المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة


عبدالله الأحد
2015-03-14, 07:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله واله

المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة



لفضيلة الأستاذ حماد بن محمد الأنصاري
الأستاذ بالجامعة الإسلامية



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.. فقد اطلعت على رسالة صغيرة كتبها شخص باسم عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني وسماها (اتحاد الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء) يدعو فيها إلى التوسل بذوات الصالحين مستدلاً على دعواه فيها بخمسة أحاديث مرفوعة وبخمسة آثار موقوفة، وعقب على كل واحد منها بأنه صحيح، وأنها دالة كلها على مرامه..

هذا وقد ألفت رسائل كثيرة في الرد على مثل هذه الرسالة، منها قاعدة التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ زيني دحلان للشيخ السهسواني، وغاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي، ومنهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس للشيخ عبد اللطيف، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس لبابطين النجدي، ومصباح الظلام في الرد على ابن منصور للشيخ عبد اللطيف وغير ذلك كثير.

فمشاركة لهؤلاء الأعلام في الذب عن السنة المطهرة وحفاظاً على العقيدة السلفية من أن يعبث بها كل لاعب رأيت من الواجب على بيان الحق نحو الأخبار ولآثار التي لبس بها الغمارى على العامة فوضعت قلمي على هذه الأوراق مستعيناً بالله وحده، فإذا تلك الأخبار والآثار على قسمين، قسم دال مرامه ولكنه ضعيف جداً أو موضوع، وقسم خارج عن الموضوع على فرض صحته، وقد قدمت الكلام على الأحاديث المرفوعة التي ساقها في رسالته الصغيرة التي تقدمت الإشارة إليها. وكذلك ما ساق في أصل رسالته هذه ثم قفيته بالكلام على ما أورده من الآثار الموقوفة، وسميت هذه الرسالة (بتحفة القاري في الرد على الغمارى) فإليك أيها القارئ أدلة الغمارى التي لا تنطلي إلا على الأغمار لأنك إذا نظرت إليها تجد أن أسانيدها كلها لا تخلو من كذاب أو متهم بالكذب متروك الحديث أو مجهوله تنقطع أعناق الإبل دون أن يعرف. إضافة إلى أنه أورد فيها حديث عمر في الصحيحين وحديث الأعمى في السنن مع أنهما خارجان عن الموضوع، كما ستقرؤه إن شاء الله في محله.

1 - الحديث الأول من أحاديث الغمارى قال: "أخرج الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه وقال:" الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين"، وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما ". قال: قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير روح بن صلاح، وقد وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف. قال فالحديث صحيح وله طرق، منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس بإسناد حسن كما قال الحافظ السيوطي"، انتهى كلام الغمارى.
قلت:
قال الحافظ ابن حجر في اللسان: "إن روح بن صلاح ذكره يونس في تاريخ الغرباء وقال: هو من أهل الموصل قدم مصر وحدث بها.رويت عنه مناكير ".
قال الدارقطني:" ضعيف في الحديث ".
وقال ابن ماكولا:" ضعفوه، سكن مصر ".
وقال ابن عدى بعد أن أخرج له حديثين:" وله أحاديث كثيرة في بعضها نكرة "
وقال الذهبي في الديوان:" روح بن صلاح عن ابن لهيعة قال ابن عدى: ضعيف ".
وقال السهسواني في الصيانة:" روح ضعيف ضعفه ابن عدى، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال، كما في فتح المغيث للسخاوى، ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرف كما في الميزان، وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح "
قال السخاوى: وقسم متسمح كالترمذي والحاكم .
وقال السيوطى في التدريب:" وهو متساهل فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علية توجب ضعفه ".
وقال البدر بن جماعة:" والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الضعف أو الصحة "
ووافقه العراقي وقال:" أن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم ".
فقول الحاكم وابن حبان عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه، كما هو الحال في ابن صلاح هذا، فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه، وبينوا أن السبب رواية المناكير، فمثله إذا انفرد بالحديث يكون منكراً لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض.

فحديث أنس هذا الذي تبين أنه ضعيف أوهم الغمارى أنه صحيح بتمسكه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح، وقد بينا ضعفه وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر. ولم يكتف بهذا التلبيس بل قال عقبه:

ولهذا الحديث طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمى في الفردوس بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطى.

فهذا كذب منه على ابن عباس رضي الله عنهما وربما على السيوطى أيضاً فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله (بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين).

قال ابن الأثير في أسد الغابة ما نصه:" أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم حدثنا عبد الله بن شبيب بن خالد القيس حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هاني أخبرنا حسين بن زيد بن على عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيراً ".

وروى عن ابن عباس نحو هذا وزاد:" فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه؟ قال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر " .

وقال ابن عبد البر:" روى سعدان بن الوليد السابرى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب ألبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها " .

ورواه الطبراني في الأوسط أيضاً بدون هذا الشاهد مثل رواية ابن عبد البر، وقال الهيثمى:" وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات " . ولفظه في المجمع عن ابن عباس قال:" لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب خلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع في قبرها، فلما سوى عليها التراب قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً لم تصنعه بأحد؟ فقال:" إني ألبستها قميصي لتكسى من ثياب الجنة واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنما كانت أحسن خلق الله إلي صنيعاً بعد أبى طالب ". وليس في هذه الروايات عن ابن عباس ذكر للشاهد الذي تقدم في حديث أنس رضي الله عنه ".

2 - وعند الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك ".

قلت:
قال الهيثمى في المجمع:" وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ".
وقال الذهبي في الميزان:" قال ابن عدى عامة أحاديثه غير محفوظة ".
وقال ابن حبان:" لا يحل الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها "
هكذا في الفوائد المجموعة للشوكاني رحمه الله.

عبدالله الأحد
2015-03-14, 07:54 PM
3 - وعن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: "سأل بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه .." انتهى.
قلت:
قال الدارقطني:" تفرد به عمرو بن ثابت أبو المقدام بن هرمز الكوفي يكنى أبا ثابت وقد قال يحيى: أنه لا ثقة ولا مأمون ".
وقال ابن حبان:" يروي الموضوعات".
وقال الذهبي في الميزان:" قال النسائي: متروك الحديث "،
وقال أبو داود:" رافضي".
وقال عبد الله بن المبارك:" لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف "
وفي سؤالات الآجري أبا داود عنه أنه قال:" رافضي خبيث وهو المشئوم ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة "
و ذكره ابن عراق في الوضاعين وقال:" عمرو بن ثابت أبي المقدام " قال ابن حبان:" روى الموضوعات عن الثقات "
وذكره الفتني أيضاً في قانون الضعفاء وقال:" متروك ".
قال يحيى:" عمرو بن ثابت لا ثقة ولا ثابت، إن الله تعالى قد بين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فدعا بها هو وحواء بقوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. وهذا أقوى رد للمتن الذي رواه هذا الوضاع المجوسي الأصل من غلاة الروافض ".

4 - حديث الأعمى عند الترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه، وهذا الحديث على القول بصحته فليس فيه متمسك على دعواه لأن الأعمى إنما توسل بدعائه صلى الله عليه وسلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره في قاعدة التوسل والوسيلة.

ذكر أن العز بن عبد السلام أوقف القول بجواز التوسل به صلى الله عليه وسلم على صحة هذا الحديث، ولكنه لا يدل على التوسل بذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم بل إنما يدل على التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم للأعمى لقوله صلى الله عليه وسلم للأعمى :"إن شئت دعوت وإن شئت صبرت" ولقول الأعمى في آخر دعائه "اللهم فشفعه في".

وسيأتي بسط الكلام على هذا الحديث عن قريب إن شاء الله عند الكلام على حديث الطبراني في توسل عثمان بن حنيف.

5 - الحديث الخامس أخرج الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ في كتابه ثواب الأعمال من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه " أن أبا بكر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى كلمتك وروحك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين " (الحديث) لم يزد الغمارى على قوله في هذا الحديث (وهو ضعيف لضعف عبد الملك، ولأن فيه انقطاعاً بين أبيه وبين أبي بكر كما قال الحافظ العراقي في المغنى).
قلت:
قصر في البحث أو أراد التلبيس كما هو عادته لأن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال عنه السعدي:" دجال كذاب "
وقال يحيى بن معين أيضاً:" كذاب ".
وقال أبو حاتم:" متروك ذاهب الحديث "
وقال ابن حبان:" يضع الحديث وهو الذي يقال به عبد الملك بن أبي عمرو ".
وقال الذهبي:" واتهم بوضع الحديث "
وكذلك ابن عراق ذكر في الكذابين ما قال السعدي وابن حبان فيه.
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" عبد الملك بن هارون الشيباني كذاب دجال
وقال الحافظ في اللسان:" قال صالح بن محمد عامة حديثه عن أبيه كذب، وأبوه هارون ثقة ".
وقال الحاكم في المدخل:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة ".
وقال أبو نعيم:" يروى عن أبيه مناكير وأبوه هارون بن عنترة الشيباني الكوفي فقد قال الحافظ في التقريب: لا بأس به ، الدارقطني يحتج به وأبوه يعتبر به وأما ابنه عبد الملك فمتروك يكذب "- الميزان.

