هم الذين يغضبون وينفعلون فيبطشون ، ولكنَّ الله الحليم ـ وإن غضب ـ يلتزم بالموعد الذي حدده لهم ، وأنذرهم إياه : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) }(فاطر) .

والكفار يستفزّون الأنبياء ويصفونهم بالكذب ، وإلا ـ على زعمهم ـ فلماذا لا يأتيهم العذاب أين هو ومتى يكون ؟ فيجيبهم القرآن الإجابة نفسها :
{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29)
قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)}(سبأ) .

ولهم أجل محدد يرجئون إليه { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } (النحل ، الآية 61 ، والأعراف الآية 34 ) .

وتتجلّى شدة الالتزام بالوقت في الآية الكريمة التالية : { ولولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ .....(14)}(الشورى) .
1ـ فالغضب الشديد على الكفار واضح في الشرط لولا ـ حرف امتناع لوجود .
2ـ والشرط الموجود كلمة الله سبحانه بتحديد الساعة محققة الوجود .
3ـ فامتنع الجواب { لقضي بينهم } في الساعة التي يريد الكفار مستهزئين أن تأتيهم .
4ـ ولا بدّ من الانتظار إلى الأجل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى لمحاسبتهم وعقابهم .

والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه حذروا أقوامهم هذا اليوم الذي لا يمكن تأخيره أبداً ، وحثوهم على الإسراع بالإيمان بالله قبل حلول هذا اليوم الشديد الوطأة على الكافرين ، قال عز من قائل : { يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ }(القمر) .
{ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) }المدثر) .

وهذا سيدنا نوح عليه السلام حين دعا قومه ، قال سبحانه :
{. . . يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2)
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)}(نوح)

ولكن هل يعقلون ؟ هل يرعوون ؟ هل يستمعون النصح والإرشاد ؟.

فلنقرأ شكوى نوح إلى الله كفرهم وعنادهم ، قال عز وجل :
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) نوح) .

فإذا حلَّ ذلك اليوم الرهيب ـ نسأل الله العفوَ والعافية ـ ورأى هؤلاء المشركون مصيرهم المرعب نسوا أنهم أقسموا أنه ليس بعد الدنيا دار ، وأنكروا البعث والنشور ، فسألوا الله تعالى أن يعيدهم إلى الدنيا ، ويؤخر عنهم العذاب ، ولكنْ لا تغيير في الوعد ، ويوم الحساب له ميعاد لا يخلفه الله سبحانه ، إنما سينتقم فيه من المشركين الكافرين لا محالة .قال تعالى :
{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)
وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) }(إبراهيم) .
وقال سبحانه:
{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) }(إبراهيم) .

إن الالتزام بالوقت ، والعمل الجاد المتوازن ، والإيمان الواعي المستنير يوصل إلى النجاة في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا هناء ، وسعادة وسمعة حسنة ، وفي الآخرة جنات النعيم ، ورضوان من الله أكبر .

يتبع

نبيل
2015-02-26, 10:44 PM
سلسلة من أساليب التربية في القرآن الكريم

الاستبعاد

الدكتور عثمان قدري مكانسي


استبعد الشيء : عدّه بعيداً ... لا يكون .
وهذا أسلوب يتكرر في القرآن الكريم ، فيه شيء من التحدي والتعجيز ، وشيء من الرفض والتأكيد ، وفيه تهديد ووعيد وفيه استنكار وإثبات .
فإذا جمعنا هذا إلى ذاك وجدنا تدافعاً بين فريقين ، كل منهما يحكم على شيء وينفي ضده . . . ولكنَّ الحقَّ يكون دائماً مع الله ، الحق الذي ينبّه إلى العاقبة ، ويخوّف من النكران ، ويحث على التزام الهدى والبعد عن الضلال . . أليس هو الله سبحانه مالك الملك وملك الملوك الذي شرَّع فأوفى وحكم فعدل . . ؟!
فقد سمح الله تعالى للرجال أن يتزوّجوا من أربعة نساء ، لكنّه نبّه إلى الطبيعة البشرية الضعيفة ، التي لا يمكنها العدل بين النساء فحذر إلى الميل الشديد إلى بعضهن ، وترك الأخريات معلقات ،
{ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ
وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)}(النساء) .
وقد حرص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إيمان الناس جميعاً وأتعب نفسه في ذلك ، وهنا ينبهه الله تعالى أن عليه البلاغ ، فلا يحزن لإعراضهم ، فلو بذل كل شيء وبخع نفسه فأكثرهم كافرون ، ولن يستجيب له إلا من كتب الله له الهداية . أما موتى القلوب فحسابهم عند الله تعالى .
{ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)}(الأنعام).
واستبعد القرآن إيمان هؤلاء الذين يصمون آذانهم عن قول الحق ، ويغمضون أعينهم عن رؤيته ، قال تعالى :
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13)
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)}(الحجر) .
ويقول تعالى كذلك : { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)}(النحل) .
وهؤلاء المشركون لا يؤمنون بالنشور والبعث بعد الموت ، ويستبعدونه ، فال عز من فائل :
{ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)}(مريم) ،
وُيردّ عليه ، قال سبحانه : { أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)}(مريم) ،
وإعادة الخلق أسهل من إيجاده من عدم ، وكل شيء على الله سبحانه وتعالى هيّن .
وحين أرسل الله تعالى سيدنا هوداً عليه السلام إلى قومه عادٍ كفروا به واستنكروا البعث بعد الموت فقالوا ساخرين :
{ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)
إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)}(المؤمنون) ،
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67)
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)}(النمل) .
{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)}(الملك) .
ومعلوم أن الساعة من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ،قال عز وجل : { قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)}(الملك) .
وتأمل معي عناد الكافرين وشدة كفرهم حين يشتطّون ويسخرون ويعاجزون ، قال سبحانه :
{ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90)
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91)
أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ
قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)}(الإسراء) .
ومهما فعل الكافرون فمصيرهم النار بين يدي الله سبحانه لا فكاك لهم ، قال تعالى :
{ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)}(الأنفال) .
ـ وتصوّر الكافر حين يأتيه ملك الموت وهو في الغرغرة ويرى حوله ما قيل له ، فيوقن أنه ذاهب إلى النار لا محالة ، فيطلب تأخير الموت ليصلح ما أفسَدَه ـ ولكن هيهات ـ فلكل أجل كتاب ، قال سبحانه :
{ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }(الأعراف) .
بل إن المؤمن العاصي الذي يرى أجله قد حان ولما يفعل من الخير إلا القليل ، يرغب أن يؤخّر أجله ليعوّض ما فات . قال تعالى :
{ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)}(المنافقون) .
وهل يغفر الله للمنافقين إن استغفر لهم المسلمون ؟! أو استغفر لهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اقرأ معي قوله سبحانه :
{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}(التوبة)
إنهم فسقوا وخرجوا من الإسلام ، فهم والكفار سواء . فلا فائدة ، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، والعياذ بالله من مصيرهم المشؤوم .

وقد أراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستغفر لرأس المنافقين ابن سلول فنهاه الله تعالى عن ذلك ، فقال سبحانه :
{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}(التوبة) .
فامتنع الرسول الكريم عن الاستغفار له وقال : ( لو أعلم أن الله يغفر له إن استغفرت له أكثر من سبعين مرة لفعلت ) وليس المقصود من العدد السبعين هذا إلا لكثرة الدالة على عدم الغفران للمنافقين .
وهؤلاء الكفار لا غفران لهم كذلك ، لأنهو صدوا عن دين الله ، وأصروا على الكفر
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)}(محمد) .
وهذا الكافر نفسه كأخيه المنافق يود العودة إلى الدنيا ليؤمن بالله ، ويعمل صالحاً ، فهل ينفعه ذلك ؟ قال تعالى :
{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)}(المؤمنون) .
{ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}(فصلت) .
والله إنها لنهاية مأساوية ما بعدها من أسى ، فالنار من نصيبهم صبروا أم لم يصبروا ، وإن طلبوا من الله تعالى الرضا والصفح والغفران فلن ينالوا شيئاً ، بل يقال لهم : { . . . . اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)}(المؤمنون)
، اللهم نجنا من مصيرهم الأسود .
إن العذاب شديد ، شديد ، والمصيبة للكافرين والمنافقين والمشركين كبيرة ، كبيرة
{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ
وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)}(يونس) .
وفي آية أخرى تزاد كلمة { ومثله معه } للدلالة على شدة العذاب الذي لا يوصف ، قال تعالى :
{ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ
أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ
َمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)}(الرعد) .

وانظر معي إلى الظالمين قبل أن يدخلوا النار وهي أمامهم ـ والعياذ بالله منها ـ يريدون النجاة منها والعودة إلى الدنيا ليعملوا غير الذي كانوا يعملونه ، ثم بعد ذلك يعرضون عليها ، وهم خائفون ، أذلاء ، ينظرون إليها بأطراف عيونهم لأنها مرعبة ، ثم ينجو المؤمنون فرحين بنجاتهم.
إن الخسارة الحقيقية ليست خسارة الأموال والدور ، وما يملكه الإنسان ، إنما هي خسارة النفس ولا حول ولا قوة إلا بالله
{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)}(الشورى) .
ولذلك نجد الكافر يتحسّر على ما فات ويودُّ لو يتخلّص من العذاب ، ولو كان يملك ملء الأرض ذهباً لدفعه راجياً خلاصه . . . ولكنْ ما مِن خلاص :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)}(آل عمران) .

فإذا كان الأمر هكذا ، لا نجاة للكافر والمنافق من العذاب أفلا يعقل الإنسان ويرعوي ويصطلح مع الله . . . أم على قلوب أقفالها ؟!

أقول :

يــا إلـــه الــعــالــمــيــنـــا * يــا مــجــيــب الســائــلــيــنــا
هـــب لــنــا مــنــك نـجـاة * وثــــبــــاتــــاً ويــــقــــيـــنـــاً
ربَّ جــمَّــلــنــا بــفــضـل * واهـــدنـــا دنـــيــــا وديـــنـــا
رب وفــقــنـــا بـــخـــيـــر * واغــرس الإيــمــان فـــيــنــا
يـــــا إلــــــه الــعــــالـــــمــــيــــنــــا

يتبع

نبيل
2015-02-27, 12:00 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

دحض الافتراء

الدكتور عثمان قدري مكانسي


العقل هبة من الله وتعالى لبني البشر لأنّه فضّلهم على كثير ممن خلق ، فلما كانوا من أصحاب العقول وجب عليهم أن يفكروا بها التفكير السليم ، ولا يتبعوا أهواءهم ، فالأهواء حجب تغطي العقل وتشده إلى البهيميّة .
والمشركون والكفار اتبعوا هذه الأهواء التي تنأى بصاحبها عن الحق ، وتزين له الباطل ، فيصدر أحكاماً ليس لها من الحقيقة نصيب ، ويدّعون ما ليس بصحيح ، ويزينون لأنفسهم ولمن تبعهم أنهم قد أصابوا كبد الحقيقة ، والحقيقة أمامهم ، لكنهم لا يرونها ، أو يتعامون عنها .
والقرآن الكريم يورد كثيراً من افتراءاتهم ويبين تفاهتها وسفاهتها بقول محكم تتجلى فيه الفكرة المقنعة ، والبرهانُ الساطع أو السخرية اللاذعة . . .
فهلمّ إلى آي القرآن نقف على بعض منها :

ـ فالكفار يرمون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالكذب والافتراء على الله حين يقرأ عليهم القرآن . فكيف كان ردّ القرآن الكريم على دعواهم الكاذبة هذه ؟ قال تعالى :
{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ
أ ـ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ
كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 8 )
ب ـ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ
وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
جـ ـ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ
فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)}(الأحقاف) .

. . . فالردٌّ كان على ثلاث مراحل :

الاولى : أن الله تعالى يعاقبه إن كان مفترياً عليه ، ولا تقدرون أنتم على ردّ عذابه ، فكيف أفتريه وأدّعيه لأجلكم وأتعرض لعقابه ؟ أنتم تقولون سحرٌ وشعر وغير ذلك من الطعن ، فالله شهيد على صدق دعوتي وحسن تبليغي ، ويشهد عليكم بالجحود والنكران ، فإن عدتم وآمنتم فهو يتوب عليكم ويرحمكم .
الثانية : لست أول رسول جاء الناس بما جئتُ به ، فلأي شئ تنكرون عليّ ؟ ولا أدري بما يقضي الله عليَّ وعليكم ، فأنا متبع لا مبتدع ، ونذير لكم من عذاب الله .
الثالثة : أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن من عند الله حقاً وكذبتم به ، كيف يكون حالكم ؟ ، ولقد عرَف أحد علماء بني إسرائيل صدقي ، فآمن بالقرآن ، وكفرتم أنتم . ألستم أضلَّ الناس وأظلمهم ؟ .
إنّه ردٌّ رائع سدّ عليهم مسالك افترائهم .

ـ ويعود الكفار إلى التكذيب ورمي الصادق الأمين بالافتراء على الله ، مدّعين أن القرآن صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال سبحانه:
{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}(هود) .

والجواب المفحم يتضمّن ما يلي :

1ـ أنتم عرب فصحاء مشهود لكم بالبلاغة فهاتوا عشر سور مفتريات كما فعل محمد ـ على زعمكم ـ .
2ـ استعينوا بكل إنسيٍّ وجنيٍّ إن كنتم صادقين في دعواكم أن القرآن من عند غير الله .
3ـ إذا لم تستطيعوا أن تفعلوا ذلك فاعلموا أن رسول الله بشر مثلكم ، لا يستطيع ذلك ، وما يقرؤه عليكم كلامُ الله سبحانه وتعالى .
4ـ والعاقل من يسْلِم حين يرى الحقَّ ساطعاً واضحاً .

ـ بل إنهم يدَّعون أن رومياً علمه القرآن الكريم ، قال عز وجل :
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)}(النحل) .

روى ابن إسحاق أنه كان في مكة فتىً أعجميٌّ قرب الصفا يبيع بعض السلع البسيطة يمر عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يمرُّ عليه الناس ، ويكلمه كما يكلمه الآخرون ، ولم يكن هذا الأعجمي ليتكلم من العربية سوى كلمات وجمل لا يكاد يبينها ، ولا يحسن نطقها . . . ادَّعى كفار مكة أنه علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن والحكمة !!.
وعلى الرغم من أن هذا الادعاء لا وزن له إلا أنّه ينبغي أن نشير إليه رادّين على تخرصات المشركين :

1ـ لو كان هذا الغلام ذا حكمة وفهم ما وضع نفسه في الموضوع الذي هو فيه ، يمر عليه الجميع من كبار وصغار ، وينظر الكثير منهم إليه نظرة ازدراء .
2ـ أنّى لهذا الفتى أن يعلِّم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن والحكمة - على فرض وجودها عنده - وأداة التعليم واللغة وحسن البيان ليست فيه ! وفاقد الشيئ لا يعطيه ؟!...
3ـ كان أحرى بهذا الأعجمي الذي اتصف بالعلم والحكمة ـ على حد قول الكفار ـ أن ينسب القرآن إلى نفسه ، فيفخر بذلك على أهل مكة ومن حولها ويتبوأ فيهم مركز الصدارة ، لا خانة النسيان !!.
4ـ لمَ تكاسلَ هؤلاء جميعاً فلم يتعلموا منه ـ إن صح زعمهم ـ فأفادوا واستفادوا ، ونافسوا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دعوته ؟!! .
5ـ وعلى فرض أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حسب ادعائهم ـ تعلم من ذلك الفتى الأعجمي القرآن والحكمة ، ثم صاغ ذلك بأسلوب عربي مبين ـ أما كان أهل قريش ـ وهم أفصح العرب أن يصوغوا الأفكار بقالب سامٍ من البلاغة شأنهم شأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟!!.
لقد تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فعجزوا . . . فأحرى بهم أن يصدقوا أنه كلام الله تعالى المنزل على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ـ قال تعالى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) }(النحل) .

1ـ يقسمون بالله والعجيب أن الذي يقسمون به يكذبهم سبحانه .
2ـ ويؤكدون أن الميت لا يبعث .
3ـ وسبحانه قد وعَد ـ ووعده حق ـ أنهم سيبعثون ، فمن أصدق قولاً ؟!! إنه الله جلَّ وعلا .
4ـ البعث لأمرين اثنين :
أ ـ ليوضح لهم ما اختلفوا فيه .
ب ـ ليدفعهم بكذبهم وافترائهم على الله ورسوله إلى جهنم ، وبئس المصير .

ـ وبعض الفاسقين الجلاوزة بل كلهم يأمرون الناس بالكفر ، ويدّعون أنهم يحملون عنهم العذاب في الآخرة ـ إن كان هناك يوم بعث ونشور ـ قال عز من قائل:
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ
وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12)
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) }(العنكبوت) .
فمن سنَّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .

ـ ويقول تعالى :
{ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) }(الإسراء) .

وكلنا يعلم ما يفعل الشركاء بعضهم ببعض من الدسائس والمكر وسعيهم إلى إقصاء من يستطيعون إقصاءه .
ـ ويقول سبحانه أيضاً :
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) }(الأنبياء) .

فهل هذه الآلهة تدفع عنها هذه النار المحرِقة ؟!!.

ويقول سبحانه مؤكداً الفكرة نفسها :
{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً
لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا
وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)}(الفرقان) .

فلماذا هم إذاً آلهة إن كانوا ضعافاً محكومين ؟!! .

ـ ويتعجب الكفار أن يكون الرسول بشراً ، قال سبحانه :
{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ( 8 ) }(الفرقان) .
فيرد الله تعالى عليهم ببساطة متناهية :
{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ . . . (20) }(الفرقان) .
ـ ومن العجيب أن صفاقة الكفار لا تقف عند حد ، فهم يدّعون أن الملائكة إناث . وأن الله أمرهم بعبادتها ، ولو شاء ما استطاعوا عبادتها !! ، قال عز وجل:
{ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ
مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)
أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)}(الزخرف) .
فيسخر الله تعالى منهم حين يسألهم هل حضرتم خلق الملائكة فرأيتموهم إناثاً ؟!! إن الملائكة ستكتب شهادتكم ، ويوم القيامة تحاسبون عليها . وهل أنزلنا عليهم كتاباً يقول مثل هذه التخرصات ؟!! لا ، بل إنهم رأوا آباءهم ضالين فسلكوا طريق الضلال هذا . .

ـ والعجيب أنهم ينسبون إلى الله الخالق ما لا يرضونه لأنفسهم ، فهم يكرهون الإناث ، ويحزنون إن رزقوا بهنّ ، وينكفئون إلى بيوتهم خجلاً أن يسمعوا أحداً أو يشير إليهم أحد أنهم رزقوا بنات ، وقد يسعون إلى دفنهنّ أحياء ، ويجعلون الملائكة إناثاً وينسبوهن إلى الله بناتٍ ، قال تعالى:
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ
أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ
أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)}(النحل) .

وأخيراً وليس آخراً ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أميٌ لا يقرأ ولا يكتب فمن أين له أن يتعلم . . إن القرآن من عند الله سبحانه ، لا شك ، قال عز وجل:
{ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ
وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)
بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)}(العنكبوت) .

وقال سبحانه : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)}(الجمعة) .

إذاً ، فالقرآن يعلمنا أن نكون واعين نردُّ على الافتراءات التي ينثرها الأعداء هنا وهناك ـ ابتغاء التشكيك والطعن ـ بطرقٍ واضحة ودليل بيّن .

يتبع

نبيل
2015-02-27, 10:20 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الدعاء

الدكتور عثمان قدري مكانسي


قال الله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)}(غافر) .

فمن دعا الله تعالى فقد لجأ إليه ، ونزله ببابه ، واتكل عليه ، وأظهر عجزه بين يديه ، وتقبّلَهُ الله وقضى حوائجه ، وازال عنه همّه وغمّه ، وأبدله مكانهما فرحاً وسعادة ،
أما العتلُّ الجوّاظ المستكبر فليس له إلا النار يصلاها ، والجحيم يتسعّرها ، لأنه استعلى وتكبّر .

والدعاء مخ العبادة ، بل هو العبادة نفسها ، فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة ) (رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ) .

وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يسأل الله أن يتقبل دعاءه :
{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) }(إبراهيم) .

كما أن الدعاء يُتقبل حين يكون صاحبه مخلصاً لله تعالى :
{ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)}(غافر).

ويوم القيامة يفرح المؤمنون حين يعلمون أن الله استجاب لدعائهم حين التجأوا إليه في
الدنيا . . يقولُ أهل الجنة معترفين بفضله سبحانه :
{ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) }(الطور) .

إنك حين تدعو لنفسك تشعر بالأمن والأمان ، والهدوء والاطمئنان .
وحين تدعو لذريتك وأهلك تنزل البركات عليهم ، ويحوطهم الله برعايته .
وحين تدعو للمسلمين تزداد أواصر الحب ، وتنمو الصلات ، وتنتشر المودة .
وحين تدعو على أعداء الله وأعدائك تتفتح السماء بنصرك عليهم ، وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم .
ولنا في السلف الصالح خير قدوة وأفضل أسوة .

فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو للبلد الحرام وأهله ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ...(126) }(البقرة) .

ثم تراه وابنه إسماعيل عليهما السلام ، وهما يرفعان قواعد البيت يدعوان لنفسيهما ولذريتهما ، يقول الله تعالى :
{ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) }(البقرة) .


كما أن عباد الرحمن يسألون الله تعالى أن يحفظهم في أزواجهم وذرياتهم ويجعلهم قدوة لعباده الصالحين ، قال تعالى :
{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)}(الفرقان)

ثم انظر إلى برد الراحة وسمو النفس حين يقف الإنسان في رحاب الله يسأله ما لا يُسأل غيره سبحانه ، قال تعالى يعلمنا كيف ندعوه سبحانه:
{ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }(البقرة) .

ـ وهذا سيدنا زكريا عليه السلام يرى التقوى في مريم البتول ، فتتحرك نفسه شوقاً إلى ولد صالح يخلفه ، فيضرع إلى الله بالدعاء ، أن يرزقه الولد الذي تقرُّ به عينه فيأتيه الجواب
سريعاً . . سبحان الله ما أسرع فضله وأكرم عطاءه
{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)}(آل عمران) .
أما حواريو عيسى عليه السلام فيرفعون أياديهم إلى المولى يسألونه رفع درجاتهم :
{ رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}(آل عمران) .

وأولو الألباب أصحاب القلوب الحيّة تسبح أفكارهم في ملكوت الله ، فيرون الجمال ، ويرون الحقّ في كل ما تقع عليه عيونهم ، وتصل إليه عقولهم ، وتشعر به قلوبهم فيسألون الله العفو والمغفرة والنجاة من النار ، والكرامة يوم القيامة

قال عز وجل: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا
رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)
رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) }(آل عمران) .
فكان الجواب على الفور نازلاً من السماء بالإيجاب ، قال سبحانه :
{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى . . .(195)}(آل عمران) .

ونبيُّ الله يوسف عليه السلام يرى النساء المترفات يدعونه إلى طاعة المرأة الماكرة في الفحشاء فيأوي إلى ركن الله المتين يسأله حفظه وصونه :
{. . . . وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)}(يوسف) ،
فيستجيب الله فيصرف عنه كيدهنّ {. . . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)}(يوسف) .

والقرآن الكريم مليء بآيات الدعاء التي تربط الإنسان ومصيره بربّه سبحانه وتعالى ، وتدله على الطريق الصحيح الموصل إلى رضاه ومغفرته ، وحين يتصل الإنسان بخالقه يدعو له كل مخلوق ، ويحبه ويعظم في عينه .

هذه ملائكة الرحمن تدعو لك أيها المسلم . . قال تعالى :

{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
أ ـ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
ب ـ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
جـ ـ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا
د ـ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)
هـ ـ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 )
و ـ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) }(غافر).
أرأيت إلى هذا الدعاء المتكامل الشامل لصنوف الخيرات ؟!! .

فإذا التجأت إلى الله من ظلم الأعداء وبطشهم وفسادهم أجابك سريعاً لأنه يراك وجهادك في سبيله ، واستقامتك على شرعه ، قال تعالى :
{ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) }(يونس) ،
فيقول الله تعالى : { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) }(يونس) .

ثم انظر معي إلى دعاء سيدنا نوح على الكافرين واستجابة الله سبحانه له :
{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)}(نوح) .
{ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}(الأنبياء) .

إن الدعاءَ الحبلُ الواصلُ بين العبد وخالقه . فإن شئت فحافظ على هذه الصلة المتينة تجد الخير كله عاجله وآجله .

يتبع

نبيل
2015-02-27, 10:37 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

أسلوب القص - القصة -

الدكتور عثمان قدري مكانسي


للقصة تأثير كبير في نفس متلقيها ، لما فيها من تدرُّج في سرد الأخبار ، وتشويق في عرض الأفكار وطرحِها ممزوجة بعاطفة إنسانية .
وهي تعتمد على الحوار والنقاش الداخلي حيناً ، والخارجي حيناً آخرَ ، وتصدر مقترنة بالزمان والمكان اللذين يغلفان الأحداث ، بإطار يمنع الذهن من التشتت وراء الأحداث ، وتتدرج من موقف إلى آخر فتجذب السامع والقارئ إلى التفاعل معها ، والمتابعة بأحاسيسه وأفكاره ومشاعره ، ويندمج فيها فتصل به إلى نقطة التأزم " العقدة " ثم تنحل شيئاً فشيئاً . . وتكون " نقطة التنوير " في الأحداث الضوءَ الذي ينقذ الموقف القصصي ، وينقله إلى حالة الهدوء والانتظام أو اتخاذ الموقف الإنساني . . نتيجةً للتفاعل الفكري والنفسي مع الأحداث (من كتاب التربية النبوية ص14 ) .
والقرآن الكريم استخدم الأسلوب القصصي فهو من أبلغ الطرق المؤدية إلى توثيق الفكرة وإصابة الهدف .
فالقصة في القرآن الكريم :

1ـ الله سبحانه وتعالى [ راويها ] [ فهي حقيقة واقعة لا ريب فيها ] على عكس ما زعمه مَنْ يُدعى " عميد الأدب العربي " حيث زعم في قصة إبراهيم عليه السلام أنها رُوِيَتُ في القرآن على سبيل العبرة والعظة لا على سبيل الحقيقة في الوجود !! يقول الله تعالى : { إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)}(آل عمران) ، ويقول جلَّ وعلا في أهل الكهف : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) }(الكهف) ، ويقول سبحانه : { إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)}(الأنعام) .
ففي الآيات الثلاث يؤكد صاحب العزّة والجبروت أن ما يقصُّه حقٌ ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال ؟!! وهل بعد الحقِّ إلا الضلالُ في أوهام المخرّصين ؟!!.

2ـ والله تعالى يقص [ أفضل القصص وأحسنها ] ((للفائدة والعبرة)) لا ليتمتّع بها ((أهل الفنِّ للفنّ)) لإن القصة تأتي :
أ ـ لغرس مبدأ وفكرة .
ب ـ وتثبيت عمل صالح .
جـ ـ ونشر فضيلة .
د ـ ودعوة إلى حقٍّ وهدى .
قال تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ ...(3)}(يوسف) .
{ ...فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)}(الأعراف) .
{ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)}(هود) .
{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}(يوسف) .


3ـ وهي في مادتها تنحو تجاه وحدانية الله وطاعته والعمل بشريعته ، وقصد رضوان الله والفوز بالجنة ، والنجاة من النار . . قال تعالى :
{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)}(الأنعام) .
وقال سبحانه أيضاً : { يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)}(الأعراف) .

4ـ وهي أنواع عدة في شخوصها . . فنحن نرى :

أ ـ قصص الأنبياء وأقوامهم ـ قوم نوح ـ عاد قوم هود ـ ثمود قوم صالح ـ إسرائيل وموسى ـ اليهود وعيسى ـ داوود وجالوت .

وهذه ـ على سبيل المثال ـ قصة الرجل من بين إسرائيل الذي قتله ابن أخيه ليرثه ، فكشفه الله تعالى أمام قومه لينال جزاءه .
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا
قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا
قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}(البقرة) .

ومن الفوائد في هذه القصة :
أـ قوله عز وجل : { أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } تنبيه على أن الاستهزاء بأمر الدين جهل كبير .
ب ـ قوله جل وعلا : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } خطاب موجه إلى اليهود المعاصرين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد جرى هذا الأسلوب المعروف في مخاطبة الأقوام ، إذ ينسب إلى الخلف ما فعل السلف ، إذا كانوا سائرين على نهجهم ، راضين بفعلهم ، وفيه تقريع وتوبيخ للغابرين والحاضرين منهم .
جـ ـ واقعة قتل النفس هذه جرت قبل أمرهم بذبح البقرة وإن وردت في الذكر بعده ، والسرُّ في ذلك التشويق إلى معرفة السبب في ذبح البقرة .
د ـ التكرار في التقريع والتوبيخ لتكرار سوء أدبهم في عدّة أمور :
أولها : أنهم استهزأوا برسول الله موسى عليه السلام { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } .
ثانيها : ما ضيّقوه على أنفسهم في اختيار البقرة ، فضيّق الله عليهم .
ثالثها : العودة إلى الهزء بالرسول الكريم موسى في قولهم : { الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } إذاً فهو على زعم المغضوب عليهم لم يكن يأتي سابقاً بالحق !! .
رابعها : عدم الكشف عن القاتل ، ومداراته ، ومحاولة إخفاء جريمته .
هـ ـ التأكيد على إحياء الموتى بطريقة حسية
{ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا
كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)} .
ولا بد في كل قصة كما أسلفنا من فوائد ، وعظات وعبرٍ ، جاءت السورة لأجلها .

ب ـ قصص الصالحين كقصة مريم عليها السلام وزوجة فرعون ، ورجل من آل فرعون ، والرجل الصالح في سورة يس .
أما قصة الرجل الصالح فتدل على عميق إيمانه ، فلم يخفف من قول الحق وعضّدَ رُسُلَ الله ، ودعا إلى اتباعهم ، وأعلن كلمة التوحيد ، فقتلوه فكانت الجنّة مثواه رضي الله عنه ، قال
تعالى :
{ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى
قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)
اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)
وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)
إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)
إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}(يس) .

ومن الفوائد في هذه القصة :
1 ـ الإسراع إلى نصرة الحق { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى }.
2 ـ مهما قلّ العدد فإنّه يفيد في نصرة الحق . . رجلٌ [واحد] .
3 ـ إعلان كلمة الحق وذلك في اتباع المرسلين المهتدين الذين لا يريدون أجراً إنما عند الله
ثوابهم .
4 ـ لا تجوز عبادة أحدٍ سوى الله الذي خلقَ وأمات ، وإليه المعادُ .
5 ـ لا يُعبَدُ إلا مَنْ بيده الأمر ، فهو يعطي ويمنع ، ويضرّ وينفع .
6 ـ أيُّ إشراك بالله إجحاف بحقه في الألوهيّة ـ سبحانه ـ وظلم للنفس .
7 ـ المسلم داعية إلى الله ، يُسمِع الناس كلمة الحق { فَاسْمَعُونِ } .
8 ـ دخول الجنّة وغفران الله تعالى الربح العظيم والفوز الكبير .
9 ـ لا يحقد المسلم على أحد حتى على الذين قتلوه بل يطلب لهم الهداية كما اهتدى ، والنجاة كما نجا ، والفوز كما فاز : { يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } .
10ـ التحبب إلى الناس { يَا قَوْمِ } لإشعارهم أنك منهم ، تريد لهم الخير .

