المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لايكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا


ناصح
2015-03-14, 12:53 PM
إن هذا القول: "لا يكن حبُّك كلفًا، ولا بغضك تلفًا" هو قطعة مِن مقولة أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
وقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم: (1322) وهو صحيح، وغيره: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفًا، فقلت: كيف ذاك؟! قال: إذا أحببتَ كَلفت كلَفَ الصبي، وإذا أبغضت أحببتَ لصاحبك التلَف".

ومعناه كما قال السخاوي رحمه الله: "إذا أحببت فلا تُفرِط، فتكون مثل كَلَف النساء والصبيان، وإذا أبغضتَ فلا تفرط إفراطًا تود أن من تبغضه بتلفه".

وهذا الأثر يبين أن هذا الفعل غير سليم، ويجر صاحبَه - شعَر أو لم يشعر - إلى أحد أودية الهلاك، فهو - أعني: هذا الأثر - يُعَدُّ - إن صح التعبير - كالمصحِّح للناس والمقوِّم لهم في هذا الباب، وهو باب الحب والولاء، والعداوة والبغضاء، وهو يرشدهم إلى أمرٍ مهم تهمهم معرفته، وما يمكن أن يكون سببًا ينأون به عن الجهل والظلم، كما أن هذا الأثر يسير بنا في الحقيقة نحو المنهج الإسلامي المضبوط والمنضبط، والذي لا وَكس فيه ولا شطَط، ويرسي - كذلك - الدعامة الأساسية لقواعد الولاء والبراء وأصوله، وينحو بنا نحو الطريق السليم، بله المستقيم؛ لتوطيد عُرى الإسلام، بل أوثق عراها، فقد روى الطبراني وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: ((أيُّ عرى الإيمان - أظنه قال: - أوثق؟))، قال: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)).

بل إنه من أعظم الأسباب في استكمال الإيمان، فلقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان)).

ومع هذا المنهج المنضبط - كما أسلفنا - يكون هذا العبد معذورًا، وغير متَّبِع لهواه، بل ويكون مسددًا له للظن والذي دومًا ما قد يُخطئ ويُصيبُ؛ ومرشدًا له إلى طريق الحق؛ إذ كيف يضل من كان هذا حاله؟! وحبه لله، وبغضه لله، وموالاته له، ومعاداته له، فلا يكاد يُبقي ولو بقيَّةً يسيرة لنفسه وهواه.

فيتسنَّى له بهذا المنهج أن يصحِّح ما قد يطرأُ على هذه العلاقة - يومًا ما - مما قد يخفى عليه في مطلعها وبدايتها؛ ولذلك قال عمر رضي الله عنه: "لا يكن حبك كلفًا، ولا بغضك تلفًا".

إذًا، فينبغي أن يكون هذا الحب بقدر ما في المحبوب من موافقة الكتاب والسنة، والبغض لما في المبغوض من مخالفة الكتاب والسنة؛ ذلك أن العبد المؤمن يرضيه ما يُرضي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويُسخطه ما يسخط اللهَ ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحب ما أحبه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويبغض ما أبغضه اللهُ ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيوالي أولياءهما، ويعادي أعداءهما، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله وغيرُه من أهل العلم.

وهذا في الحقيقة هو المراد من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيما رواه الترمذي عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه أراه رفعه قال: ((أحبِب حبيبَك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبيك يومًا ما)).

أي: فليكن حبًّا مقتصدًا لا إفراط فيه؛ فربما انقلب ذلك بتغير الزمان والأحوال بُغضًا، وإضافة (ما) إليه تفيد التقليل؛ يعني: لا تسرف في الحب والبغض، فلا تسرف في حبه؛ فتندم عليه إذا أبغضته، أو فلا تكون قد أسرفت في بغضه فتستحي منه إذا أحببته، كما ذكر ذلك غيرُ واحد من أهل العلم.
فهونك في حبٍّ وبغضٍ فربَّما
بدا جانبٌ مِن صاحبٍ بعد جانبِ

وقد قال ابن العربي رحمه الله وهو يبين معناه: "معناه أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، فقد يعود الحبيبُ بغيضًا وعكسه، فإذا أمكنْتَه من نفسك حال الحبِّ، وعاد بغيضًا، كان لمعالم مضارِّك أجدر؛ لِما اطَّلع منك حال الحب بما أفضيت إليه من الأسرار".