عبدالله الأحد
2015-03-14, 07:55 PM
6 - قال الطبراني في الصغير ثنا محمد بن داود بن أسلم السدفي المصري ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أذنب آدم عليه السلام الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال:" أسألك بحق محمد إلا غفرت لي " الحديث ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً قال ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر به
ففي هذا الحديث آفات كثيرة سكت عنها الغمارى لأنها لا تتلاءم مع غرضه من التلبيس. منها
إن الذهبي قال في الميزان:" عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه:( يا آدم لو لا محمد ما خلقتك ). قال في تلخيص المستدرك: بل هو موضوع وعبد الرحمن واه ".
وقال أيضاً:" رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة "
قال الحافظ في اللسان:" لا استبعد أن يكون هو عبد الله بن مسلم بن رشيد وقد ذكره ابن حبان من المتهمين بوضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، وهو شيخ لا يعرفه أصحابنا وإنما ذكرته لئلا يحتج به أحد من أصحاب الرأي لأنهم كتبوا عنه فيتوهم من لم يتبحر في العلم أنه ثقة وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كأنها معمولة، ضبط الخطيب أباه بالتشديد وجده بالتصغير ".
قلت:
وإسماعيل بن مسلمة هذا صدوق يخطئ، وفيه أيضاً مجاهيل
قال الهيثمى في المجمع رواه الطبراني في الأوسط والصغير: وفيه من لم أعرفهم
وقال الطبراني:" لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صعيد المدني الفهري عن عبد الله به إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده . عبد الرحمن بن زيد، قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم. قال محمد بن عبد الله: سمعت الشافعي يقول: ذكر لمالك حديث فقال: من حدثك به؟ فذكر به إسناداً منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح عليه السلام- " انتهى.
وقال في الصارم قال الحاكم أبو عبد الله:" روى عبد الرحمن عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".

وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث.

قال الفلاس:" لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ".
وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل:" ضعيف ".
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:" ليس حديثه بشيء ".
وقال البخاري وأبو حاتم الرازي:" ضعفه علي بن المديني جداً ".
وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني:" ضعيف ".
وقال ابن حبان:" كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوفات فاستحق الترك ".
وقال الحاكم أبو عبد الله:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".
وقال ابن خزيمة:" عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه ".
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني:" حدث عن أبيه، لا شيء ".

وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حال عبد الرحمن وحال الفهري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة بهذا الشأن فكيف يسوغ لأحد الإحتجاج بحديث في إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات اللذين لو كان أحدهما وحده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة فكيف إذا كانا مجتمعين في الإسناد.

وقال ابن عبد الهادي:" وإني لأتعجب من السبكي كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم: (ولو لا محمد ما خلقتك)، مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث ضعيف في الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح بل هو مفتعل على عبد الرحمن ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في مواضع، فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. ثم قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به فإن الجرح لا أستحله تقليداً والذي أختار لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم فالراوي لحديثهم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم :" من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " ثم إنه رحمه الله لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد ".

ومن جملة ما خرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في التوسل قال بعد روايته هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب، فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضوع من الخطأ العظيم والتناقض الفاحش.

ثم إن السبكي عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فيه فقلده فيه واعتمد عليه وأخذ في التشنيع على من خالفه فقال:" والحديث المذكور لم يقف ابن تيمية عليه بهذا الإسناد ولا بلغه أن الحاكم صححه، ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك يعنى أنه كذب". ولنعرض للجواب عنه قال: وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته.

قال في الصارم فانظر إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث موضوع فصححه واعتمد عليه وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه ومع معرفة هذا المعترض بضعف رواية وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه وأخذ يشنع على من رد هذا الحديث المنكر ولم يقبله ويبالغ في تخطئته وتضليله .

ويقول الغمارى عن هذا الحديث الموضوع لا من أجل عبد الرحمن بن زيد وحده قال:" وفي علمي أن الذهبي تعقبه فحكم بوضع الحديث وأعله بعبد الرحمن المذكور ".

وهذا منه غلو ومحازفة فإن عبد الرحمن من رجال الترمذي وابن ماجه وقد أخذ عنه الثقات الإثبات مثل مالك بن مغول ويونس بن عبيد وسفيان بن عيينة ووكيع وغيرهم، وهو وإن كان ضعيفاً لم يبلغ به الضعف إلى حد أن يحكم على حديثه بالوضع إذ لم يتهم بكذب له هو في نفسه صالحاً وفي الحديث واهياً، وقال في محل آخر:" هو أحب إلي من ابن أبي الرجال ". وقال ابن عدي:" له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه ". وقال ابن خزيمة:" ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه هو رجل صناعته العبادة والتقشف ليس من أحلاس الحديث "، ثم قال (قلت) وكذا جميع من ضعفه مثل أحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان، إنما ضعفوه لسوء حفظه ولغفلته مع وصف بعضهم له بالصلاح والعبادة.


فملخص ما يقال في حديثه هذا أنه ضعيف فقط ليس بصحيح كما قال الحاكم ولا بموضوع كما قال الذهبي وكيف يكون موضوعاً وقد أخرجه البيهقي في دلائل النبوة وهو ملتزم أن لا يخرج في كتبه حديثاً موضوعاً كما ذكره الحافظ السيوطي في اللآلي راداً به على ابن الجوزي إذ أورد في الموضوعات من طريق ابن شاهين حديثاً هو عند البيهقي في الأسماء والصفات وبهذا امتازت كتب البيهقي على سائر من يلتزم أصحابها الصحة، وقد طعن في الحديث ابن تيمية أيضاً كما نقله عنه التقى السبكي في شفاء السقام ولم نشتغل برد كلامه لكونه في معنى كلام الذهبي. انتهى كلام الغمارى الذي إن دل على شيء فإنما يدل على المغالطة إذ تقدم أن عبد الرحمن بن زيد يروي عن أبيه أحاديث موضوعة وهذا الحديث من جملتها.

هذه أدلته المرفوعة على جواز التوسل بذوات الصالحين مع بيان عدم صلاحيتها للاستدلال بها على ما يريد.


الآثار التي دلس بها الغماري على مطلوبه:

1 - منها ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمن إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فانزل الله {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد، إلى قوله {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ثم قال الغماري تلبيساً كعادته:" هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الملك بن هارون ".

قلت:
قال الحاكم في المستدرك:" أدت الضرورة على إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه ".
وقال الذهبي في التلخيص:" قلت لا ضرورة في ذلك فعبد الملك متروك هالك لكن للأثر طرق، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريقي عطاء والضحاك عن ابن عباس قال:" كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون لله، يدعون على الذين كفروا، يقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلى نصرتنا عليهم، فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا - يريد محمداً صلى الله عليه وسلم- ولم يشكوا فيه كفروا به ".


وأخرج أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:" كان يهود المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون: ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان ".

قلت:
هذا الأثر فيه الكذاب عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم الكلام عليه في الأخبار المرفوعة.
قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا أحمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أنه قال بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس:" أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله عز وجل من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبسر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا وقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد وإنا أهل الشرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم: ما هو بالذي كنا نذكر لكم، ما جاءنا بشيء نعرفه، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" .

قال ابن جرير: ثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس " أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه "، الحديث.
قال حديث عن المنجاب قال حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليس كذلك يكذبون ".

قال العلائي في المراسيل:" الضحاك بن مزاحم صاحب التفسير كان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس وروى عن يونس بن عبيد أنه قال: ما رأى ابن عباس قط وعن عبد الملك بن ميسرة أنه لم يلقه، إنما لقي سعيد ابن جبير بالري فأخذ عنه التفسير، وروى شعبة عن مشاش أنه قال:" سألت الضحاك لقيت ابن عباس؟ قال: لا "، وقال الأثرم:" سمعت أحمد بن حنبل يسأل الضحاك لقي بن عباس قال: ما علمت ، وقيل له فممن التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير ".

وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبرنا بما يدل على ذلك فقال تعالى:{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}. لم يكونوا بمجردهم ينتصرون على العرب ولا على غيرهم. وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه قال تعالى:{يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} الآية. وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} إلى آخر السورة.. وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} فأنزل الله تعالى هذه الآيات {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا:" مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكان لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمداً رسولاً من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات التي في البقرة {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} الآيات ".
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا، وهذا لم يذكر فيه السؤال به أحد من السلف بل ذكروا الأخبار به أو سؤال الله أن يبعثه فقد روى ابن أبي حاتم عن أبي رزين عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون ".

وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}قال:" كانوا يقولون إنه سيأتي نبي {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } ".

وروى بإسناده عن ابن إسحاق ثنا محمد بن أبي محمد قال أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود ابن سلمة:" يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام ابن مشكم أخو بنى النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الآيات ".

وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال:" كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به، حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}".

وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت اليهود فعاذت بهذا الدعاء " اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية " وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال:" أدت الضرورة إلى إخراجه "، وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه.

قلت: وهذا الحديث من جملتها، وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم في الأحاديث المرفوعة.

ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولاً كبني فينقاع وبني قريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم فحارب أولاً بني قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر. ثم بني قريظة عام الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان فإن هذا من كذب جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أيضاً أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله، .. انتهى (21 ص 86)..

وأما قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}الآية، فكانت اليهود تقول للمشركين:" سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به بل يقولون اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه ".
هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل القرآن الكريم فإنه تعالى قال: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} والاستفتاح الاستنصار وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلون معه بهذا ينصرون، ليس هو بأقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا كلما سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يمكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه.
وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة لهذا النقل وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في دلائل النبوة. وفي كتاب الاستغاثة الكبير، وكتب السيرة ودلائل النبوة والتفسير مشحونة.
بمثل هذا النقول الكاذبة قال أبو العالية وغيره:" كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، ولفظ الآية إنما فيه {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وهذا كقوله تعالى:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر، ومنه الحديث المأثور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم "، وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينصروا به عليهم لا لأنهم أقسموا على الله وسألوه به، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }.

فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المتنازع فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها عليه فكيف وقد جاءت الآثار بذلك.

وأما ما ذكر عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون لقد بينا أنه شاذ وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً كما كانت قريظة حلفاء الأوس وكانت بنو النضير حلفاء الخزرج. ومما ينبغي أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به والأقسام به على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام لأنه أولاً لم يثبت وليس في الآية ما يدل عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعاً لنا فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه له وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا:{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور" انتهى.

2 - وأخرج الدارمي في مسنده في باب ما أكرم الله تعالى به نبيه بعد موته قال حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:" قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق "

عبدالله الأحد
2015-03-14, 07:57 PM
قال على بن محمد القاري في شرح المشكاة:" قيل في سبب كشف قبره أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشفع به عند الجدب فتمطر السماء فأمرت عائشة رضي الله عنها بكشف قبره مبالغة في الاستشفاع به، فلا يبقى منه بينه وبين السماء حجاب
قال الغماري:" وإسناده لا بأس به، أبو النعمان هو محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم ثقة من رجال الصحيحين، وسعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد قال ابن معين: ثقة. وعمرو بن مالك النكري ثقة من رجال الأربعة. وأبو الجوزاء ثقة من رجال السنة "، انتهى كلامه.

قلت: فيه أربع آفات:

(أ) أبو النعمان عارم قد اختلط في آخر عمره.

(ب) أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه، قال الحافظ في التهذيب: إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمر بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده. وقال الحافظ في التهذيب أيضاً: وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة وابن مسعود وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده. وأحاديثه مستقيمة، وحديثه عند مسلم عن عائشة في الافتتاح بالتكبير. وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضاً أنه لم يسمع من عائشة، قال الحافظ في التقريب: ثقة يرسل كثيراً.

(ج) وعمرو بن مالك النكري صدوق له أوهام قاله في التقريب، قال ابن حبان:" يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يخطئ ويغرب ".

(د) سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد صدوق له أوهام، وقال ابن حبان:" كان صدوقاً حافظاً ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد "، انتهى من التقريب وأصله.

3 - ذكر الغماري الحكاية التي ذكرها القاضي عياض في الشفاء فيما جرى بين مالك وأبي جعفر المنصور، وقال بعد ذكرها بسندها ما نصه:" وقد زعم ابن تيمية على عادته في التسرع إلى الإطلاقات الكاذبة أن هذا الأثر مكذوب على الإمام مالك، ورد عليه جماعة من العلماء مبينين خطأه وجهله، منهم عصريه السبكي في شفاء السقام وكذا محمد بن عبد الباقي الزرقاني قال في شرح المواهب عقب نقل صاحبها عنه ما نقلناه ما لفظه: هذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به، وأخرجه القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه فمن أين أنها كذب، وليس في إسنادها وضاع ولا كذاب.

وقال الخفاجي في نسم الرياض بعد تخريج عياض للأثر المذكور:" وفي هذا رد على ما قاله ابن تيمية من أن استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد ولم يرو إلا في حكاية مفتراة على مالك، يعنى هذا القصة التي أوردها المصنف، ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه، فقوله أنها كذب محض مجازفة من ترهاته".

هذا كله كلام الغماري، وهو كلام رجل إمعة كل من يمشي يمشي معه وإلا فهذه الحكاية من نظر في سندها جزم بأنها مفتراة وكذب وهي كما يلي، رواها القاضي عياض في الشفاء عن غير واحد بإسناد غريب منقطع مظلم فإليك سندها، قال القاضي عياض في الشفاء: حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالوا ثنا أبو العباس أحمد بن عمرو بن دلهاث ثنا أبو الحسن علي بن فهر ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا ابن حميد قال:" ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية.

وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك "، هذه هي الحكاية المكذوبة مع سندها المظلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً ولا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي سنة 158هـ وتوفي مالك سنة 179 هـ وتوفي ابن حميد سنة 248هـ ولم يخرج من بلده في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذبه أبو زرعة وابن وارة وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب الزبيري وتوفي سنة 242هـ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة 259هـ وفي الإسناد المذكور أيضاً من لا تعرف حاله ".

قال ابن عبد الهادي في الصارم المنسكي في الرد على السبكي:" والمعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك بصحيحه عنه وإسنادها مظلم منقطع مشتمل على من يهتم بالكذب وعلى من يجهل حاله، وابن حميد ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة ".

قال إسحاق بن منصور:" أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان "، وقال أبو زرعة:" كان يكذب "، وقال ابن حبان:" ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبة ولا يسما إذا حدث عن شيوخ بلده "، فإذا كانت هذه حال ابن حميد عند أئمة هذا الشأن فكيف يقول السبكي في حكاية روايتها منقطعة إسنادها جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف وقد قال السبكي بعد أن ذكرها وتكلم على روايتها:" فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها لما رواه ابن وهب عن مالك "، هكذا قال السبكي.

والذي حمله هو ومقلدوه على ارتكاب هذا السقطة قلة علمه بهذا الشأن وارتكاب هواه، والذي ينبغي أن يقال: فانظر إلى هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء.

هذا كلام الحافظين الناقدين في هذه الحكاية المفتراة التي تدور بين متهم بالكذب وبين مجاهيل لا يمكن للغماري وغيره أن يعرفهم.

وأذكر هنا كلام الحفاظ الآخرين الذي يؤيد كلام الحافظين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي حول ابن حميد الرازي فأقول: إن ابن حميد الرازي ذكره برهان الدين الحلبي في الكشف عمن رمي بوضع الحديث وقال: قال صالح جزرة:" كنا نتهم ابن حميد في كل شيء يحدثنا به، ما رأيت أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض ". وقال أبو أحمد العسال:" سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون ". وقال الذهبي في الميزان:" قال أبو على النيسابوري قلت لابن خزيمة: لو أخذت الإسناد عن ابن حميد فإن أحمد بن حنبل أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلا ". وقال صالح جزرة:" ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني ". وقد حدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين وآخر أصحابه البغوي وابن جرير، مات سنة 248هـ.

وذكره ابن عراق أيضاً في الكذابين وقال فيه كما قال البرهان وغيره.
وقال البخاري في الجزء الأول من تاريخه الكبير:" محمد بن حميد أبو عبد الله الرازي سمع يعقوب القمي وجريراً، فيه نظر، مات سنة 248هـ "، وسئل أبو عبد الله عن محمد بن حميد الرازي لماذا تكلم فيه فقال:" لأنه أكثر على نفسه ".
وقال أبو حاتم الرازي في الجرح: قال ابن معين:" ابن حميد ثقة ليس به بأس رازي كيس، وهذا الأحاديث التي يحدث بها ليست هي من قبله، إنما هي من قبل الشيوخ الذين يحدث بها عنهم ".
وقال أبو حاتم:" سألني ابن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر قال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء فنقول ليس هذا هكذا إنما هو كذا وكذا فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال ابن معين: لبئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه ولم نر إلا خيراً ". هذا قبل أن يعرفه أحمد وابن معين كما يدل عليه كلام ابن خزيمة الذي تقدم آنفاً.

4 - قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري حدثنا المفضل بن الموفق أبو الجهم حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك حق السائلين عليك " الحديث.

ثم قال الغماري ورواه أحمد عن يزيد بن هارون والطبراني في الدعاء عن بشر ابن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي وابن خزيمة في كتاب التوحيد عن طريق محمد بن فضيل بن غزوان. ومن طريق أبي خالد الأحمر وأبو نعيم الأصبهاني من رواية أبي نعيم الكوفي خصتهم عن فضيل بن مرزوق به، فزال ما يحشى من ضعف الفضيل بن الموفق بمتابعة هؤلاء له، ولم يبق إلا النظر في حل فضيل وشيخه، فأما فضيل فثقة كما قال ابن عيينة وابن معين وغيرهما، وروى له مسلم والأربعة، وأكبر ما عيب به تشيعه، وليس ذلك بعائبه على ما تقرر في هذا الشأن.

وأما عطية فقال ابن سعد:" كان ثقة إن شاء الله "، وقال الحافظ السيد محمد مرتضى الحسيني:" هو صدوق في نفسه "، حسن له الترمذي عدة أحاديث انفرد بها.

وقال الغماري:" فهذا الحديث حسن كما قال الحافظ العراقي في المغني ". هذا، وللحديث طريق آخر عن بلال رضي الله عنه قال ابن السنى في عمل اليوم والليلة: حدثنا ابن منيع حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت الجزري عن الوزاع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قاله: "بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" الحديث.

ثم قال الغماري:" ولم أجد في التوسل بهم يعني الصالحين، حدثنا أصرح من هذا الحديث. وغيره من الأحاديث ليس صريحاً مثله ثم ذكر حديث الإبدال "، انتهى كلام الغماري.

قلت: هذا كله كلام الغماري حول هذا الخبر الذي حاول أن يلبس به على العامة موهماً أنه وجد ضالته وإلا ففي هذا الخبر أمران لم يتناولهما الغماري لأن تناوله لهما ينقض عليه ما يريد من التلبيس:

(أ) في سنده ضعيف وهو فضيل بن مرزوق، قال الحافظ:" صدوق بهم ورمي بالتشيع ". وقال ابن حبان:" منكر الحديث جداً، كان ممن يخطيء على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات. وقال الذهبي في الميزان:" عطية أضعف من فضيل بن مرزوق ". وقال أبو عبد الله الحاكم:" فضيل بن مرزوق ليس من شرط الصحيح، عيب على مسلم إخراجه في الصحيح ". وروى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين:" ضعيف "، اختلف فيه قول ابن معين كما قال ابن شاهين في ثقاته. وقال أبو حاتم:" صالح الحديث صدوق بهم كثيراً يكتب حديثه ولا يحتج به "، كذا في التهذيب، وقال ابن عدي:" إذا وافقه الثقات يحتج به ". وفي روايته هذا الحديث لا يعلم أحد تابعه إلا من لا يعتد بمتابعته.