جـ ـ قصص الأنبياء والصالحين ، ومنها : قصة ـ موسى والخضر ـ وموسى والرجل الصالح في مدين الذي زوّجه ابنته (على قول أنّه ـ صاحب مدين ـ ليس نبياً ) وقصة ذي القرنين .
أما موسى عليه السلام فقد ظنّ أنه أعلم الناس في زمانه لأنّه النبي الوحيد ـ إذ ذاك ـ من أولي العزم ، فنبهه الله إلى ان هناك مَنْ هو أعلم منه ، فرغب عليه السلام ان يقابله ليتعلم منه ، فبدأت القصة : قال تعالى :
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ
فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)
قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)
قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا
قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (70) (القائل موسى)،(إِمْرًا ، الإمرُ من الشيئ : العجيب المنكَر ، العظيم)
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (71)
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (72)
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ (73)
((قتله الرجل الصالح ( الخضِرُ ))
قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)
قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ
قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
أ ـ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
ب ـ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)
جـ ـ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)}(الكهف) .
(فتى موسى هو سيدنا يوشع بن نون الذي استلم الراية بعده وقاتل الكفار ، وتوقفت الشمس عن الغياب حين دعا وهو يحاربهم حتى انتصر فغابت )

والفوائد في هذه القصة جمّة وفيرة نذكر منها :

1ـ أن يتلزم الإنسان حَدَّه مهما علا قدره وارتفع .
2ـ الإصرار على حيازة العلم ، { لا أبرح . . . أو أمضي حقباً } .
3ـ الترتيب الجيد للسفر ، من تهيئة الطعام ، ومعرفة الغاية من سفره ، ومكان الوصول ، ومَنْ تلتقي ، ومَنْ تصاحب في سفرك . . . .
4ـ قدرة الله تعالى أحيت الحوت المشويّ ، فانطلق في الماء مبتعداً .
5ـ الاعتراف بالنقص حين طلب الطعام ، وكأنّه شعر بالجوع بعد السفر وأن الله تعالى كان يعلّمه فآثر العودة .
6ـ الأدب في نسبة النسيان إلى الشيطان ، أما الله تعالى فهو يُذكَر بالخير .
7ـ سمات عباد الله ، آتيناه رحمة من عندنا ، وعلمناه من لدنا علماً .
8ـ إذا اتخذ الله ولياً لم يتركه جاهلاً ، إنما علمه (( العلم اللدُنّي )) .
9ـ الصبر على طلب العلم واحتمال المعلّم ، والتلطف به .
10ـ من شروط تحصيل العلم : الصبر ، وطاعة المعلّم .
11ـ كل أمر بمشيئة الله سبحانه { إِنْ شَاءَ اللَّهُ }.
12ـ توضيح الأمور للمتعلم قبل أن يفارق أستاذه .
13ـ أن تنسب العلم والأمر كلّه لله سبحانه { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } .
14ـ التأدب مع الله حين جعل الخضر خرق السفينة من عمله وإن كان الله تعالى قد أمره ، وكذلك قتل الغلام . . أما بناء الجدار فقال فيه :
{ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } فكان ذلك من الله .

د ـ قصص التائبين : ومنها قصص أصحاب الجنة ، وسحرة فرعون ، وأصحاب الأخدود .
ونقف عند سحرة فرعون الذين ظنوا سحرهم يقف أمام آيات الله الباهرات ، فلما عاينوا قدرة الله عرفوا أنفسهم ، فسجدوا لله ، وآمنوا بموسى عليه السلام ، فهددهم فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، فكان صبرهم أوفى دليل على صدق إيمانهم . . . قال تعالى :

{ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ
قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)
قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)
قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)
قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)
قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)}(الشعراء) .

ومن الفوائد في هذه القصة :
1 ـ أن الله رحيم بعباده يرسل إليهم الأنبياء يدلونهم إلى طؤيق الهدى والسداد .
2 ـ معيّة الله لأنبيائه والداعين إلى سبيله .
3 ـ استهزاء المشركين بالرسل والداعاة ، والمنُّ بما يكون ولا يكون .
4 ـ الاعتراف بالذنب ، والإقرار بالتوبة ، وجواز الفرار من الكفار في حالة الضعف .
5 ـ الإقرار بفضل الله ومنّه وكرمه . . { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } .
6 ـ الرسالة فضل من الله تعالى ، وكذلك الإيمان يثبت الله به قلوب الدعاة .
7 ـ رفض الظلم والعبودية ، فالله تعالى خلق الناس أحراراً .
8 ـ على الداعاة أن يبلِّغوا رسالة ربّهم على الرغم من المعوّقات والإرجاف والتهديد .
9 ـ الاستعلاء على الدنيا واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في العسر واليسر .
10 ـ الاتهامات التي يطلقها أهل الكفر على الداعية واحدة يَسِمون بها كل الدعاة:[ سحر ، جنون ، كذب . . ] .
11 ـ البطالة الفاسدة المترفة عون للحاكم الفاسد على التمادي في الظلم .
12 ـ الحاكم الظالم يستهين بكل شيء ، ليثبت أركان ملكه . ويبذل المال وغيره في سبيل
ذلك .
13 ـ انتصار الحق على الباطل نهاية المطاف . والحقَّ منتصرٌ ولو بعد حين .
14 ـ يصل إلى الإيمان أصحاب العقول ، وذوو الفطن والنباهة .
15 ـ يجعل الإيمانُ الحقُّ أهلـًَه أقوياء ، لا يهابون الموت في سبيله ، ويتحملون المصائب
والمحن .

هـ ـ قصص الكفار والمفسدين ، ومنها قصص ـ إبليس والذي آتاه الله آياته فانسلخ منها ، قصص الكفار في النار وحوارهم . . .
و " بلعام بن باعوراء " رجل من اليهود أرسله موسى إلى " مدين " داعياً إلى الله ، وكان مع بلعام اسم الله الأعظم ، فرشاه الملك على أن يعطيه الملك ، فيترك دين موسى ، ففعل وضل ، واستحوذ عليه الشيطان حتى جعله في زمرة الكافرين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المهتدين . . قال تعالى :

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}(الأعراف) .
ومن الفوائد في هذه القصة :
1 ـ قد يضل المؤمن وإن بلغ من الهداية مبلغاً إن اتبع هواه ، نسأل الله الثبات على الإيمان .
2 ـ لا يرضى الشيطان من ابن آدم إلا الكفر ، فهو يسعى جاهداً إلى ذلك ، والمؤمن يستعيذ دائماً بالله من الشيطان الرجيم .
3 ـ التعبير بالانسلاخ دليل على الخروج من الإيمان كلّية بعد أن كان بينهما كمال الاتصال .
4 ـ فمثله كمثل الكلب ، دلالة على السوء الذي يعيشه من غوى على علم ، فهو ضالٌ سواء حمل علماً أم بقي جاهلاً . .
5 ـ هذه القصة دفعٌ للمؤمن أن يعزو فضل الإيمان لله تعالى لا لنفسه .
6 ـ مَنْ آمن فقد أسعد نفسه ، ومَنْ كفر فقد أساء إليها .

و ـ طريقة عرض القصة في القرآن الكريم :

أ ـ قد تجيء القصة كاملة مفصلةً في الجزأين الثاني عشر والثالث عشر ، كقصة يوسف.
ب ـ وقد تأتي كاملة مختصرة في سورة صغيرة الحجم ، كقصة أصحاب الأخدود في سورة البروج .
جـ ـ وقد تأتي في سور عديدة موزّعة حسب الهدف الذي جاءت أجزاء القصة موضحةً له كقصص سائر الأنبياء الكرام : آدم ، نوح ، إبراهيم ، هود ، صالح ، موسى . . .

ز ـ بناء القصّة في القرآن :

أ ـ بعض الصور جاءت بطريقة السرد ، ومثالها قصة نوح عليه السلام في الجزء التاسع والعشرين ، وقصة الذي انسلخ من اسم الله الأعظم ، وقصة آدم في سورة البقرة . . .
ب ـ وبعضها جاءت بطريقة الحوار ، ومثالها ما رأيناه في قصة موسى والخضر عليهما السلام ، وقصة إبراهيم عليه السلام وقومه ، والنمرود . . .
جـ ـ وبعضها جاءت تحمل في أسلوبها السرد والحوار معاً كقصة سيدنا يوسف عليه السلام ، ومَنْ سأل عن قرينه الذي كاد أن يغويه لولا رحمةُ ربّه به (سورة الصافات ، الآيات : 5 ـ 61 ) .
د ـ وبعضها جاءت مسرحيّة حوارية كقصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام في سورة الأعراف (الآيات : 59 ـ 93 ) وكقصة موسى عليه السلام في السورة نفسها(الآيات : 103 ـ 156) .

ح ـ زمان القصة في القرآن الكريم ومكانها :

أ ـ قصص حدثت في الزمان الماضي على هذه الأرض كقصص الأنبياء الكرام وأقوامهم ، والصالحين ، والتائبين ، والمفسدين . . وقد مرَّت أمثلة عليها .

ب ـ قصص ستحدث في المستقبل ، يعلم الله سبحانه أنها ستكون ، فقصَّها علينا سبحانه ، وكأنها حصلت لتكون العبرة أبلغ والفكرة أوضح فمثالها هذه القصة الصغيرة :
{ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56)
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواالنَّارِ (59)
قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60)
قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)
وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)}(ص) .

وهذه القصة القصيرة أيضاً :
{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50)
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53)
قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)
قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)}(الصافات) .
أراد الله تعالى له السعادة ، فلم يتبع صاحبه الكافر ، وانطلق في ركب المؤمنين الأطهار ، فكانت الجنة مثواه .

وهكذا كانت القصة في القرآن الكريم أسلوباً تربوياً رفيعاً أفادَتْ معلومات وأرشدت إلى خير ، وشوَّقت إلى عبرة وعظة ، ودفعت إلى التأسي بالصالحين والسير على منوالهم ، والتفكير السليم والتصرف الصحيح .

يتبع

نبيل
2015-02-27, 11:06 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الحوار

الدكتور عثمان قدري مكانسي


الحوار أسلوب راق في التربية له فوائد كثيرة منها :

1 ـ أنك تسمع حديثاً فيه آراء وحجج يدلي بها المتحاورون ، ليبرهن كل منهم على صواب ما يرتئيه .
2 ـ أن الحوار يثري السامع أو القارئ أو الرائي بأفكار تطرح أمامه بالحجة والبرهان ، فيعتاد التفكير السليم والأسلوب القويم .
3 ـ أن الحوار أثبتُ في النفس ، لأن السامع يُشغِل أكثر من حاسة في تفهم أبعاد الحوار ومراميه.
4 ـ وقد يكون الحوار بين أصلين مختلفين ، كالإيمان والكفر
5- وقد يكون في أمر واحد وفكر واحد فيه دقائق وتفاصيل تثري معلومات السامع ، وتعلمه الدقة في الاستنتاج والطرح .

والقرآن الكريم يستعمل أسلوب الحوار بكثرة ، فما تقرأ سورة إلا والحوار عمادٌ فيها ، وأساسٌ من أسسها .

فمن أمثلة الحوار تخاصمُ أهل النار . . يدخل فوج جديد من أهل النار في النار ، فيقول المجرمون الذين سبقوهم إليها بعضُهم لبعض :
{ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59)
قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ
وقَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ
وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)
إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)}(ص) .

وما نزال نسمع حوار أهل النار بعضِهم مع بعض ،ودخول الملائكة الحوارَ بالحجة والبينة :
{ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ
فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ(47)
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
قَالُوا بَلَى
قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)}(غافر) .
فالملائكة إذاً تنبههم أن لا فائدة من الدعاء ، فقد استنفد الظالمون فُرَصَهُمْ .

ـ وتأمل الحجة البينة التي يطرحها سيدنا إبراهيم على قومه في هذا الحوار :
{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
أ ـ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)
ب ـ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)
جـ ـ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)
د ـ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
هـ ـ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}(الشعراء). . . . .

فحجتهم تافهة . . لقد رأوا آباءَهم يعبدون الأصنام ، ففعلوا مثلهم دون تفكير ، أما سيدنا إبراهيم فهو يعبد ربّه لفضله العميم عليه . . وذَكَرَ بعض هذا الفضل .

ـ واسمع هذا الحوار بين الله تعالى وإبليس المطرود من رحمته لعصيانه :
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)}(الحجر) .
فأنت ترى في هذا الحوار أمر الله سبحانه الذي يجب على المأمور به أن يقول سمعت وأطعت ، وبذلك تتحق العبودية لله ، أما المتمرّد فحجته داحضة عند ربه ، فلا يَشرُفُ المرء بالمادة التي خلق منها ، إنما يَشرُف بطاعة الله عزَّ وجلَّ ، وامتثال أمره .

ونجد هذه المحاورة تقريباً بألفاظها في سورة الأعراف الآيات [11] مع بعض التغييرات المناسبة للنص القرآني .

ـ أما اليهود والنصارى فيدّعون الزلفى إلى الله تعالى ، ومحبته عزّ وجل إياهم ، فيأمر الله تعالى نبيّه محمداً عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم ، إنّه سيعذبكم بفسادكم وهل يعذّب الحبيب حبيبه ؟!! { ...وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ . . . .(18)}(المائدة) .
ولو قرأت بإمعان سورة هود لرأيت حواراً دائراً بين أنبياء الله وأقوامهم .
أ ـ الأنبياء يدعون إلى الله تعالى .
ب ـ وأقوامهم يكفرون ويشركون به .
فالحوار في هذه الآيات [25 ـ 34 ] بين نوح وقومه .
وفي الآيات [85 ـ 94] بين شعيب وقومه أهل مدين .
وفي الآيات [50 ـ 60] بين هود وقومه عاد .
وفي الآيات [61 ـ 65] بين صالح وقومه ثمود .
وفي الآيات [77 ـ 80] بين لوط وقومه .
والنتيجة واحدة . . يصمُّ الكفار آذانهم فينزل بهم العقاب الأليم . .

ـ بل إنك لتجد قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة الشعراء ، تبدأ من نداء الله سبحانه وتعالى له في الآية العاشرة بشكل حواري منتظم ، فيأمره أن يذهب إلى فرعون ، فيدعوه إلى الإسلام ، فيعتذر أنه قتل من قوم رجلاً قد يقتلونه به ، كما أنّ لسانه ألثغ . فيطمئنه رب العزّة إلى أنه سبحانه معه ، فلا يخَفْ وسيكون هارون عليه السلام المتكلم معه ، ثم نرى موسى عليه السلام يجادل فرعون ويظهر له الآيتين :
أ ـ إلقاء العصا فتنقلب حية تسعى .
ب ـ إدخال يده في جيبه فتخرج بيضاء لامعة .
ثم يلتقي بالسحرة فيغلبهم ، فيؤمنون به غير هيّابين بطش فرعون وإيذاءه ، ثم يسري موسى بقومه نحو البحر الأحمر ، ويلحق بهم فرعون وجنوده ، لكنَّ الله يفتح لهم طريقاً في البحر فينجون ، ويغرق فرعون ومن معه . . وينتهي هذا الحوار القصصي في الآية الثامنة والستين .

إنه أسلوب يشد انتباه القارئ ، فيستغرق في المشهد ، ويندمج فيه ، فكأنه واحد منهم ، يرى ويسمع ، ويلمس ، ويندهش ، ويخاف ، ويفرح . . .

ـ كما أنك تجد الحوار بين جبريل عليه السلام وعدو الله فرعون في سورة الأعراف ، الآيات [103 ، 129] ، وفي سورة يونس ، الآيات [75 ـ 86] .
وتأمل هذا الحوار بين جبريل عليه السلام ومريم العذراء التي رأته داخلاً عليها ، فخافت واستعاذت بالله منه أن يمسها بسوء :
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)
قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)}(مريم) .
حوار (هادئ منفعل) فالهدوء من الملك الكريم جبريل ، القادم بأمر من الله تعالى إلى مريم ، والانفعال من السيدة العذراء ، وهي المرأة الشريفة التي استغربت أن تحمل المرأة دون زوج :
{ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)
فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ
قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ
قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}(مريم) .
حوارٌ قائم بين استغراب القوم ، ورجومهم وتعجبهم . . . هذا الحوار صادق ، لكنّه معبّرٌ عن المعجزة التي ألجمتهم ، فبهتوا ، وبيَّن ذلك الطفل النبي الذي أنطقه الله ، فدافع عن أمه ، وبرّأها ، وقطع ألسنة المفترين ، وأعلن نبوّته وكرامته على الله .
إنك لتقف معجباً بإيمان تلك المرأة بالله وثقتها به سبحانه ، والرضا بقضائه ، وتتأثر باتهامات الناس إياها ، وحاشاها أن تزلَّ فهي العذراء البتول الشريفة ، وتهتز سروراً بإجابة ذلك الطفل المبارك الذي كان عوناً لوالدته في محنتها ، مبرّئاً ساحتها ، معلناً أنه رسول الله القادم إليهم ، الرافع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .

ـ وتأمل هؤلاء المشركين في هذه اللقطة الحوارية الصغيرة التي تنبئ عن الموقف المهين لهم يوم الحشر
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}(الأنعام) .
بل إن هول الموقف أنساهم ما كانوا غارقين فيه من الكذب والضلال .

ـ وانظر إلى الموقف المخيف ، والجواب المفزع ، الذي يقضّ الأركان ، ويكسر الظهور .
ـ { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ
ـ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
ـ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا
ـ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)}(الأنعام) . . . .

فالحوار إذاً يوضح الصورة ، ويجلو الفكرة ، ويقرّب المعنى بأسلوب شائق .

ولا بأس أن تراجع الحوار بين يوسف وإخوته في سورة يوسف بعد الآية السبعين ، والحوار بين إبراهيم وقومه في سورة الأنبياء في الآيات [51 ـ 70] ، وحواره في سورة الشعراء في الآيات [69 ـ 77] .

وستجد في رياض القرآن الكريم كثيراً من الحوار ، رزقنا الله وإياك الفهم ، إنه سميع
مجيب .

يتبع

نبيل
2015-03-01, 01:06 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التصوير

الدكتور عثمان قدري مكانسي


التصوير من الأساليب الراقية في التربية ، فالإنسان روح وفكر وقلب . . . وهو كذلك عين وسمع وذوق ، ولمس وشم .
فهو معنوي ومادي بآن واحد فإذا عجز أحياناً عن الوصول إلى الفكرة الشفّافة ذهناً وصل إليها مادةً وحساً ، والمهم أن يصل إلى المعلومة ، وتتركز في ذهنه ، ويتفاعل معها .
وهذا الأسلوب الرفيع يتخذه الأدباء للسمو ببيانهم ، ويحتاج إليه الرجل العامي البسيط ، كما يحتاج إليه الرجل المثقف العليم لأغراض عديدة منها :
1 ـ توضيح الفكرة والصورة ، فالتصوير يزيد المعنى وضوحاً ، ويكسبه تأكيداً .
2 ـ التأثير في النفس :
ـ (( فإن كان مدحاً كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس ، وأعظمَ وأهزَّ للعِطف (1) ، وأسرعَ للإلفِ ، وأجلبَ للفرح ، وأغلبَ على الممتدَح ، وأسْيَرَ على الألسن وأذكَرَ ، وأولى بأن تعلقَه القلوبُ وأجدرَ .
ـ وإن كان ذماً كان مسُّه أوجعَ ، ومِيسَمَه ألذَعَ(2) ووقعُه أشدَّ ، وحدُّه أحدَّ .
ـ وإن كان حِجاجاً كان برهانُه أنْوَر ، وسلطانُه أقهَر ، وبيانُه أبْهَرَ .
ـ وإن كان افتخاراً كان شأوُه(3) أبعدَ ، وشرفُه أجدَّ ، ولسانُه ألدَّ(4) .
ـ وإن كان اعتذاراً كان إلى القبول أقرَبَ ، وللقلوب أخْلَبَ(5) ، وللسخائم أسَلَّ(6) ، ولغرْبِ أفلَّ(7).
ـ وإن كان وعظاً كان أشفى للصدر ، وأدعى للفِكر ، وأبلغ في التنبيه والزجر( 8 ) )) .

وإني لاعجب ممن ادعى أن التصوير عند العرب لا يتجاوز أن يكون تصويراً جزئياً ، وحسبه أنه تشبيه شيء بشيء ، ليس في ذلك روح بل ترى فيه السطحيّة والصورة الجامدة . . ويدّعي أن الحياة في الصورة لم تظهر في الأدب العربي إلا في العصور الأدبيّة الحديثة ، التي اعتمدت على الألفاظ المتناسقة التي تحمل في طياتها الالوان المتعددة والحركة الدائبة ، والأصوات المتتابعة .وشبهوا الصور عند العرب باللقطات الفوتوغرافية الجامدة ، والصور الحديثة التي التي استقاها الأدباء العرب من الأدب الغربي في العصر الحديث ، بالصورة التلفزيونية الدقيقة المتحركة الحيويّة !! .
ولا أدري كيف يستسيغ من يسمّى نفسه أديباً ، أن يردد كالببغاوات دون تفكير ، ولا فهم مقولات لا تمت إلى الحقيقة بصلة . .فها هو القرآن الكريم حافل ـ بشكل كثيف ملفت للنظر ـ بالصور الممتدة ذات الظلال والإيحاءات ، وقلَّ أن تمرّ سورة دون أن ترى فيها الكثير منها .
ولن نستعرض هذه الصور كلها ، فهي تقتضي الشهور والأيام الطوال . .
وحسبنا أن نلِمَّ بها لنوضح أثرها في الملتقي ، سواء كان قارئاً أو مستمعاً .

ـ فهؤلاء المنافقون دخل الإيمان إلى قلوبهم ، لكنهم استحبوا الكفر على الإيمان ، واشتروا الضلالة بالهدى ، فذهب الله بنور الإيمان الذي تركوه هم ورغبوا عنه ، فعاشوا في الظلام الدامس وحيرة الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إلى سبيل خير ، ولا يعرفون طريق النجاة . قال تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)}(البقرة) .
صورة رائعة معبرة عن حياة المنافقين ، فهم : يزداد الظلام في قلوبهم وعقولهم أكثر من الكافرين أنفسهم ، وتصوَّرْ معي رجلاً يمشي في ظلام اعتاد عليه ، ورجلاً كان يمشي في نور ، فانطفأ هذا النور ، وحلَّ محلّه الظلام الدامس . . أيهما يكون الظلام أشدَّ على نفسه ؟ . . نسأل الله الثبات على الإيمان .

ـ وهاك مثالاً آخر يصف تردد المنافقين وشكهم وحيرتهم ، قال تعالى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}(البقرة) .
فالمنافقون في حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد ، أظلمت له الأرض ، وأرعدت له السماء ، مصحوبٌ بالبرق والرعد والصواعق ، والظلمة الداجية ، فأصابتهم الدهشة والفزع ، فوضعوا أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوا الرعد ولا صوت الصواعق ، يحسبون أنهم في فعلهم هذا ينجون من الموت والهلاك ، يلمع البرق حيناً لمعاناً شديداً يكاد يذهب بأبصارهم ، فهم يغتنمون هذا الضوء فيسيرون خطوات على هديه ، وإذا اختفى البرق وعادت الظلمة أشدَّ وقفوا عن مسيرهم ، وثبتوا في أماكنهم خشية التردّي في الحفر العميقة .
إنها صورة توضح الحالة المتردية للمنافقين المتخبطين في حياتهم لا يدرون ما يفعلون . . .

أما الذين يتصدّقون ويزكون ابتغاء رضوان الله تعالى ، فلهم ثواب من الله كبير ، وحسبهم أن الله تعالى يقبل منهم صدقاتهم ، وينمّيها لهم نماءً عجيباً تنمُّ عنه هذه الصورة الرائعة :
{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) }(البقرة) .
1 ـ حبّة قمح استقرت في أرض النماء فتفتقت منها سنابل سبع .
2 ـ حملت كل واحدة من هذه السنابل السبع مئة حبّة .
3 ـ الحبّة الوحيدة بِعْتَها لله سبحانه وتعالى ، فردّها إليك سبع مئة ضعف .
4 ـ كرم الله الواسع قد يجعلها أضعافاً مضاعفة ، إنّ جودَ الله لا يحده حدٌّ .
5 ـ لا تبخل أيها المسلم بالشيء القليل لأنّه يكون بإذن الله كثيراً . . .

ـ قال تعالى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)}(الأنعام) .
وتعال معي نستوضح هذه الصورة ، علّها تكون دافعاً إلى الإيمان بالله ، والإيمان بيوم القيامة :
1 ـ الكفار يسخرون من الرسل إذ أنذروهم يوم القيامة ، وحسابَهم فيه .
2 ـ وإذا بهذا اليوم الذي يكذبونه جاءهم فجأة فعلموا أنهم خاسرون .
3 ـ الحسرة والندامة والخوف تسيطر عليهم فقد آذنوا بالويل والثبور ، جزاءً وفاقاً فقد ضيّعوا
أعمالهم في الدنيا فخابوا وخسروا .
4 ـ يحملون آثامهم على ظهورهم على أقبح صورة .
5 ـ ما أسوأ أن تكون النهاية حملَ الذنوب ، ثم الوقوعَ في نار جهنّم .
إنها صورة واضحة جليّة ترتعد لها أفئدة ذوي الألباب أصحابِ الفهم .
ـ وهذه صورة أخرى توضح استحالة العفو عنهم يوم القيامة . قال تعالى :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)}(الأعراف) .
1 ـ الكفار كذبوا بآيات الله تعالى على الرغم من وضوحها ، واستكبروا عن الإيمان بها والعمل بمقتضاها ، وهذا في الدنيا .
2 ـ فإذا كان هذا عملهم فلا عملَ صالحاً لهم يرتفع إلى السماء ، إنما يصعد إليه سبحانه الكلمُ الطيبُ ، وإذا قبضت أرواحهم لا تفتح لهم أبواب السماء .
3 ـ هل يدخل الجمل الضخم في ثقب الإبرة . . كلا وحاشا . . فهم كذلك في جهنّم ، هي مأواهم .
4 ـ وتصوّر أيها الأخ الأريب اللبيب أن الضيف يكرمه صاحب البيت ، إذ يقدّم له فراشاً وثيراً وغطاءً دافئاً ، لكنَّ هؤلاء المجرمين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم واستكبارهم ، جُعلت النار فرشَهم وأغطيتَهم ، فأي هوان بعد هذا ؟!! . . نسأل المولى حسن الختام .
ـ وقال جلَّ شأنه :
{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ
فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ
إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)}(الأنفال) .
صورة فيها حركة جيش قريش الذي خرج إلى بدر عاتياً متكبّراً ، طالباً للفخر والثناء ، حيث قال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدراً ، فنقيمَ فيها ثلاثاً . . نشرب فيها الخمر ، وننحر الجزور (( الإبل )) وتعزف علينا القيانُ وتسمع بنا العرب ، فلا تزال تهابنا أبداً . . ونقتل المسلمين فنستأصلُ شأفتهم ، وندفن هذا الدين في صحراء الموت والفناء . . .
وهذا إبليس اللعين يحسّن لهم الشرك ، والأعمال القبيحة ، ويحضُّهم على حرب الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأصحابه الكرام البررة ، ويعلن أنه سيساعدهم في قتالهم المسلمين ونبيَّهم . .
واحتدم القتال ونزلت الملائكة لنصرة المسلمين ، فولّى الشيطان هارباً ، فلما سأله المشركون إنفاذ عهده ، وتمسّكوا به ، تفلت منهم صغيراً مدحوراً مغتاظاً حقيراً ، وهرب وهو يقول : إني أرى ما لا ترون . . إني أخاف الله . . ولو كان يخافه ما عصاه ، لكنّه رأى الملائكة فخاف منهم ولاذ بالفرار . . .
فهذه الصورة وضَّحت أن النصر للحق وجنده ، وأن وسائل التشويش والإرجاف لا تثبت أمامه ، وأن العاقبة للمتقين .

ـ إذا عاش الإنسان في وَهْم وسراب ثم عرف أنه كان مخطئاً ، حاول تصحيح مساره ، فماذا يفعل إذا لم يحسَّ بخطئه إلا يوم الحساب ، حين تصفعه الحقيقة ، ولا يرى مناصاً من
العقاب . . العقاب الأليم . . . قال تعالى :
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ
فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)}(يونس) .
الصورة واضحة أمامنا ، ترينا :
1 ـ الناسَ بادئ الأمر محشورين مؤمنَهم وكافرَهم .
2 ـ يفرَّقُ بين المؤمنين والكافرين .
3 ـ يُحشر الكافرون مع آلهتهم المزعومة ، لتصفعهم الحقيقة المرة .
4 ـ يُنطق الله الأوثانَ فتقول للمشركين : ما شعرنا أنكم كنتم تعبدوننا وما أمرناكم بعبادتنا ، فنحن لا نسمع ولا نعقل ولا نبصر ، والله شهيد على ما نقول .
فما أضلَّ من ابتع هواه ، وأغلق عقله ، وغاص في وحل الشرك والكفر . . ! .
ـ وتصور الرعد بصوته الذي يملأ الدنيا ، ويجلجل في الآفاق ، ويلقي الخوف في نفوس الناس ، ما هو إلا تسبيحٌ لله ذي الجلال ، وحمدٌ له سبحانه ، وثناء عليه جلَّ جلاله ، هذه الأصوات التي لا نفهم حقيقتها دلَّ عليها القرآن ، ونبّهنا إلى أن التسبيح صادر مما لا يعقل ، أفليس الأحرى بمن يعقل أن يسبح بحمد الله ويثني عليه ، قال تعالى :
{ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ...(13)}(الرعد) .

ـ ثم التفِتْ إلى أبواب الجنة . . إنها مُشرعة يدخل منها المؤمنون إلى مأواهُم ، الدائمِ نعيمُه المتنامي خيرُه ، معهم آباؤهم وزوجاتهم ، وأبناؤهم الذين اتبعوهم بإيمان . وها هم الملائكة يسلمون عليهم مهنئين بسلامة الوصول إليها ، وما أعظمها من فرحة بالوصول إلى دار الأمان والسعادة !، فالصبر على المكاره وعلى أداء الحقوق والعمل بما يرضي الله تعالى جعلهم
أهلاً لجنات الله والخلود فيها
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)}(الرعد) .

ـ الجبابرة المتغطرسون لهم الدنيا يتفرعنون فيها ، بين أيديهم ما يريدون ، ولهم ما لذّ وطاب من شراب وطعام ولذّة حرام . . فماذا لهم في الآخرة ؟ يقول الله تعالى :
{ واستفتحوا وخاب كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ
وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}(إبراهيم) .
إنهم خاسرون وهل ترى أشدَّ خسارة ممن خسر نفسه في جهنّم المحرقة ؟ شرابه قيحٌ ودم ، يبتلعه مرةً إثر مرة ، كارهاً إياه لمرارته ، لا يكاد يستسيغه لقبحه ، ولكنْ لا مفر ، فليس في جهنّم غيرُه ، تاتيه كل أسباب الموت وتحيط به كل الجهات ، ولكنّه لا يموت فليس هناك سوى العذاب الشديد . فهل يشتري الإنسان لذة عابرة في دنياه الفانية ، ويبيع سعادة غامرة في حياة دائمة في جنات الله ورضوانه ؟!!.

ـ هؤلاء الكفار فيهم صفات إنسانية تدعوهم إلى أعمال فيها خير ، يتمثل بالصدقة ، وصلة الرحم ، وغير ذلك . . يأخذون أجرها في الدنيا فقط أما في الآخرة فليس لهم إلا النار ، فلا ينال المُحسن أجره في الآخرة إلا إذا كان مؤمناً بالله ، موحّداً . . فإذا وقف الكافر أمام ربّه فقدَّم أعماله تلك لم يجدها شيئاً . . قال الله تعالى يصور الخيبة في نفوس هؤلاء :
{ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
أ ـ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ
ب ـ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ
جـ ـ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ
د ـ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)}(إبراهيم).
ضاع كل شيء ، لأن هذه الأعمال لم تكن قائمة على أساس متين من التقوى ، والإيمان بالله سبحانه .

ـ وتابع معي هذه الصورة المخيفة الرهيبة ، قال تعالى :
{ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ
وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)}(إبراهيم) .
1 ـ فالكفار مجرمون أجرموا بحق نفسهم ، وأجرموا بحق الله تعالى ، فهم والشياطين سواء ، يقترن بعضهم إلى بعض بالقيود والأغلال ، أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم . . . منظر لا أذلَّ منه .
2 ـ ثيابهم التي يلبسونها من قَطِران ، وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار ، تُطلى به الإبلُ الجربى فيحرقُ الجرَبَ بحرِّه وحدّته ، وهو أسودُ منتنُ الرائحة .
3 ـ وهذه النار تندفع إليهم ، فتعلو وجوههم ، وتحيط بهم ، وتحرقهم ثم ...تحرقهم . .
اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قولٍ أو عمل .

