المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث مهم حول حبوط العمل الوارد في قوله عليه السلام : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله


الفهداوي
2015-03-05, 06:21 PM
عن أبي المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة ، في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) البخاري ( 553 ) .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( من ترك صلاة العصر متعمداً حتى تفوته فقد أحبط عمله ) ..رواه أحمد في مسنده ( 26946 ) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في "صحيح الترغيب والترهيب" .اختلف العلماء رحمهم الله في الوعيد الوارد فيمن ترك صلاة العصر ، هل هو على ظاهره ، أو لا ؟ على قولين :
القول الأول : أنه على ظاهره ، فيكفر من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى خرج وقتها ، وهو اختيار إسحاق بن راهويه ، واختاره من المتأخرين الشيخ ابن باز رحمهما الله .
القول الثاني : أن الوعيد الوارد في صلاة العصر ليس على ظاهره وهو قول جمهور العلماء ، واختلف أصحاب هذا القول في توجيه الحديث على أقوال ؛ منها :
منها : أن الحديث محمول على من تركها استحلالاً .
ومنهم : من رأى أن الحبوط خاص بالصلاة نفسها ، فمن ترك صلاة العصر حتى خرج وقتها ، فإنه لا يحصل على أجر من صلاها في وقتها ، فيكون المراد بالعمل الذي حبط في الحديث الصلاة .
قال ابن بطال رحمه الله : باب من ترك العصر ، وفيه : بُرَيْدَةَ : أنه قَالَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ : ( بَكِّرُوا بِصَلاةِ الْعَصْرِ ، فَإِنَّ نَّبِيَّ الله قَالَ : مَنْ تَرَكَ صَلاةَ الْعَصْرِ ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) .
قال المهلب :
معناه من تركها مضيعًا لها ، متهاونًا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها ، فحبط عمله فى الصلاة خاصة ، أى لا يحصل على أجر المصلى فى وقتها ، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة " انتهى من "شرح صحيح البخاري لابن بطال" (2/176 ) .قال ابن حجر في الفتح :" وأما الجمهور فتأولوا الحديث فافترقوا في تأويله فرقاً :
1- فمنهم من أَوَّل سبب الترك.
2- ومنهم من أوَّل الحبط.
3- ومنهم من أوَّل العمل.