(ب) الفضل بن الموفق بن أبي المتئد الكوفي فيه ضعف. قاله في التقريب وقال الذهبي في الميزان:" ضعفه أبو حاتم وكذا في الترغيب والترهيب للمنذري والكاشف للذهبي والتلخيص للحافظ ". فإن قلت قد وثقه ابن حبان كما ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، قلت: لا اعتداد بتوثيق ابن حبان إذا تفرد به، قال الذهبي في الميزان في ترجمة عمارة بن حديد:" ولا تفرح بذكر ابن حبان له في الثفات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرفه "، ونص الحافظ في التهذيب، قال أبو حاتم:" كان شيخنا صالحاً ضعيف الحديث وكان قرابة لابن عيينة له عند ابن ماجة حديث أبي سعيد في القول: إذا خرج إلى الصلاة ".

(ج) عطية بن سعد العوفي صدوق يخطيء كثيراً كان شيعياً مدلساً قاله في التقريب. وقال الإمام أحمد:" بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، كان يكنيه بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد: يعنى يوهم أنه الخدري فهذا تدليس أي تدليس ".

قال في توضيح الأفكار فإن: صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفي في تكنية محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ، وقد اجتمع في عطية من وجوه الضعف ثلاثة: تدليس، وعدم الضبط، وكثرة الخطأ، كما صرح بذلك الحافظان ابن القيم في الهدي والحافظ بن حجر في التقريب وطبقات المدلسين. فعلى كل حال فالذين جرحوا عطية أكثر ممن وثقه، ومن المعلوم أن الجرح المبين مقدم على التعديل، فالذين جرحوه خمسة عشر من النقاد أبو حاتم و سالم المرادي و أحمد و هشيم و يحيى و النسائي و البيهقي و الثوري و ابن عدي و عبد الحق الأشبيلي و الذهبي و المنذري و الحافظ ابن القيم و الحافظ ابن حجر و الدارقطني.

وأما الموثقون فمنهم ابن معين على قول والترمذي، فابن معين قال فيه صالح كما في الميزان وهذه اللفظة في المرتبة السادسة من مراتب التوثيق فهي توثيق لين وحكمه أنه يكتب حديثه للإعتبار فهذا التوثيق لا ينافي القول بالضعف وأما الترمذي فلم يصرح بتوثيقه، نعم حسن له غير حديث، وتحسينه لا يدل على أن عطية ممن يحتج بحديثه في كل موضع فإنه ربما يحسن الحديث لمجيئه من طريق أخرى ولاحتمال أن يكون التحسين في موضع قد ثبت عند الترمذي التصريح بالتحديث فيه فإن عطية مدلس كما تقدم، وحديث المدلس إنما يقبل إذا صرح بالتحديث على أن الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، ولذا لم يعتمد العلماء عليه في هذا الباب وردوا على تصحيحه وتحسينه في غير موضع.

فإن قلت: إن الحافظ ابن حجر قال في تخريج الأذكار للنووي وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره لكن لم يرفعه فقد أمن من ذلك تدليس عطية العوفي.

(هنا بقي) فالجواب أنه لا يحصل الأمن من تدليس عطية بهذا فإن عطية تقدم أنه يكنى محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري، والأشبه أن هذا الحديث موقوف. قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن صالح العجلي الكوفي:" وله عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج الرجل من بيته قال اللهم بحق السائلين عليك " الحديث، قال: خالفه أبو نعيم ورواه عن فضيل فما رفعه "، قال أبو حاتم:" وقفه أشبه، والموقوف ليس بحجة عند المحققين ". وقد صدر المنذري هذا الحديث في باب الترغيب في المشي إلى المساجد بلفظ ( روى ) وأهمل الكلام عليه في آخره وهذا عنده دلالة للإسناد الضعيف كما قال في ديباجة الكتاب وصرح النووي في الأذكار بضعفه، فبطل قول الغماري أنه بسند صحيح، وهذا كله مع أن الحديث خارج عن الموضوع لأن الغماري ساقه مستدلاً به على التوسل بالذوات فليس في هذا الحديث توسل بالذوات بل هو توسل بحق تفضل الله به على من سأله ودعاه وحده وهو الإجابة في قوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

وأما الشاهد الذي فرح به الغماري فهو من رواية الوازع بن نافع العقيلي قال فيه ابن معين:" ليس بثقة "، وقال البخاري:" منكر الحديث "، وقال النسائي:" متروك "، وقال أيضاً:" ليس بثقة "، قاله في الميزان.

5 - حدثنا إبراهيم بن علي الباهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح السمان عن مالك قال:" أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال:" ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم يسقون وقل له عليك بالكيس الكيس"، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه "
قال الحافظ:" إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي في الدلائل بإسناد صحيح ". وقال الحافظ في الفتح:" وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة " انتهى كلام الغماري.

قلت: في هذا الأثر مالك بن عياض الداري، ذكره البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه (ج 4:ص 304هـ) وكذلك ابن أبي حاتم ذكره في الجرح والتعديل بما نصه:

" مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب روى عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وروى عنه أبو صالح السمان سمعت أبي يقول ذلك وسكت عنه أيضاً انتهى منه " (ج 4:قسم (1) ص 213).

وكل من سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فهو مجهول، فإنه قال في الجزء الأول من الجرح والتعديل ما نصه:" وقصدنا بحكاياتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له متأخراً بعد متقدم إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهم الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به ونسبنا كل حكاية إلى حاكيها، والجواب إلى صاحبه ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسئولين عنهم فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم وألحقنا بكل مسئول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى "، انتهى (ج1: ص 38 من الجرح والتعديل)
وقد قال الأخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة فهذه القصة غير ثابتة وقد أوهم المؤلف صحتها محرفاً لكلام بعض الأئمة مقلداً في ذل بعض ذوي الأهواء قبله وقد وعد بتفصيل ذلك في رسالة أفردها في هذا الموضوع، انتهى من السلسلة ( ج 1:ص 47 )

وفي هذه القصة أيضاً أن سيف بن عمر الضبي الأسدي المعروف هو الذي روى في فتوحه أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث، فعلم بهذا أن الأثر المذكور ليس فيه أن الجائى أحد الصحابة بل الذي روى أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف فإن سيفاً صاحب الفتوح الذي روى هذا الكلام الأخير،
قال فيه يحيى:" فليس خير منه "
وقال أبو داود:" ليس بشيء " وقال أبو حاتم:" متروك "
وقال ابن حبان:" أتهم بزندقة "
وقال ابن عدى:" عامة حديثه منكر " هكذا في الميزان للذهبي.
وقال الحافظ في التقريب:" ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ "، أفحش ابن حبان القول فيه
وقال الخزرجي في الخلاصة:" ضعفوه ".
وقال البرهان في الكشف الحثيث فيمن رمى بوضع الحديث:" سيف كالواقدي "
وقال مكحول البيروتي: سمعت جعفر بن أبان قال: سمعت ابن نمير يقول:" سيف الضبي تميمي كان يقول حدثني رجل من بني تميم، وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة ".
وقال ابن عراق في الكذابين:" سيف بن عمر متهم بالزندقة ووضع الحديث ".
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" متروك اتهم بالوضع والزندقة "
فعلى هذا فهذا الأثر كما قال الأخ الألباني غير ثابت لا سيما وهو منام والمنام لا تثبت به الأحكام الشرعية إلاّ إذا كان من نبي.

وأما ما قاله ابن سعد في الطبقات من أن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب معروف فهذه الكلمة لا تفيد شيئاً لأنه- أعني ابن سعد- لم يذكر في ترجمته من روى عنه إلا أبا صالح السمان حيث قال في الجزء الخامس ص 12 ما نصه:" مالك الدار مولى عمر بن الخطاب وقد انتموا إلى جبلان من حمير وروى مالك الدار عن أبي بكر الصديق وعمر رحمهما الله، روى عنه أبو صالح السمان وكان معروفاً، فمن المعلوم أن المعروف هو الذي روى عنه اثنان فأكثر، وإلا فهو مجهول العين والحال معاً إذا لم يوثق بحديثه في قسم الضعيف إلا إذا وثقه غير من روى عنه، وكذلك إذا وثقه من روى عنه إذا كان أهلاً لذلك على القول الأصح.

6 - ومنها ما رواه الطبراني في الكبير قال حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش (وفي نسخة قيرس) المصري المقري حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا أبن وهب يعنى عبد الله عن أبي سعيد المكي يعنى شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الختمى المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف:" أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان ابن حنيف: ائت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: ما حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أو تصبر" فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ائت الميضاة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات"، قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط "، ورواه في المعجم الصغير من هذا الطريق بهذا اللفظ ثم قال: لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي، وهو ثقة وهو الذي يروي عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح.
وأقر على هذا التصحيح الحافظان زكى الدين المنذرى ونور الدين الهيثمى، انتهى كلام الغمارى.