ـ أما يوم القيامة ، وشدته ، وهوله ، فحدّث ولا حرج ، إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نتّقيَه حتى يرحمنا إذا جاء هذا اليوم المخيف ، قال تعالى :
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا
أ ـ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
ب ـ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا
جـ ـ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى
د ـ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ..(2)}(الحج) .
ما الذي جعل الأم تنسى وليدها على غير عادتها ، على الرغم من حبها الشديد إياه وتفضيلِه على نفسها ؟
ما الذي يَشْدَه المرأةَ فينزلق الجنين من أحشائها إلى الأرض ، لا تشعر به ؟
لماذا يترنح الناسُ غير قادرين على الوقوف والثبات ؟ أهم سكارى ؟
والجواب : لا ليس هذا وذاك ، إنّما أهوال الساعة وشدائدها أطارت هقولهم ، فذهلت المرأة عن رضيعها ، وأسقطت المرأة حملها ، وتمايل الناس مشدوهين . . لمثل هذا فليحذر الحاذرون .
ـ هل رأيت أعضاء الإنسان تتكلم وتنبئ عما فعل صاحبها من المناكير التي يندى لها
الجبين ؟ . . طبعاً إنك ستقول لا . أما يوم القيامة ، يوم الحساب فسيتكرر هذا كثيراً حين يقف الفسقة الكفرة أمام الله سبحانه ، فيقررهم بذنوبهم فينكرون ، ولا يعترفون بشهادة الملكين ، ولا بما كتباه ولا بأقوال الآخرين ، فيقول الله تعالى لهم : ألا ترضون أن تشهد أعضاؤكم ؟ فيقولون ـ ظانين النجاة ـ بلى يا رب .

فيأمر الله تعالى الفم بالسكوت فيسكت ، والأعضاء بالكلام فتتكلم ،
وتقول العينان : بنا يارب كان ينظر إلى المحرمات .
وتقول اليدان : با يا رب كان يبطش بالضعفاء ، ويتناول ما حرَّمْتَهُ .
وتقول القدمان : بنا يا رب كان يسير إلى أماكن الفحشاء والفساد .
وتقول الأذنان : بنا يا رب كان يسمع كلمات الفجور و . . . .
وتشهد عليه أعضاءه فيقول لها الرب سبحانه أصمتن فيصمتن . . ويقول الله تعالى له : { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
(14)}(الإسراء).
كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً .

ويُلقى هذا المجرم في النار ، وهو يوبخ أعضاءه : [ من أجلكن كنتُ أناضل . . ] قال تعالى:
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)}(النور) .
إنها لوحة تصويرية واضحة المعالم فيها موقف تأباه النفس الكريمة ، يعافه المسلم .
إن الصدق مع الله والعمل بما يرضيه غاية ما يسعى إليه الذكي الألمعي .

ـ أما هذه الصورة فإنها تشع بالضوء النور ، فقد سمى الله نفسه نوراً وجعل كتابه نوراً ، ورسوله نوراً ، واحتجب عن خلقه بالنور ، ومنه نورُ السموات والأرض ونورُ كل شيء . . ولكنْ كيف نقرّب إلى الأفهام حقيقة هذا النور ؟ إن المشبّه به أقوى من المشبّه ، يوضحه ويجلوه للأفهام ، ويقربه للعقول ، والمشبّه هنا أقوى من المشبّه به . . !! .
ولكنْ لا بأس ، فالنور المبهر لا يراه الأعشى ، فلنصِفْه له بما هو دونه كي يعرفه . . وهذا هو الإنسان ضعيف ، قاصر ، فليَدْنُ منه نورُ ربه ذي الجلال بما يوافقه :
{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
أ ـ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
ب ـ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ
جـ ـ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ
د ـ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
هـ ـ نُورٌ عَلَى نُورٍ
و ـ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ
ز ـ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)}(النور) .
فإذا كان هذا مثالَ نورهِ فكيف يكون نوره سبحانه ؟
وإذا كان الله نورَ السموات والأرض أفلا نستنير بنوره ؟!
وإذا كنا نعيش في هذه الدنيا بنورٍ من نوره أفلا نسعى إلى رضاه والجنّة لنرى نوره هناك دون حجاب ؟!!.
اللهم أنت النور فهب لنا من لدنك النور . . آمين . . .

ـ وتعال نستعرض مراحل الخلق خطوة خطوة في هذه الآية المعجزة ، قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
أ ـ مِنْ تُرَابٍ [ خلق آدم أبينا ]
ب ـ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [ الماء القليل الذي ينطف من صلب الرجل ]
جـ ـ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [ الدم الجامد الذي يشبه العلقة التي تظهر حول الأحواض ]
د ـ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ [ قطعة من اللحم بمقدار ما يمضغ ] مُخَلَّقَةٍ [ واضحة الخلقة فيها الرأس واليدان والرجلان . . . ] وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [ ما تزال قطعة من اللحم لم يظهر منها شيء ]
هـ ـ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [ خلقناكم على هذا النموذج البديع لتظهر أسرار قدرتنا ]
و ـ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [ الجنين الذي يبدأ بالتكامل ]
ز ـ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وحواسّه ]
ح ـ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [ فتصبحون رجالاً أشداء في قواكم وعقولكم ]
ط ـ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى [ في ريعان شبابه وعنفوان قوته ]
ي ـ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ فيصل إلى الشيخوخة والضعف ]
ك ـ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ..(5)}(الحج) [ فيعود إلى ما كان عليه من ضعف ، وقلة فهم ، وسخافة عقل ، فينسى ما علمه ، وينكر ما علافه ].
إنها تدرّج في الخلق من التراب إلى النطفة . . فيعلو حتى يصير رجلاً مكتملاً ثم يبدأ الانحدار . . إلى النهاية . . إنها صورة متحركةٌ مرتّبةُ المرحل تترك أثراً في نفس المشاهد . . بل توضح له أن الحياة يحكمها منظّم قدير . . لا تخفى عليه خافية . .سبحانه .
ـ وإليك صورة الندم والحسرة لرجل كان يعيش جاراً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يؤمن به ، وناصبه العداء ، وتبع كافراً فضّله في الصحبة على الصادق الأمين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لقد فارقه في الدنيا ، فلما جاء يوم القيامة علم أنّه أخطأ ، ورأى إكرام الله تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمؤمنين . أما الكفرة الفاسقون وهو وصديقه الذي اختاره فهم في نار جهنّم يصلونها وهنا يشعر الكافر بالإحباط الشديد والخسارة البيّنة ، فهو يعضُّ أصابعه ندماً حيث لا ينفع الندم وينادي متألماً :
{ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)}(الفرقان) ،
لماذا ايها الرجل ؟ قال والحسرة تأكل قلبه :
{ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) }(الفرقان) .
صورة اعتمدت على تعابير الوجه البائس ، والكلمة الحزينة ، وعض الأصابع .
ـ وصورى أخرى مثلها واضحة :
مكانها : أ ـ خارج النار ، ب ـ داخل النار .
حديثها : الملائكة تلوم المجرمين ، والمجرمون يلومون أنفسهم ، ويلومون آلهتهم المزعومة ، ويتمنّون العودة إلى الدنيا ليصلحوا ما أفسدوا ، ولكن هيهات .قال سبحانه:
{ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91)
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) [مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟!]
هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)؟!
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97)
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)
وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99)
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103)}(الشعراء) .

حركتها : طرحهم في النار منكبين على وجوههم ، لا ناصر لهم ولا معين .
خاتمتها : اتخاذ العبرة والعظة ، وطاعة الله تعالى للنجاة من النار وعذابها .

ـ أما قارون فقد آتاه الله المال الكثير فلم يعمل به في مرضاة الله إنما أنكر أن هذا الرزق من عند الله ، ونسب إلى نفسه الرزق وكفر بأنعم الله . .
ثم خرج في موكب استعراضي يشمخ بأنفه متكبّراً متغطرساً ، وحوله أتباعه ، والناس قسمان :
الأول : يتمنى أن يكون له مثل ما لقارون ـ يا لهول ما عنده . . . ـ كان هؤلاء ضعاف الإيمان ، خدعتهم الدنيا ببريقها .
الثاني : العقلاء من أهل العلم والفهم والاستقامة لم يأبهوا لمتاع الدنيا الزائف ، وقاموا ينبهون القسم الأوّل إلى حقارة الدنيا وتفاهتها . .
وفجأة غارت الأرض بقارون ومن معه في داره الواسعة الفخمة ، كأنهم لم يكونوا . .
وانتبه القسم الأول إلى هذه النهاية المفجعة ، فتابوا إلى الله وأنابوا ، وعلموا أن الدنيا زائلة ، وأن الكافرين لا ينجحون في الدنيا ولا في الآخرة . . قال تعالى :
{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ
ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ
فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ
لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا
وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)}(القصص) .
فهل يرعوي المتجبرون ، ويعرفون مقدارهم ، ويشكرون الله على نعمائه ؟ وهل يعلم ضعفاء الإيمان أن العيش عيش الآخرة ، وأن الدنيا متاع ؟ .

ـ ويصور الله تعالى غزوة الخندق تصويراً دقيقاً يجعلنا نعيش مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الشدّة التي عانَوْها والابتلاء الذي وقعوا فيه ، والحالة النفسيّة للمنافقين الذين بدأو يهربون إلى بيوتهم ، ويتمنّون لو كانوا بعيدين عن المدينة ، يسمعون من المسافرين أخبارها ، ولو طلب إليهم أن ينضموا إلى الكفار ويقاتلوا المسلمين لفعلوا ذلك مسرعين ناسين أن الموت لا يوفّر أحداً ، سواء كان في القتال ، أم كان في بيته مع أهله وخاصته . . وتبدأ الصورة من نهايتها . . قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ
وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)}( الأحزاب) .
جُنُودٌ : (كفار قريش)
وَجُنُودًا: (الملائكة)
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ: (أحاطوا بكم من كل الجهات)
وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ: (هولاً ورعباً)
فَارْجِعُوا : (إلى منازلكم واتركوا محمداً وأصحابه)
فَرِيقٌ مِنْهُمُ :(المنافقون)
دُخِلَتْ : (المدينة المنورة)

ـ خلق الله النجوم لثلاث : رجوماً للشياطين ، ونوراً يُهتدى بها ، وزينةً للسماء الدنيا ، فإذا دنا شيطان مارد يتسقّط الأخبار من السماء ليفتن بها أهل الأرض ، رُجم بالشهب تقصده من كل مكان لتعيده فلا ينال بغيته ، فإذا ما اختلس شيئاً واسترق السمع لحقه شهاب مضيء ، يلاحقه فيصيبه ويحرقه . . إنها صورة ، كثيراً ما نرى الشهب في أمثالها تنطلق في السماء . . قال
تعالى : { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)
وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى
وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ( 8 ) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9)
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)} (الصافات) .
إنها صورة يختلط فيها الضياء البعيد ـ من النجوم ـ بالشهب التي تقترب من الأرض ، تلك الشهب الموجهة توجيهاً دقيقاً نحو هدف مرسوم يدنو من أسوار السماء ، فلا تمهله ، بل تتبعه ، وتقضي عليه . . دون أن تخطئه .

ـ ولكنْ ما شجرة الزقّوم أين مكانها ؟ ما صفتها ؟ لِمَ تَهدّد اللهُ تعالى المجرمين بها ؟ ، قال تعالى في وصفها :
{ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67)}( الصافات) .

{ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48)}(الدخان) .
تصورِ النارَ التي تحرق كل شيء ، تنبتُ فيها شجرة ملعونة اسمها الزقّوم ، أصلها في قعر جهنّم ثم تتفرّعُ فيها لتكون طعاماً لكل فاجر كافر .
أما ثمارها وحَملها فهي لبشاعتها تشبه رؤوس الشياطين . . ولكن هل يعرف الناسُ الشياطينَ
أو رأوهم ؟! لا ولكنّ رؤوس الشياطين ـ في أذهان الناس قبيحة جداً ، ولشدة جوع أهل النار لا يجدون طعاماً سواها ، فإذا ملأوا بطونهم منها ـ وفي الحديث الشريف : (( لو أن قطرة من الزقوم قُطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم ، فكيف بمن تكون طعامَه ؟! )) ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ شبعوا ، فإذا بها حارّة شديدة الغليان كالنحاس المُذاب ، يقطّع أمعاءَهم ، فيلجأون إلى الماء يسكّن ألمهم ، ويفثأ حُمَيّاً ما أكلوه ، فإذا بشرابهم ماء صديد ، اشتدَّ غليانه كذلك ، يذيب أمعاءهم . . .
اللهم يا رب باعد بيننا وبين النار ، واجعلنا من أهل الجنة ، إنك على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير .
إنه لتصوير يأخذ بالألباب ويحرّك النفوس ، فإن كنا من أهل الله تعالى رَزَقَنا حُسْنَ التدبر والتفكر ، وأخذ بأيدينا إلى طريق الإيمان والاستقامة ، فكنا من أهل السعادة في الدارين . . .

الهوامش:
(1) العطف : الجانب
(2) المِيسم : الآلة التي يُكوَى بها . ولذع : نفخ وأخرق .
(3) شأوه : أمَدُه وعاتبُه .
(4) ألدّ : أشدّ .
(5) خلبه : فتنَهُ .
(6) أسلَّ : أكثر نزعاً واستحراجاً . والسّخيمة : الضغينة .
(7) غرب السيف : حدُّه . فلَّ حدَّ السيف : ثلمه ، فالاعتذار يضعف من حدّة الغضب .
( 8 ) أسرار البلاغة للجرجاني ص 92 ـ 96 عن كتاب البلاغة العربية ـ علم البيان ـ للدكتور بكري شيخ أمين .

يتبع

نبيل
2015-03-05, 11:19 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

ضرب المثل

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يقول الله تعالى :
{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27)}(الزمر) .
ويقول سبحانه : {.. وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ... (39)}(الفرقان) ،
ويقول سبحانه : { ...كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)}(الرعد) .
فلماذا هذه الأمثال المضروبة في القرآن وما فائدتها ؟
إنها تُضرَب :
1ـ لتقريب الفكرة إلى الأفهام .
2ـ وتوضيح مقاصدها .
3ـ ولاتخاذ العظة والعبرة .

ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجلّ قوله سبحانه :
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) }(إبراهيم) .

فكيف قرّب الله الفكرة إلى الأفهام ؟
الكلمة الطيبة (( لا إله إلا الله )) ، والشجرة الطيبة (( المؤمن )) ، وكلمة الإيمان في قلب المؤمن ، وعمله يصعد إلى السماء وينال بركته وثوابه في كل وقت .
والكلمة الخبيثة (( الكفر )) ، كشجرة (( الحنظل )) الخبيثة استؤصلت من جذورها ، واقتلعت من الأرض لعدم ثبات أصلها ، وكذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة ، والكافر لا يصعد عمله إلى السماء ولا يُقبل .
فالله تعالى يثبت المؤمن في الدنيا وفي حساب القبر عند سؤال الملكين ، ويضل الكافر في الحياة الدنيا وعند سؤال الملكين في القبر .

ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجلّ قوله جل شأنه :
{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) }(النحل) .

فكيف نتخذ العظة والعبرة ؟
هناك قرية كان أهلها في أمن واستقرار وسعادة ونعيم ، تأتيها الخيرات من كل جهة ، فلم يشكر أهلها ربهم على ما آتاهم من خير ورزق ، فسلبهم الله نعمة الأمان والاطمئنان وأذاقهم آلام الخوف والجوع والحرمان ، بسبب كفرهم ومعاصيهم .
وهذا مثل أهل مكة الذين آمنهم الله بالبيت العتيق ، يقصده الناس جميعاً ، ولهم تجارتان في الصيف للشام والشتاء لليمن ، فلما جاءهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوهم إلى الإيمان بالله كفروا به وعصَوه . . فإن لم يتوبوا إلى الله ، فجزاؤهم سيكون كجزاء أهل القرية المضروب بها المثل .

ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجل قوله سبحانه :
{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)}(العنكبوت) .

فكيف وضح الله الصورة وبيّن مقاصدَها ؟ .
إنّ الذين اتخذوا آلهة من دون الله يعتمدون عليها ويرجون نفعها كمثل العنكبوت ، بيتها لا يغني عنها في حرٍّ ولا بردٍ ولا مطرٍ ولا أذى . ولو علم هؤلاء الكفار تفاهة ما يعبدونه ما تخذوها آلهة ، وسيجازيهم الله تعالى على كفرهم .
وهذه الأمثال يضربها الله تعالى ليقربها إلى أفهام الناس ، ولا يعقلها إلا أصحاب العقول والأفئدة السليمة .

ـ ومن هذه الأمثلة قوله سبحانه وتعالى :
{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) }(يس)

فكيف نتخذ العبرة والعظة ؟ .
استبعد الكافرُ عودته بعد الموت إلى الحياة والبعث ، حين أمسك بالعظم الرميم وفتته ، ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتةٍ وركبنا فيها الحياة ، ونسي خلقه العجيب وبدأَه الغريب ، وقاسَ قدرة الله تعالى على قدرتنا الضعيفة .
فقل يا رسول الله إن الذي أنشأها أوّل مرة ، لا يصعب عليه إعادة خلقها ثانيةً ، فالذي يقدر على البداءة قادر على الإعادة ، يعلم كيف يخلق ويبدع ، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد الفناء.
ألا ترى أن بعض الأشجار الخضراء كالمرخ والعفار ، تقدح الشرر الذي يحرقها . وصدق الشاعر حين قال :
جمْعُ النقيضين من أسرار قدرته * هذا السحاب به نارٌ به ماءٌ

ـ ومن الأمثلة التي ضربها القرآن قوله عزّ وجل :
{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)}(التحريم) .

فكيف نتخذ العبرة والعظة ؟
إذا فرّق الدين بين اثنين ، فدخل المسلم الجنّة ، لم يدخلها الثاني ، ولو كان قريبه وصاحبه وزوجته ، بل دخل النار . فلا يغني في الآخرة أحدٌ عن قريب ولا نسيب ، فزوجتا النبيين الكريمين نوح ولوط لما عصتا كان نصيبهما النار يوم القيامة ، ولا ينفعهما زوجاهما من عذاب الله شيئاً .
وهذه (( آسيا بنت مزاحم )) زوجة فرعون كفرت به ، وهي أقرب الناس إليه ، وآمنت بموسى فلما علم فرعون أمر بقتلها ، فنجاها الله منه فهي في الجنّة تتنعّمُ . فهل ضرَّها أنها زوجة أكفر الكفار ، مَن ادّعى الألوهيّة ، وعصى الله ؟ لا ، فلكلٍ عملُه . وهذه (( مريم )) الطاهرة البتول أم عيسى عليهما السلام شريفة عفيفة ، لا كما زعم اليهود زناها ، فقد نفخ جبريل بفتحة ثوبها ، فوصلت النفخة إلى مكان عفافها ، فحملت بعيسى عليه السلام ، وكانت مؤمنة بكتب ربها ورسله ، وكانت من القانتين ، فما ضرَّها أقاويل اليهود وادعاءاتهم . . .

ـ ومن الأمثلة القرآنية كذلك قول الله تعالى :
{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)}(الزمر)

فكيف نقرّب الفكرة إلى الأفهام ؟ .
هذا عبدٌ مملوك لرجال سيئي الأخلاق بينهم اختلاف وتنازع ، وكل واحد منهم يأمره بأمر يخالف أمر الآخر ، فكيف تكون حاله معهم ؟!.
وهذا عبد مملوك لرجل واحد حسن الأخلاق ، يخدمه بإخلاص وتفانٍ ولا يلقى من سيده إلا الإحسان .
هل يستوي هذان المملوكان في حسن الحال ؟ بكل تأكيد لا . . فكذلك الذي يعبد الله الواحد الأحد ولا يشرك معه أحداً في أحسن حالٍ ، أما الذي يعبد آلهة شتى ، فهو موزّع بين الأهواء والمفاسد والمفاتن .

ـ ومن الأمثلة القرآنية التي ضربها الله عزّ وجل قوله سبحانه :
{ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)}(الرعد) .

فكيف وضح لنا سبحانه أن النافع يبقى ، وما لا ينتفع به يزول ؟.
هنا مثلان للحقِّ والباطل ، للدعوة الباقية المفيدة ، والدعوة الذاهبة مع الريح :
أـ إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الاودية ، وهو يلمُّ في طريقه غثاء يطفو على وجهه في صورة الزبد ، وهو نافش منتفخ ، ولكنه بعدُ غثاء ، والماء من تحته سارب ساكن هادئ ، ولكنّه الماء الذي يحمل الخير والحياة .
ب ـ كذلك يقع الخبَثُ في المعادن التي تُذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة ، أو آنية كالحديد والرصاص ، فإنّ الخبث يطفو ، ولكنّه بعدُ خبثٌ يذهب ، ويبقى المعدن في نقاء .
ذلك مثل الحق والباطل ، فالباطل يطفو ، ويعلو ، ويبدو رابياً منتفخاً ، ولا يلبث أن يذهب جُفاء مطروحاً ، لا حقيقة له ولا تماسك ، والحق يظل هادئاً ساكناً ، ولكنه الباقي في الأرض كالماء المحيي ، والمعدن الصريح (عن ظلال القرآن لسيد قطب) .

. . فضربُ المثل ، وضَّح فكرة ، وأزال إبهاماً ، وقربَّ بعيداً ، وجلّى غموضاً ، فللّه الحمدُ هو العليم العلاّم .

يتبع

نبيل
2015-03-05, 11:42 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

استعمال المثل والحكمة

الدكتور عثمان قدري مكانسي



يمتاز المثل بالإيجاز وسرعة دورانه على الألسنة ، فهو يلخص موقفاً أو قصّة ، فإذا مرَّ الإنسان بموقف مشابه أو قصة أو حادثة متشابهتين ، ضرب المثل نفسه للعظة والعبرة .
أما الحكمة فهي عصارة الذهن في حكم صائب ، أو نصيحة صادقة ، دون أن تكون تلخيصاً لموقف أو حادثة . .
وبهذا يختلط مفهوما المثل والحكمة عند العرب ، في استثمارهما واستعمالهما ليؤدّيا هدفاً واحداً ، يتجلى في الحكم والنصيحة والعبرة .
والقرآن الكريم حفل بهما جميعاً ، فكانا أسلوباً راقياً من الأساليب التربوية ، التي استعملها القرآن في الدعوة إلى التقليد وتهذيب النفس ، والاتعاظ وتوضيح المقصد ، وأنواع شتى من الأغراض الإنسانية .
فمن الأمثلة على ذلك ، قوله تعالى :

1ـ { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ..(148)}(البقرة) ، يُضرب لمن عرف ما يريد فخطط له ، واتجه لتحقيقه لا يحيد عنه .
2ـ { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ..(179)}(البقرة) ، يضرب لمن كانت عقوبته سبباً في تحقيق المصلحة العامة .
3ـ { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ..(249)}(البقرة) ، يضرب للدلالة على أن النفع قد يكون من القلّة ، لا من الكثرة .
4ـ { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}(البقرة) ، يضرب للحضّ على الخير .
5ـ { ...فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ..(176)}(الأعراف) ، يضرب للخسيس لا فائدة منه .
6ـ { . . وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)}(الأنفال) ، يضرب للتهوين من مكر الخبثاء ، وأن مكرهم مردود عليهم .
7ـ { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ..(51)}(التوبة) ، يضرب للتسليم بقضاء الله .
8ـ { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ..( 8 )}(يونس) ، يضرب لمن يقع في شر أعماله .
9ـ { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ..(53)}(يوسف) ، يضرب للمقرِّ بذنبه المعترف بخطئه .
10ـ { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي . . .(108)}(يوسف) ، يَضرب للدلالة على الوضوح والجلاء .
11ـ { . . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..(11)}(الرعد) ، يضرب لحضّ المتراخين على المبادرة ، وعدم الاعتماد على الآخرين في إنجاز أمورهم .
12ـ { . . . وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)}(النحل) ، يُضرب لمن أوقع نفسه في شرِّ أعماله .
13ـ {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ . . .(84) }(الإسراء) ، يضرب لمن يشي عملُه بحاله .
14ـ {.. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) }(الإسراء) ، يضرب للدلالة على تفاهة علم الإنسان ، وضآلته كلما رأى جديداً من العلوم الدالة على علم الله الواسع .
15ـ { ..وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا . . . (28)}(النساء) ، يضرب للاعتذار عن خطأ ارتُكِبَ ، أو رغبة لم يستطع صاحبها تنفيذها لضعفه .
16ـ { ..وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}(طه) ، يضرب لذي الفهم والإدراك يتفقت ذهنه دائماً عن فوائد فيعزو ذلك إلى الله تعالى .
17ـ { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ . . . (56)}(القصص) ، يضرب للسيء تحاول تقويمه فلا تفلح .
18ـ { . . . وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ . . .(41)}(العنكبوت) ، يضرب لبيان الضعف الشديد .
19ـ { . . . وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ . . .(25)}(الأحزاب) ، يضرب لمن وصل إلى هدفه دون عناء .
20ـ { . . . وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) }(فاطر) ، يضرب للدلالة على صدق الخبر وصحته ، ودقته .
21ـ { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . . .(18) }(فاطر) ، يضرب لحصر المسؤولية بمن فعل .
22ـ { . . . وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ . . (18) }(فاطر) ، يضرب لمن يهتم بصلاح نفسه فينال الخير.
23ـ { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ .. (22)}(فاطر) ، يضرب هذا المثل لانتفاء تساوي
المتناقضات .
24ـ { . . . وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) }(فاطر) ، يضرب لليأس ممن لا يعي ولا يعقل .
25ـ { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)}(الصافات) ، يضرب للحث على الوصول إلى المرتبة العالية ، والسعي لها بهمة وجلد .
26ـ { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) }(الصافات) ، يضرب للتهديد والوعيد .
27ـ { ...قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..(9)...}(الزمر) ، يضرب لبيان الفرق بين الشيئين المتناقضين .
28ـ { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)}(الدخان) يضرب لمن يفقد ، فلا يتأثر لفقده أحد .
29ـ { . . . . وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ...(40)}(الأعراف) ، يضرب للتيئيس ، والاستحالة .

وهكذا فالمثل والحكمة يؤديان دوراً مهماً في التعليق على الحدث وإصدار الحكم ، وإلقاء الضوء عليه ، مما يوضح الفكرة ، ولا يترك مجالاً للإبهام أو الوهم ، ويتركان القارئ على المحجة البيضاء فيرى ما يناسبه للوصول به إلى جنة المأوى ورضوان الله تعالى ، والسعيد من كتب الله تعالى له السعادة فبصّرَه وهداه إلى سبيله . .
اللهم اجعلنا من هؤلاء .

يتبع

نبيل
2015-03-06, 12:01 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التعليل

الدكتور عثمان قدري مكانسي


إنك قد تأمر أحدهم بفعل شيئ ما سهلٍ وبسيط ، والمأمور ينفذ الأمر دون أن يسألك السبب .
أ ـ لأنه يثق بك وبحكمتك .
ب ـ أو لأن الأمر نفسه لا يحتاج إلى إبداء الأسباب .
جـ ـ أو لأنّه يهاب أن يسألك ، خوفاً او احتراماً . .
د ـ أو أنّه لا يعنيه معرفة السبب من قريب ولا من بعيد .
وقد تُصدر حكماً ، فإما أن يكون الحكم عن هوى أو عن معرفة ، وأحكام الهوى غالباً ما تكون خاطئة إن لم نقل دائماً . . أما الأحكام القائمة على الدليل والبرهان ، فالصواب فيها كبير والخطأ فيها قليل .
والذي نريده هنا أن القرآن الكريم حين يأمر ، أو يحضُّ ، أو ينهى ، أو يعظ ، أو يخبر ، فإنّه يعلل ويبسط السبب ، فلماذا ؟
هناك دواعٍ عديدة منها :
1 ـ أن يكون المعنيُّ على بيّنة ووضوح .
2 ـ البراءة والإعذار .
3 ـ أن يتحمل المعنيُّ مسؤوليّة ما يفعل أو يقول .
4 ـ أن يكون الممعنيُّ صاحبَ القرار الأخير في ذلك .
والقرآن الكريم حرص على تعليل كل أمر ونهي ، فنبّه إلى النتيجة في كل منهما ، ووضّح العاقبة ، وترك بعد ذلك الخيار لهؤلاء وأولئك ، فكلٌّ يعمل على شاكلته .

فمن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
أ ـ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا
ب ـ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
جـ ـ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)
د ـ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) }(البقرة) .
فالشيطان عدو مبين ، ويريد لنا المساءة بكل أنواعها

وقوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ .. (194) }(البقرة) .
فما الذي سمح لنا أن نعتدي على العدو؟ إنه اعتدى علينا، فوجب رد اعتدائه كي يرتدع.

وقوله تعالى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ
وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا
وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ
أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ . . . (221)) }(البقرة) .
والمفهوم هنا أن الطيور على أشكالها تقع ، فلا نتزاوج إلا مع أمثالنا في العقيدة .

وقوله سبحانه : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . (110) }(آل عمران) . وكنا خير أمة لفعلنا هذا الثالوث الرائع الذي ذكرته الآية الكريمة .

وقوله تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)}(آل عمران) .
فلماذا العذاب إذاً ؟ إنهم قالوا بحق الله تعالى ملا ينبغي ، وقتلوا خير الناس ( الأنبياء ) .

وقوله سبحانه: { وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }(النساء) .
فأكل أموال اليتامى خطأ جسيم ينبغي تحاشيه .

وقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. . .(43) }(النساء) .
سبب ترك الخمر أنه يسبب الوقوع في المحظور ...

ولنقرأ بإمعان الآيات التالية وغيرها في القرآن لنعلم تعليل كل أمر وكل محظور

وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) }(النساء) .

وقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ . . .(3) }(المائدة) .

وفي حديثه عن اليهود وفسادهم قال الله معلّلاً غضبه عليهم : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً . . .(13) }(المائدة) .

وقوله تعالى : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّادِمِينَ (31)مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا . . . (32) }(المائدة) .

وقوله سبحانه : { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) }(المائدة) .

وقوله سبحانه : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}(المائدة) .

وقال سبحانه مربياً معلماً : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ . . . (108)}(الأنعام) .

وقوله سبحانه : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)}(الأنعام) .

وقوله سبحانه : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}(الأنعام) .

وقوله سبحانه :
{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) }(الأعراف) .
كما نلاحظ سبب العظة والعبرة في هذه الآية فنجده التنبيه إلى وجوب التقوى والإعذار إلى الله تعالى ..

وانظر إلى رعاية الله سبحانه وتعالى للمسلمين إذ قال جلَّ شأنه في غزوة بدر :
{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
أ ـ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
ب ـ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ
جـ ـ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ
د ـ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)}(الأنفال) .

وقوله محذراً : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) }(الأنفال) .
إن الهروب من الجهاد في أرض المعركة يؤدي إلى غضب الله تعالى .

وقوله سبحانه : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) }(الأنفال) .

وقوله سبحانه : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) }(التوبة) .

وقوله سبحانه محرضاً على القتال ومبيناً نتائجه :
{ قَاتِلُوهُمْ
1 ـ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
2 ـ وَيُخْزِهِمْ
3 ـ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
4 ـ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)
5 ـ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ . . . (15) }(التوبة) .

وقوله سبحانه نافياً العفو عن المنافقين : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ (80) }(التوبة) .

وقوله سبحانه : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }(التوبة) .

وحين نادى نوح ربّه أن ابنه كنعان من أهله وسأله أن ينجّيه من النار، قال الله تعالى :
{ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..(46) }(هود) .

وقوله تعالى : { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
أ ـ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا
ب ـ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ . . . (52) }(هود) .

وقوله تعالى : { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) }(هود) .
وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)}(يوسف) .

وقوله تعالى : { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ
أ ـ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا
ب ـ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) }(يوسف) .

وقوله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) }(النحل) .

وقال تعالى عن الإيمان :
{ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ
أ ـ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا
ب ـ وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
جـ ـ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) }(النحل) .

أما الوصايا التي نجدها في سورة الإسراء فتعليل كل آية في خاتمتها تدل على رفق الله سبحانه بعباده ورحمته بهم فهو الذي خلقهم وهو الذي يدفعهم إلى سبيل الحق ودروب الهداية والمغفرة (انظر : سورة الإسراء ، الآيات : 22 ـ 39 ) .

واقرأ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}(الكهف) .
تعلمْ سبب الحذر وتلك الوصية من الفتيان لمن ذهب يشتري طعاماً .

وقوله تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)
قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)}(طه) .

وتمعن في قوله قوله تعالى : { قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)}(المؤمنون) .
تعلم سبب غضب الله على الكافرين .

واتلُ قوله سبحانه معللاً سبب نزول القرآن منجماً : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)}(الفرقان) .

واقرأ قوله سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم في سبب نبذ الآلهة المزعومة :
{ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
أ ـ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)
ب ـ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)
جـ ـ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)
د ـ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}(الشعراء) .

وقوله سبحانه : { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7)}(الصافات) .

واتلُ قوله سبحانه : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)}(الأحقاف) .
تلقَ سبب غضب الله على الكافرين .

واقرأ قوله تعالى يمدح المؤمنين وافهم تعليل مدحه إياهم :
{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ
أ ـ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)
ب ـ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
جـ ـ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)
د ـ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)}(الذاريات) .