أولاً : تأويل الترك : فقيل المراد من تركها جاحداً لوجوبها أو معترفاً لكن مستخفاً مستهزئاً بمن أقامها وتعقب بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط ولهذا أمر بالمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره .
ثانياً : تأويل الحبط : وقيل المراد من تركها متكاسلاً لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقيل هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله وقيل معناه كاد أن يحبط .
ثالثاً : تأويل العمل : وقيل المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة أي لا يحصل على أجر من صلى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ وقيل المراد بالحبط الإبطال أي يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف على المشيئة فإن غفر له فمجرد الوقف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك وإن عذب ثم غفر له.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في فتح الباري ( 4/ 58: ) . قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في " كتاب الإيمان" ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك، وإمرار الاحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الايمان وإنما يراد به أعمال الجوارح، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان والعمل، وخلدوا بها في النار، وهذا قول باطل.
وأما المتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف.
فمنهم من قال: ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم.
ومنهم من قال: إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر.
وهو من أضعف الاقوال ، وليس في الإخبار به فائدة .
ومنهم : من حمل هذا الحديث على ان من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافراً مرتداً، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر .
وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر، فإن سائر الصلوات عنده كذلك .
وقد روي تقييد تركها بالتعمد :فروى عباد بن راشد، عن الحسن وأبي قلابة؛ أنهما كانا جالسين، فقال أبو قلابة: قال أبو الدرداء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك صلاة العصر متعمداً حتى تفوته فقد حبط عمله". خرجه الإمام أحمد.
وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء.
ورواه أبان بن أبي عياش- وهو متروك-، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى راشد أبو محمد، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي- صلى الله عليه وسلم - : " لا تترك صلاةً مكتوبةً متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة".
خرجه ابن ماجة.
وخرجه البزار، ولفظه: " فقد كفر".
وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمداً ؛ فإنه لم يفرق بين صلاةٍ وصلاة .
وقال في كتاب الإيمان ( 1/101) :
وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) .
قال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن موسى قال : ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : ما يرى هؤلاء أن أعمالا تحبط أعمالا ، والله عز وجل يقول: ( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ( إلى قوله ) أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُون ) .
ومما يدل على هذا - أيضا - قول الله عز وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ) الآية .. وقال ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَاب ) الآية ..
وفي صحيح البخاري " أن عمر سأل الناس عنها فقالوا : الله أعلم فقال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل ، قال عمر : لأي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل ، قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم يبعث الله إليه الشيطان فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله .
وقال عطاء الخراساني : هو الرجل يختم له بشرك أو عمل كبيرة فيحبط عمله كله . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من ترك صلاة العصر حبط عمله " .
وفي " الصحيح " - أيضا - أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان فقال الله : " من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك ".
وقالت عائشة : أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .
وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات ، ثم تعود بالتوبة منها.
والآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها ، حتى قال حذيفة قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وخرجه البزار عنه مرفوعا.
وعن عطاء قال: إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنة أو سبعين سنة.
وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد ، عنه : ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة فيحبط عمله.
وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة ، فقد أبطل فيما قال ولم يقف على أقوال السلف الصالح في ذلك.
نعم المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان وخلدوا بها في النار، وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك .
والذي يترجح والله أعلم أن تارك صلاة العصر ، لا يخلو :
1- إما أن يترك الصلاة بالكلية ، بحيث لا يصلي مطلقاً ، فهذا كافر ، وعمله حابط ؛ لكفره .
2- إما أن يترك الصلاة أحياناً ، بحيث يصلي أحياناً ، ويترك أحياناً أخرى ، فهذا لا يكفر وإن كان يحبط عمل اليوم الذي ترك فيه صلاة العصر .
قال ابن القيم - رحمه الله - :والذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أن الترك نوعان : تركٌ كليٌّ لا يصليها أبداً، فهذا يحبط العملُ جميعُه ، وتركٌ معينٌ في يومٍ معينٍ ، فهذا يحبط عملُ ذلك اليومِ ، فالحبوطُ العامُّ في مقابلةِ التركِ العامِّ ، والحبوطُ المعينُ في مقابلةِ التركِ المعينِ . " كتاب الصلاة "
والله تعالى أعلم ..

ياس
2015-03-05, 06:37 PM
تفصيل ماتع ومهم
جزاك الله خيرا على هذا التفصيل
فقد جمعت ومنعت،
رزقك الله الجنة.

الفهداوي
2015-03-05, 06:54 PM
تفصيل ماتع ومهم
جزاك الله خيرا على هذا التفصيل
فقد جمعت ومنعت،
رزقك الله الجنة.

وجزاك وبارك فيك وشكر الله لك طيب مرورك وحسن اطلاعك على الموضوع

ابو العبدين البصري
2015-03-06, 06:06 PM
بارك الله فيكم ووفقكم لكل خير.

الفهداوي
2015-03-06, 07:40 PM
بارك الله فيكما وشكر لكما مروركما اخويً الكريمين

الحياة أمل
2015-05-11, 11:09 AM
مآشآء الله
جهد مبآرك وموضوع قيّم
كتب ربي أجركم ونفع بكم ...~

الفهداوي
2015-05-30, 07:24 PM
مآشآء الله
جهد مبآرك وموضوع قيّم
كتب ربي أجركم ونفع بكم ...~



جزاكم الله خيرا ونفع الله بكم وشكر لمروركم

محمد مخيمر
2015-07-12, 03:52 AM
شكرا ع عملك

الفهداوي
2015-07-31, 05:51 PM
شكرا ع عملك

وفيك بارك الله