عبدالله الأحد
2015-03-14, 07:59 PM
قلت: في هذا الحديث آفتان:
إحداهما شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد البصري،
قال الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب:" قال ابن عدي حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وقال ولعل شبيباً لما قدم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب"
وقال ابن المديني:" ثقة وكتابه كتاب صحيح "
وقال الحافظ في التقريب:" شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب، وفيه أيضاً طاهر بن عيسى بن قريش أو ابن قيرس أستاذ الطبراني مجهول لا يعرف بالعدالة "
قال الشيخ سليمان صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح الكتاب التوحيد: قال الذهبي:" طاهر بن عيسى صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: قال الذهبي: بن بكير وأصبغ بن الفرج وعنه الطبراني توفي سنة 292هـ ولم يذكر فيه الذهبي جرحاً ولا تعديلاً، فهو إذا مجهول الحال لا يجوز الاحتجاج بخبره لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة ". انتهى من التيسير (ص 211-212 منه).

قال الطبراني:" تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة وهذا من الطبراني إخبار منه بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح يبين أن عثمان لم ينفرد به وطريق ابن وهب هذه نؤيد ما ذكره ابن عدي فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابن شبيب بل ذكر فيها أن الأعمى دعى بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف في هذا الأثر، وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال في نفسي.. وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته هذه فيشبه أنه أن يكون حدث ابن وهب به من نفسه كما قال ابن عدي فلم يتقن الرواية ".
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر الذي حدث عنه حماد بن سلمة في حديث الأعمى اسمه عمير بن يزيد، وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة، وهذه الطريق فيها " فشفعني في نفسي " مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهي قوله " وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك " أو قال:" فعل مثل ذلك " وهذه قد يقال إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى وقوله :" وإن كانت حاجته فعل مثل ذلك " قد يكون مدرجاً من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل " وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك "، بل قال:" وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك " وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بادعاء المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم على فرض صحة هذا الأثر.

ولفظ الحديث المعروف يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول " اللهم فشفعه في " وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعياً شافعاً له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم وفيه أيضاً أنه قال " وشفعني فيه " وليس المراد أن يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة فسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له صلى الله عليه وسلم وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من جنس العمل فمن صلى عليه صلى الله عليه كذلك الأعمى سال منه الشفاعة فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة فلهذا قال: "اللهم فشفعه في وشفعني فيه" وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا من كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق ولهذا أمر الأعمى أن يقول:" فشفعه في وشفعني فيه " بخلاف قوله " وشفعني في نفسي " فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من طريق غريب.

وأما قوله "وشفعني فيه" فإنه رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمرو وروح بن عبادة وشعبة أجل من روى حديث الأعمى. ومن طريق عثمان بن عمرو عن شعبة رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ورواه الإمام أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث مع أن قوله "وشفعني فيه" إن كان محفوظاً مثل ما ذكرنا وهو أنه طلب أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلاً مجرداً كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للأخر بخلاف الطالب والواحد الذي لم يشفع غيره، فهذه الزيادة فيها عدة علل.

أولاً: انفراد راويها بها عمن أبر وأحفظ منه.

ثانياً: إعراض أهل السنن عنها

ثالثاً اضطراب لفظها

رابعاً أن راويها عرف له عن روح أحاديث منكرة

ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة، فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه. ومن المعلوم أن الواحد بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال:" اللهم شفعه في وشفعني فيه " مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له كان هذا كلاماً باطلاً مع أن عثمان بن حنيف لم يأمر صاحب الحاجة أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ولا أن يقول (فشفعه في) ولم يأمر بالدعاء المأثور على وجهه، وإما أمره ببعضه وليس هناك من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته (فشفعه في) لكان كلاماً لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان صاحب الحجة، كما أنه لم يأمره بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم بل الذي أمره به ليس مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه،

وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لم يكن فعل ذلك الصحابي سنة يجب على المسلمين اتباعها، لا غايته أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول،

ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ويأخذ لأذنيه ماء جديداً، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل، فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعا لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا، والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مع العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وأنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء" وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له، فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة، وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وينزل مواضع منزلة ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً ولم يستحب ذلك جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، ولم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي فعل فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة،

وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس الحجر الأسود وأن يصلى خلف المقام وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي كان ينهي عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمى عن المعرور بن سويد قال:" كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض "، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى بالقصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبهت على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحباباً أو لحجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليهم فعله لأنه كان أسمح بخروجه أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك، ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة فإن هذا لم يفعله سائر الصحابة، ولم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته، ولم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أو يقال في التعريف أنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة هكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الاجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة أن هذه سنة مشروعة للمسلمين فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه ولا حراماً إلا ما حرمه ولا مستحباً إلا ما استحبه ولا مكروهاً إلا ما كرهه ولا مباحاً إلا ما أباحه.

وهكذا في الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباحة حذيفة السحور بعد طهور الضوء المنتشر إلا أن الشمس لم تطلع وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة.

وهكذا الكراهة والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقاً أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر، ومن ذلك قول سلمان أن الريق نجس وقول ابن عمر في الكتابية لا يجوز نكاحها، وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم وقول علي وزيد وابن عمر في المفوضة أنه لا مهر لها إذا مات الزوج وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل أنها تعتد إلى أبعد الأجلين وقول ابن عمر لا يجوز الاشتراط في الحج وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وابن مسعود أن المبتوتة لها السكنى والنفقة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب الرد إلى الله والرسول، ونظائرها كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على قول فقد يقال "هذا إجماع إقراري" إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال " حجة ".

وأما إذا عرف أن غيره خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها لا ريب عند أهل العلم.

وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لن يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل معنا حتى يخصب الناس لما استسقى بالناس قال:" اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته. وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية ابن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.

وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء "اللهم شفعه في" وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له. والله أعلم.

وأما القسم الثالث مما يسمى توسلاً فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يحتج به أهل العلم وهو الأقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين والسؤال بأنفسهم فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ثابتاً لا في الأقسام أو السؤال به ولا في الأقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه فتكون مسألة نزاع فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة.

وإتماماً للفائدة نختم هذه الرسالة بما ذكره ابن كثير في تفسيره وغيره عند قوله عز وجل:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}.. الآية.

قال ابن كثبر ما نصه:" ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله. سمعت الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} الآية، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول:


فطـاب من طيبهن القاع والأكم يا خير من دفـنـت بالقـاع أعظـمه

فيه العفـاف وفيه الجود والكـرم نـفسي الفـداء لقــبـر أنـت سـاكـنـه

عند الصراط إذا مـا زلت القدم أنت الرسـول الذي ترجى شفاعـته

ولا نجـوم ولا لـوح ولا قـلـم لولاك مـا خلقت شـمـس ولا قـمـر

فأنت أكرم من دانـت له الأمـم صـلى علـيــك إله الدهـر أجـمـعــه


ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: "يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ".

فهذه القصة الباطلة أخرجها ابن النجار في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة بالسند التالي، قال أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الحسن في كتابه أخبرنا أبو الفرج ابن أحمد أخبرنا أحمد بن نصير أخبرنا محمد بن القاسم سمعت غالب بن غالب الصوفي يقول سمعت إبراهيم بن محمد المزكي يقول سمعت أبا الحسن الفقيه يحكى عن الحسن بن محمد عن ابن فضيل النحوي عن محمد بن روح عن محمد بن حرب الهلالي قال:" حج أعربي فلما جاء على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، وذكر القصة بتمامها ".

فهذه الحكاية ذكرها أيضاً بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم، وبعض العلماء يرويها عن العتبي لا إسناد كما في تفسير ابن كثير عند الآية المقدمة الذكر آنفاً وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي
وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم أيضاً عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً آخر إلى على بن أبي طالب رضي الله عنه، روى أبو الحسن على بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن على بن محمد بن على حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال حدثني أبي عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي رضي الله عنه فذكر هذه الحكاية، فهذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتقاد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض. والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم إن كان ابن عدى الطائي فهو متروك كذاب وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم ابن عدى بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل ثم انتقل إلى بغداد فسكنها
قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول:" الهيثم بن عدى كوفي ليس بثقة كان يكذب "
وقال العجلي وأبو داود:" كذاب "
وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي:" متروك الحديث ".
وقال السعدي:" ساقط قد كشف قناعه "
وقال أبو زرعة:" ليس بشيء "
وقال البخاري:" سكتوا عنه أي تركوه ".
وقال ابن عدي:" ما أقل ما له من المسند وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار "
وقال ابن حبان:" كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلى أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعة يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها ".
قال الحاكم أبو أحمد الكبير:" هو ذاهب الحديث "
وقال الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك:" الهيثم ابن عدى الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة "
وقال العباس بن محمد:" سمعت بعض أصحابنا يقول قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب "

وفي الجملة فليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة لأن إسنادها مظلم مختلق ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم. وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم.

وأما سند ابن النجار فهو أيضاً مجاهيل غير معروفين ابتداء من شيخه إلى محمد بن حرب الهلالي، قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم" قال ما نصه:" ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، واتفق الأئمة على أنه إذا دعى بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه ".


" هذا "

وقد أغنانا الله عز وجل عما حرم من التوسلات الشركية والبدعية بما شرع لنا من التوسل المشروع وهو التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا قال الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وكذلك شرع لنا التوسل إليه بالأعمال الصالحة من دعائه وطاعته واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام وحبه والإيمان به كما في حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إليه لما وقعوا في الشدة بأعمالهم الصالحة ففرج عليهم. قال الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم باحسان أن الوسيلة إليه تعالى في هذه الآية هي طاعة الله تعالى بما شرع والانتهاء عما نهى عنه ومنع. وقال تعالى:{ادعُونِي أَستجب لكم} .. الآية.

فهذا هو التوسل المشروع، وأما التوسل غير المشروع فهو قسمان:

1 - توسل شركي: كالحلف بغير الله ودعاء غير الله قال الله تعالى:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}، {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}..