واتلُ قوله تعالى تعلمْ سبب فسقهم : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) }(الحشر) .

واتل قوله قوله تعالى : { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)
يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)
هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)
إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)
وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}(الحاقة) .
تعلم سبب عذاب الله تعالى للكافرين .

وقوله تعالى : { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25)}(نوح) .

وقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) }(المزمل) .

وهكذا فلا بد لكل شيء من تعليل كي نكون على دراية تامة في الأعمال ونتائجها .

يتبع

ياس
2015-03-06, 12:19 AM
اسأل الله العظيم ان يكون ماتقدمه
من مجهود في سبيل الله
وان يجزيك الخير كله
وان يجعل عملك في ميزان حسناتك.

نبيل
2015-03-06, 10:28 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الأمر والنهي

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أمره بشيء : كلّفه به وحثـّه عليه .
ونهاه عن الشيء : حرّمه عليه ، ومنعه أن يعمل به .
قال تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}(آل عمران) .
وقال أيضاً : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ . . . (71)}(التوبة) .
وقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) }(النحل) .
هذه الآيات الثلاث مفتاح هذا الباب ، ونظرة متفحصة لها تجد أن الأمر جاء أولاً والنهي ثانياً وهذا يعني :

أ ـ أن الأمر هو الأصل لأنَّ فيه دفعاً إلى العمل ، ولا حياة بلا عمل ، هذا العمل الذي ينشئ حياة تسعد الإنسان .

ب ـ أن النهيَ ينقي الخير من شوائب الحياة التي تعترض سبيله .
فإذا الأمر والنهي طريق معبَّدٌ لمن يبغي الوصول بسلامة إلى حياة طيّبة في الدارين .
وسنلقي الضوء إن شاء الله في هذا الأسلوب على :

أ ـ الأمر والنهي معاً ، فقد جاءا في القرآن على الغالب متلازمين .
ب ـ الأمر حين جاء وحده وهو وافر .
جـ ـ النهي حين جاء وحده ، وهو قليل .
د ـ الامر بـ (( قل )) .

أ ـ الأمر والنهي معاً :
ففي سورة المدثر نجد الأمر بالدعوة ، وتوحيد الله وتعظيمه ، وتطهير الثوب، فلا صلاة بغير طهارة ، والابتعاد عن المنكرات ففي ذلك تهذيب النفس وتطهير لها ، وإعطاء الناس من خير ما أعطاك الله دون منٍّ ، والصبر على طاعة الله فهي زاد في هذه الحياة ، والصبر على أذى المعاندين المستكبرين ، قال تعالى :
{ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) }(المدثر) .
وفي سورة الإسراء نجد وصاية رائعة يتشابك الأمر والنهي فيها ، فإذا هما لحمة متماسكة ذات بناء عقدي إيماني موحد ، يجمع إليه الإحسان إلى الوالدين ، والأهل وذوي الرحم ، والمساكين ، دون تبذير ولا إسفاف ، ولا تقتير ولا إجحاف ، وينهى عن قتل الأولاد خوف الفقر ، فالله هو الرزاق ، وعن الزنا فهو مدمر للمجتمع والأسرة ، وعن قتل النفس التي حرّم الله قتلها ، وعن أكل مال اليتيم ، وعن التدخل فيما لا يعني ، وعن التكبّر ، ويأمر بالعدل في إيفاء الكيل والوزن الصحيح ، ليصل الناس إلى حقوقهم . . قال تعالى :
{ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25)
وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28)
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35)
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }(الإسراء) .
ففي هذه الآيات الثماني عشرة نجد أحد عشر أمراً ، وثمانية عشر نهياً ، تشكل لنا تلك المجموعة الرائعة من التشريعات التي تنشئ مجتمعاً إسلامياً متماسكاً .

ـ وهذه لقمان عليه السلام يوصي ابنه وصايا سامية ، ترفع من مستوى الإنسان وتجعله مثالاً يُحتذى فيقول :
{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ و
َانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) }(لقمان) .
أ ـ أمره بالصلاة لتكون صلته مع الله تعالى قوية تساعده على التصدي للدعوة .
ب ـ ثم أمره بجماع الخير ، وهو الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .
جـ ـ ولكي يكون قدوة للناس نهاه عن التكبر والتجبر ، وأمره بالاعتدال في سيره وغضّ صوته .

ـ ولكي يكون المسلم من أهل الإحسان ـ وهي درجة عظيمة ـ قريباً إلى الله تعالى فلْيَنْتَهِ عن الفساد وليدعُ الله خائفاً طامعاً في رحمته ، قال تعالى :
{ َلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا
إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) }(الأعراف).

ـ وينهى الله تعالى نبيّه أن ينظر إلى ما متّع به بعض الكفار ، فإنه أعطاه أعظم منها وأشرف وأكرم ـ وإنزال القرآن عليه أعظم منة وكرماً ـ ينهاه أن يحزن لعدم إيمان الناس به ويأمره أن يتواضع للمؤمنين وضعفائهم . . قال تعالى :
{ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)}(الحجر) .
وحين جاء الأمر بإغراق الكافرين من قوم نوح قال تعالى له :
{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)}(هود) .
ولكنَّ نوحاً حسب أن ابنه من أهله فصحح الله تعالى له الانتماء قائلاً :
{ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ
فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)}(هود) .

ـ والمسلمون أهل عهد وذمّة يلتزمون بعهودهم ولا ينقضونها . .
{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا . . .(91) }(النحل) .
ـ والله يعلمنا أن نكون دعاةً نستعمل الحكمة في دعوتنا ، فإن من الحكمة اللطف واللين في المحاجّة ، فإذا كان المجادل من أهل الكتاب غليظاً ظالماً فالتعامل معه بطريقته نفسها من الحكمة كذلك ، قال سبحانه: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) }(العنكبوت) .
فإذا نبهناهم إلى أننا نؤمن بما أنزل إلى موسى وعيسى ـ وكانوا منصفين ـ آمنوا بمحمّد
ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً ، خاصة أن الإله الذي ندعو إلى توحيده هو إلههم ، سبحانه أن يكون هناك إله غيره .

ب ـ الأمر وحده :
ونجده في هذه الآية يأمرنا بأمرين بالغَيْ الخطورة ، قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) }(البقرة) .

ـ والجهاد ذروة سنام الإسلام ، فالالتزام به فرض يبدأ به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه أولاً ، ويدفع إليه المسلمين ثانياً ، وعلى كلّ قائد أياً كان حين يَسُنّ تشريعاً أن يطبقه على نفسه ، فتعرف الرعية أنّه صادق فينفذوه مرتاحين مطيعين ، وبالجهاد يصل المسلمون إلى العزّة ، ودفع الأذى ليس هناك سواه طريق . قال تعالى :
{ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ
وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)}(النساء).

ـ ويؤكد هذه الفكرة في الآية الكريمة التالية :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) }(التوبة) .
إذاً لا بدَّ من قتال الكفار دون هوادة ، فهم لا يكفّون أذاهم عنّا إلا إذا وجدوا فينا شدةً . . لكنَّ النصر منعقد لواؤه بالتقوى فهل نحن متقون ؟! .

ـ وإذا لم يستجب أهل الفساد والعناد للدعوة إلى الله ، ونأوا بأنفسهم عنها فما على الرسول وتلاميذه من أهل الدعوة إلا البلاغ ، فلا إكراه في الدين ، ولا حاجة إلى أن يبخع نفسه ألا يكونوا مؤمنين ، قال جل شأنه : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) }(الذاريات) .

ـ وانظر معي إلى هذا النداء الحبيب من الله تعالى ، فيه من الدرر والجواهر أوامر خمسٌ هنُّ ركيزة التعامل مع الله ورسوله الكريم والحياة من حولنا قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
1 ـ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
2 ـ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
3 ـ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
4 ـ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)
5 ـ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)}(الأنفال) .

ـ والمسلم يصدعُ بالحق فإن قُبِلَ منه الحقُّ كان له خيراً من حمر النعم ، وإن جُوبِهَ بالرفض والإنكار ، فله من الله الثواب في رفضهم لما دعاهم إليه وتحمُّل أذاهم ، أما الرسول
عليه الصلاة والسلام ، فقد عصمه الله منهم { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) }(الحجر) .
فإذا شعر بالضيق مما يحوكه المشركون ، والحزن مما يقولون ، فليلجأ إلى الله تعالى فهو نعم الملاذ ، فسبحان الله تملأ الميزان، وفي السجود يكون العبد قريباً إلى ربه ، والعبادة والدعاء سلاح المؤمن إلى أن يلقى ربه القائل: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)
أ ـ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
ب ـ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)
جـ ـ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) }(الحجر) .

وأخيراً يقول الله تعالى :
أ ـ { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
ب ـ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . . . (19)}(محمد) .
وكيف يعلم أنه لا إله إلا الله ؟ . . . إنّه يعرف ذلك بالتفكير والتدبّر واتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام ، والعمل بما أمر الله ، والانتهاء عما نهى عنه .
كما أن الاستغفار اعتراف بالتقصير والعجز ، وإقرار بالضعف ولجوءٌ إلى الله تعالى الذي يغفر الذنوب ، ولو كانت كموج البحر تدافعاً وتلاطماً .

جـ ـ النهي وحده :
يركز القرآن الكريم على علاقة المسلم بأهل الكتاب ، من يهود ونصارى ، فهم وإن كانوا يعيشون في كوكبنا هذا وبين ظهرانينا ، فليسوا منا ولسنا منهم .
نحن موحدون لله تعالى ـ وهم مشركون .
نحن نحتكم إلى شريعته ـ وهم يتبعون أهواءهم .
ولا بدَّ من العلاقة الماديّة ، أما أن نحبّهم ونسكن إليهم ونتخذهم أولياء أوفياء ، فهذا من الوهم والخيال . . تاريخهم القديم الأسود ، والجديد القاتم أكبر دليل على كرههم وكيدهم
للمؤمنين. والقرآن الكريم فضحهم فقال : { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة) .
وقال : { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}(الممتحنة) .
وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها نجد النهيَ الواضح أن نتخذهم أهل ودِّ ومحبّة ، وإلا كنا مثلهم ـ فالطيور على أشكالها تقع ـ وظلمنا أنفسنا !! قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .
وهؤلاء ـ أهل الكتاب النصارى ـ غَلَوا في نبيهم عيسى ، فجعلوه ابن الإله وبعضهم جعله الإله نفسه ، وغلا اليهود في أمر عيسى فجعلوه ابن ضلال وغي !! وكلا الفريقين يتبع في عقائده أسلافه الذين ضلوا فأضلوا من بعدهم ، وابتعدوا عن الطريق المستقيم :
{ قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(77) }(المائدة) .

ـ وهذه صيحة مدويّة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، تنبّه الناس أن عدوهم الأول الشيطان الذي أخرج آدم وحواء من الجنة
{ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}(الأعراف) .

ـ وانظر معي إلى هذا التحذير المتناهي : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)}(التوبة) .
فالبراءة َ البراءة َ من الأهل مهما كانوا قريبين إن لم يكونوا مؤمنين ، وأين الجامع إذا كان فريق في الجنة وفريق في السعير ؟! وهل يكون محبباً إلينا مَنْ فضّل الكفر على الإيمان ؟ لا والله فمن فعل ذلك فقد ظلم نفسه ، والظلم ظلمات يوم القيامة .

ـ وينهى القرآن عن تصرفات لئيمة تهدم المجتمع وتنقضه من أساسه ، والإسلام دين البناء والأخلاق الحميدة ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)}(الحجرات) .

ـ هل يكذب إلا مفسد أفّاك ؟ وهل يسيء إلا كل مداهن كثير الحلف ذو نفس وضيعة ؟ وهل يسعى بالنميمة إلا كل معتد عتلّ متكبّر . . ؟ فابتعد أيها المسلم عنهم ، قال تعالى :
{ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)}(القلم) .

د ـ الأمر بـ ((قل)) :
جاء في القرآن الكريم وافراً مطرداً لأغراض بلاغية كثيرة منها :

1 ـ التحدي : كقوله تعالى { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)}(البقرة) .
وقوله تعالى :
{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) }(آل عمران) .
وقوله تعالى : { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)}(التوبة) .

2 ـ التوبيخ والسخرية : كقوله تعالى :
{ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)}(التوبة) .
وقوله سبحانه : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) }(التوبة) .
وقوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) }(النساء) .

3 ـ التقبيح والتبكيت : كقوله تعالى : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)}(البقرة) .
وقوله سبحانه : { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)}(البقرة) .
وقال عزّ من قائل : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) }(الأعراف) .

4 ـ توحيد الله : كقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}(الإخلاص) .
وكقوله تعالى : { . . . وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى
قُلْ لَا أَشْهَدُ
قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}(الأنعام) .

5 ـ اللجوء إلى الله تعالى : كقوله سبحانه :
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) }(الفلق) .
وقوله عزّ وجلّ : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) }(الناس) .
وكقوله تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا
تُشْرِكُونَ (41) }(الأنعام) .

6 ـ دحض الافتراء : كقوله تعالى :
{ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) }(البقرة) .
وقوله سبحانه : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)}(الأنعام) .
وقوله عزّ وجل : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) }(آل عمران) .

7 ـ جواب سؤال : كقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ
وَالْحَجِّ ...(89) }(البقرة) .
وقوله سبحانه : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
أ ـ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
ب ـ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا
جـ ـ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ
د ـ قُلِ الْعَفْوَ . . . (219) }(البقرة) .
وقوله عزّ وجل : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ . . (127) }(النساء) .
وقوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ . . .(176) }(النساء) .

8 ـ ردّ الأمر إلى الله تعالى : ومثاله قول الله سبحانه : { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ...(50)}(الأنعام) .
وقوله تعالى : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ (51)}(التوبة) .
وقوله عزّ وجل : { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)
قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)}(الملك) .

وهناك أغراض كثيرة فتدبّر كتاب الله فيها ، إن كنوزه غالية تتبدّى لمن يخلص له سبحانه جعلنا الله منهم .

يتبع

ياس
2015-03-06, 10:56 PM
بارك فيكم ربي على خير النقل
جعله الله في صحائف اعمالكم

الفهداوي
2015-03-06, 11:02 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ..

نبيل
2015-03-06, 11:38 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

السؤال

الدكتور عثمان قدري مكانسي


هو من الطرق الأصيلة في تحصيل العلم ، فقد تجد معلماً ينصحك ، ويفيدك علماً ، ويوضح لك أموراً ، وقد يشكل عليك أمر فتسأله ، وتستفسره ، فيجيبك ، ويزيل الإبهام من نفسك ، وللسؤال فوائد مهمة منها :

1 ـ اكتساب معرفة ، وازدياد علم ، قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ( النحل 43 و الأنبياء 7 ) .

2 ـ إزالة شك ، ودفع ريبة ، قال تعالى : { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)}(يونس).

3 ـ استشهاد على موقف وتعزيزٌ له ، قال تعالى : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)}(الإسراء) .
وسؤال الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ليهود المدينة ، لعلمهم بالحادثة مما لديهم في التوراة ، ليَظهَر لعامة اليهود وعلمائهم صدقُ ما ذكره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

4 ـ التعظيم والإجلال ، قال تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)}(الفرقان) .
وهل يُسألُ عن عظمة الله سوى الله سبحانه ؟!!.

5 ـ التبكيت والتوبيخ ، فقد أنسى العذابُ الشديدُ في جهنّم الكفارَ والمشركين المدة التي لبثوها في الدنيا { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)}(المؤمنون) .

6 ـ التذكير والاعتبار ، قال تعالى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)}(الأعراف) .

7 ـ التحدي . ومثاله ما حدث لإبراهيم عليه السلام ، من تحدٍّ لقومه حين كسَّر أصنامهم ، فسألوه عن الفاعل ، فنببهم إلى أن هذه الآلهة المزعومة لا تستطيع دفع مضرة عن نفسها .
فكيف تنفع الآخرين . . إنها لا تتكلم ولا تسمع . . قال تعالى : { فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)}(الأنبياء). .

8 ـ تنبيه الغافل كي لا يقع في الخطأ ، فقد نبه الله سبحانه المؤمنين أن لا يكونوا كاليهود
الذين سألوا موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة فضلّوا ، قال تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}(البقرة) .

9 ـ السخرية والتهكم . ومثاله قول الله تعالى : { سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)}(القلم) ، يسخر من الذين يسوّون المطيع بالعاصي ، والمؤمن بالكافر ، ويتقوَّلون على الله تعالى ما لا يعلمون ، فيطلب الله تعالى إلى رسوله الكريم ، أن يسأل هؤلاء المكابرين : أيهم كفيل وضامن بهذا الذي يزعمون .
والذي نريده في هذا العنوان " السؤال " الفائدة الأولى اكتساب معرفة وازدياد علم .

ـ فمن أمثلة ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..(215) }(البقرة) فنبهمم بأسلوبه الحكيم ، إلى صلة الأرحام ، وعلى رأسهم الوالدان ، ثم مساعدة الآخرين المستحقين .

ـ وقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ . . .(217) }(البقرة) ، وصحيح أن القتال في الأشهر الحرام كبيرةٌ لا يرضاها الله تعالى ، لكنَّ هناك ما هو أشدُّ وأنكى ، منها :
أ ـ اتخاذ كل الأساليب الخبيثة لصد الناس عن دين الله .
ب ـ وما تبعه من فتنة المسلم ليرتدَّ عن دين الله إلى الكفر .
جـ ـ وصدُّ من آمن من العرب عن بيت الله .
د ـ وإخراج المسلمين من أهل مكة عنها . . كلُّ هذا أشدُّ وأعظم وزراً من القتال في الأشهر الحرم . .

ـ وقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا . . . (219)}(البقرة) إن في الخمر والميسر منافعَ ماديّة ضئيلة ، ولكنَّ ضياع العقل ، وذهاب المال ، وتعريض البدن للمرض في الخمر ، وما يجره القمار من خراب البيوت ، ودمار الأسر ، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين ، . . كل ذلك محسوس مشاهد إذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه لهذين المنكرين الخبيثين .

ـ وقوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ . . . . (220)}(البقرة) ، ماذا يفعلون بأموال اليتامى ؟ فكان الأمر أن يخلطوا أموالهم بأموال السائلين ، وينمّوها بالتجارة ، لأنهم إخوانهم في الدين ، وهذه الإخوَّة أقوى من رابطة النسب وحذّرهم الله تعالى من الخيانة وإفساد أموال اليتامى ، أوأكلها ، فهو مطّلِعٌ يعلم المفسد من المصلح .

ـ وقوله سبحانه : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
قُلْ هُوَ أَذًى
أ ـ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ
ب ـ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
جـ ـ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
د ـ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)}(البقرة) ،
فبيّن الله تعالى حقيقة المحيض ، وأمَرَ المسلمين اعتزال نسائهم في حيضهنّ ، والمقصود عدم المعاشرة الجنسية ، لا عدم التقرب منهنّ ومؤاكلتهن ومجالستهن ، كما يفعل اليهود إذا حاضت نساؤهم ، فإذا تطهّرْن فالمعاشرة في المكان الذي أحلّه الله ، وهو القُبُل مكان الولد والنسل ، فالله يحب التائبين المتنزهين عن الفواحش والأقذار . .

ـ وقوله عزّ وجلّ : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)}(المائدة) فالله تعالى أحلَّ المستلذّات وما ليس منها بخبيث ، وحرَّم كلَّ مستقذر ، وأحلَّ لنا ما تصطاده الجوارح من كلاب وطيور نُعَلِّمها كيف تصطاد . فإن أكلتْ منها فلا نأكل منها ، وإذا اصطادت هذه الجوارح كما علَّمناها ذكرنا اسم الله تعالى عليها وأكلناها. . .

ـ وقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ..(187)}(الأعراف) فلا يعلم أحدٌ متى تكون الساعة إلا خالقها ، وهو سبحانه الذي يأمر بها في الوقت الذي حدده لها ، إنها الغيب الذي استأثر به سبحانه نفسه .
ـ ويقول سبحانه وتعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ
قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
أ ـ فَاتَّقُوا اللَّهَ
ب ـ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ
جـ ـ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)}(الأنفال) حين اختلف المسلمون في غزوة بدر على الأنفال ، فجمع بعضهم الغنائم من أرض المعركة ، وتابع بعضهم فلول المنهزمين من المشركين ، وكانت العادة أن مَنْ جمع الغنائم فهي له ، فاختصم المسلمون فيها ، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يعلّمهم أن همّهم يجب أن يكون منحصراً في الجهاد فقط ، فجعل الأنفال كلها لله ورسوله ، وليس للمسلمين شيء ، فلما أذعنوا لأمر الله ورسوله قسّمها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين المسلمين على السواء ، فكان في ذلك تقوى الله ، وطاعة رسوله ، وإصلاح ذات البين .

ـ وقوله عزّ وجل : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}(الإسراء) سأل المشركون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أهل الكهف وذي القرنين ، فأجاب عنهم حين نزل جبريل بآيات توضح حالهم ، وسألوه عن ماهية الروح وحقيقتها ، فكان الجواب أنها من الأسرار الخفيّة التي لا يعلمها إلا رب البريّة سبحانه وتعالى ، وما عِلْمُ الناس إلا ذلك العلم الضئيل الذي يناسب عقولهم وقدراتهم .

ـ وقوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)}(الكهف) ، فوضح لهم في الآيات 84 ـ 98 من سورة الكهف أنّه رجل صالح ملك المشرق والمغرب فسمّيَ ذا القرنين . وقد وضّحتْ كتب التفسير قصّته وأظهرت العبرة فيها .

ـ ومنها قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)}(طه) فالجبال يوم القيامة غير الجبال في الحياة الدنيا ، فهي الآن شاهقة ، ذراها تناطح السحاب ، وصخورها صماء ، وجذورها ذاهبة في الأرض . أما يوم القيامة فإن الله تعالى يفتتها كالرمل ، ثم يرسل عليها الرياح فيطيّرها فيذرها أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها ولا بناء ، ولا انخفاضاً ولا ارتفاعاً . . سبحان الله ما أعظمه . . قادر على كل شيء .

وفي القرآن الكريم أربعة عشر موضعاً يبدأ بقوله تعالى " يسألونك" وأرى فيها بعض الأمور التربوية أجملها بما يلي :

1- لا بد من السؤال ، فالسؤال باب العلم . ويجب السؤال عمّا ينفع . وترك ما لا يُفيد.
2- ومجيء الفعل بصيغة المضارع تنبيه إلى أن على المسلم أن يسأل ويتحرّى ، ويستفهم عما يفيده ، ولا يكِلّ عن السؤال .
3- والكاف في قوله " يسألونك" تنبيه إلى أنه علينا أن نسأل العالم فقط ، فهو الذي يدلنا على الجواب الصحيح ، أما الجاهل فيَضِل ويُضِلّ .
4- لا بد من توضيح السؤال ليتضح الجواب " يسألونك ماذا ينفقون " يسألونك عن الأنفال " يسألونك عن المحيض ".. فالسؤال محدد وواضح ليعرف المسؤول ماهيته، فيجيب عنه لا عن غيره .
5- ويجب على المسؤول أن يجيب بوضوح يؤدي إلى تشبع السائل فلا يحتاج أن يسأله عن الأمر نفسه مرة ثانية ، أو أن يسأل غيره لأن المسؤول الأول لم يُفهمْه ، أو لم يشفِه الجواب .
6- أن ينبه العالم المسؤول بعد الجواب إلى المغزى من الفهم والعمل كقوله تعالى في سورة الأنفال : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلحون } فالمرادُ التقوى والإصلاح والطاعة . .. وهذا مثال ينطبق على جميع ما أردناه من السؤال " يسألونك " فلتعُد إلى أسئلة القرآن التي ذكرناها .. والله ولي التوفيق .
7- وأنبه إلى أن سؤالاً واحداً من أربعة عشر سؤالاً لم تجئ الإجابة عنه لأنه عن موعد الساعة
( يوم القيامة ) وهو قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)} (الأعراف ) ، فهو من علم الغيب الذي لم يطلع الله تعالى أحداً عليه .

يتبع

نبيل
2015-03-07, 12:01 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التعجب

الدكتور عثمان قدري مكانسي


روعة تأخذ الإنسان عند استعظام الشيء . . . وقد يكون إنكارَ الأمر لقلّة اعتياده إياه .
وهو ردة فعل محمودة العواقب إن كانت إيجابية عن تفكير وتدبر .
ومذمومة العواقب إن كانت سلبية عن رفض للحقيقة ناتجة عن المعاندة والاستكبار . . .
وفي القرآن الكريم أنواع من التعجب تدلُّ على كلتا الحالتين .

ـ فمن أمثلة الحالة الأولى :

ما صوّره القرآن الكريم لحالة التعجب عند السيدة سارة ، زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام ، حين بشرتها الملائكة بولدها إسحاق ، وهي امرأة عجوز عقيم
، قال جل شأنه: { فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)}(الذاريات)
فأجابتها الملائكة أنه لا رادَّ لقضاء الله وكرمه :
{ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)}(الذاريات) .
وتتوضح الصورة أكثر في الآية التالية :
{ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)}(هود) .

ـ ومن أمثلته قوله تعالى على لسان فتى موسى عليهما السلام فقد انطلق الحوت المشوي سابحاً في الماء بعد أن رد الله تعالى له الحياة :
{ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) }(الكهف) .
ولكن موسى لم يتعجب ، لأنه يعلم ان الرجل الصالح سيلاقيه في المكان الذي يختفي فيه الحوت ، فعادَ وفتاه ادراجهما إلى الصخرة فلقياه .
قال سبحانه: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)}(الكهف) .

- ومن أمثلته ما قال زكريا عليه السلام حين بشره جبريل بيحيى عليه السلام ، قال عز وجل
{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 )
قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)}(مريم) .
وما قالته مريم عليها السلام حين فوجئت بالملك ، فتعوذت بالله أن يضرّها، قال سبحانه :ـ
{ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)}(مريم) .

ـ ومن أمثلته قصة قارون الذي رزقه الله أموالاً طائلة ، فكفر بأنعم الله وادعى أن ذكاءه وعبقريته كانا السبب في هذا الثراء الفاحش ، وأنكر فضل الله عليه ، وكان ضعفاء الإيمان يتمنّون أن يكون لهم مثل ماله ، والعلماء الواعون منهم ينبهونهم إلى أن ثواب الله وفضله ورضاه خير لهم .
وحين خسف الله به الأرض على حين غَرّةٍ من صلفه وتكبّره انتبه أولئك متعجبين من قدرة الله العجيبة التي ذهبت بالمتكبر المغرور ، ومتعجبين كذلك من هوان قارون على الله ، ومتعجبين ثالثاً من غفلتهم عن الحقيقة التي كان عليهم أن يدركوها سابقاً ، وهي فضل الله عليهم أنْ حفظ لهم إيمانهم وحسن عاقبتهم .قال جل شأنه:
{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)}(القصص) .

ـ ومن أمثلته تعجب الناس من مريم وهي تحمل طفلها ، ولمّا تتزوّج ، وحسبوا أنها زنت قال تعالى :
{ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}(مريم) ،
وحُقَّ لهم أن يقولوا ذلك لما يعلمونه من عبادتها وتقواها
{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}(مريم) .
فتكلم الرضيع الكريم بلسان مبين يسمعه الجميع ، وهو يدافع عن أمه التهمة الباطلة ، ويبرئها مما ظنوه بها ، قال سبحانه:
{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }(مريم) .

ـ ومن أمثلته أسلوب التعجب في مدح ذاته سبحانه " أفعِلْ به " في قوله تعالى :
{ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)}(الكهف) .
وقوله سبحانه يصوّر كآبة منظر الكفار يوم القيامة .
{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا . . .(38)}(مريم) .

ـ ومن أمثلة الحالة الثانية : تعجب الكافرين من أمرين اثنين :

الأول : أن يكون النذير رجلاً منهم وهم يظنون أنّه ينبغي إن جاءهم أن يكون ملكاً ، أو يأتي بملك معه ، قال عز وجل: { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)}(ق) .
وقال عز من قائل : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)}(ص) .
{ أكان لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ . . . (2)}(يونس) .
{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ
لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا
وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ( 8 )}(الفرقان) .

الثاني :

أ ـ يتعجبون من الإيمان بالنشور ويوم البعث :
قال تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}(يس) .
وقال سبحانه : {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)}(ق) .
وقال سبحانه : { وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (5)}(الرعد). فهم يسخرون من الحياة بعد الموت ، ويظهرون التعجب ، والأَوْلى أن نتعجب نحن من تعجبهم ، فلو أنهم فكروا قليلاً لسألوا أنفسهم مَنْ خلقنا ؟ من جعلنا على هذه الصورة ؟ أوُجـِدْنا عبثاً ؟
وإذا عرفوا أن هناك مَنْ أوجدهم من عدم أيقنوا أنه سبحانه قادر على أن يبعثهم من وجود ، وهذا أسهل عليه وكلُّ شيء عليه سهل ـ سبحانه ـ وأن الناس خلق بسيط إذا ما قورنوا بخلق السموات والأرض ، قال عز وجل:
{ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)}(غافر) .

ب ـ يتعجبون من توحيد الله سبحانه :
فهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى فهم يستنكرون وحدانيته ، وعقولُهم القاصرة ترى أن الكون الضخم يحتاج إلى آلهة كثيرة تديره وتدبر أمره . . !!
{ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) }(ص) .
وفي سورة النجم من الآية الثالثة والثلاثين ، حتى الآية الثامنة والخمسين ، يؤكد القرآن الكريم على وحدانيّة الله .
أ ـ فهو القادر على كل شيء .
ب ـ وإليه المنتهى .
جـ ـ وكل شيء من صنع يديه .
د ـ وأن الآلهة التي يعبدونها من مخلوقاته .
هـ ـ وقد أهلك الله الكفار لكفرهم وأن يوم القيامة قادم لا محالة .
ومع ذلك فهم يتعجبون من هذا الكلام ، ويسخرون ، والله يعنفهم ويوبخهم بقوله سبحانه :
{ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)
وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60)
وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61)}(النجم).
ومن العجب أن تتقبّل العقول عبادة ما صنعوه بأيديهم ، وينسوا عبادة من صنعهم بيديه !!
{ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)}(الصافات) .
{ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) }(الصافات) .

والإنسان العاقل يعبد ما ينفعه ليكسب منه ، ومَنْ يخافه ليحذر عقابه ، ومَنْ بيده مقاليد الأمور . .
أما عبادة ما لا ينفع ، ولا يضر ، ولا يعي ، ولا يعقل ، فانحطاط ، ما بعده انحطاط . .
قال تعالى : { قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)}(المائدة) .
والله سبحانه وتعالى ينبه الإنسان إلى خطئه بلطف مشوب بالتحذير
{ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ( 8 )}(الإنفطار) .
ويُعلِمُه أنه قادر ليس على إعادة خلقه فقط ، بل إنه سبحانه قادر على أن يعيد خطوط بصماته التي لا يشابهه فيها بصمات الناس الآخرين ، وهذه قمّة في الدقة والعظمة :
{ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)}(القيامة) .
أما الكافر المشرك فقد حجب عن قلبه نور الإيمان ، ورضي بقلب الحقائق ليرضي نزواته ، ويرضي مَنْ حوله ليبقى مهيباً في أعينهم . لكنَّ الله سبحانه له بالمرصاد . . ولئن تركه في الدنيا لَـَعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى . ومِنْ أمثلة هؤلاء الوليد بن المغيرة ، الذي رزقه الله مالاً وبنين فلم يعرف نعمة الله عليه ، واختلق الأكاذيب ليشوّه مقام النبوّة ، ويصمه بالسحر والكذب ، ويدّعي أنه أولى من الرسول الكريم بالرسالة . . إنَّ أمره عجيب ، وتفكيره غريب . . فالله أعلم حيث يجعل رسالته :
{ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)
وَبَنِينَ شُهُودًا (13)
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14)
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)
كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16)
سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)
ثُمَّ نَظَرَ (21)
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)
إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)}(المدثر) .

وهكذا كان التعجب أسلوباً يحث السامع أو المخاطب ليعيد التفكير ، ويمحص القول ، ويروزُ الأمر ليصل إلى الحقيقة ، وما أقل من يفعل ذلك .

يتبع

نبيل
2015-03-08, 09:07 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التنبيه

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يكون التنبيه إلى أمر ما لأسباب عدّة منها :

أ ـ جذب الاهتمام به لشرفه ورفعة شأنه وتعظيمه .
ب ـ الاستعداد لفهمه ومعرفته ، والتأهب له ومقارنته بضده .
جـ ـ أن لا يضيع شيء مما يكون منه ، فلا يُضطر قائله إلى الإعادة .
د ـ تفطين الغافلين للشيء ، ووقفهم عليه ، والتفكير فيه .