فالمعنى إذًا: لا تسرف في الحب والبغض؛ فعسى أن يصير الحبيبُ بغيضًا والبغيض حبيبًا، والناظر في السير كثيرًا ما يرى من هذا؛ لذلك فلا تسرف في الحب ولا في البغض، واقتصد فيهما، فالاقتصاد مطلبٌ شرعي علمَنا إياه رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولقد أحسن من قال:
وكن مَعدِنًا للخير واصفح عن الأَذى
فإنك راءٍ ما عملتَ وسامِعُ
وأحبِبْ إذا أحببتَ حبًّا مقاربًا
فإنك لا تدري متى أنت نَازعُ؟!
وأبغِض إذا أبغضتَ غير مباين
فإنك لا تدري متى أنت راجع؟!

ومثله قول النمر بن تولب:
وأحبِبْ حبيبَك حبًّا رويدًا
لئلاَّ يعولك أن تصْرمَا
وأبغضْ بغيضك بغضًا رويدًا
إذا أنتَ حاولتَ أن تحْكمَا

وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان يقول: "أحبوا هونًا، وأبغضوا هونًا، فقد أفرط أقوامٌ في حب أقوام فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا؛ فلا تفرط في حبك، ولا تفرط في بغضك"".

ومن جيد ما قيل في هذا المعنى - كما قال أبو عبيد - ما روي عن بعض الحكماء أنَّه قال: "لا تكن في الإخاء مكثرًا، ثم تكون فيه مدبرًا؛ فيُعرف سرفُك في الإكثار، بجفائك في الإدبار".

ويقال: إن من أمثال أكثم بن صيفي: "الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس بالناس مكسبة لقرناء السوء"، قال أبو عبيدة: يريد أن الاقتصاد أدنى إلى السلامة.

وقد جاء عن عبدالله بن عون، قال: "كان في بعض الكتب التي كنت أقرأ على محمد بن سيرين: بُني، لا تكن حلوًا فتُبتلع، ولا مرًّا فتُلفظ، ولكن بين ذلك".

وفي قول مطرف لابنه عبدالله: "والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها".

ويريد مطرِّفُ بن الشِّخِّير أن يخبر: أن الغلوَّ ومجاوزة القصد في العبادة وغيرها أو التقصير عنه سيئة، والسيئتان: إحداهما: مجاوزة القصد، والثانية: التقصير عنه، والحسنة التي بينهما هي القصد والعدل".

فالواجب إذًا: التزام الهدي النبوي والأدب الشرعي، في العلاقة مع الآخرين، فلا نبالغ في الحب والثناء، ولا في الطعن والذمِّ والهجاء، وإذا أحببنا فلا نفرِط، وإذا أبغضنا فلا نشطط، فالقصدَ القصد كما حثَّ رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولنعلم أن الإغراقَ في كل شيء مذموم

الفهداوي
2015-03-14, 01:01 PM
اختيار مسدد وسليم جزاكم الله خيرا ونفع بكم
ننتظر المزيد

ياس
2015-03-14, 03:40 PM
بوركت جهودكم اخ ناصح
جعله الله في ميزان حسناتكم
نعم الإسلام منهج وسط في كل شيء : في الاعتقاد والتعبد ، والأخلاق والسلوك ، والمعاملة والتشريع .
والأمة الإسلامية هي الأمة الوسط ، وقد جاء وصفها بالوسطية في قول اللـه تعالى

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }

وهو المنهاج الوسط الذي لا إفراط فيه، ولا تفريط، ولا غلو، ولا تقصير، فلم تتخذ الأمة الإسلامية السائرة
على صراط اللـه المستقيم، أنداداً لله سبحانه، ولم يصفوا اللـه بأوصاف لا تليق به، كما فعلت اليهود، حين وصفوه بالفقر، وبأن يده مغلولة.
ولم تضل كما ضلت النصارى، الذين شبهوا المخلوق بالخالق، وأضفوا على عيسى عليه السلام
خصائص الألوهية، فغلوا فيه، وجعلوه شريكاً لله.