وكذلك الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وتعليق التمائم والحلقات والطِيَرَة هذه كلها من الشرك. لا يجوز لمؤمن بالله أن يصرف الاستغاثة والذبح والاستعاذة لغير الله فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك كما جاءت به النصوص.

2 - التوسل البدعي: كأن يقول توسلت بجاه فلان أو بحرمته أو بحقه عليك أو بفضله أو بعمله فإن هذه الألفاظ بدعية لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في واحد منها شيء صحيح ولا حسن بل كل ما نقل في هذا الباب موضوع أو ضعيف جداً لا يصلح للاحتجاج به أو صحيح خارج عن الموضوع كما تقدم في توسل عمر رضي الله عنه بالعباس وكما في حديث الأعمى على القول بصحته.

ونسأل الله العلي القدير أن يلهمنا الصواب في القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزلل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أمين
..

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:31 PM
الجواب المفصّل عن شبهات في التوسل
http://www.saaid.net/img/msword.gif (http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/b/9.doc) http://www.saaid.net/book/images/zip.gif (http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/b/9.zip)
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد :
فهذه أسئلة وردتني من أحد إخواننا من خلال الشبكة ( الإنترنت ) ، وقد أُورِدتْ عليه شُبُهات في التوسّل ، وطلب مِني الإجابة عنها .
حيث يقول الأخ الفاضل نبيل :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتـه
شيخنا الكريـم عبد الرحمن حفظكم الله تعالى ..
هذه بعض الشبهات يطرحها أعداء الدين من يستغيثون بالقبور أو يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم..
فنرجو أن نرى إجابة شافيـة لدحر الباطل .. وقد أرسلت لكم في البريد غير عن هذا، وفقكم الله تعالـى..
يقول هذا الرجـل/
و هذي الأدلة من أمهات كتب أهل السنة و الجماعة ، والقوانين تمشي على الجميع ما دام الموضوع ليس من تأليفي الشخصي ، و ما يحق لأحد أن يمسح ردودي إذا كانت منقولة من القرآن الكريم و سنة الرسول ص ، أقصد الصحاح و كتب السنن .
--------

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:33 PM
* أحاديث تثبت أن التوسل برسول الله ص يجوز حتى و هو في قبره ، و أن التوسل و طلب الغوث منه حيا و ميتا ليس شرك ، لكن يتعمدون أن ما يذكرونها ....

[ أوْرَدَ شُبهات كثيرة أُورِدَتْ عليه ، فَجَعَلْتُ كل شُبهة في فقرة مُستَقِلّة ، ثم أجبتُ عنها بما يسّر الله تعالى في خمس وعشرين فقرة ، ونَقَلتُ القول كما هو من غير زيادة ولا نُقصان ] ..

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وبارك الله فيك وحفظك .

هذه شُبُهات أوْهَى من بيت العنكبوت !
وهي لا تَخرج عن أربعة أمور :
الأول : إما استدلال بدليل لا يُسلَّم لِصاحبه باستدلاله فيه ، إذ ليس فيه ما يخدم مقصده
الثاني : أن يكون الدليل ضعيفاً لا تقوم به حجّة .
الثالث : أن يكون فِعل عالم ، وأفعال العلماء يُستَدلّ لها ولا يُستدلّ بها ، كما بينه ابن القيم رحمه الله . فليس فِعل أحد من الناس حُجّة على الْخَلْق إلا فعل محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أفعال الصحابة على خِلاف بين أهل العلم ، والصحيح حُجّية قول الصحابي ما لم يُخالِف أو يُخالَف .
الرابع : تحريف في النصوص لهوى في النفس ! وثَنْي أعناق النصوص والزيادة فيها ، أو النقص منها لتخدم أغراض قائليها !

وقبل التفصيل أُشير إلى ما جاء في المقال ، حيث زَعَم القائل أن :
[ بعض الناس لا يظهرون حبا للنبي ، إنما يظهرون بغضا له والعياذ بالله . كالذين يزعمون أن النبي محمد ميتة ، أو أنه لا ينفع، أو أن التبرك به وبآثاره شرك ، أو أن زيارة قبره شرك أو أن التوسل به شرك والعياذ بالله ، أو الذين يحرمون مدحه عليه السلام والاحتفال بمولده وغير ذلك، كله يظهر بغضا للنبي ولا يظهر حبا له صلى الله عليه وسلم ولا اتباعا له]

فالدعاوى أسهل وأيسر ما يكون !
والدعوى لا بُـدّ لها من بَيِّنَة !
فالذين يَدّعون محبته صلى الله عليه وسلم هم أكثر الناس بُعدا عن هديه وعن سُنّته صلى الله عليه وسلم ..
ففي هذا المقال أورِدت أحاديث ضعيفة ، وبعضهم يُورِد أحاديث مكذوبة ! بِدعوى محبته صلى الله عليه وسلم ! وسوف يتبيّن هذا من خلال مناقشة هذه الشُّبُهات ..
فأين هي دعوى المحبة ؟!
ولدى أصحاب دعوى المحبة من المخالفات لِهَدْيه ولِسُنّته صلى الله عليه وسلم ما يَضيق الوقت عن تِعدادها ، من رقص وطَرَب وشرب للخمور واختلاط ، وغير ذلك مما لا يَخفى على عاقل يَعرف حقائق عن احتفالات بعض مشايخ الطُّرُق الصوفية !
ثم إنهم مِن أكثر الناس صدودا عن السنة ، فهم يَهجرون العمل بالسُّنة طيلة العام ثم يُحيونها ليلة في العام !
فهم كالأوربي الذي هَجَر أمه عاماً كاملاً ثم زَعَم أنه يبرّها بزيارة لها في عيد الأم !
فأين القوم والمحبة الصادقة ؟
وسبق أن كتبت مقالاً بعنوان :
هـل نحتفـل بالمولـد النبوي ... ؟؟؟
وهو هنا :
http://saaid.net/Doat/assuhaim/100.htm (http://saaid.net/Doat/assuhaim/100.htm)

وذكرتُ فيه طرفا من أحوال الصحابة في صِدق المحبة له صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك لم يُنقَل عنهم ما يَفعله أهل الأهواء والبدع .

ثم إن دعاوى المحبة والتي يُحاول أولئك إثباتها عَبْر الاحتفال بمولده فيها إزراء بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، مع ما فيها من مخالفة هَدْيِه وأمْرِه صلى الله عليه وسلم .
فالاحتفال بالمولد النبوي لم يَكن في القرون الفاضلة ! وحسبُك بِعمل لم يَكن في القرون الفاضلة ، ولم يَكن عليه خيار الناس – أن يُرَدّ على صاحبه !

وأما قوله : (كالذين يزعمون أن النبي محمد ميتة) فهذا ظُلم عظيم ، وكذب مُبين ! فلم يَقُل بهذا مسلم قطّ ، أي لا أحد يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم مَيْتَة .
أما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فهذا حق ، ومن أنكره فقد كُفُر بالقرآن ، فإن الله يقول في مُحكم كِتابه مُخاطشبا نبيّه صلى الله عليه وسلم : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، وقال : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) .
وقالت عائشة رضي الله عنها : أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يُكَلّم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُسَجّى بْبُرْد حَبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكَبّ عليه فَقَبّلَه ، ثم بكى ، فقال : بأبي أنت يا نبي الله ! لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتَة التي كُتِبَتْ عليك فَقَد مُتَّها . رواه البخاري .
وقالت أيضا عن خطبة أبي بكر رضي الله عنه : فَحَمِدَ الله أبو بكر وأثنى عليه ، وقال : ألا من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قَدْ مَات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، وقال (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) ، فَنَشَجَ الناس يَبْكُون . رواه البخاري .
فهل كان أبو بكر رضي الله عنه مُبغِضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخبر أنه ميّت ؟!
والأحاديث في هذا كثيرة .

وإليك الجواب بالتفصيل عما استُدلّ به :

1 – قول القائل :
[وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: " وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الدار قال أصاب الناس قحط (أي مجاعة) في زمن عمر (أي في خلافته) فجاء رجل (من الصحابة) إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم قد هلكوا، (معناه اطلب من الله المطر لأمتك) ]

الجواب :
أولاً : هذا النصّ أُدْخِل فيه ما ليس منه ، لِيَخْدِم الغَرَض الذي سِيق لأجله !
ثانياً : النصّ كما هو في فتح الباري :
[ وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري - وكان خازن عمر - قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله اسْتَسْقِ لامتك فإنهم قد هلكوا . فأُتي الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر .. الحديث . وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة ] .
فقوله في النصّ السابق [فجاء رجل (من الصحابة)] يُوهَم أنه من رواية ابن أبي شيبة التي صحَّح إسنادها الحافظ ابن حجر رحمه الله ، وليس كذلك ، بل هي من رواية سيف بن عمر ، وروايته لا يُعوّل عليها عند أهل العلم !
فلا يثبت أن الذي جاء هو رجل من الصحابة ، فلِم أُقْحِم في النصّ أن الرجل من الصحابة ؟!
ولماذا حُذِفتْ بقية كلام الحافظ ؟
ربما لأنها تُسقط الاستدلال !
كما أنه زيد في النص ما ليس منه ، وهو قوله : [إيتِ عمر فاقرئه مني السلام وأخبره أنهم يُسقون]
وهذا القدر ليس في فتح الباري .. وإن كان في رواية ابن أبي شيبة .
وهذا تُبيّنه وتُوضِّحه رواية بن أبي خيثمة – وفيها - : ائت عمر فقل له : إنكم مُسْتَسْقُون فعليك الكَّفّين . قال : فبكى عمر وقال : يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه . ذَكَرها ابن حجر في كتاب " الإصابة " .
فقوله : " إنكم مُسْتَسْقُون " يُوضِّح المقصود ، وهو ما دَلَّتْ عليه رواية البخاري ، وأوصاه بالدعاء ورفع الأكَفّ .