والقرآن الكريم أنزله الله تعالى على نبيّه الكريم ليقرأه على الناس ، مبشراً ونذيراً فهو
ـ القرآن الكريم ـ رسالة إلى الخلق من ربهم ليتفكروا فيه ، ويعملوا به ، فلا بدَّ أن يكون التنبيه متواتراً متلاحقاً بأساليب وطرق متعددة ، منها :

1 ـ الاستفهام بـ { هل أتاك } :

كقوله تعالى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)}(الغاشية) وليس الرسول الكريم عارفاً بهذا الحديث ، ولا السامعون ، فلِمَ كان هذا الاستفهام ؟! إنه لتعظيم خطره والتنويه إلى أهميته ، فيُصاخ السمعُ ، وتتأهبُ النفسُ مستعدّة لتلقّيه .
ومثاله كذلك : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)}(الذاريات) والرسول الكريم لا يعرف قصّة الملائكة الثلاثة الكرام : جبريل وميكال وإسرافيل مع سيدنا ابراهيم عليه السلام ، فهذا الاستفهام ليس للتذكير إنما لجلب الانتباه والتركيز فيما يأتي من خبر .
وعلى هذا المنوال نفهم قوله تعالى :
أ ـ { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15)(النازعات) .
ب ـ وقوله سبحانه : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)}(ص) ،
جـ ـ وقوله عز وجل : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)}(البروج) .

2 ـ الاستفهام بـ { أرأيتَ ، أرأيتم } :

وذلك للتفكير والتدبر والمقارنة دون الحاجة إلى الإجابة اللفظيّة ،
كقوله تعالى : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً (3)}(الفرقان) .
وكقوله تعالى : { أفرأيت الذي تولّى (33) وأعطى قليلاً وأكدى (34)}(النجم) .
وكقوله تعالى { أرأيت الذي يكذّب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2)} (الماعون) .
وكقوله تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ . . .(46) }(الأنعام) .
وكقوله جل وشأنه : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) }(الأنعام) .
وكقوله تعالى : { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) }(الواقعة) .
وقوله سبحانه : { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) }(الواقعة) .
وقوله جل شأنه : { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)}(الواقعة) .
وقوله جل شأنه : { أفرأيتم النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)}(الواقعة) .
وكقوله تعالى : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}(النجم) .
وقوله سبحانه : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا . . .(28)}(الملك) .
والأمثلة كثيرة في هذا الباب .

3 ـ اذكر :

فعل الأمر الذي خرج عما وضع له إلى التنبيه ، لأمر نبيهٍ شريف يستحق أن يُقلَّدَ أو يُتخذَ مثالاً يحتذى .
كقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)}(ص) .
وقوله سبحانه : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)}(ص) .
وكقوله جل شأنه : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)}(طه) .
وقوله سبحانه : { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ..(21)}(الأحقاف) ،
وقوله تعالى : { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ...(86)}(الأعراف) .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة .

4 ـ التكرار :

وهو سمة ظاهرة في القرآن الكريم ، أفردنا له عنواناً خاصاً . ولأنَّ مِنْ أغراضه التنبيه ننوّه إليه ـ هنا ـ باختصار :

أ ـ تكرار جملة بعينها من أول السورة إلى آخرها :

كقوله تعالى في سورة الرحمن : { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)}(الرحمن) . (تكررت إحدى وثلاثون مرة في السورة)
وكقوله تعالى : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)}(الشرح) .
وكقوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) }(الشعراء) وذكرت سبع مرّات في سورة الشعراء بعد كلِّ قصة للأنبياء الكرام ، عليهم صلوات الله وسلامه ، مع أقوامهم .

ب ـ تكرار تعبير بعينه للتنبيه إلى خطره :

كقوله تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)}(المدثر) .
وقوله سبحانه : { الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)}(الحاقة) .
وقوله سبحانه : { الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)}(القارعة) .

جـ ـ تكرار ألفاظ بعينها :
مثال ذلك : " كلّا " في سورتي المدثر والمطففين ، و " يوم الفصل " في سورة المرسلات ، و " ليلة القدر " في سورة القدر .

5 ـ النداء :

وهو من أهم الأساليب في التنبيه الوارد كثيراً في القرآن الكريم ،من أمثلة ذلك:
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ..(21)}(البقرة).
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا . . .(15)}(الأنفال) .
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ..(28)}(التوبة) .
ولا بدّ من جواب للنداء نلحظه من الأمثلة السابقة : { اعبدوا ربكم } ، { إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار } ، { إنما المشركون نجس } .

6 ـ حروف القرآن الكريم :

والمقصود بها الحروف التي تصدَّرت كثيراً من سور القرآن الكريم ليتُنَبِّه إلى أمور منها :
أ ـ أن القرآن كلام الله المعجز ، وهو مؤلف من هذه الحروف التي تقرأونها في أول السور ، فمَنْ شك أنه من عند الله فليأت بمثله ! . .
ب ـ أن هذه الحروف فواتح السور ، لها أسرارها العظيمة الجليلة .
ـ وقد تبدأ بعض هذه السور بحرف تسمى به ، كسورة " ق " وسورة " ص " .
ـ وقد تبدأ بحرفين وتسمى بهما كسورتي " يس " و " طه " وقد لا تسمّى بهما ، كسورة النمل فقد بدأت بالحرفين { طس } وسورتي غافر وفصّلت ، وأخواتهما الشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف فقد بدأت بالحرفين { حم } .
ـ قد تبدأ بثلاثة أحرف ، كسورة البقرة وأخواتها آل عمران والعنكبوت ، والروم ، ولقمان والسجدة ، فقد بدأت بـ { ألم } .
وسورتي الشعراء والقصص اللتين بدأتا بـ { طسم } .
وسورة هود وأخواتها يوسف ، ويونس ، وإبراهيم ، والحجر ، التي بدأتا بالحروف { آلر}.
ـ وقد تبدأ السورة بأربعة أحرف ، كسورة الرعد التي بدأت بـ { آلمر} .
ـ وقد تبدأ السورة بخمسة أحرف كسورة مريم التي بدأت بـ { كهيعص } .

ولعلَّ المتفحص لآيات القرآن الكريم يجد كثيراً من أدوات التنبيه التي تحرك الوجدان والمشاعر ، وتشحذ القلب والعقل ، وتدفع إلى التفكر والتدبّر ، وترقق الأحاسيس ، وتذكر بالله ـ سبحانه ـ وعظمته .

يتبع

نبيل
2015-03-09, 10:41 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الإصرار

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أسلوب شديد في التأكيد يدل على :

1 ـ ثبات في التصور ، وقوة التوجّه .
2 ـ إصرار على الاستمرار في تحقيق الهدف .
3 ـ التحدي في إنقاذ ما يراد . . .

وإذا وجد مؤمنون بقضية ما فيهم هذه الصفات فهذه قضيّة نافذة بإذن الله ، وأصحابها واصلون إلى ما يصبون إليه ، فما بعد العزيمة والإصرار من تراجع أو انحسار ، وهكذا أصحاب المبادئ ، وهكذا يجب أن يكونوا .
والأمثلة في القرآن الكريم على هذا الأسلوب وافرة جداً ، نقتطف من رياضه طاقة وافية إن شاء الله :

ـ فالكفار يوم القيامة حين يرون العذاب يتمنّون الخلاص منه ـ وأنّى لهم ذلك ـ وعلى الرغم من أنهم بخلاء ، كانوا يسلبون الناس أموالهم وأراضيهم ، ويقتلون من يقف أمام رغباتهم المتوحشة في امتلاك كل شيء ، . . ولو أنهم امتلكوا المال الكثير ، والذهب الوفير ، لقدموهما وأضعافَ ذلك بكثير كي ينجوا من النار ، لكنّ إرادة الله تعالى كتبت على هؤلاء الشقاء ، ولا بدّ من العقاب الدائم الأبدي ، لكل من طغى وتجبّر واستكبر ، قال تعالى:
{ فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39)}(النازعات).

ـ وتأمل الإصرار في إظهار دين الإسلام ، دين الحق على كل الأديان المحرّفة ، والشرائع الممسوخة ، على الرغم من تآمر المتآمرين ، ومكر الماكرين :
{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 8 )
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)}(الصف)
وليس بعد هذا الإصرار من إصرار ، والنصر حليف المسلمين إن شاء الله.

ـ وحين أصرّ الكفار من قوم نوح على الإشراك بالله ، وعبادة الأصنام ، وكان أحدهم يمسك بيد ابنه ، ويأخذه إلى نوح فيقول له : يا بني ! إن جدك أخذ بيدي إلى هذا الرجل الكاذب !! وحذرني منه ، والآن انا أحذرك منه فلا تؤمن به ، وحين أصرّوا على اتخاذ الأوثان آلهة ،قال سبحانه :
{ وقالوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)}(نوح).
أمر الله سبحانه وتعالى نوحاً عليه الصلاة والسلام أن يصنع سفينة ، ليحمل فيها أهله المؤمنين ومن آمن معه ، فقد كتب الله على الكافرين الغرق . . ونهاه أن يحدثه في نجاة الذين ظلموا . .
{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)}(هود) .

ـ إن ديننا دين البرّ ، ودين الاعتراف بأولي الفضل والإحسان إليهم ، والوالدان صاحبا المنّة والفضل على أبنائهما بعد الله سبحانه وتعالى ، وقد أمرنا الله عزّ وجلّ في أماكن عدة في كتابه الكريم ، بعد الأمر بتوحيده وعبادته ، أن نحسن إلى آبائنا ولو كانوا كافرين ، وأن نطيعهم فيما يأمروننا به ، ونرفق بهم مع الإصرار على الإيمان بالله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، قال سبحانه:
{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 )
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)}(العنكبوت) .
وقال عز وجل:
{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ..(15)}(لقمان) .
فالإحسان إلى الوالدين أمر مشروع ، لكنّ الطاعةَ في العقيدة لله فقط سبحانه .

ـ وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقسم أنْ يحطم الأصنام ، في أول فرصة تسنح له ، قال تعالى:
{ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)}(الأنبياء) .
وأصرَّ قبل إلقائه في النار ، وبعد إنقاذه منها أن يلجأ إلى الله ، فهو غوث المستغيثين
{ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}(الصافات) .
وباهتمامه عليه الصلاة والسلام وإصراره على نشر الحق كان أمةً وحده وصار خليل الله وصاحب الملّة السمحاء . . .

ـ وهذا سيدنا موسى عليه السلام ، أحد الانبياء الخمسة أولي العزم ، يصرّ على مرافقة الرجل الصالح ليتعلم منه ، فهو ينطلق مسرعاً إلى مكان اللقاء مزمعاً على ذلك ، ولو سار الدهر كله ، قال عز وجل: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) }(الكهف) .
ولما لقيه عرّفه بنفسه ، وسأله أن يسمح له بمرافقته للتعلم منه فاعتذر الرجل الصالح ، فلن يستطيع أحد أن يرضى بما لا يعرف لحدوثه سبباً ، ولا يسأل عن السبب ، فأصرّ موسى على التعلم منه ، ووعده أن يصبر فلا يسأل ، ثم لا يعصي له أمراً يريده ، فنزل الرجل الصالح على إصراره على أن يختبره في الأمور الثلاث الأولى :
{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)}(الكهف) .

ـ ثم إننا نرى الإصرار الذي ينبع من الإيمان العظيم لسيدنا موسى ، بدينه وقضيته حتى يقف أمام فرعون ذلك الجبار المتكبر غير هيّاب ولا وجل ، يجادله ويحاجّه فكرةً بفكرة .
{ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قال فرعون وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قال للملأ حوله إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)}(الشعراء) .
فالقارئ يرى ويسمع ذلك الحوار الساخن بين نبي الله المؤمن بدعوته المتحمس لها ، المعتمد على الله سبحانه وتعالى ، وبين ذلك المتأله المتغطرس الذي يأنف أن تنزع الألوهية منه وتعود إلى صاحبها ـ الله سبحانه ـ إنّه إصرار رائع على وضع الحق في نصابه .

ـ ونرى أحد إخوة يوسف يقف محتاراً ، فقد وعدوا أباهم أن يعودوا بأخيهم بنيامين إلى فلسطين ، وها هو يَسرِقُ ويُستَعبَدُ حين انكشف ، ولن يصدق أبوهم هذه القصة فهو ـ الأب ـ يعرف أنّ ابنه رجل صالح لا يسرق . . .
فكيف يعود هذا الأخ دون أخيه ، فيصرّ على أن يبقى في مصر ، ولا يخلف وعده ، إلا إذا سمح له أبوه بالعودة ،قال جل شأنه:
{ فَلنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)}(يوسف).

ـ أما مؤمن ( يس ) ، فقد علم بتكذيب أهل المدينة الأنبياءَ الثلاثة ، فانطلق من مسكنه البعيد في الطرف الآخر من المدينة يسعى لنصرة أنبياء الله ، ويعلن إيمانه على الرغم من هياج الكفار وتهديدهم الرسلَ وغضبهم منهم ، ويصل الرجل المؤمن ، ويصدح بكلمة الحق ، ويصرّ عليها ، فيقتلونه في سورة هياجهم ، ويدخل الجنّة ، وهذا ما كان يصبو إليه ، قال عز من قائل:
{ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}(يس) .

ـ وهؤلاء المسلمون في المدينة ، تحيط بهم الأحزاب من كل جهة . . . أخافوا واستسلموا أم ازداد إيمانهم وثبتوا ؟.
قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله من المحنة والابتلاء ، ثم النصر على الأعداء ، والله صادق الوعد ، ورسوله صادق البشرى . . وأصروا على الجهاد والثبات فنالوا ثمرة ذلك الصبر والإصرار والنصر ، ولله المنّة والفضل ، قال تعالى:
{ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)}(الأحزاب) .

فبالثبات والإصرار يبلغ المجتهد مأربه وينال رغبته .

يتبع

نبيل
2015-03-09, 10:59 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التفصيل

الدكتور عثمان قدري مكانسي


أهناك فائدة من الحديث إن كان مبهماً ، أو ملخَّصاً لا يفي بالغرض ؟
وهل ينفَّذ الأمر إن لم يكن واضحاً مفهوماً ؟
وإن نفّذ دون توضيح وتفصيل أيصلُ إلى الغاية المنشودة والهدف المقصود؟ .
كلما كان الأمر واضحاً مفصّلاً ، دقيقاً منظَّماً ، كان التعامل معه مريحاً بيّناً . ومثاله في القرآن الكريم كثير كثير ، بل إن القرآن الكريم يقوم عليه ويدعو إليه فهو يقول : { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)}(الإسراء) ، { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)}(يونس) ،
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 8 )}(الرعد) .
وهذا يدعونا إلى السير على هداه لنبلّغ الرسالة للناس كما يريد ربنا سبحانه .

فمن هذه الأمثلة قوله تعالى في آية الدَّين :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
1 ـ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
2 ـ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ
3 ـ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا
4 ـ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ
5 ـ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا
6 ـ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا
7 ـ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا
8 ـ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
9 ـ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
10 ـ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
11 ـ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
12 ـ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)}(البقرة) .
أرأيت إلى هذا التفصيل الذي لم يترك شاردة ولا واردة ؟ ، هكذا يكون التعامل شاملاً ، دقيقاً ، واضحاً لا لبس فيه ولا ثغرة ، فتحفظ الحقوق ، وترتاح النفوس، ويَسْلم الدين .

ـ ومثاله كذلك هذا الشمول في تفصيل الشهوات ، والإشارة إليها :
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
أ ـ مِنَ النِّسَاءِ
ب ـ وَالْبَنِينَ
جـ ـ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
د ـ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
هـ ـ وَالْأَنْعَامِ
و ـ وَالْحَرْثِ ..(14)}(آل عمران) .

ـ ومثاله قول الله سبحانه في وصف المنافقين المفسدين ، وفضحهم الساخر :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
1 ـ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ
2 ـ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
3 ـ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
4 ـ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
5 ـ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ
6 ـ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
7 ـ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا
8 ـ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)}(آل عمران).

ـ ومثاله في التعامل مع اليتامى وأموالهم ، والسفهاء ، والتعامل مع النساء قوله تعالى :
1 ـ {. . . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
2 ـ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
3 ـ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)
4 ـ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
5 ـ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
6 ـ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
7 ـ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)
8 ـ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا
9 ـ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)}(النساء).

ـ ومن الأمثلة الدقيقة الشاملة المفصّلة في سورة النساء :
1 ـ آيات المواريث من الآية السابعة وحتى الآية الرابعة عشرة .
2 ـ آيات التوبة [ 16 ـ 18 ] في أن المشركين لا يعمرون مساجد الله ، إنما المؤمنون فقط مع ذكر سمات المؤمنين .
3 ـ أصناف النساء المحرّمات الآيتان [ 23 ـ 24 ] .
4 ـ صنفا المنافقين الآيات [ 88 ـ 91 ] .

ـ ومن الأمثلة في السورة نفسها قوله تعالى في القتل الخطأ :
1 ـ { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً
2 ـ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
أ ـ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
ب ـ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
جـ ـ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
3 ـ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
4 ـ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)}(النساء) .

ـ ومثاله كذلك قوله سبحانه يبين فضله وكرمه ، ويوضح سمات دينه العظيم ، وألوهيته ، وربوبيته :
1 ـ { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
2 ـ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)
3 ـ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)
4 ـ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
5 ـ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}(الأنعام) .

ـ ومن الأمثلة البيّنة توضيحُ ما حرّمه الله تعالى :
{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
1 ـ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
2 ـ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
3 ـ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
4 ـ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}(الأعراف) .

ـ ومن أمثلة التفصيل قولهُ تعالى يصف رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
{ . . . وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
1 ـ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
2 ـ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
3 ـ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
أ ـ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
ب ـ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
جـ ـ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
د ـ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
هـ ـ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
4 ـ فَالَّذِينَ
أ ـ آَمَنُوا بِهِ
ب ـ وَعَزَّرُوهُ
جـ ـ وَنَصَرُوهُ
د ـ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157){(الأعراف) .
إنه تفصيل ما بعده تفصيل.

ـ وانظر إلى صفات المؤمنين وجزائهم ، قال تعالى :
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
1 ـ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
2 ـ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
3 ـ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)
4 ـ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
5 ـ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ
1 ـ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
2 ـ وَمَغْفِرَةٌ
3 ـ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4){(الأنفال).

ـ وتعرَّف إلى عوامل النصر التي فرضها الله ، هل هي محققة فينا جميعها أو بعضها ، أو هي بعيدة عنا بعد السماء عن الأرض ؟. قال تعالى :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
1 ـ فَاثْبُتُوا
2 ـ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)
3 ـ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
4 ـ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
5 ـ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)
6 ـ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)}(الأنفال) .

ـ وتابع تصوير المنافقين في سورة التوبة ، بدءاً من الآية الشامنة والثلاثين إلى آخر
السورة ، لتكتشف فساد عقيدتهم ، سوء تصرفهم ، وكرههم للمسلمين ، وحبهم للمشركين ، وأثرهم الهدّام في المجتمع الإسلامي ، وضعة نفوسهم بشكل مفصل واضح شامل دقيق . .
ـ وكذلك نجد التفصيل في سورة الكهف حين قتل الرجل الصالح الغلام ، وخرق السفينة ، وأقام الجدار ، وعلل بعد ذلك ما فعله مفصّلاً ، شارحاً ، معتذراً عن متابعة صحبته لموسى عليه السلام .

ـ وفي سورة الحج لم يقل الله تعالى للرسول الكريم : إن تكن قد كُذِّبْتَ فقد كُذِّب الأنبياء من قبلك بل فصل القرآن ذاكراً المكذّبين حين أضافهم إلى أسماء أنبيائهم ليُعرَفوا قائلاً :

{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44)}(الحج) .

ـ ومن الأمثلة على التفصيل وصف المؤمنين في سورة (المؤمنون) ، قال تعالى :
{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
1 ـ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
2 ـ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)
3 ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)
4 ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى
أ ـ أَزْوَاجِهِمْ
ب ـ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)
5 ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( 8 )
6 ـ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)
7 ـ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}(المؤمنون) .

ـ وتعال معي كذلك نقف على صورة من صور المنافقين البائسين . . قال تعالى :
{ أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
1 ـ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا
2 ـ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)
3 ـ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ
4 ـ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ
5 ـ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12)
6 ـ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)}(الحشر) .

ـ وحين يوبخ الله تعالى المطففين يوضح السبب فيقول :
{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
(2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
(3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
(5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}(المطففين) .

ـ نَقَضَ اليهودُ الميثاق ، وظلموا وكفروا وكذبوا . . . فكان عذابهم أليماً قال تعالى :
1 ـ { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
2 ـ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا
مُبِينًا (153)
3 ـ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ
4 ـ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا
5 ـ وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)
6 ـ فَبِمَا
أ ـ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ
ب ـ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ
جـ ـ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
د ـ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)
و ـ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)
ز ـ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
ح ـ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)
ط ـ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ
ي ـ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ . .(161)}(النساء) .

ـ إن عودةَ إلى القرآن الكريم بنباهة ويقظة توقفك على تفاصيل تدلُّ على عظمة قائله سبحانه وتعالى وعزّ من قائل .

وأن على الإنسان أن يفصّل ويوضِّح ويزيل اللبس والغموض .

يتبع

نبيل
2015-03-09, 11:26 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الاستقصاء

الدكتور عثمان قدري مكانسي


استقصى فلانَ المسألة : بلغ الغاية في البحث عنها .
وأقصدُ كذلك بالاستقصاء : ذكرَ الاحتمالات وما قد يخطر على البال منها ، وإيرادَها لمعرفتها أولاً ، وللردِّ عليها ، أو إلقاء الضوء عليها ثانياً .
وعلى هذا فالاستقصاء غير التفصيل (راجع أسلوب التفصيل) وإن كان يلتقي معه في سدّ الثغرات والإحاطة بالمسألة (الأمر) ، وبينهما خيط دقيق ، يتوضح إن شاء الله من سرد الأمثلة المناسبة .

ـ قال الله سبحانه وتعالى مستقصياً ما يجري حين تقوم الساعة ، فيعرف الإنسان حينئذ ما قدَّم من خير أو شرٍّ كانا غائبين عن فكره وعينه :
{ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2)
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)}(التكوير) .
فهلّا فكّر الإنسان ، وتدبّر وعمل لذلك اليوم ، فقدم على ربه كما يقدم الضيفُ الكريم ، راجياً كريم المثوى ، وسعادة المأوى .

ـ وانظر إلى الاستقصاء الدقيق الذي لم يترك شاردة ولا واردة ، في الدفاع عن سيّد المرسلين ، ونفيِ التهم الباطلة التي أرادها له الكافرون ، المبطلون ، ودحض افتراءاتهم ، في التقوّل على الله ورسوله ، قال تعالى :
{ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)
أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36)
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ
أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37)
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)
أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)}(الطور) .
أرأيت معي إلى "أمْ" المعادلة ، هذه التي تكررت تستقصي ما قد يجول في نفوس المشركين من كذب وادعاء ، فتسخر منهم وتردُّ بهتانهم ، وتفضح أسرارهم . . هل تركَتْ شاردة أو واردة من احتملات إلا أوردتها ؟ . . .

ـ والقرآن جاء واضعاً النقاط على الحروف ، موضحاً للمؤمنين ما يجب أن يفعلوه ، منبهاً إلى تكذيب الكفار واستكبارهم ، لكنَّ عاقبتهم خزي وندامة ، لأنهم سيعرفون ـ في وقت لا تنفع فيه المعرفة ـ أن كلَّ ما جاء به حقٌّ لا تشوبه شائبة .
قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49)
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)}(الحاقة).

ـ والقرآن حين ذكر السابقين إلى الخيرات استقصاهم عدداً ومكانةً وهيئة وتكريماً فقال :
{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)
عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19)
وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)
وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)}(الواقعة) .
واستقصى أصحاب اليمين كذلك ، هيئة ومكانة وتكريماً ، فقال :
{ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)
إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)
لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)}(الواقعة) .

ـ والإنسان بطبعه ناقص ضعيف ، يظهر نقصه وضعفه في شدة حرصه ، وواسع طمعه ، يخاف خوفاً شديداً إن مسّه الشرُّ ، يمنع رفده إن اغتنى وكثر ماله .
ولكنَّ هذا لا ينطبق على المؤمن الذي استقصى الله تعالى صفاته فقال فيه :
{ إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26)
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32)
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)
أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)}(المعارج) .
فما مكاننا من هؤلاء الذين مدحهم الله تعالى ؟ وأين أعمالنا من أعمالهم ؟ فإن قارنّا حالنا بحالهم فوجدنا خيراً فلنحمد الله ، وإلا فلا نلومنّ إلا أنفسنا .

ـ وتأمل معي هذه :

[أ] الاحتمالات في قوله تعالى :
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)}(الأنعام) .
ثم تأمل :
[ب] النفي المتبوع بأسلوب الاستثناء المؤكد والنفيَ بالاستفهام والدعوة للتفكر
{ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ
وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ،
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ،
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)}(الأنعام) .
ثم تأمل معي :
[جـ] الإصرار على عبادة الله وحده ، والتبرؤ من الكافرين ، والإصرار على متابعة الحق ، وما على الرسول إلا البلاغ .
{ قل إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
قل لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
قل إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)
قل لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) }(الأنعام).
وإسناد كل شيء إلى الله تعالى :
{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا
وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) }(الأنعام) .
نعم ؛ تأمل ذلك تجدْ دقة في عرض الاحتمالات والإجابات والمناقشات والإقرار بربوبيّة الله وحده . . أليس هذا استقصاءً رائعاً للأفكار ، وشفاءً للنفس الطيبة في الاستقرار إلى كنف الله سبحانه وتعالى ؟!!.

ـ والمشركون لا يفتأون يعاجزون ويعاندون ويستكبرون عن الإيمان بالله ، ذلك الإيمان النقيّ من كل شائبة وضلال فهم ، يريدون معجزات كثيرة ، ليفكروا بعد ذلك أيؤمنون أم لا ؟! وفي الآيات التالية فضح لموقفهم المتعنت :
{ وَقَالُوا
1 ـ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90)
2 ـ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91)
3 ـ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا
4 ـ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)
5 ـ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
6 ـ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ
قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) }(الإسراء) .
فاستقصى القرآن ستاً من أحابيل المشركين ثم دحض افتراءاتهم كلها حين أمر رسوله الكريم أن يعلن رسالته وبشريته ، فمن أبصر فلنفسه ومن عميَ فعليها .

ـ ثم انظر إلى أنواع العذاب الذي أصاب الله به من كفر
{ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
1 ـ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
2 ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
3 ـ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
4 ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) }(العنكبوت) .

ـ ولما جاءت وافدة النساء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسأله حقَّ النساء وواجبهن نزل القرآن يجعلهن والرجال في الطاعات والعبادات والمسؤوليات سواء بسواء ، فقال :
{ إِنَّ
1- الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
2- وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
3- وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ
4- وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ
5- وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ
6- وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ
7- وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ
8- وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ
9- وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ
10- وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)}(الأحزاب) .
فكانت هذه الصفات العشر للرجال والنساء مجتمعين .

ـ وأخيراً ، اقرأ معي دعاء سيدنا نوح في سورته :
{ رَبِّ
أ ـ اغْفِرْ لِي
ب ـ وَلِوَالِدَيَّ
جـ ـ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا
د ـ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . . . }(نوح).
فقد استفاد نوح عليه السلام لنفسه في هذه الدعاء ثلاث مرات :
1 ـ اغفر لي .
2 ـ ولمن دخل بيتي مؤمناً فهو مؤمن .
3 ـ وللمؤمنين وهو منهم .
واستفاد والداه ثلاث مرات كذلك :
1 ـ لوالديَّ .
2 ـ ولمن دخل بيتي مؤمناً ووالداه مؤمنان .
3 ـ وللمؤمنين فوالده منهم ، والمؤمنات فأمه منهنّ .

استقصاء رائع . . . والأمثلة في القرآن كثيرة محكمة رائعة .

يتبع

نبيل
2015-03-10, 11:20 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الإيجاز بالحذف

الدكتور عثمان قدري مكانسي


لغتنا العربية ـ لغة القرآن ـ تمتاز بالبلاغة والبيان ولن تجد لغة تضاهيها فصاحة وجمالاً . . فالله سبحانه وتعالى وفّاها حقها حينما أنزل القرآن الكريم بها { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا..(2)}(يوسف) وحين وصفها : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)}(الشعراء ) .
ومن عوامل بيانها وجمالها ذلك الإيجازُ بالحذف ، الدالُّ على الإيحاءات البلاغيّة التي تعطيك زخماً من المعاني الكثيرة بالجمل القليلة ، فلا تحتاج إلى الإسهاب والإطناب في صياغة الفكرة والمعنى ، وإن كانا من عوامل جمالها أيضاً .
والإيجاز بالحذف متعدد ، فقد نُسقط كلمة ، أو جملة ، أو جُملاً دون الإخلال بالمعنى بل يزيد هذا الحذفُ المعنى وضوحاً .

ومن فوائد الإيجاز هذا :

1 ـ إيراد المعنى الواسع بلفظ قليل .
2 ـ التنسيق الموسيقي .
3 ـ التخلّص من التكرار المملّ .
4 ـ تعويد العقل على استجلاء المعنى ، واستنباطه ، والتمتع فيه .

أ ـ حذف الكلمة أو الكلمتين
ومثال ذلك قوله تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ..(7)}(الفاتحة) فحذف كلمة صراط قبل { غير } للعلم به وكأنه يقول غير صراط المغضوب عليهم .
وقوله تعالى : { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا..(135)}(البقرة) وكأنه يقول : وقال اليهود كونوا هوداً تهتدوا ، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا .
أرأيت إلى هذا الإيجاز بالحذف الذي زاد المعنى روعة ؟.
وقوله تعالى : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ(137)}(البقرة) أي يكفيك شرّهم .
وقوله سبحانه : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.. (184)}(البقرة) والمحذوف " فأفطر" كأنه يقول : فمن كان مريضاً فأفطر أو على سفر فأفطر . . فهل ترى خللاً في المعنى أم قوّةً وحَسْن سَبْك ؟ . .
ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ..(194)}(البقرة) .
والمعنى : هتك الشهر الحرام تُقابل بهتك الشهر الحرام فأنت تجزم أن الجملة في الآية الكريمة أكثر وضوحاً وأكثر متانةً وإيحاءً .
وقوله سبحانه : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..(213)}(البقرة) والمقصود : كان الناس أمةً واحدة على الإيمان متمسكين بالحقِّ فاختلفوا فبعث الله . . .
ومثاله قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ..(219) }(البقرة) فهم يسألونك عن شرب الخمر وتعاطي الميسر .
وقوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ..(75)}(آل عمران) والمعنى : ليس علينا في أكل أموال الأميين سبيل . .
وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)}(الأعراف) والمعنى : تذكروا ثواب الله وعقابه . .
وقوله سبحانه مخاطباً فرعون الغريق الذي قال وهو يلفظ أنفاسه : { آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)}(يونس) والمقصود : آلآن تقرُّ بوحدانيّة الله وقد عصيت . . .
والأمثلة على هذا كثير ، وأنت ترى معي أن المعنى مفهوم من السياق وأن الحذف لم يضيّعه بل زاده إشراقاً ، وترك الفكر يحدده ويلتذّه .

ب ـ حذف كلمات عدة أو جملة
مثاله قول تعالى : { فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) }(يونس) والمعنى : فانتظروا عاقبة البغي والتكذيب وإنا من المنتظرين هلاككم ودماركم . .
وقوله سبحانه : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ..(228)}(البقرة) والمعنى : ولهن من الحقوق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق .
ومثاله أيضاً قول الله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (1)}(الأنفال) والمقصود : يسألونك عن الأنفال التي غنمتها في غزوة بدر لمن هي ؟ قل . . .
وقوله تعالى : { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (75) }(هود) والمعنى : أن ابني من أهلي وأنت وعدتني بنجاحهم ، وإن وعدك الحق . . .
وقوله تعالى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا...(50)}(هود) والمعنى : وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً وأوحينا إليه .
وقوله تعالى : { وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ..(23)}(الروم) والمقصود : ومن آياته منامكم بالليل وقيلولة النهار وابتغاؤكم في النهار من فضله .
وقوله سبحانه : { . . . وَالَّذِينَ ءاَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..(72)}(الأنفال) والمعنى : والذين أوَوْا رسول الله والمهاجرين إليهم ونصروهم أولئك . . .
والأمثلة كثيرة جداً ، إن عدتَ إليها في القرآن الكريم وجدت من الكنوز ما تقرُّ بها عينك .

جـ ـ حذف جمل عدة
كقوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)}(يوسف) حذفت هنا عدة جمل ، والمعنى : وحين ألقوه في الجب ، واصابه الهمّ والحزن ، وتملكه الخوف أوحينا إليه . . .
وقوله تعالى : { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ
بَقَرَاتٍ..(45)}(يوسف) والمحذوف : فأرسلوني إلى السجن لآتيكم بالتأويل الصحيح ، فأرسلوه ، فدخل على يوسف وقال له : يوسف أيها الصديق .
وقوله تعالى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ . . . (50)}(يوسف) والمقصود : وقال الملك : ائتوني به فانطلق الرسول إلى السجن ليخرجه منه ويحمله إلى الملك ، فأبى أن يخرج إلا بريئاً فقال للرسول : ارجع إلى ربك فاسأله . . .
إنها معانٍ يستشفّها القارئ من خلال السطور ، فيعجب لوضوح المعنى دون أن يشعر أن هناك شيئاً محذوفاً . .
وهذه الجمل المحذوفة ليست من أركان الجمل الأصلية ، بل هي إطناب يمكن الاستغناء عنه وتبقى الجمل مكتملة المعنى .

د ـ حذف أصل من الجملة يفهم من السياق
وقد يكون خبراً أو جواب شرط ، وما شابه ذلك ، كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا . . (31) }(الرعد) والمحذوف هنا جواب الشرط ((لو)) ولو أن قرآناً سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى (لكان هذا القرآن) بل لله الأمر جميعاً .
وكقوله سبحانه : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ . .(33)}(الرعد) والمحذوف : الخبر ( كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تملك من الأمر شيئاً ) . . .
وقوله سبحانه : { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ . .( 8 )}(فاطر) والمحذوف : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً (كمن استقبحه وتجنّبه واختار طريق الإيمان) .
وقوله سبحانه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)}(يس) والمحذوف : (أعرضوا واستكبروا) .
وقوله سبحانه : { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ..(19)}(الزمر) والمحذوف : (هل تقدر على هدايته لا) .
وقوله سبحانه: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (22)}(الزمر)
والمحذوف : (كمن هو أعمى القلب معرض عن الإسلام ؟).
وقوله سبحانه : { أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...(24)}(الزمر) والمحذوف : (كمن هو آمِنٌ من العذاب؟).
وقوله جلّ شأنه : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ...(41)}(فصلت) والمحذوف : (سيجازون بكفرهم جزاءً لا يوصف) .
وقوله سبحانه: { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}(النجم)
والمحذوف: (هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزّة شيء حتى زعمتم أنها آلهة؟!!).
والأمثلة على الإيجاز بالحذف إشراق في التعبير ، يدلُّ على أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد سبحانه وتعالى .
كما أنه يحرّك العقول فتقتنص فرائد المعنى ، وتستمتع بجمال العبارة ، وتذكرنا بالقاعدة الذهبية ((خير الكلام ما قلَّ ودلَّ)) .

يتبع

نبيل
2015-03-10, 11:36 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

المقارنة والإختيار

الدكتور عثمان قدري مكانسي


خلق اللهُ سبحانه الإنسانَ ، وكرّمه على بقيّة المخلوقات بما حباه من عقل يفكر به ، فينقد ما يراه ويسمعه ، ويصل إلى الاختيار الصحيح والقرار الصائب .
وفي القرآن الكريم عشرات الآيات ، تضع بين يدي الإنسان طرقاً مختلفة ، ونتائج كلٍّ منها ليختار ما يريد بعد المقارنة بينها ودراستها ـ على بيّنة وليتحمل نتائج هذا الاختيار ، إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ .
ولعلنا في هذا العرض نقف على عوامل عدة لهذا الأسلوب منها :

1 ـ التنبيه إلى العمل الصحيح :

فقد ظنّ المشركون في مكة أنهم حين يسقون الحجيج ويضيفونهم ويخدمونهم فقد أدّوا حق الله تعالى . فينبههم القرآن الكريم إلى خطأ هذا الاعتقاد وأن العمل الصحيح الذي يرضاه الله منهم الإيمانُ الحقُّ به ، وتوحيدُه ، والإيمانُ باليوم الآخر ، ونشرُ الدين بالجهاد في سبيل الله . وشتّان بين قوم يعملون دون أساس العقيدة وقوم وضعوا نصب أعينهم الإيمان بالله وحده ، قال تعالى :
{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)}(التوبة) .

ـ ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر ، فالكافر كالأعمى الماشي على غير هدى وبصيرة منكساً رأسه لا يرى طريقه ، يخبط خبط عشواء يتعثر كل ساعة فيخر على وجهه .
-والمؤمن سويٌّ صحيح البعد يمشي منتصب القامة ، يرى طريقه ولا يتعثر في خطواته .
والكافر يحشر ماشياً على وجهه إلى دركات الجحيم .
-والمؤمن يمشي إلى الجنّة سوياً على الصراط المستقيم ،قال سبحانه: { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)}(الملك) حقاً إن الإيمان نور وثقة يوصل إلى الهدف المنشود ، ويرشد إلى الطريق السوي والسبيل الرشيد .

2 ـ التحفيز إلى اختيار الكمال :

قال تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)}(البقرة).
فمن كانت الدنيا همّه رغب أن تكون منحته في الدنيا خاصة ، وليس له في الآخرة نصيب ومن طلب خيرَي الدنيا والآخرة ـ وهو المؤمن العاقل ـ فقد فاز بسعادة الدارين ، وله حظ وافر مما عمل من الخيرات .
ومثلها قوله سبحانه وتعالى :
أ ـ { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
ب ـ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)
جـ ـ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
د ـ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)}(الإسراء) .
فالذي يريد بعمله الدنيا فقط ، ولها يسعى ويعمل ،ليس له همٌّ سواها أعطيناه ما نريد ، لا ما يريد ، وليس له في الآخرة سوى جهنّم يدخلها حقيراً مطروداً من رحمة الله .
أما الذي يسعى إلى النعيم المقيم ، وعمل له بما يليق من الطاعات ، وهو مؤمن صادق الإيمان فقد جمع الخصال الحميدة من الإخلاص ، والعمل الصالح ، والإيمان فكان عند الله تعالى مقبولاً .

3 ـ التحذير والترغيب :

تعال معي أيها الأخ الحبيب نلقي نظرة على مشهد من مشاهد يوم القيامة ، فترى المؤمنين يأخذون كتب أعمالهم بأيمانهم ، فإذا هم من السعداء . وترى المجرمين يأخذون كتب أعمالهم بشمالهم فإذا هم من الأشقياء ، واسمع ما يقوله المؤمن السعيد ، وما يقوله الكافر الشقي واختر ما تراه مناسباً للإنسان العاقل :
أ ـ { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ
ـ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)
ـ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)
ـ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)
ـ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22)
ـ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)
ـ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)
ب ـ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ
ـ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)
ـ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)
ـ يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)
ـ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)
ـ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)
ـ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)}(الحاقة) .

ـ وهذا مشهد آخر شبيه بما سبقه ، فالأشقياء في جهنّم مستقرون هناك لهم من شدة كربهم زفير وشهيق يترددان بشدّة ، أصواتهم في النار كصوت الحمار ، أوَّله زفير وآخره شهيق ، ماكثون فيها على الدوام .
أما السعداء ففي الجنّة مستقرون فيها لا يخرجون منها أبداً تنهال عليهم الخيرات والعطاء دون انقطاع ، قال تعالى : { يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)}(هود) .

4 ـ تحديد العاقبة :

قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..(40)}(فصلت) بل يا رب من يأتي آمناً يوم القيامة ، ونعوذ بك أن نكون وقودَ النار.
ـ وانظر معي إلى المصير الرائع للسابقين إلى الإيمان ، الراغبين رضا الرحمن .
فأولهم السابقون :
{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)}(الواقعة) .
وثانيهم في الفضل أصحاب اليمين
{ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)}(الواقعة) .
أما الكفار فانظر إلى نهايتهم المأساوية :
{ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)}(الواقعة) .
وفي آخر هذه السورة ((الواقعة)) يجمل القرآن الكريم عاقبة أمر هذه الفئات الثلاثة :
أ ـ { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)
ب ـ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)
جـ ـ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) }(الواقعة).
فمع مَنْ تريد أن تكون . . . يا أخي العزيز ؟

5 ـ تقسيم الناس :

ـ مرَّ قبل قليل في سورة الواقعة أنَّ الناس ثلاثة أقسام :
السابقون : هم المقرَّبون من الله في أرفع منازل الجنّة .
أصحاب اليمين : أهل الجنة في مقام أقلّ من السابقين .
أصحاب الشمال : أهل النار المشركون والكفار والمنافقون .
ـ وفي سورة فاطر نجد تصنيفاً لأمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام :
{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
أ ـ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
ب ـ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
جـ ـ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)}(فاطر) .

الظالم لنفسه : العاصي من رجحت سيئاته على حسناته .
المقتصد : من استوت سيئاته وحسناته .
السابق : من رجحت حسناته على سيئاته .
ـ ولا شك أنك تريد أن تكون من السابقين .
ـ وفي سورة الجنّ نجد نوعين من الناس ، قال تعالى :
أ ـ { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ
ب ـ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ
أ ـ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)
ب ـ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)}(الجن) .
القاسطون : الكافرون الجائرون عن الحق

6 ـ المشاكلة :

يقول سبحانه وتعالى في سورة النور مؤكداً أن الكلمة الخبيثة تخرج من النفس الخبيثة ، وأن الكلمة الطيبة تخرج من النفس الطيبة ، وأن الرجل الصالح يرزقه الله الزوجة الصالحة ، وأن الخبيث منهم له الخبيثات منهنّ :
{ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ
وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ..(26)}(النور).
والله سبحانه وتعالى يجعل نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل النساء وأمهات المؤمنين لأنهن في كنف المصطفى عليه الصلاة والسلام أفضل الرجال ، قال تعالى :
{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ..(32)}(الأحزاب) .

7 ـ حصر العلاقات :

فقد حدد الله سبحانه وتعالى التعامل بين الزوجين في قضية الطلاق ، فقد كان للرجل أن يطلق ما شاء دون أن تبين زوجته منه ، وهذا طلم لها ، فقال موضحاً :
{ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ..(229)}(البقرة) .
أما مصارف الزكاة فهي طرق لا يمكن تجاوزها وهي ثمانية ، قال تعالى :
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ..(60)}(التوبة) .

8 ـ العطف إلى قدرة الله تعالى :

من قدرنه سبحانه وتعالى أن يجعل البحار متلاصقة ، متجاورة بحيث لا يتمازجان على الرغم من تلاقيهما ، فلكل بحر ماء تختلف خصائصه عن ماء البحر الآخر . وكذلك فهو يخرج المياه العذبة في المياه المالحة ، فلا يغلب أحدهما على الآخر:
{ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ
وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)}(الفرقان) .
والله تعالى المالك لكل شيئ لا رادَّ لقضائه ، ولا معقب لحكمه :
{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
أ ـ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)
ب ـ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا
ج ـ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا
إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)}(الشورى) .

وفي غزوة بدر أغرى المشركين بالمسلمين حين صوّرهم أكَلَةَ جزور والجمل يكفي مئة نفر فقط ، فكأنما استقل المشركون المسلمين فهاجموهم معتقدين سهولة القضاء عليهم .
وبالمقابل صور المشركين قلائل في أعين المسلمين فهاجموهم معتقدين سهولة القضاء عليهم .
وبالمقابل صور المشركين قلائل في أعين المسلمين كي لا يهابوا كثرتهم ، فيصمدوا أمامهم ثم تنقلب الدائرة على المشركين قال تعالى : { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)}(الأنفال) .

9 ـ ضرب المثل :
كلمة الإيمان ((لا إله إلا الله)) كالشجرة الطيبة أصلها راسخ في الأرض ، وأغصانها ممتدة نحو السماء ، تعطي ثمارها بإذن الله وتيسيره دائماً ، وهذه الثمار العملُ الصالح يصعد إلى السماء ، فينال بركته وثوابه في كل وقت . وكلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحنظل الخبيثة الخبيثة ، اسؤصلت من جذورها واقتلعت من الأرض لعدم ثبات أصلها ، لا خير فيها ، فلا يقبل عمل الكافر مهما عمل ، لأن عمله ليس له أساس ، قال تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26){(إبراهيم) .
والمسلم مع هذا يفكّر ويتدبّر ويحسب لكل أمرٍ حسابه ، ولا يعمل إلا ما يدخله الجنّة ويبعده عن النار . . ويختار آخرته لأن فيها رضى الله تعالى .

نسأل الله حسن الختام والبعد عن الزلل . . إنه سميع مجيب الدعاء .

يتبع

نبيل
2015-03-10, 11:59 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

ذكر الأهم فالأقل أهميّة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


يبدأ الدين في العقيدة والعبادات بالأهم ثم الأقلّ أهميّة ، وكلها مهمّة . فينطق بالشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
ثم يبدأ الصلاة ، والصلاة صلة بين العبد وربّه وأكبر دليل على تعلقه به سبحانه .
ثم يؤدي الزكاة العبادة المالية ، وقد قرنت بالصلاة كثيراً سواء في النص القرآني أم في السنة النبوية . . .
ثم يأتي الصوم .
وأخيراً يحج من استطاع إلى الحج سبيلاً .

ـ ذلك أن الإنسان حين يبدأ بالأهمِّ الأوجب يسهل عليه ما بعده ، فيفعله دون حرج ، بل يستسيغه ويلتذ به لأنه ترجمة لما هو أعظم منه . ولا يُقبل في غالب الأمور فعلُ ما هو أقل أهميّة لأنه بناء قائم على ذلك الأساس فإن لم يكن الأساس موجوداً فعلامَ يقوم البناء .
أما في الأمور المعيشية كتعلم الحرفة ، أو الكتابة أو التربية البدنية فالارتفاع فيها درجة إثر أخرى يوصل إلى الإتقان والإبداع .

ـ ومن الأمثلة على ذكر الأهم فالأقل أهمية قوله تعالى : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ (14)}(آل عمران)
أ ـ بدأ النساء بالنسبة لأن الفتنة بهنّ أشد ، والالتذاذ بهنّ أكثر ، وفي الحديث : ((ما تركت بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء)) (أخرجه البخاري) .
ب ـ ثم ذكر ما يتولد منهنّ فقال { والبنين } وإنما ثنّى بالبنين لأنهم ثمرات القلوب وقرّة الأعين ، كما قال الشاعر حطان بن المعلّلا :
وإنــمــا أولادنــا بــيــنــنـــا * أكبـادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم * لامتنعت عيني عن الغمض
وقُدِّموا على الأموال لأن حب الإنسان لولده أكثر من حبه لماله ، والمال في خدمة المرأة والولد.
جـ ـ ثم بدأ بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ، وإنما كان المال محبوباً لحصول غالب الشهوات به ، { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)}(الفجر) .
ثم قدّم الذهب على الفضة لأنه أهم منها ، والاثنان أصل التعامل .
د ـ ثم قدّم الخيل الأصيلة الحسان ، ففي ركوبها الزُهوُّ وقتال العدو وسرعة الجري .
هـ ـ ثم جاءت الأنعام من إبل وبقر وغنم فمنها المركب والمطعم والزينة .
و ـ ثم جاء الزرع والغراس لأن فيهما تحصيل الأقوات .
لكنَّ هذه الشهوات متاع الحياة الزائل ، وما عند الله خير وأبقى ، فليكن هم الإنسان كسب ما عند الله سبحانه .

ـ ومن الأمثلة على ذلك أيضاً قوله تعالى :
أ ـ { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
ب ـ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ
جـ ـ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)
د ـ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ..(24)}(النساء) .
1 ـ هناك حرمة بالنسب وهي الأقوى .
2 ـ وهناك حرمة بالرضاع ثانية .
3 ـ وهناك حرمة المصاهرة ثالثاً .
4 ـ وهناك حرمة المتزوجات رابعاً .
أما حرمة النسب فقد بدأ بالأصل ، ومَن الجنةُ تحت قدميها ، الأمُّ ثم البنت ، فأنت أصلها وهي فرعك ، ثم الأخوات المساويات لك عند والديك ، ثم العمات ونسبهن أقرب من نسب الخالات ، ثم تأتي بنات الأخ وهنَّ أقرب من بنات الأخت ، أما الجدة فكالأم والحفيدة مثل البنت ، ولذلك لم تذكرا .
وأما حرمة الرضاع فبدأ بالأمهات المرضعات ولم تذكر البنت في الرضاع ، وهي بعد الأم من الرضاعة تجنباً للتكرار ، وذكر الأخت من الرضاعة ولم يذكر العمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت من الرضاعة تجنباً للتكرار كذلك ، وقد ذكرت السنة النبوية أنه ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))( متفق عليه) .
وأما حرمة المصاهرة فتحرِّم أم الزوجة حرمة أبديّة لأن مجرّد العقد على البنت يحرِّم الأم ، ولا تحرم البنت إلا بالدخول على الأم ، وكذلك تَحرُم ابنةُ الزوجة الربيبةُ بعد الفراق ، أما أخوات الزوجة فتحرمن حرمة مؤقتة ، وكذلك عماتها وخالاتها وبنات إخوتها وبنات أخواتها .
ويحرم من المصاهرة زوجة الأب وزوجة الابن .
كذلك يحرم أن يتزوج الإنسان امرأة متزوجة ، فلا يجوز إلا عقد واحد ، وهؤلاء يسمين المحصنات ، إلا ما ملكت من النساء بالسبي فيحل وطؤهن بعد الاستبراء لانقطاع عصمة الكافر، أما غير ذلك من النساء فيجوز للمسلم أن يعقد على أربع نساء إن أراد .
وهكذا نجد القرآن يشرّع حرمة النساء الأهم فالأقلّ أهمية ، وكلهن مهمات .
ـ ويقول الله تعالى : { وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ..(38)}(المائدة) .
ويقول سبحانه : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2)}(النور) .
فلماذا قدّم السارق على السارقة في الآية الأولى ، وقدم الزانية على الزاني في الآية الثانية؟
الجواب : أن الرجل على السرقة أجرأ ، لأنه يرى نفسه مكلفاً بالإنفاق فَقُدِّم في الآية الأولى.
والمرأة هي الشهوة ، ومنها الإغراء ، فهي السبب الأول الداعي إلى الزنى ، فقدِّمت في الآية الثانية .
ـ وقال الله تعالى في توزيع الزكاة : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ ..(60)}(التوبة) فحصر الله تعالى الصدقات في ثمانية أصناف .
وقدَّمت الأصناف الأربعة الأولى للتمليك ، فكل منهم يأخذ نصيبه بيده ، وأخَّرت الأصناف الأربعة الثانية لأن الدفع يكون عنهم لغيرهم .
أما الأصناف الأربعة الأولى فأولهم الفقير الذي لا شيء له ، وثانيهم المسكين الذي له بُلغةٌ من العيش قليلة ، أما الموظف الذي يجبي الزكاة فله منها أجر ، والقسم الرابع لا يعمل في الزكاة، ولا يحتاج إليها ، لكنَّ الحاكم يعطيه منها لأنه شريف في قومه ، يتألف قلبه للإسلام ، فيؤمن ويؤمن مَنْ معه وراءه كما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع صفوان بن أمية وغيره .
أما الأصناف الأربعة الثانية فهم : العبيد تدفع لأسيادهم فيعتقونهم ، والغارمون الذين ثقل عليهم الدين ،وفي تجهيز المجاهدين والمرابطين في سبيل الله ، وتجهيز المنقطع بدابة تحمله ، وزاد يتبلغ فيه في سفره وعدّة السفر .

ـ ومن الأمثلة على ذكر الأهم فالأقل أهمية قول الله تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)}(الحج) .
والترتيب كما يلي :
أ ـ أن لا تشرك بي شيئاً : واجعل بيتي العتيق خالصاً لوجهي .
ب ـ طهَّره من الأوثان والأقذار لمن يتعبد فيه بالصلاة .
جـ ـ ذكرَ من أركان الصلاة أهمها : الركوع والسجود ، والركوع يكون قبل السجود .
وحين يصبح البيت الحرام جاهزاً للعبادة :
أ ـ يؤذن إبراهيم عليه السلام ، ويبلّغ الله تعالى صوت نبيه إلى أصلاب الرجال ، وأرحام النساء فيجيبون : لبيك اللهم لبّيك .
ب ـ يأتي الرجال على أقدامهم وراكبين على نوقهم ، ولأن الحاجِّين على أقدامهم أكثر قدّموا على الراكبين .

ـ ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ . . . (31)}(النور).
فالزوج يرى كل ما يريده من امرأته لأنها حلال له .
والأب : يصون عرض ابنته ، فهي شرفه وعفّته .
والعم أبو الزوج ، يحفظ على ابنه ما يسوءه ، ويحرص على حفظ شرفه .
والأبناء يعتزون بشرف أمهاتهم ، فهم من لحمهن ودمائهن .
وأبناء الأزواج يعتبرون زوجات آبائهم كأمهاتهم ، ويحفظون آباءهم في زوجاتهم .
والإخوان هم الذين كانوا يحرصون على أخواتهم قبل زواجهن وما يزالون كذلك .
وأبناء الأخوة لا يرون في العمات إلا صنو الأمهات وأخوات الآباء .
وأبناء الأخوات لا يرون في خالاتهم إلا شرف أمهاتهم .
ثم تأتي نساء المسلمات الشريفات العفيفات اللواتي يحفظن شرفهن ، وشرف أخواتهن المسلمات أين كنّ وأيان كَنَّ .
أما الإماء المشركات فيجوز لسيدتهن أن تظهر زينتها أمامهنّ لأنهن ملك اليمين . وكذلك العبيد فمكانتهم الدونية تمنعهم من التطاول إلى التفكير في المرأة الحرّة التي تملكهم وتتصرف فيهم كما تشاء .
أما نساء غير المسلمين فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر زينتها أمامهنّ لفسادهن ، ولأنهن يصفن المسلمات لأزواجهن غير مباليات بدين ، ولا حرمة ولا شرف .
ثم يأتي الجواز للنساء أن يظهرن أمام العنّين ، الذي لا يشتهي النساء أو الأبله والمغفل الذي لا يهمه إلا بطنه .
وأخيراً يجوز للمرأة أن تظهر زينتها أمام الطفل الغريب الذي لا يميّز ولا يعرف حاجة الرجال إلى النساء .
كما أن على المرأة أن تمشي بأدب ، دون أن تتلوى أو تظهر زينتها بشكل عفوي مقصود ..!! .

ـ ومن الأمثلة على ذكر الأهم فالأقل أهمية الآية الحادية والستون من سورة النور ، التي تبيح الدخول إلى بيوت الأقارب دون حرج .

ـ ومن الأمثلة على ذكر الأهم فالأقل أهميّة قوله تعالى :
{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ
أ ـ اعْبُدُوا اللَّهَ
ب ـ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ
جـ ـ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36)}(العنكبوت) .
فإذا عرف العبد ربه عبده ، وخاف الحساب يوم القيامة أحسَنَ وعاف الفساد . . .

ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :
{ وَمِنْ آَيَاتِهِ
أ ـ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ
ب ـ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
جـ ـ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ
د ـ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
هـ ـ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)}(الروم) .
ويتضح الترتيب :
أ ـ يرسل الرياح فتسوق السحاب مبشرة بنزول المطر والإنبات والرزق .
ب ـ ثم ينزل الغيث الذي يحيي البلاد والعباد .
جـ ـ وتحرك الرياح السفن فتسير إلى المكان الذي يريده المسافرون .
د ـ ويتاجر التجار طالبين الرزق من الله تعالى .
هـ ـ فيرزقهم فيشكرون الله تعالى على فضله ومنّه وكرمه .
ـ ومن الامثلة على ذلك قوله تعالى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)}(الفتح) .
ذكر سبحانه التحليق قبل التقصير لأنه أفضل ثواباً .

ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}(الممتحنة) .
يوضح الله تعالى خبيئة أعدائنا فهم حين يضعفون يتظاهرون بالودِّ والصداقة ، وإن يظفروا بنا ويتمكنوا منا .
أ ـ يظهروا عداوتهم لنا .
ب ـ يقتلوا ويدمروا ويسبوا ويشتموا .
جـ ـ ويتمنّوا من كل قلوبهم أن يؤدي بنا فعلهم هذا وبطشهم إلى أن نرتدَّ عن ديننا .

ـ ومن الأمثلة على ذكر الأهم فالأقل أهمية قوله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)
أ ـ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
ب ـ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
جـ ـ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
د ـ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
هـ ـ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)}(الصف) .
عُدْ إلى الآيات مرة أخرى لترى الترتيب كما ذكرناه مسلسلاً ، وتدبّر ذلك .

ـ والمثال الأخير في هذا العرض ، قوله تعالى :
{ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ
أ ـ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ
ب ـ وَجِبْرِيلُ
جـ ـ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
د ـ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)}(التحريم) .
تدبّر هذه الآية مرة أخرى لترى ذلك الترتيب اللطيف.

يتبع

نبيل
2015-03-10, 12:43 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التدرّج

الدكتور عثمان قدري مكانسي


التدرج في التربية أسلوب يدلُّ على حكمة صاحبه ، وقدرته على التلطف في مخاطبة العقول والأفهام ، فينتقل من فكرة إلى فكرة ، معتمداً على المحاكمة العقلية ، والحجة المقنعة ، والبرهان الواضح .
والإنسان يحمل أفكاراً يؤمن بها ـ ولو كانت باطلة ـ ويعتقد بصحتها ـ وإن كانت زائفة ـ فإذا جبهْتَـَهُ بخطئه أنكر دون وعي ، ودافع دون هوادة ، وهاجم دون بيّنة واتخذ منك عدواً يجب قراعه ومصاولته ، وبذلك ينقطع حبل الوصال بينك وبينه ، فلا تصل معه إلى نتيجة .
وكثير من الناس يعيشون في أرض مليئة بالهوام السامة ، وهو معرّضون للدغة ثعبان أو لسعة عقرب . . فماذا يفعلون . . إنهم يستقون السمَّ لتصبح أجسادهم معتادة عليهم ، فتتحمّل أذى تلك الحشرات . ولكنهم حين يتناولون هذا السمَّ يأخذونه أولاً جرعات خفيفة ، ثم يزيدونها إلى قدر معلوم . . ولو أخذوه دفعة واحدة لماتوا سريعاً ، فقضوا على أنفسهم قبل أن تقضي عليهم سموم الحشرات والحيوانات . . .
والقرآن الكريم سجّل لنا كثيراً من وقائع هذا الأسلوب الحكيم .

ـ فهذا سيدنا إبراهيم أراه الله تعالى مرة بعد مرَّة جمالَ خلق السموات ، والأرض ، من بديع النظام وغريب الصنع ، وجلّى له بواطن أمورها وظواهرها ليزداد يقينه بالله تعالى حين يعرف سنته في خلقه وآياته الدالة على ربوبيته ، ليقيم بها الحجة على المشركين الضالين .
وأراد سيدنا إبراهيم أن يزيل الغشاوة عن عيون قومه ، والران عن قلوبهم ، فيعبدون الله وحده ، وينبذون الآلهة المزعومة الأخرى ، فرآهم يعبدون كوكب المشتري الذي لا يضرُّ ولا ينفع ، فقال مثلما يقولون : هذا ربّي وهو موقن أنّه ليس رباً ، لكنّه يريد أن يستدرجهم لسماع حجته على بطلان عبوديتهم لهذا الكوكب ، فأوهمهم أنه موافق لهم ـ على زعمهم ـ فلما غاب هذا الكوكب نقض ربوبيّته ، فما ينبغي لإله أن يغيب عن عبيده ، فغيابه نقص فيه ، وضعف شديد . وسيبحث العباد عن إله غيره يبقى معهم ويرعاهم ، لكنّه لم يقل ابتداء : إن هذا ليس إلهاً لأنه أراد أن يعرّض بجهل قومه دون أن يستفزّهم ، وينبههم إلى ما غاب عنهم من تفكير صحيح وتقدير سليم دون أن يحرّك مشاعر العداء نحوه ، فقال : لا أحبُّ الآفلين . .
وبهذا رمى بذرة الشك في نفوسهم . . . وقوله عليه السلام صحيح ، فالإله الذي يحتجب لا يدري شيئاً من أمر عباده .
ثم انتقل في الليلة التالية إلى القمر ، فضوءه أسطع ، وحجمه حسب ما يرونه أكبر فهو على هذا الأساس أحقُّ أن يعبد . . فلما أفل هذا أيضاً قال إبراهيم مُسمعاً مَنْ حوله من قومه : لئن لم يهدني ربي ويوفقني لإصابة الحقِّ في توحيده فلسوف أكون كبقية الناس ضالاً بعيداً عن عبادة الله الحق . وهذا تعريض يقرب من التصريح بضلال قومه ، فالناس الليلة الماضية أنِسوا بقدحه في الإله الأوّل وتعريضه به ، وما عرَّض إبراهيم عليه السلام هذه الليلة بضلالهم إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم إلى آخره ، وازدادت بذرة الشك نموّاً في نفوسهم ، فالإله الغائب لا يدري حقاً بما يحل بعباده ، بل إنّه أصلاً ليس إلهاً .
وحين بزغت الشمس وملأ ضوؤها المكان وخرج الناس إلى أعمالهم ، وامتلأت الطرقات بالناس ، والحقول بالمزارعين ، قال إبراهيم مشيراً إليها : الذي أراه الآن ربي أليس كذلك ، إنه أكبر من النجم والقمر ، وأشدُّ تأثيراً .
قال هذا يجاريهم حتى يستأصل بعد ذلك الإشراك من نفوسهم . . فلما غابت كعادتها قال كلمته التي يريدها دون أن يخاف ردّة فعلهم الشديدة ، فغياب الشمس أشدُّ وحشة من غياب المشتري والقمر ، فالظلمة بعد النور الساطع أشدُّ وأقسى من الظلمة بعد الضوء الخفيف . قال : يا قوم إني بريء مما تشركون .
ألا ترون أنه حاور وداور وتلطف في القول ، وأرخى لخصمه العِنان حتى وصل إلى ما أراد بألطف وجه ، وأحسن طريق ، متبرئاً من تلك المعبودات التي جعلوها أرباباً وآلهة مع الله ..
وبعد أن تبرّأ من معبوداتهم وترك في نفوسهم الشك فيها ، أعلن اتجاهه إلى الله تعالى وحده، ثم تبرّأ من المشركين أنفسهم .
قال تعالى : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}(الأنعام) .

ـ وهؤلاء إخوة يوسف أرادوا أن يقنعوا أباهم أن الذئب أكله ، وحسبهم أنه إذا لم يقتنع فسوف يرضى بالأمر الواقع ، والزمن كفيل أن ينسي الأبَ ابنه الحبيب فماذا فعلوا ؟ وكيف خططوا ؟ :
1 ـ جاءوا أباهم في الليل . . والليل يستر النظرات الكاذبة والحركات المصطنعة .
2 ـ تصنّعوا البكاء منذ دخلوا الدار وسمع أبوهم حركاتِهم وأصواتـَهم ، فدخل في روعه أن هناك مصيبة حصلت ، وأن عليه أن يتجمَّل لها .
3 ـ فلما دخلوا عليه هكذا ، ورأوا منه تلهفاً ولم يجد يوسف بينهم تحببوا إليه بقولهم :{ يا أبانا } ، وهذه كلمة سحرية تستدر عطف الآباء ومغفرتهم لأبنائهم .
4 ـ لم يرموا بالخبر فوراً إنما بدأوا بمقدمات توصل إلى المقصود ، فقد ذهبوا يستبقون ، ونيّتُهم سليمة تجاه أخيهم ، وباعتباره صغيراً فقد تركوه عند متاعهم يحرسها ، وجاء ذئب فأكله . ولما كنا بعيدين لم نسمع استغاثته وصراخه .
5 ـ فلما ألقوا إليه بالخبر أرادوا أن يقطعوا الشك باليقين فقالوا مؤكدين صدقهم مستَبِقين اعتراضه ، ونحن نعلم أنك لا تصدّقنا ولو كنا عندك صادقين ، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك ؟ ولك العذر في هذا لغرابة ما وقع ، وعجيب ما اتفق لنا في ذلك الأمر .
ولما أرادوا أن يزيدوا ما فعلوه حبكة وتأييداً وقعوا في مأزق فضحهم وكشف كذبهم وادعاءهم .
فقميصه ملطخ بدمٍ لم يتغلغل في كل قطعة منه ، وكأن الذئب كان مؤدباً عاقلاً ، فجعله يخلع قميصه قبل أن يأكله ، فلم يتمزّق كي يُنتفع به ، فعلم الوالد أنها مؤامرة وصرّح لهم بذلك ، ثم وكل أمره إلى الله .
قال تعالى : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ..}(يوسف) .