ثم إن هذا ليس فيه مُستمسَك لأهل التوسّل الممنوع [ التوسّل بالأموات ] !
كيف ؟
الجواب :
أولاً : أنه رؤيا منام ، ورؤيا المنام ليس فيها دليل ، ولا يُعوّل عليها ولا يَجوز العمل بمقتضاها ، وإلا لزِم منه تغيير الدِّين ، والاستدراك على شريعة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ، كما بيّنه أوضح بيان الإمام الشاطبي في كتابه " الاعتصام " .
ثم إن الرؤى يُستبشر بها ولا يُعوّل عليها ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لـم يَبْقَ من النبوة إلا المبشِّرات . قالوا : وما المبشِّرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة . رواه البخاري .
فهي مُبشرِّة بنصّ قوله صلى الله عليه وسلم ، أي أنه يُستبشر بها ، ولا يُعوّل عليها من ناحية العمل .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:34 PM
ثانياً : لو صحّ الاستدلال بها لم يكن فيها مُستمسَك ، لأن الرجل لم يَكتَفِ بإتيان قبره صلى الله عليه وسلم وسؤاله ، بل أُتِي الرّجل في المنام – أتاه آتٍ – فأرشده أن يأتي إلى عمر رضي الله عنه

ثالثاً : أصحاب هذا الْمَسْلَك والاستدلال يبترون النصوص لِيَتِمّ لهم ما أرادوا .
وإلا فلِم لم يُعرِّجوا على آخر القصة ، وأن الرجل قيل له في المنام : ائت عمر .
وأنه أتى إلى عمر رضي الله عنه ، وفَعَل عمر ما فَعَل ، وهو ما رواه البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَحِطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، فقال : اللهم إنا كُنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بِعَمِّ نبينا فاسقنا . قال : فَيُسْقَون .
وهذا لا يُنكَر .
بل فيه دليل على من أجاز التوسّل بالأموات ، وفيه إسقاط لِشُبْهَتِه ، ودحض لِباطِله .
إذ لو كان من الْمُستَقِرّ عند الصحابة إتيان قبره صلى الله عليه وسلم والتوسّل به لما لجأ عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة إلى العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم .
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الأنبياء ، وأفضل من عمّه بلا ريب ، فلو كان الصحابة رضي الله عنهم يَرون جواز التوسّل بالأموات لأتوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه السُّقيا والشفاء !
وهذا لم يَكن منهم رضي الله عنهم .
وتقديم عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه ليس من باب التوسّل بالأموات ، بل هو من باب طلب الدعاء من الحيّ الذي يُرجَى صلاحه ، وهذا لا خلاف فيه .
والعباس رضي الله عنه حيّ وهو رجل صالح بالإضافة إلى قُربه من النبي صلى الله عليه وسلم .
ولو كان يجوز التوسّل بالنبي صلى الله عليه وسلم لما تَرَكَ الصحابة رضي الله عنهم سؤاله صلى الله عليه وسلم وهم أقرب الناس إليه – في المدينة – وأحب الناس إليه ، وهو أحب الناس إليهم ، ولما قدّموا العباس رضي الله عنه يَدعو لهم .
ولم يكن التوسّل بشخص العباس فحسب بل بِصلاحه ودعائه ، فقد روى عبد الرزاق في المصنّف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر استسقى بالمصلى ، فقال للعباس : قُم فاسْتَسْقِ ، فقام العباس فقال : اللهم إن عندك سحابا وإن عندك ماء ، فانشر السحاب ، ثم أنزل فيه الماء ، ثم انزله علينا ، فاشْدُد به الأصل ، وأطَلْ به الزرع ، وأدِرّ به الضرع ... الحديث .
وكان من دعاء العباس يومئذ : اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يكشف إلا بتوبة ، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ، ونواصينا إليك بالتوبة ، فاسقنا الغيث .
فَدَلّ هذا على أن التوسّل إنما كان بِدعاء العباس رضي الله عنه ، ولو كان بشخص العباس فَحَسْب لاكتفى عمر رضي الله عنه بالدعاء بشخص العباس أو بمن هو أولى منه ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفرق بين طلب الدعاء من الحيّ ، وبين طلبه من الميّت .
فالأول مسموح ، والثاني ممنوع .

2 – الاستدلال بقوله تعالى : (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ليس مَحلّ استدلال بجواز التوسّل أو الاستغاثة بالأموات ، بل فيه الاستغاثة بالحيّ القادر فيما يَقدر عليه .
وهذا محلّ اتّفاق .
ولو كانت الاستغاثة بِنوحٍ عليه الصلاة والسلام في زمان موسى عليه الصلاة والسلام لربما استدلّ به المخالِف !
ولو كان يجوز ذلك في شريعة من قبلنا لم يَكن ليُستَدلّ به في شريعتنا ، إلا أن تأتي شريعتنا بإقراره ، ولذلك لا يجوز الاستدلال بِفعل يوسف عليه الصلاة والسلام مع أبويه بجواز السجود لغير الله ، لأن شريعتنا جاءت بمنعه .

وهذا من الأدلة التي يضعونها في غير مواضعها ! فإن استغاثة الرّجل بموسى عليه الصلاة والسلام فيما كان موسى يقدر عليه في حال حياته عليه الصلاة والسلام .

3 – ومثل الاستدلال السابق ما يُستَدلّ به في الشفاعة يوم القيامة ، فقد جاء في السؤال قول صاحب الشُّبْهَة :
[ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض أحوال يوم القيامة : إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق. رواه البخاري في كتاب الزكاة ]

وهذا ليس في حال الوفاة بل هو فيما يكون بعد البِعْث ، أي أن هذا يكون يوم القيامة ، والناس أحياء حياة لا موت بعدها .
فلا يستقيم الاستدلال بهذا الدليل ، لأننا نُثبت الشفاعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ، وهي الشافعة العُظمى في الموقف العصيب ، وهذا يكون يوم القيامة .

والشفاعة أنواع ، وسبق ذِكرها هنا :
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?threadid=16044 (http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?threadid=16044)

وهل نحن نُنكِر الشفاعة حتى يُستَدلّ علينا بمثل هذا ؟!
هذا والذي قبله يُنكَر بهما على من يُنكِر ذلك .

4 – الاستدلال بحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ، حيث يقول صاحب الشُّبْهَة :
[ روى الإمام مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام قال: حدثنا هدّابُ بنُ خالد وشيبانُ بنُ فَرّوخٍ قالا: حدّثنا حماد بنُ سَلَمةَ عن ثابتٍ البُناني وسُليمان التميمي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيتُ (وفي رواية هدّابٍ: مررتُ) على موسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يُصلي في قبره" ]
أقول :
وأصْرح منه قوله صلى الله عليه وسلم : الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلّون .
قال الهيثمي : رواه أبو يعلى والبزار ، ورجال أبي يعلى ثقات . اهـ .
وقال الألباني : صحيح .
وقال الشيخ رحمه الله مُعلِّقا على هذا الحديث : اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ، ليست من حياة الدنيا في شيء ، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ؛ ومحاولة تكيفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا . هذا هو الموقف الذي يجب أن يَتّخذه المؤمن في هذا الصَّدَد : الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيِسَة والآراء ، كما يَفعل أهل البِدع الذين وصَل الأمر ببعضهم إلى ادِّعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية ! قال : يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! ، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى . ويشهد للحديث رؤيته صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لموسى قائما في قبره يُصلي . اهـ .

فإذا أثبتنا حياة الأنبياء في قبورهم ، وأنها ليست من جنس حياة الأحياء في هذه الدنيا ، فليس لأحد أن يتوسّل بهم ، ولا أن يَدعوهم .
لأن إخباره صلى الله عليه وسلم عن حياته في قبره أو عن حياة الأنبياء ليس فيه إذن ولا أمر بالتوسّل به صلى الله عليه وسلم ولا بِغيره من الأنبياء .

5 – الاستدلال بأن صلاة من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم معروضة عليه .
حيث جاء في الشُّبْهَة : [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي من بعيد أُعلمته". قال الحافظ في الفتح وسنده جيد .اهـ ]
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن حياة الأنبياء :
وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النّقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن والأنبياء أفضل من الشهداء ، ومِن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه ، وقال فيه : وصَلُّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم . سنده صحيح ، وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد بلفظ : من صلى على عند قبري سمعته ، ومن صلى عليّ نائيا بُلِّغته . وعند أبي داود والنسائي وصححه بن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة : فأكْثِرُوا عليّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليّ . قالوا : يا رسول الله وكيف تُعْرَض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت ؟ قال : إن الله حَرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء . اهـ
فصلاة من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبْلُغه وإن كان بعيدا فإن صلاته تُعرَض على النبي صلى الله عليه وسلم .
ولا إشكال في ذلك ، وكيفية ذلك لا تُعلَم ، لأن هذا من ألأمور الغيبية التي لا عَهْد للإنسان بها ، ولا بِكيفيتها .
وإثبات حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لا يُسوِّغ دعاءه ، ولا يُجيز التوسّل به صلى الله عليه وسلم ، إذ لو كان ذلك جائزاً لَدَلّ أمته عليه .
فإن كان دَلّ أمته عليه ، فأين هو الدليل ؟!
وإن لم يكن فهو من قبيل الممنوع ، إلا حَسب زعم الصوفية أن الأولياء فوق درجة الأنبياء ! فيجوز حينئذ عندهم أن يفعل الوليّ ما لم يأذن به النبي ! وهذا هو الكفر بِعينه !
وهذا لَعمر الحقّ هو التنقّص للنبي صلى الله عليه وسلم من أقوام زعموا محبته ! والإزراء به عليه الصلاة والسلام .
يقول قائل الصوفية :
مقام النبوة في برزخ *** فُويق الرسول ودون الولي !