ـ وهذا موسى عليه السلام يظن ـ لكونه نبيَّ عصره ـ أنه أعلم أهل الأرض في زمانه . فلما قيل له : إن الرجل الصالح ((الخضر)) أكثر منه علماً أراد أن يلقاه فيتعلم منه ، إلا أن الخضر اعتذر إليه ، فلا يمكنه مصاحبته ، فهو سيقوم بأعمال يعترض عليها موسى لأن ظاهرها غير مقبول ، وليس الخضر مستعداً دائماً أن يشرح له ما يفعله . لكنَّ موسى أصرَّ على صحبته والاستفادة منه ، وتعهّد أنّه لن يعترض إلّا أن يشرح له الخضر نفسه في الوقت الذي يريد ، وأسقط في يد الرجل الصالح ، فاعتذاره لم يُجْدِ ، فموسى نبي الله ، ومن أولي العزم الكرام عليهم صلوات الله جميعاً وسلامه ، فانطلقا ، وركبا في السفينة ، وخرقها الخضر قبل أن ينزل ، فاعترض موسى على سوء العمل هذا ، فكيف نجزي أهل الخير شراً ؟!! ذكَّره الخضر قائلاً :
{ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ، أجابه موسى : { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } وحين قتل الخضرُ الولدَ اعترض موسى فهذا عمل منكر لا يفعله المسلم ، ذكّره الخضر ، فزاد { لك } في الجملة التالية .{ أَلَمْ أَقُلْ لك إنّك لن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } أجابه موسى ، وقد شعر بالحرج هذه المرّة : { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)}(الكهف) وحين دخلا قرية بخيلة لم تستضفهما أقام الخضر جداراً مائلاً كاد يقع فقال موسى : { لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } وهنا كان من حقِّ الخضر أن يفارق موسى ، وعلى موسى أن يرضى الفراق لأنّه لم يستطع الالتزام بالسكوت . . فافترقا بعد أن قص الخضر عليه أسباب أفعاله السابقة . فكان التدرج عند الخضر في جوابه كل مرّة بما فيه من عتاب . وكان التدرج عند موسى في إيجاباته عقب كل حادثة بما فيه من إقرار(راجع سورة الكهف 66 ـ 82) .

ـ ويقول الله سبحانه وتعالى : { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..(4)}(محمد) .
فالجهاد الحربي يتطلّب قتالاً عنيفاً وخشونة وغلظة في التعامل مع العدو .
1 ـ وأول القتال ضرب يقطع الهامات ويقتل العدوَّ حيث كان فلا رحمة مع الأعداء الذين إن ظهروا علينا فلن يرحمونا . .
2 ـ فإذا انكشفت الأعداء وظهر الضعفُ فيهم وبدأوا الهرب أو الاستسلام وخضِّدَتْ شوكتهم فلا بأس من اتخاذ الأسرى ، فحربنا ليست لإبادة الناس ، إنما لإخضاعهم ، فيسمحوا لنا بنشر ديننا دون مضايقة .
3 ـ ويظل هؤلاء الأسرى في بلاد المسلمين حتى تنتهي المعركة وهنا يمكن لنا تسريح الأسرى حسبما يقتضي الأمر :
أ ـ فإما مبادلة أسرانا بأسراهم .
ب ـ إنْ لم يكن لنا أسرى عندهم أخذنا من بعضهم الفداء ، ومنَنَّا على الآخرين بحريتهم دون مقابل .
إذاً فالقتل أولاً لكل من يقف أمام جيش المسلمين ، ثم الاحتفاظ بالأسرى حتى الغلبة ، ثم فكاك الأسرى بطرق مختلفة . إنه تدرّج واضح ومنطقي .

ـ يقول الله سبحانه وتعالى :
{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)}(الحجرات) .
والمؤمنون إخوة متراحمون لا يجوز القتال بينهم ، فإن حصل لأمرٍ ما فيجب :
أولاً : الإصلاح بين الطرفين .
ثانياً : قد يرفض أحد الطرفين الصلح ، ويرى نفسه صاحب حقٍّ ولا يرضى بحكم الأمير ، ويصرّ على القتال دونما حق .
ثالثاً : يكون المسلمون كلهم يداً واحدةً على الباغين ، ويقاتلونهم ليعودوا إلى الحق ويفيئوا إليه .
رابعاً : على الحاكم أن يعدل حينما يُصلح ، دون التأثر بإساءة من لم يعودوا إلى الحق إلا مرغمين .

ـ وحين هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون إلى المدينة ، وحصل بعد صلح الحديبية أنّ أمَّ كلثوم بنت عقبة بن معيط جاءت مهاجرة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج في إثرها أخواها عمارة والوليد يقولان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ردّها علينا بالشرط . فقال : كان الشرط في الرجال لا في النساء . فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة موضحاً ما يجب على المسلمين أن يفعلوه مع النساء إن جئن مهاجرات :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)}(الممتحنة) .
انظر معي إلى التدرّج :
1 ـ جاءت المهاجرة فاستُحلِفَت أنها ما هاجرت بغضاً لزوجها ، ولا طمعاً في زوج أو دنيا ، وأنها ما خرجت إلا حباً لله ورسوله ، ورغبةً في دين الإسلام .
2 ـ إذا تحققتم من إيمانهنّ بعد امتحانهنّ فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار ، فلا تحل المرأة المؤمنة للمشرك ، ولا للمؤمن نكاح المشركة
3 ـ وحتى لا يجتمع على الرجل الكافر خسران الزوجة والمهر ، يُعطى مهرها الذي دفعه لها إذا أسلمت .
4 ـ للمسلم بعد ذلك أن يتزوجها بعد أن يدفع مهرها .

ـ ونقف عند هذه الآية الرائعة في المسامحة والمغفرة ، يقول الله تعالى :
{ . . . . وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)}(التغابن) .
العفوُ : أن تمتنع عن عقوبة من أساء دون أن تنسى الإساءة ، أو تتناساها .
الصفح : أن تمتنع عن عقوبة من أساء وتتناسى الإساءة دون أن تنساها .
المغفرة : أن تمتنع عن عقوبة من أساء ، وتنسى أنه أساء إليك .
وهذه مقامات لا يرتفع إليها إلا ذوو الفضل والإحسان .
فالعفو مطلوب ، وأحسن منه الصفح ، وأحسن منهما المغفرة ، نسأل الله أن يجعلنا أهلاً لعفوه وصفحه ومغفرته ، إنه سميع الدعاء .

ـ وأخيراً نتأمّلُ الطريقة الحكيمة في تدرج تحريم الخمر .
فقد كان الجاهليون يعتبرون شربها من صفات الوجاهة التي تدلُّ على غنى مَنْ شربها وعلوِّ كعبه وكانوا يصرّحون بشربها .
فهذا طرفة يجعلها من أسباب رغبته في العيش فيقول :
ولــولا ثـلاث هـنَّ مـن عـيـشـة الـفـتـى * وجـدّك لـم أحـفَـل مــتـى قــام عــوّدي
فـمـنـهــن سـبــقـي الـعـاذلات بــشـربـة * كُـمَـيْـتٍ مـتـى مـا تُـعلَ بـالـمـاءِ تُـزبِـد
وهذا عنترة يفخر أنّه يشربها ويتلذذ بها ، ويستهلك ماله فيها دون أن يتعتعه السكر ويفقد وعيه :
فـإذا شـربـتُ فـإنـنـي مـسـتـهـلـك * مـالـي ، وعـرضـي وافـر لـم يَـكـلَـمِ
فلما جاء الإسلام ورأى تعلُّقَ العرب بها حرّمها على فترات .
فلما عرف المسلمون أن الخمر لا تليق بالمسلم الحقّ سألوا عن مكانها في عالم المسلمين ، لكنَّ القرآن أقرّ أنّ غالبيّة مَنْ أسلم يصعب عليهم تركها ابتداءً، فكان الجواب : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا..(219)}(البقرة) . والمسلم مثال الاتزان ـ هكذا يجب أن يكون ـ فالأحرى به أن يتخفف منها لا سيّما أن الإثم أكبر من النفع ، فكانت هذه الخطوة الأولى . .
ثم جاءت الخطوة الثانية ، فالصلاة خشوع وفهم وتدبّر لما تقرأ ، ووقوف بين يدي الله تعالى ، والخمر تذهب الفكر والعقل ، فهل يليق بالمسلم أن يقف بين يدي الله سبحانه يصلي ولا يعرف ما يقول ؟! لا بدَّ من تجنبها في أوقات الصلاة ، فما عاد راغبها يشربها إلا بعد صلاة الفجر وصلاة العشاء فهناك متسع بعد هاتين الصلاتين وهكذا انحصر تعاطيها .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ...(43)}(النساء) .
وحين يريد المسلم أن يصلي صلاة الفجر أو يقوم الليل فعليه أن يبعد الخمر عن تفكيره ، فأصبح المسلمون زاهدين فيها وصاروا جاهزين لقبول تحريمها ، فأنزل الله تعالى تحريمها
قائلاً :
{ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}(المائدة)
قال المسلمون : انتهينا يا رب انتهينا .
فالخمر كما يصنفها القرآن مع غيرها من الموبقات :
1 ـ خبث ونجس وقذر من الشيطان،وعلى المسلم أن يعصي الشيطان ويبتعد عن القذر والنجس.
2 ـ إن متعاطي الخمر يذهب عقله ، ولاعب القمار إذا ربح ساء أدبه ، وإذا خسر استشاط غضبه ، وفي الأمرين ذهاب العقل ، ومَنْ ذهب عقله لم يدر ما يفعل ولا ما يقول وقد يؤذي الآخرين ويصبح مطيّة للشيطان ـ وهو عدوٌّ للإنسان ـ فيزرع العداوة والبغضاء في المجتمع وتزداد الإحن وتكثر الشحناء .
3 ـ الاستفهام { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } أبلغ ما ينهى به، كأنّه قيل وقد تُلي عليكم ما فيها من المفاسد التي توجب الانتهاء ، فهل أنتم منتهون أم باقون على حالكم ؟.
فكان جواب المسلمين : انتهينا يا رب انتهينا يا رب . وسفحوها في أزقة المدينة .

يتبع

نبيل
2015-03-10, 12:55 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

حُسن الخاتمة

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ما منا أحد إلا استمع إلى محاضرة ، أو خطبة ، أو قصة ، أو محاورة بين اثنين ، أو أكثر ، وخرج منها بفائدة تقل ، أو تكثر .
والفائدة القليلة قد يكون سببَها المحاضرُ أو المتلقي أو كلاهما ، وهذا ينطبق على تحصيل الفائدة الكثيرة كذلك .
فإن كان الأثر قليله وكثيره من المتلقي فلأنه واعٍ مدرك أو عاديٌّ بليد ، منتبهٌ مركّزٌ أو غافلٌ لاهٍ ، حريص على الفائدة أو زاهد فيها ، مضطر إليها أو راغب عنها .
وإن كان الأثر قليله وكثيره من المتحدث فلأنّه مرتبٌ أفكارَه منسِّقُها أو مبعثرها مخلخلُها ، متمكنٌ منها أو ضعيف فيها ، صادقٌ أو كاذب فيها . متابع للملتقي مركزٌ انتباهه عليه ، أو منشغل بأوراقه وتعابيره . يلوّن الخطاب تبعاً للأفكار ليجذب المتلقي أو يمشي على نسق واحد ممل . يقف عند آخر كل فكرة ملخصاً ومنبهاً ، ورابطاً الأفكار بعضها ببعض ، أو مازجاً فكرة بأخرى دون التنبيه إلى ذلك . . .
والقرآن الكريم مثال للإيجابيات كلها ، وحسبه أنه كلام الله تعالى . وسنقف من هذا كله على خواتم الأفكار والمقاطع ، نبرهن أنها جاءت منبهة إلى أهمية ما قيل قبلها ، تحمل العبرة
والعظة ، تلخص الفكرة وتدعو إلى التفكر والتدبر ، تؤكد كل صدق ، وتنفي كل ادعاء . وقد تكون الخاتمة هذه آية أو آيتين أو أكثرَ من ذلك وفق مقتضى الحال .

ففي سورة آل عمران نجد في الآيات [130 ـ 137] المعاني التالية :
1 ـ نداء الله الخالد للمؤمنين .
أ ـ أن يبتعدوا عن الربا .
ب ـ أن يتقوا الله تعالى ، ففيها الفلاح .
جـ ـ أن يتقوا النار المعدّة للكافرين .
د ـ أن يطيعوا الله سبحانه ورسوله الكريم .
هـ ـ أن يسارعوا إلى مغفرة الله .
و ـ أن ينفقوا أموالهم في حالتي اليسر والعسر .
ز ـ أن يكظموا غيظهم ، ويعفوا عن الناس .
ح ـ أن يتركوا الفواحش ، ويذكروا الله .
ط ـ أن يتوبوا عن المعاصي ، ويصروا على تركها .
2 ـ ومن يفعل ذلك فله عفو ربه وجنات تجري من تحتها الأنهار .
3 ـ من لم يفعل ذلك كانت نهايته سيئة كالأمم السابقة التي عوقبت ، وآثار دمارها واضحة في أماكن هلاكها .
ثم تأتي الخاتمة : { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}(آل عمران)
وأنت ترى في اسم الإشارة ((هذا)) عودةً إلى المعاني التي ذكرناها ، وطريقاً واضحاً على المؤمنين أن يسلكوها ، وفي آثار الهالكين موعظةً تدفع المتقين أن يعتبروا بها .

ـ وفي سورة النساء نرى الآيتين [الحادية عشرة والثانية عشرة] تحملان :
1 ـ وصايا وقواعد في الميراث :
أ ـ فللذكر مثل حظ الأنثيين .
ب ـ الوريثة الوحيدة لها نصف الميراث .
جـ ـ اثنتان فما فوق لهما الثلثان .
د ـ يرث كل من الأبوين السدس مع وجود الأولاد .
هـ ـ للأم الثلث إن لم يكن للميت أولاد .
و ـ الوصية والدَّيْنُ مقدّمان على الورثة .
ز ـ للزوج نصف مال زوجته إن لم يكن لها ولد .
ح ـ إن كان لها ولد فللزوج الربع فقط .
ط ـ للزوجة الربع إن لم يكن للزوج ولد .
ي ـ إن كان له ولد فللزوجة الثمن .
ك ـ .....................................
ل ـ .....................................
2 ـ الخاتمة جاءت مشيرة إلى هذه القواعد بأنها حدود الله وعلى المؤمنين طاعته والعمل بها ليفوزوا بجنته ورضوانه فإن عصوه فلهم النار والعذاب المهين:
{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}(النساء) .

ـ فإذا توقفنا في سورة الأنعام أمام قصة سيدنا إبراهيم مع قومه :
ـ في الآيات [74 ـ 87]
1- وجدنا المعاني التالية :.
أ ـ إنكار إبراهيم على أبيه عبادة الأصنام .
ب ـ معرفة إبراهيم سلطان ربه الباهر .
جـ ـ تدرّج إبراهيم الذكي في إبطال عبادة الأصنام .
د ـ البراءة من قومه وشركهم .
هـ ـ تخويف قومه إياه من آلهتهم ، وإبطال إبراهيم حججهم ، ودحض افترائهم .
و ـ المؤمنون الموحدون آمنون .
ز ـ إكرام الله إبراهيم أن جعل الأنبياء في ذريته .
ح ـ إن الهدى من الله سبحانه وتعالى .
2 ـ ثم تأتي الخاتمة تشير إلى أن الطريق المستقيم من فضل الله ، وأن الشرك يبطل العمل، وإن يكفر مشركو مكة ومَنْ بعدَهم فإن لله عباداً يحملون رسالته ويحافظون عليها : { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)}(الأنعام).
فكانت الخاتمة تنبيهاً إلى أهمية الدعوة إلى الله ، والتبرؤ من الشرك ، ومدح حاملي الرسالة إلى الناس .

ـ وتعال معي نتدبّر معاني الآيات التالية في سورة الأعراف [138 ـ 173] ، ففي هذه الآيات سرد لما فعله قوم موسى بعد أن أنقذهم الله سبحانه وتعالى من فرعون ، وصاروا آمنين .
1 ـ أ ـ رأوا قوماً يعبدون أصناماً ، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه .
ب ـ خرج موسى للقاء ربّه ليعود بالشريعة في ألواحٍ إلى قومه وأمر هارون أن يخلفه فيهم ، وبعد خروجه بقليل رأيناهم اتخذوا من حليهم عجلاً جسداً له خوار إلهاً يعبدونه .
جـ ـ اختار موسى سبعين رجلاً لم يسجدوا للعجل يأتون إلى الجبل ليعتذروا عن قومهم بسبب اتخاذ العجل إلهاً ، فلما وصلوا الجبل قالوا : لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة ، فماتوا من الصعقة . هؤلاء خيار بني إسرائيل فكيف شرارهم ؟.
د ـ أكرمهم الله كثيراً ، فقد قسمهم موسى اثني عشر قسماً ، وجعل لكل قسم منهم عين ماءٍ ، وأنزل الله عليهم المنّ والسلوى ، لكنهم رفضوا هذا ، وطلبوا القثاء والثوم والبصل ، وما شابه ذلك .
هـ ـ ولكي يغفر الله لهم أمرهم أن يدخلوا القدس ساجدين ويقولوا ((حطّة)) أي حطّ عنا يا ربنا ذنوبنا ، فبدّلوها إلى ((حنطة)) ولم يدخلوها ساجدين ، بل كانوا يزحفون على أستاههم ، فأرسل الله تعالى الطاعون عليهم بظلمهم .
و ـ نهاهم الله عن الصيد في السبت ، فتحايلوا على ذلك فمسخهم الله قردة وخنازير .
ز ـ أمرهم الله أن يحكِّموا شريعته فأبوا ، فاقتلع جبل الطور ورفعه فوقهم فلما أيقنوا أنهم ميتون لا محالة قبلوا حكم التوراة خائفين .
ح ـ وفي خلال هذه القصص عن بني يهود أحكام وتشريعات وتنبيهات فيها براهين وحجج دامغة .
2 ـ ثم تأتي الخاتمة : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}(الأعراف) .
وقد فصَّلَ الله تعالى الآيات ليتدبرها اليهودُ في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويعتبروا بما حصل لأجدادهم فيرجعوا عن غيهم ، وفسادهم ، ولا يكونوا مثل أجدادهم ضلالاً وكفراً . . .
إذاً جاءت الخاتمة عِبرة وعِظة ودعوة إلى الإيمان .

ـ وإذا أمعنا النظر والتفكير في الآيات التالية من سورة الأعراف نفسها .
ـ الآيات [179 ـ 202] نجد المعاني التالية :
أ ـ إن الذين يكفرون بالله من الجن والإنس كالأنعام لا يعقلون وهم في جهنّم خالدون .
ب ـ لله الأسماء الحسنى ، ولا يجوز العدول عنها إلى دعاء غيره سبحانه .
جـ ـ من يكفر يستدرجه الله ثم يهلكه .
د ـ الرسول منذر وليس مجنوناً .
هـ ـ وجوب التفكير في ملكوت الله .
و ـ الضال متحير متردد ، لا يستقر على حال .
ز ـ قيام الساعة غيب لا يعلمه إلا الله .
ح ـ كل شيء بأمر الله ، والإنسان ضعيف عاجز .
ط ـ لا يرضى الله تعالى أن يكون له شركاء .
ي ـ هذه الآلهة المزعومة لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع .
ك ـ الله تعالى وليُّ المؤمنين الصالحين .
ـ وهناك نصائح قيمة ووصايا ذهبية :
أ ـ اليسر في معاملة الناس .
ب ـ الأمر بالمعروف والعمل الحسن .
جـ ـ عدم مقابلة المسيء بإساءة .
د ـ الاستعانة بالله على نزغات الشيطان .
الخاتمة : {.. هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(203)}(الأعراف) .
فجاءت الخاتمة تؤكد أن هذا القرآن الكريم بما فيه من حججٌ بينة ، وبراهين نيّرة يغني عن غيره من المعجزات ، فهو بمنزلة البصائر للقلوب يُبصَرُ الحق به ويُدْرَكُ ، وبه يهدي الله
المؤمنين ، ويرحمهم من زيغ الضلالة وفساد العقيدة .

ـ وفي سورة هود عليه السلام قصة إغراق قوم نوح مصوّرة تصويراً رائعاً ، تبدأ بصنع السفينة فإذا ما اكتمل صنعها ركب فيها المؤمنون جميعاً وأهل نوح إلا من كفر ، ومن كل المخلوقات زوجان اثنان ، ذكرٌ وأنثى .
وسكبت السماء ماءها ، وارتفع الماء يملأ الوديان والهضاب ، ثم المرتفعات والجبال فلما غرقت المخلوقات .
أقلعت السماء وغاض الماء ، ووقفت السفينة فوق جبل الجودي ، . . لم يكن ابن نوح معه ، فقد غرق لأنه كفر ، لكن عاطفة الأب استنجزت وعد الله أن ابن نوح من أهله ، فنببهه سبحانه أنّه ممن سبق عليه القول ، وهو ليس من أهله وإن كان من صلبه لأنه كافر . . . قصة تأخذ بالألباب وتشدَهُ العقول ، وتقرر حقائق يتناساها الإنسان ، لم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرفها لكنَّ الله سبحانه وتعالى أخبره بها ليتأسى بصبر نوح وليعلم أن العاقبة للمتقين :
{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)}(هود) .
حملت هذه الخاتمة في طياتها :
1 ـ قصة نوح ، وقبل أن تُتلى كانت من الغيب .
2 ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبي يوحى إليه ، حاشاه أن يفتري على الله كذباً ، فهو الصدوق الأمين .
3 ـ أن مَنْ صبر ظفر .

ـ كما نجد الخاتمة في سورة يوسف تركز على الفقرتين الأولى والثانية ، فقصة يوسف من الغيب والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبيٌّ يوحى إليه :
{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)}(يوسف) ،
ونلحظ أن الخاتمة في سورة يوسف كانت آيات متعددة بل إنها تستمر إلى الآية /108/ إلى قوله تعالى:
{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} .

ـ وفي سورة إبراهيم نجد في الآيات [42 ـ 51] .
1ـ الأفكار التالية :
أ ـ النهيَ عن سوء الظن في الله ، والأمرَ في الاستمرار بالإنذار .
ب ـ توبيخ المشركين يوم القيامة ، وتذكيرهم بما فعلوا في الدنيا .
جـ ـ مكر الكفار بالرسل والدعاة .
د ـ إيفاء الله وعده لرسله بالانتصار لهم .
هـ ـ تغير الدنيا يوم القيامة .
و ـ ذل الكافرين من النار .
ز ـ وكلَّ ينال نصيبه يوم القيامة إن خيراً وإن شراً .
2 ـ الخاتمة : { هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)}(إبراهيم) .
إذاً تضمنت الخاتمة ملخصاً للأفكار :
أ ـ فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبلّغ .
ب ـ وهناك إنذار ووعيد .
جـ ـ لا إله إلا الله وحده .
د ـ العاقل من يتعظ .

ـ وقد تتكر الخاتمة بعد كل فقرة كما ذكرنا ، ومثال ذلك ما جاء في سورة الشعراء :
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)}[ الآيات : (67 ـ 68) ، (103 ـ 104) ، (121 ـ 122) ، (139 ـ 140) ، (158 ـ 159) ، (174 ـ 175) ، (190ـ 191)] جاءت هاتان الآيتان مكررتين سبع مرّات ، بعد كل قصة من قصص الأنبياء الكرام ، تركزان على العبرة العظيمة من كل قصة ، وعلى تسلية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والتسرية عنه ، مع الوعيد للكفار المعاندين .
ـ والشيء نفسه نجده في سورة الصافات بعد كل قصة من قصص الأنبياء الكرام :
{ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)}[(الصافات)(79 ـ 81) ، (109 ـ 111) ، (120 ـ 122) ، (130 ـ 132)] جاءت هذه الآيات الكريمة أربع مرّات باللفظ نفسه إلا حين تحدث عن إبراهيم عليه السلام فقال تعالى: { كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } .
ففي هذه الخاتمة نجد التعظيم للأنبياء الكرام ، والمدح والثناء والثواب الوافي والدعوة إلى السير على طريقهم في الدعوة إلى الله ، والثبات على المبدأ .

ـ أما قصة قارون فقد كانت خاتمتها قوله تعالى :
{ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}(القصص) .
وقد جاءت قاعدة لمن يريد الجنة ورضى الله سبحانه وتعالى ، فيها :
أ ـ التنبيه إلى طلب الآخرة .
ب ـ الأمر بالتواضع .
جـ ـ العبرة بالعواقب .
فقد بغى قارون على قومه حين رزقه الله الأموال الطائلة ، فكفر نعمة الله ، وأمره قومه بما يلي :
أ ـ أن يكون متواضعاً لا متكبراً بطراً .
ب ـ أن يعمل للدار الآخرة فهناك النعيم المقيم .
جـ ـ أن ينال قسطه من الدنيا دون الانغماس فيها .
د ـ أن يشكر نعمة الله بالإحسان إلى عباده .
هـ ـ أن لا يطلب بهذا المال التطاول على عباد الله والفساد .
وكان خروجه الفاخر البطر فتنة لضعفاء الإيمان ، فلما خسفت الأرض به انتبه أولئك إلى أن نعيم الدنيا زائل .

ـ وأخيراً نقف في سورة القلم على خاتمة لقصة أصحاب الجنة حيث يقول الله تعالى :
{ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)}(القلم) .
فصاحب البستان المسلم كان يتصدق كثيراً على الفقراء والمساكين ، فلما مات ورثه أولاده الثلاثة وأبوا أن يعطوا الفقراء بخلاً وضناً ، فانطلقوا في الليل إلى البستان ليقطفوا ثمره دون أن يشعر بهم المساكين والفقراء ، لكنَّ الله عاجلهم فأرسل على بستانهم ناراً من السماء وهم نائمون ، فأحرقتِ البستان ، أرضَه ، وثمارَه ، وأشجارَه ، فلما استيقظوا ذهبوا إليه ، فما عرفوه ، ثم أحسوا بخطئهم ، وأنهم نالوا عقوبتهم فأنابوا إلى الله .
وينبهنا الله تعالى إلى أن هذه العقوبة وإن كانت كبيرة فهي عقوبة دنيوية ، أما عقوبة الآخرة فهي أشدّ وأنكى ، فتاب الأولاد إلى الله وأنابوا وقد وجدنا في الخاتمة تهويلاً في التهديد والوعيد .

يتبع

نبيل
2015-03-11, 11:34 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

السخرية

الدكتور عثمان قدري مكانسي


تقول سخر منه وبه : هَزِىء . والسخرية : الهزء ، ويكون الهزء من الإنسان ، وقوله ، وعمله .
وهو من أساليب التربية التي أكثر منها القرآن .
فقد هزىء القرآن وسخر من المنافقين ، والكافرين ، والمشركين على أنواعهم لما يصدر عنهم من أحكام تسيطر عليها الأهواء ، وأقوال تدل على الغفلة والضلالة ، وأفعال تدمغهم بمعاداة الله ورسله وأتبعاهم .
والسخرية فيها فوائد عدة منها :

1ـ دمغ المستهزَأ منهم بالفساد والضلال .
2ـ كبح جماحهم وتقريعهم وتوبيخهِم .
3ـ فضحهم وبيانُ هوانهم وتعريتُهم .
4ـ تحذير المؤمنين أن يتصفوا بصفاتهم الذميمة .
5ـ الردُّ على ادعاءاتهم وتخرصاتهم .
وسنتحدث إن شاء الله تعالى في هذا الأسلوب في :
1ـ السخرية اللفظية .
2ـ السخرية المعنوية .

1ـ السخرية اللفظية :

استعمل القرآن الكريم كثيراً من الألفاظ في مجال السخرية ، ليست أصلاً من ألفاظها ولعلها تكون ألفاظاً للمدح بدل الذم ، منها :

أ ـ التذوّق ، والذوق : وهذه اللفظة تستعمل عادة للتلذذ بالأطايب من الطعام والشراب ، والحياة الرغيدة المنعّمة ، وقد جاءت هنا للتبكيت ، والتوبيخ ، والهزء ، والسخرية ، أمثال ذلك :
ـ قوله تعالى : { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ..(15)}(الحشر) . فقد هُزِمَ بنو النضير (( اليهود )) بعد قليل من هزيمة مشركي مكة في غزوة بدر وأي طعم ذاقوه ؟! فقد طُردوا من ديارهم ، وأخذت أموالهم وبساتينهم وديارهم غنيمة للمسلمين .

ـ وقوله تعالى في الكافرين الذين تشوى جلودهم ، حتى تَنضج كما يَنضج اللحم المشوي ، ففي الدنيا يتذوقون الطعم اللذيذ لهذا اللحم ، وفي الآخرة يذوقون العذاب والعياذ بالله . . . قال تعالى :
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ..(56)}(النساء) ،
وقوله تعالى للمتعجرف في الدنيا حين يعذب في الآخرة : { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)}(الدخان) .

ـ أما الذي يبخل في الدنيا فلا يتصدق أو يزكي أمواله ، ويكنز الذهب والفضة والمال ، ويتلذذ في تكديسه فيذوق العذاب كيّاً في جبهته ، وجنبيه وظهره ويسمع التوبيخ من الملائكة هو وأمثاله من أهل الشح والبخل : { ..هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)}(التوبة) .

ـ وترى هؤلاء المجرمين يُسحبون كما تسحب الكلاب إلى جهنم وبئس المصير ، لينالوا العذاب جزاء ما اقترفت أيديهم ، والملائكة تسخر منهم وتوبخهم ،
قال سبحانه: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) }(القمر) .
والأمثلة على هذا وافرة وكلها تصب في هذا الباب .

ب ـ والهدى : عادة ما يأتي لفظها في الوصول إلى الحق والإيمان وسبل السعادة كقوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ..(90)}(الأنعام) ، لكنها تأتي هنا بمعنى تدفعه وترديه ، وأمثال ذلك :

ـ قوله تعالى في التحذير من الشيطان وموالاته ، فهو يقود إلى عذاب النار :
{ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}(الحج) .

ـ وقوله تعالى في المشركين الضالين حين تدفعهم الملائكة وتسوقهم إلى الناس وبئس القرار : {.. فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)}(الصافات) .

جـ ـ البشرى : وتكون عادة وتكون عادة لزف الخبر السعيد من ثواب جزيل ومغفرة من الله ورضوانه كقوله تعالى : { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)}(يس) .
لكنها قد تأتي في القرآن الكريم بمعنى الإنذار والتوبيخ والتحقير . . أمثال ذلك :

ـ قوله تعالى يهدد الكافرين والمنافقين بالعذاب الشديد : {..وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)}(التوبة) .
{ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)}(النساء) .
{ ..كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}(لقمان) .

ـ أما الكافر الذي لا يحب سماع كلمة الحق ، ويقتل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فله عذاب شديد أليم ،
قال تعالى : { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)}(آل عمران) .
ـوقال سبحانه: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)}(التوبة) .
والأمثلة في هذا الباب وافرة يمكن العودة إليها .

د ـ كيف : هذا اسم استفهام يحتاج إلى جواب كقولك : كيف أنت ؟ والجواب : الحمد لله رب العالمين ، ولكنه يستعمل للسخرية والتقريع في القرآن كثيراً .
كقوله تعالى : { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ..(86)}(آل عمران) ،
وكقوله سبحانه : { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ..(101)}(آل عمران) .
وقوله تعالى : { انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)}(النساء) .
وقوله تعالى : { انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}(الأنعام) .
وقوله سبحانه: { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)}(يونس).
وقوله سبحانه: { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32)}(الرعد) .
وقوله سبحانه: { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)}(الإسراء) .
وقوله تعالى في قوم عاد: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)}(القمر) .
والأمثلة على ذلك كثيرة .

2ـ السخرية المعنوية :
إن الكفار يسيئون لأنفسهم حين يكفرون ، فحين يرسل المولى تعالى رسله إليهم فيكَذِّبونهم يحق عليهم العذاب ، فإذا أحسوا بالخطر وتيقنوا نزوله هربوا منهزمين ، فتقول الملائكة لهم استهزاءً لا تولوا هاربين من نزول العذاب ، وعودوا إلى دياركم ، وما كنتم فيه من النعمة والسرور ، وهذا كله من باب السخرية والتوبيخ .
قال تعالى : { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)}(الأنبياء) .

ـ والمشركون كانوا يظنون أن الله ليس بناصر عبده محمداً عليه الصلاة والسلام ، لكن الله يؤكد نصره له ، وتأييده لحبيبه ورسوله الكريم ، فإن كان هذا التأييد من الله لنبيه يغيظ المشرك والكافر فليغتظ ، ، وليمدد بحبل إلى السقف ، وليشنفق نفسه ، لعله يجد الشفاء لنفسه من غيظه ـ إنه تهكم شديد ، وهزء قوي من المشركين،
قال تعالى:{ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)}(الحج) .

ـ ويصف الله تعالى اليهود الذين أنزلت عليهم التوراة ليعملوا بها ، فلم ينتفعوا بها ولم يطبقوها بالحمار الذي يحمل الكتب الضخمة النافعة ثم لا ينتفع بها . وهل هناك أشدُّ سُخرية من هذا ؟،
قال عز وجل: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) }(الجمعة) .

ـ وقال اليهود : إنهم أحباب الله ، فقال لهم الرسول الكريم امتثالاً لأمر الله إن كنتم صادقين فادعوا على أنفسكم لتنتقلوا سريعاً من دار الدنيا الفانية ، إلى دار الكرامة والنعيم . . ولكنّهم كذَابون لا يتمنون الموت ، لأنهم يعتقدون أنهم أعداء الله ، ومصيرهم النار وبئس القرار ، ولو كانوا أحباب الله لما عذبهم الله بذنوبهم ،
قال عز من قائل: { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) }(الجمعة) .
وقال سبحانه: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18)}(المائدة) .

ـ أما المنافقون فقولهم يخالف ما في قلوبهم ، يكذبون ، ولا يقولون حقيقة ما في نفوسهم ، ويحلفون على الكذب ، مخازيهم كثيرة ، ورائحتهم زكمت النفوس ، فحين يأتون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشهدون ـ كاذبين في شهادتهم ـ أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول الله .
والله سبحانه وتعالى يؤكد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، ويشهد أن المنافقين كاذبون في قولهم .
هؤلاء المنافقون يجعلون من الحلفان ستاراً لكفرهم ، فيغتر بهم المؤمنون ويصدقونهم ، ويعتقدون أنهم صاروا من المسلمين ، وهو في الحقيقة وبال على الإسلام والمسلمين ، وهذه الازدواجية تضر المسلمين .
قال تعالى: { إ ِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)}(المنافقون) .
هيئاتهم ومظاهرهم تعجب الناظر ، فصاحتهم وذلاقة لسانهم تعجب السامع ، لكنهم أشباح بلا أرواح ، وهياكل دون مخابر ، لا خير فيهم ، فهم والخشب المسندة على الجدار سواء ، جبناء خوارون ، تطيش عقولهم إن سمعوا صيحة الحرب ، أو سمعوا نداءً عادياً . . هؤلاء هم الأعداء الحقيقيون فلا يجوز أن تغتر بهم ، أخزاهم الله وأبعدهم عن رحمته . .
قال تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)}(المنافقون) .

ـ ومن السخرية الشديدة ما وصف الله به الكفّار من أنهم :
1ـ أهل الأهواء والضلالات .
2ـ هم مثل الأنعام السارحة بل أضلٌ منها ، لأن الأنعام والبهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها ، وتعرف من يحسن إليها .
وهؤلاء لا ينقادون لربهم ، ولا يعرفون إحسانه إليهم ،
قال تعالى : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}(الفرقان) .

ـ ولعلَّ من السخرية الواضحة من المنافقين ذلك الضرب المهين ، فالقرآن يصور مهانة المنافقين حين تأتي الملائكة لتقبض أرواحهم ، ومعهم مقامع من حديد ، يضربون بها وجوههم وظهورهم ، استهانة بهم واحتقاراً لشأنهم ، لأنهم سلكوا طريق النفاق ، وكرهوا ما يرضى الله تعالى فلم يقبل منهم ما عملوا من خير في حياتهم الدنيا ، فالله تعالى لا يقبل من العمل الصالح إلا ما رافق الإيمان ،
قال تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)}(محمد) .

ـ ثم انظر معي إلى كلمة " نبذ " التي تفيد الطرح والإهمال في قوله تعالى يسخر من الغريق فرعون : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)}(الذاريات) . إنها نبذة لمن لا قيمة له ولا كرامة ، نبذة الاحتقار والتهكم بمن قال أنا ربكم الأعلى ، وتكبّر على الناس وتجبر . . .

نسأل الله العافية وحسن الختام .

يتبع

نبيل
2015-03-11, 11:47 AM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التأكيد

الدكتور عثمان قدري مكانسي


الأصل في الحديث أن يكون ابتدائياً (( ليس فيه تأكيد )) ، لافتراض أن يكون المتحدث صادقاً ، والسامع سليم الصدر لا يشك في القاتل وصدقه ، فإن شك صار على المتحدث لزاماً أن يكون يكون كلامه طلبيّاً (( مؤكداً )) وكلما كان الشك أكبر ، كان التأكيد أكثر .
وللتأكيد في القرآن الكريم طرق كثيرة ، نراها في كل صفحة من صفحاته المشرقة .
ولا أكاد أبالغ إذا قلت إنك تراها في كل آية من آياته الشريفة بأساليب متعددة منها :

1ـ القسم :

ولله سبحانه وتعالى أن يقسم بما شاء لأنه الخالق لها ، المتصرف فيها ، وليس لنا إلا أن نقسم بالله سبحانه فقط ، تعظيماً له ، واعترافاً بألوهيّته .
أ ـ فقد أقسم بالزمن : { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)}(الفجر) .
{ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)}(الضحى) وغير ذلك .
ب ـ وأقسم بسمائه وكواكبه ونجومه: { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)}(الطارق) .
{ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)}(الشمس) .
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)}(النجم) .
ج ـ وأقسم بملائكته : { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)}(النازعات) .
د ـ وأقسم بالرياح: { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3)}(الذاريات) .

هـ ـ وأقسم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)}(الحجر) .
وأقسم سبحانه بأمور كثيرة ، وليس هنا مجال للحصر إلا أنه حين أقسم (( حكاية )) على لسان الإنسان أقسم بالله فقال : { تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)}(الصافات) .

2 ـ المبالغة في التصوير :

أ ـ كقوله تعالى في تقريب التصوّر ليثبت في أذهان الإنسان : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)}(الكهف) .
وقوله في الفكرة نفسها : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)}(لقمان) .
ب ـ وكقوله تعالى ينفي دخول الكفار الجنّة مطلقاً :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)}(الأعراف) .
وهل يدخل الجمل بحجمه الضخم في ثقبِ الإبرة ؟! هذا مستحيل . .
ج ـ وكقوله سبحانه ينفي نجاتهم من العذاب يوم القيامة :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)}(المائدة) .
وهذا مستحيل أيضاً فليس المقصود من الآية إلا الذهب ، فهل يملك الإنسان بحجم الكرة ذهباً ؟!! وقل أيَّ شيء مهما كان رخيصاً :
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)}(آل عمران).
نعوذ بالله من مصيرهم .

3 ـ تعزيز الموقف بالإحالة إلى طرف ثالث :

قال تعالى : { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)}(يونس) .
ولكن َّ الرسول عليه الصلاة والسلام أول المؤمنين بما أنزله الله عليه لا يسأل أحداً إلا الله ، لكنَّ هذه الآية نزلت على الفَرَض والتمثيل ، وقال العلماء : الخطاب للنبي والمراد غيره . وذلك لدفع الشك عن قصص القرآن .
وقال تعالى : { وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)}(الزخرف) .
وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" والله لا أسأل . . . صدق الله ، وكذب اليهود ."
وكقوله سبحانه وتعالى على لسان أبناء يعقوب عليه السلام ، يؤكدون أقوالهم وينزعون الشك من نفس أبيهم ويدللون على صدقهم :
{ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)}(يوسف) .

4 ـ أسلوب الحصر :

كقوله تعالى : { وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)}(الأنعام) ،
وقوله : { إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ..(53)}(يس) .
وقوله : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)}(النور) .
ففي هذه الأمثلة جاء التأكيد بالنفي والاستثناء ، نفى كل صفة إلا واحدة ، كلَّ عمل إلا واحداً .

5 ـ أسلوب القصر :

وقد يكون :
أ ـ باستعمال إنما :
{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ..(110)}(الكهف)
{ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) }(الملك) .
ففي الآية الأولى أثبت بشريّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كسائر الناس إلا أنه يوحى إليه ، ولا يوحى إليهم ، فهو بذلك رسول اللهِ إليهم .
وفي الآية الثانية سألوه عن موعد الساعة ، فقصر العلم بها على الله سبحانه وتعالى ، وقصَر على نفسه الرسالة .
ب ـ بتقديم ما حقه التأخير ، وتأخير ما حقّه التقديم ، كقوله تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) }(التوبة) ، وقوله سبحانه : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}(الفاتحة).
ففي الآية الأولى أكد أن التوكل لا يكون إلا على الله ، وفي الآية الثانية قصر العبودية على الله والاستعانة عليه .

6 ـ التكرار :

سمة ظاهرة في القرآن ، كما بيّنا ذلك حين أفردنا له عنواناً خاصاً بل التكرار من أبرز الأساليب في القرآن ، من أمثلته قوله تعالى :
{ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)}(الصافات) .
{سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) }(الصافات) .
{ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)}(الصافات) . { سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}(الصافات) .
ثم أكد القرآن الكريم في هذه السورة ((الصافات)) أنهم مرسلون فقال : { وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) }(الصافات) .
ومن أمثلة التكرار قوله تعالى : { فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ . . . } { أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ . . . } في قصة ذي القرنين ضمن سورة الكهف
وسنأتي بأمثلة كثيرة إن شاء الله في باب التكرار .

7 ـ التأكيد بالحروف :

وحروف التوكيد عديدة منها : إنّ ، أنّ ، لام التوكيد ، قد ، نون التوكيد .
فمن الأمثلة قوله تعالى [ إنَّ واللام ] :
{ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)}(الحاقة) .
ومن أمثلة التوكيد [ باللام ونون التوكيد ] قوله تعالى :
{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 )}(التكاثر) .
ومن أمثلة التوكيد [ بقد ] قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)}(الأعلى) .
{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ..(18)}(الأحزاب) .

8 ـ تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم وغير ذلك من أدوات التوكيد :

قال الله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}(الحجر)
ما أشدَّ التأكيد في هذه الآية وما أسعد المسلمين به ؟! إن فيها أحد عشر توكيداً في سبع كلمات على حفظ هذا الدين العظيم ومَنْ الذي يحفظه ؟ إنه الله تعالى وأعظم به حافظاً .
أ ـ الأول والثاني : إنّا (إنَّ ونا ضمير العظمة) .
ب ـ الثالث : نحن (ضمير العظمة) .
جـ ـ الرابع والخامس : نزّلنا (تضعيف الفعل ونا ضمير العظمة) .
د ـ السادس : الذكر (ال العهدية) .
هـ ـ السابع والثامن : إنا (إن ونا ضمير العظمة) .
و ـ التاسع : له (تقديم ما حقه التأخير) .
ز ـ العاشر والحادي عشر : لحافظون (لام التوكيد ثم واو العظمة) .
وطرق التوكيد كثيرة يلحظها المتفحص للآيات المتابعُ لها .

يتبع

نبيل
2015-03-11, 12:03 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

التكرار

الدكتور عثمان قدري مكانسي


ظاهرة تربوية وأسلوب تعليمي أصيل . . يدخل إلى النفوس والقلوب من أبواب متعددة ، تفتحها بطرق مختلفة قوية حيناً ، مخيفة تارة ومحببة تارة أخرى .
والتكرار في القرآن الكريم لم يكن زيادة لفظية دون معنى ، كما في الكتب البشرية التي بين أيدينا ، إنما جاء ليحقق أهدافاً معنوية ، وأهدافاً نفسية ، وأهدافاً فكرية كذلك .
أ ـ وقد يكون التكرار في تعبير ذي جمل متعددة .
ب ـ وقد يكون في جملة بعينها خبرية أو إنشائية .
جـ ـ وقد يكون كلمة أو حرفاً أو فعلاً .
وقد ألمحنا إلى هذا في أسلوب التنبيه والتأكيد .
أما هنا فإننا نقف على الأغراض البلاغيّة التي أفادها التكرار .
من هذه الأغراض التي قادني إليها جهدي المتواضع :

1 ـ التعظيم والتفخيم وكمال القدرة :

كقوله تعالى :
{ قل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
أ ـ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
ب ـ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
ج ـ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ
د ـ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
هـ - بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)
و - تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
ز - وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
ح ـ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}(آل عمران).
فالمشيئة لله تعالى والملك بيده ، والليل والنهار من عمل يده .
ومثال ذلك تكرار كلمة { ومن آياته } في ست آيات في سورة الروم ( الآيات : 20 ـ 25 ) ، تدلُّ على عظمته وقدرته في مخلوقاته وعجيب صنعه . وفي كل آية تبدأ بقوله تعالى { ومن آياته ..}. .
ومثال ذلك قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)}(القدر) فذكرُ ليلةِ القدر ثلاث مرات تفخيمٌ لأمرها وتعظيمٌ لشأنها .
ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى: { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2)}(الطارق) فالقسم بالطارق ، وهو النجم الثاقب من آيات الله الفخمة الباهرة الدالة على عظم خالقها وقدرته. فكرر { الطارق } مرتين .

2 ـ التهويل والتخويف :

مثال ذلك قوله تعالى : { كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5)}(الهُمَزة)
كرر كلمة { الحطمة } مرتين فما بعدها يؤكد شدة وطأتها على أعداء الله ومكوثهم فيها وعذابهم ، وإغلاق أبوابها عليهم { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)}(الهُمَزة) .
ومثاله قول الله تعالى : { الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)}(القارعة) والقارعة : يوم القيامة شديد الأهوال .
بل إن سورة الحاقة تخوّفنا من القارعة نفسها : { الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)}(الحاقة)
والحاقّة : ساعة الهول يوم القارعة .
وكقوله تعالى يذكر يوم الفصل مرتين :
{ . . . لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)}(المرسلات)
فهو يوم رهيب مخيف يعجز اللسان عن وصفه .

3 ـ الترغيب والترهيب :

مثال ذلك قوله تعالى : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)}(القمر) ففي قوله : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } تهديد وتخويف ، وفي قوله تعالى : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ترغيب في الإيمان والذكر ، فقد كررت هذه الآيات مرات عديدة في سورة القمر ، الآيات : (16 ـ 17) ، (21 ـ 22) ، (30)، (32) (37) ،(40) .

4 ـ التوبيخ والتشنيع :

وذلك في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)}( آل عمران) ، فتكرار فعل يقتلون تشنيع للأمر فهو فظيع يدل على الهمجية والاستكبار، وكذلك في قوله سبحانه وتعالى : { كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . } (الآيتان : 52 ، 53 ) في سورة الأنفال كررها مرتين توبيخاً لهم وتشنيعاً على كفرهم وفسادهم .
وكذلك نجد في الآية الكريمة التالية : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ . . .(78)}(آل عمران) تكريرَ كلمة الكتاب لاستجهان ما فعلوه من تحريف لكتاب الله سبحانه وبهتانٍ عليه .
وكذلك نجد الاستنكار الشديد أربع مرات متتالية في قوله تعالى : { أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ } (الآيات : 60 ـ 64 ) في سورة النمل ، يطرق الله سمعهم وأبصارهم وأفكارهم في جميل صنعه ، وفائق قدرته ، وبديع خلقه .

5 ـ التفصيل بعد الإجمال:

فحين يعاقب الله تعالى الكفار ، يوضح لنا أن طرق عقابه إياهم كانت متعددة ، فهو القادر على كل شيء ويبدأ بكل نوع بكلمة { فمنهم من..} .
قال تعالى : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
أ ـ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
ب ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
جـ ـ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
د ـ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)}(العنكبوت) .
وفي سورة الجن نجد { أنّ } و{ أنما } ذكرتا في بداية الآيات ست عشرة مرة ، وتعددت
{ قل إني } ، { قل إنّما } ، وكذلك ترددت منها أربع مرات في تقسيم الناس إلى صالحين وغيرهم ، ومسلمين وقاسطين .

6 ـ التأكيد والتنبيه إلى خطر عظيم وأمرٍ مُهِم :

ومثاله قوله تعالى : { أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55)}(يونس) كررت { ألا إنّ } مرتين للتأكيد على هيمنة الله تعالى على السموات والأرض ، وتصرفه التام بكل ما فيهما .
ومثاله كذلك قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)}(الحجر) فتكرار { ولقد علمنا } تأكيد على واسع علمه وشموليته .
وقوله تعالى : { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)}(الذاريات) فتكرار { إني لكم منه نذير مبين } تنبيه إلى خطر العاقبة وسوء المصير .

7 ـ التنويع في المعنى والاختلاف في القصد :
فمثاله قول الله تعالى : { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ (36)}(سبأ) ، وقوله سبحانه:
{ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)}(سبأ) .
ففي الآية الأولى منهما يخاطب الكفار ، وفي الآية الثانية يخاطب المسلمين ويحثهم على الإنفاق في سبيل الله .
ومثال ذلك قوله تعالى في سورة الكهف ، مرة { فأتبع سبباً } ومرتين { ثم أتبع سبباً } في قصة الرجل الصالح ( ذي القرنين ) الذي عاش مئتي سنة . ففي المرة الأولى سلك طريق المغرب ، وفي الثانية سلك طريق المشرق ، وفي الثالثة سلك طريقاً متوسطاً بينهما . فتنوعت الأسباب وتكررت الألفاظ تبعاً لذلك .
وانظر إلى اختلاف القصد في اسم الإشارة { هذا } في الآيات التالية من سورة (ص) :
{ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)} هذا الذ قصصناه عليك يا رسول الله .
{ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)} هذا جزاؤكم الذي وعدتم به في الدنيا .
{ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54)} هذا النعيم عطاؤنا لأهل الجنة لا ينفد .
{ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55)} هذا بمعنى أما بعد ، انتهى الحديث بها عن أهل الجنة .
{ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)} هذا هو العذاب فليذوقوه .
{ هَٰذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59)} هذا جمع كثيف اقتحم النار لا مرحباً به .
فأنت ترى أن هذا التكرار جاء لمعنى يراد به أن يثبت في الذهن ، ويدخل القلب ، وتتمثله الأفكار ليعرف الإنسان من أي صنف يريد أن يكون .
ونجد في قوله سبحانه:
{ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)}(المدثر) أن قدَّر الأولى للإخبار ، وقدَّر الثانية مع الكلمتين اللتين سبقتاها تهكم بالاستفهام، وقدَّر الثالثة معهما أيضاً للذم والتقبيح . ولا ننس أن كلمة " قـُتل" للتهديد والتوبيخ.

8 ـ التحيّة والثناء والتعليل :

وأكمل مثال يعبر عن هذه الأمور الثلاثة متتابعةً ما وجدناه مكرراً في سورة الصافات في قوله تعالى :
{ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} .
{ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) .
{ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)} .
{ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130)إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}.
ويؤكد ذلك معنى في ختام السورة نفسها :
{ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)}
فهو - سبحانه - يحييهم ويصفهم بالإحسان مادحاً إياهم ، ويعلل السلام والمدح بأنهم من عباده المؤمنين .

9 ـ للتنبيه إلى كثرة نعم الله ووجوب شكرها :

مثاله في قوله تعالى : { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }. وهذه الآية ذكرت في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة ، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أن يردوا على هذا السؤال الإنكاري : بقولهم " ما بشيء من آلائك يا رب نكذب. " فرددوها بألسنتهم وقلوبهم ، ونحن معهم نرددها تعظيماً لله واعترافاً بربوبيته وألوهيته.
فالمخاطب في هذه الآية الثقلان : الجنس والإنس . والله تعالى ينبههما إلى عظيم فضله ، وجزيل خيره الذي يزيد بالشكر .

10 ـ تلخيص فكرة سابقة أو مشهد سابق :

فيكون التكرار هنا ختاماً لتلك الفقرة وتمهيداً لفقرة تالية .
هذا ما نراه في سورة الشعراء بعد قصص موسى ، وإبراهيم ، ونوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب في قوله تعالى :{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
*} الآيات (67 ـ 68) ، (103 ـ 104) ، (121 ـ 122) ، (139 ـ 140) ،(158 ـ 159) ، (174 ـ 175) ، (190 ـ 191) .

أ ـ ففي نهاية كل قوم معاندين مأساة . . فهل من معتبر .
ب ـ وتأكيد على أن أكثر الناس ـ على مرّ الأيام ـ لا يؤمنون بالله ، إنما هواهم إلههم . . ومن أضل ممن اتبع هواه ؟
جـ ـ وأن أخذه ـ سبحانه ـ للعصاة المجرمين أخذٌ عزيزٌ ، فإن فاءوا إليه سبحانه فهو الرحيم
بهم ، الودود لهم .

11 ـ تقرير معنى في النفوس وتمكينه في القلوب :

ومثاله قول الله تعالى : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)}(الشرح) فليس للمؤمن أن ييئس ، فما بعد العسر إلا اليسر ، ولن يغلب عسرٌ يُسرَيْن .

12 ـ كلا :

دقات قوية تهز الوجدان ، وتنبه الغافلين ، وتزلزل المتكبرين ، وتزجر المعاندين . . . ثم هي ترفع معنويات المؤمنين وتبشرهم بالجنّة ، والنعيم والفوز الكبير .
ففي سورة المطففين :
{ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)} تهديد ووعيد .
{ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} توبيخ وهزء .
{ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} طردٌ وإبعاد .
{ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)} مدح وبشرى .
وفي سورة المدثر: { كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} ذم وتهديد .
{ كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)} تأكيد ووعيد .
{ كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53)} ذم واحتقار .
وفي سورة النبأ :
{ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} تأكيد وتثبيت ووعيد .
وفي سورة التكاثر :
{ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)} تهديد ووعيد .

يتبع

نبيل
2015-03-12, 08:38 PM
كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

الأسلوب الأخير : الجُمل الموسيقية

الدكتور عثمان قدري مكانسي



الموسيقا في القرآن حركة متناغمة ، تتولّد عن التناسق في الجمل ، والفواصل القرآنية ، فتتحرك لها القلوب ، وتطرب لها الجوارح ، فتؤلف مع المعنى تساوقاً تهتز له النفوس الواعية فهماً وتآلفاً ، والنفوس العاديّة تآلفاً فقط . .
فالسورة القصيرة تتجلّى فيها الجمل الصغيرة التي تمتاز بما يلي :
1 ـ الوزن الواحد أو المتقارب .
2 ـ القافية الواحدة أو المنسجمة (كالميم والنون ) .
3 ـ الحروف المتقاربة همساً ، وجهراً وقلقلة ، وصفيراً . . وتكراراً ، وليناً .

ـ فالمثال على الميزة الأولى سورة الأعلى في قوله :
{ سَــبِّــحِ اسْــمَ رَبِّــكَ الْأَعْـــلَــى (1) الَّــــذِي خَــــلَـــقَ فَـسَــوَّى (2)
وَالَّـــذِي قَـــدَّرَ فَــهَــدَى (3) وَالَّـذِي أَخْـــرَجَ الْــمَـــرْعَــى (4)} ،
{ وَنُــيَــسِّــرُكَ لِلْــيُــسْــرَى ( 8 ) فَـذَكِّـرْ إِنْ نَـفَعَتِ الذِّكْرَى (9) }
{ سَـيَـذَّكَّـرُ مَـنْ يَـخْـشَـى (10) وَيَـتَــجَـنَّـبُــهَـا الْأَشْـقَـى (11)}
وكذلك سورة الغاشية :
{ وُجُــوهٌ يَــوْمَــئِــذٍ نَــاعِــمَــةٌ ( 8 ) لِــــــسَــعْــيِــــــهَــا رَاضـــــــِيَــــةٌ (9)
فِــي جَــنَّــةٍ عَــالــِيَــةٍ (10) لَا تَــسْـــمَــعُ فِـــيــهَــا لَاغِـــيَـــةً (11)
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)
{ فِــيــهَــا سُــرُرٌ مَــرْفُــوعَــةٌ (13) وَأَكْــــــــوَابٌ مَــــوْضُــــوعَـةٌ (14)
وَنَــمَــارِقُ مَــصْــفُــوفَـــةٌ (15) وَزَرَابِـــــيُّ مَـــــبْـــثُـــوثَـــةٌ (16)}
{ أَفَلَا يَنْظُرُونَ
إِلَـى الْإِبِـلِ كَــيْــفَ خُـلِـقَـتْ (17) وَإِلَى السَّـمَـاءِ كَـيْـفَ رُفِـعَتْ (18)
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) }
{ فَــذَكِّــرْ إِنَّــمَا أَنْــتَ مُــذَكِّــرٌ (21) لَـسْـتَ عَــلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)
إِلَّا مَــنْ تَـوَلَّى وَكَـفَـرَ (23) فَـيُــعَـذِّبُــهُ اللَّهُ الْــعَـذَابَ الْأَكْــبَــرَ (24)
إِنَّ إِلَـيْــنَــا إِيَـابَــهُــمْ (25) ثُــمَّ إِنَّ عَــلَــيْــنَــا حِــسَابَهُمْ (26)}

ـ والمثال على الميزة الثانية ، سورة الإخلاص التي تنتهي فاصلاتها بحرف واحد هو الدال ، وهو حرف متفجر شديد ، فيه قلقلة كبرى .
وسورة الناس ، التي تنتهي بحرف السين في كل آياتها وهو حرف همس ، فيه صفير متقطع يوحى بالاستمرار لتعدده ، ويساعد على التنفيس .
وسورة الفلق التي تراوحت فاصلاتها بين القاف والباء والدال ، وهي من حروف القلقلة ، وفيها انفجار بعد احتباس ، جاءت أولاً بحرف القاف ، وهو حرف استعلاء يخرج من أعلى الحلق وآخره ، ثم حرف الباء من الشفة مع ملء الفم بالهواء ثم تفجيره ، ثم الدال يخرج من بين القواطع الأمامية ومقدمة اللسان ، وقد جاءت القاف وهي الأقوى أولاً ثم الباء وهي الأوسط في الانفجار والقوة ، ثم الدال . . ترتيب بديع . . .

ـ والمثال على الميزة الثالثة سورة التكاثر فيها الراء المتصفة بالتكرار وكأنها عجلة تدور ، وسورة العصر مثلها .
وسورة الفيل المنتهية كل آياتها بحرف اللام وهو حرف لَيِّنٌ يسبق حرف لين (مدّ) مما يوحي بكثرة الفيلة ، وشدة التضليل ، وكثافة الأبابيل من الطيور ، والحجارة المقذوفة ، والأثر الشديد الذي خلّفه الرمي في { مأكول } .
وسورة الهُمَزَة تتقارب فيها مخارج حروف الفاصلة . فالزاي والدال والميم مخارجها إما من الشفة أو قريباً من مقدّمة الفم ، وتتراوح بين صفير الزاي ، ودمدمة الميم ، وقلقلة الدال .
وسورة الماعون فيها حرف الشين المعروف بالتشفي في كلمتي قريش ، الشتاء ، كما أن فاصلتها تتراوح بين التاء والفاء ، وهما حرفا رخاوة وهمس .
فإذا جئنا إلى السور المتوسطة فإنها لا تقل موسيقية عن السورة الصغيرة ففيها يشيع القسم ، والتناسق في الوزن وحجم السورة ، وأحياناً وحدة الفاصلة كقوله تعالى في سورة الذاريات :
{ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)} .
وقوله تعالى في سورة الطور: { وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10)} .
ففي هذه الآيات فواصل متشابهة وأوزان متقاربة أو واحدة ، مما يولد الموسيقا الداخلية في وجدان السامع ، فينفعل مع الكلمات وزناً ومعنى وهذا أسلوب من أساليب التعليم التي بدأ العلماء يتحدثون فيها ، وقد سبق القرآن إلى ذلك بأكثر من قرون وآباد .
وسورة الشعراء مثال صارخ على توافق أوزان الجمل وعلى تقارب الفاصلة ، فالسورة على ضخامة عدد آياتها (227) آية تجد الفاصلة فيها تتراوح بين النون والميم ، وهما حرفا إذلاق وتوسط في الرخاوة .
أما السور الكبيرة الطوال : فمثالها سورة الأعراف التي تجد فاصلتها تترواح بين النون وهو الأكثر والميم .
ولا نغوص كثيراً فيها إلا أننا نقف بك على أواخر سورة البقرة من الآية 282 إلى آخر السورة ، فإنك تستطيع أن تقف عند كل معنى من آية الدين مثال ذلك :
{ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا
وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ
ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ
وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا . . . } وهكذا دون أن تشعر بانقطاع المعنى وتلمس موسيقا واضحة تنبع من الداخل .

واقرأ الآية الأخيرة من سورة البقرة لتلمح بوضوح الموسيقا الداخلية :
{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ، إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }.
{ .... وَاعْفُ عَنَّا ، وَاغْفِرْ لَنَا ، وَارْحَمْنَا أَنْتَ ... } .
فأنت تلاحظ تقطيعاً عروضياً والعروض موسيقا صدحت ـ من خلاله ـ شعراء العرب ، فكان الشعر بحق ـ كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه ـ ديوان العرب ، ووصل إلينا من شعرهم أضعافُ أضعافِ ما وصل من نثرهم فالشعر موسيقا ، والنثر ليس كذلك .
وأنت تقرأ القرآن تجد بعض أوزان الشعر ، وليس القرآن بالشعر ولكنّه نسيج وحده إنما فيه هذه الأوزان التي تجعلنا نتنغّم بها كما نتنغّم ببيت من الشعر .

ـ لاحظ معي هذه الآية 15 من سورة العلق :
{ كَلَّا ــ لَئِنْ ــ لَمْ ــ يَنْتَهِ ــ لَنَسْفَعَنْ ــ بِالنَّاصِيَةِ }
/5/5 ــ //5 ــ /5 ــ /5//5 ــ //5//5 ــ /5/5//5
مــســتَــفْــعِــلُـــن مــســتـــفـــعـــلـــن مُـتَـفْـعِـلُـن مـسـتـفـعـلـن
فهذا من مجزوء الرجز ، ولكنّه جاء في جزء من آيه .


ـ ولاحظ كذلك هذه الآيات من سورة المسد :
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} فالوزن فيها واضح تماماً .

ـ واقرأ متمماً معي هذه الآية من سورة العلق :
{ نَاصِيَةٍ ــ كَاذِبَةٍ ــ خَاطِئَةٍ (16)}
/5///5 ــ /5///5 ــ /5///5
فاعِلَتُن ــ فاعِلَتُن ــ فاعِلَتُن

ومن الموسيقا في القرآن الكريم ظاهرة التكرار :
أ ـ { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } في سورة الرحمن .
ب ـ { الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)}(الحاقة) ،
{ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)}(القارعة) وأمثالهما كثير .
جـ ـ تكرار بعض الآيات كقوله تعالى : { سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} (سورة الصافات ، الآيات : 79 ـ 81 ، وفي مدح إبراهيم 109 ـ 11 ، وفي مدح موسى وهارون 120 ـ 122 ، وفي مدح آل ياسين 130 ـ 132 ويمكن العودة إلى ظاهرة التكرار في هذا البحث لتعيش موسيقاه المعبرة .

ولو كنتَ ذا أذن موسيقية لرأيت في القرآن الكريم من هذا المنوال كمّاً هائلاً وموسيقا رائعة، فكن من الذين يتدبرون القرآن بكل أحواله تجد العجب العجاب .

ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

يتبع:خاتمة الموضوع

نبيل
2015-03-12, 08:46 PM
الخاتمة

أسأل الله تعالى بفضله وكرمه أن ينفعني وإخواني بهذا الكتاب ، وأن يجعله في صحائف أعمالي ، فأنا كثير الذنوب ، متسربل بالعيوب ،،، ولا يستر عوراتي ولا يغفر زلاتي إلا ربي سبحانه وتعالى ، فهو العفو الكريم الذي أرجوه أن يرحمني برحمته ويبعدني عن النار بلطفه ويدخلني الجنة بجوده وكرمه .

الفقير إليه تعالى عبده الراغب فضلَه
عثمان قدري مكانسي