وأمرٌ آخر أشار إليه الحافظ ابن حجر ، وهو أن الله أثبَت حياة الشهداء ، فمن ذلك قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .
وممن قُتِل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حمزة رضي الله عنه ، وهو عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أسد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك لا يَسُوغ أن يُدعى ، ولا أن يُتبرّك به ، وإن كان حيًّـا حياة برزخية .
ولو جاز أن يُتبرّك به ، أو يُدْعَى أو يُستشفَع به لَدَلّ النبي صلى الله عليه وسلم أمّته عليه ، فلما لم يَدُلّ أمته عليه عُلِم أنه غير مشروع .
ومن قال بجواز التوسّل بالأموات ، أو التبرّك بهم ، فإنه يستدرك على النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ويتّهمه بالتقصير في البلاغ .

6 – الاستدلال بمشروعية زيارة القبور على شدّ الرِّحال ، والاستدلال بآية النساء :
حيث جاء في السؤال قول صاحب الشُّبْهَة :
[وقال الإمام أحمد بن زيني دحلان في كتابه الدرر السُّنية في الرد على الوهابية : اعلم رحمك الله أن زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أما الكتاب فقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}
دلت الآية على حث الأمة على المجيء إليه صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم وهذا لا ينقطع بموته.اهـ]

أولاً : أحمد دحلان هذا لا يَرقى لمراتب العلماء فضلا عن أن يُوصَف بالإمامة !
ثانياً : زيارة القبور لا يُجادَل فيها ولا يُمارَى ، وهي مشروعة ، وليس المقصود منها التبرّك بالأموات ، ولا التوسّلأ بهم ، بل مقصودها الأعظم نَفْع الزائر نفسه ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإن في زيارتها تَذْكِرة . رواه أبو داود وغيره ، وأصله في صحيح مسلم .

ثالثاً : ما يتعلّق بِشَدّ الرِّحال إنما يكون لِمسجده صلى الله عليه وسلم ابتداء ثم يُزار قبره ، امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم حيث قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى . رواه البخاري ومسلم .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:35 PM
رابعاً : الاستدلال بالآية لا يُسلَّم ، وذلك من خمسة أوجه ، سبق بسطها وبيانها هنا :
مسألة في قوله تعالى(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) (http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?s=&threadid=38832)
ولم يثبت أن أحداً من أهل العلم استدلّ بها على ما زعمه "دحلان " ، ولا فَعَله أحد من الصحابة رضي الله عنهم .

وأما حديث : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " . فهو حديث ضعيف لا تقوم به حجّة ، كما بينه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة .
وقد ورد مختصرا بلفظ : تُعْرَض عليّ أعمالكم كل خميس . وهو حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما قول [رواه البزار ورجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي في مجمعه]
فهذا تدليس على القرّاء ! وإيهام تصحيح الحديث !
وقول الحافظ الهيثمي لا يُعتبر تصحيحاً للحديث ، فإن قوله : رجاله رجال الصحيح . لا يقتضي صِحّة إسناد الحديث ، بل ولا يقتضى اتِّصال إسناده ، بل الوصف لِرجال الإسناد دون الإسناد نفسه ، وهذا يَعلمه من له أدنى معرفة بمصطلح الحديث وطُرُق الأئمة في كُتبهم .
فقول الحافظ الهيثمي مثلا : رجاله ثقات ، أو رجاله رجال الصحيح ، ونحوها ، لا يُقتضي صِحّة الحديث ، بل الوصف مُتعلّق بِرجال الإسناد ، دون تصحيح الإسناد ، ودون تصحيح مَتْن الحديث .
والحدث ضعيف كما علمت .

فانظر إلى فِقه القوم ودعاوى المحبة ، حيث يستدلّون بالضعيف والموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! زعما منهم أنهم ينصرون سُنّته ، وأنهم يُحبّونه .
وهذا مثل استدلال من يستدلّ بحديث : إذا سألتم الله فاسألوه بِجاهِي ، فإن جاهي عند الله عريض . وهو حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا تجوز روايته ، ولا يَحِلّ تناقله إلا على سبيل التحذير منه .
وسبق بيان ذلك هنا :

ما صحة حديث : أن آدم عليه السلام قد توسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=832 (http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=832)

ما حُكم التوسّل بِجاه النبي صلى الله عليه وسلّم ، أو بِحَـقِّه ؟
http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=833 (http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=833)

7 – الاستدلال بالحديث الضعيف مرة أخرى ، في التوسّل والسؤال بِحق السائلين ! حيث جاء في الشُّبْهَة :
[قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال إذا خرج إلى المسجد: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا ، فاني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك . رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني والبيهقي]
فهذا ليس فيه مُا يَتمسّك به دُعاة دُعاء الأموات ! من وجهين :
الأول : ضَعف الحديث ، كما بيّنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة .
الثاني : أن هذا الحديث لو صحّ لم يَجُز أن يُتعدّى إلى كل توسّل ممنوع ، بل يُقتصر على ما وَرَدَ فيه ، هذا مِن جِهة ، ومن جهة أخرى فإن الداعي يدعو ربه ، وبما أوجَب رب العزّة على نفسه ، لا يَدعو الأموات من دون الله ، فتأمّل !
فإن الداعي يقول : " أسألك بِحقّ السائلين عليك " فلو صحّ الحديث لم يَكن فيه دعاء أموات ، بل فيه دعاء الله بما أوجَب على نفسه .
هذا لو صحّ ، كيف والحديث ضعيف ؟!

8 – قول القائل :
[ألف علماء الإسلام الكتب في الاستشفاع والتوسل نذكر منها:
1 - كتاب الوفاء في فضائل المصطفى لابن الجوزي ، أفرد بابا حول التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبابا للإستشفاء بقبره الشريف.
2 - شفاء السقام لتقي الدين السبكي حيث تعرض لمسألة التوسل بشكل تحليلي معتبر.
3 - مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام لمحمد بن نعمان المالكي وغيرهم كثير]

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:35 PM
وهذا مردود من وجوه :
الأول : أن كلام العالم يُستدَلّ له ، ولا يُستَدلّ به ، فليست العصمة لأحد بعد الأنبياء ، وكلّ يُؤخَذ من قوله ويُترَك إلا محمد صلى الله عليه وسلم .
ثانياً : أن ابن الجوزي رحمه الله ليس ممن تُؤخَذ عنه العقيدة ، فقد وقع في التأويل المذموم ، ويُقال مثله عن السُّبْكي .
وقديما قيل : اعرف الحقّ تَعرِف أهله .
وهؤلاء يُريدون قلب القاعدة !
فهم لا يَعرفون الحقّ إلا إذا جاء عن فلان أو فلان !
ثالثاً : أن كتاب " مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام " مما تستدلّ به الرافضة والصوفية ! وقد رأيت بعض مواقع الرافضة تُشيد بهذا الكتاب !
وحسبك أن الكتاب خَدَم أعداء الإسلام ، ولم يَخدم أهل الإسلام !

وليست العبرة بالتأليف بِقدر ما تكون العِبرة بمحتوى الكتاب ومضمونه ، فإن قُطْب الصوفية ! ابن عربي ألّف كتابا في الشِّرْك والْكُفْر ! وقد قال عنه الإمام الذهبي : ومن أردأ تواليفه كتاب (الفصوص) فإن كان لا كـُـفْــر فيه فما في الدنيا كفــر!!! نسأل الله العفو والنجاة . فواغوثاه بالله ، وقد عَظَّمَه جماعة وتكلّفوا لما صَدَرَ منه ببعيد الاحتمالات . اهـ .

9 – الاستدلال مرة ثالثة بالحديث الضعيف ! وفي غير ما دلّ عليه ! يقول صاحب الشُّبْهَة :
[أخرج البزار من حديث عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله ملائكة سياحين في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله]
فالحديث أولاً ضعيف ، لا تقوم به حُجّة ، ولا يُعوّل عليه ، كما بيّنه الشيخ الألباني في تخريج " الكلِم الطيب " وفي " السلسلة الضعيفة " .
وقول الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات . لا يُعتَبر تصحيحاً له . فتوثيق الرِّجال لا يَلزم منه صِحّة الإسناد ، وصِحّة الإسناد لا يَلزم منها صِحّة الحديث . وهذا مبني على قواعد وأصول بيّنها العلماء في مصطلح الحديث .
ومثله حديث : إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة ، فليناد : يا عباد الله احبِسُوا عليّ ، يا عباد الله احبِسُوا عليّ ، فإن لله عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم . فهو ضعيف أيضا .
ومثله أيضا حديث : " إذا أضلّ أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرضٍ ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني" وفي رواية " أغيثوني " ، " فإن لله عبادًا لا ترونهم " . فهو ضعيف أيضا .

ولو صحّ الحديث فليس فيه مُسْتَمسَك لمن يستدلّ به على التوسّل بالأموات ، فإن الاستغاثة بالحي فيما يَقدِر عليه لا تُنكَر ، وقد مضى هذا في آية القصص (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) .
فالشخص يُنادي حيًّـا قادراً ، ولا يُنادي ميّتا . فغاية ما في هذا الحديث – لو صَحّ – أن يكون الإنسان يستعين بِـ " حَيّ قادر " على أمر يستطيعه .
وهذا كأن ترى إنسان قادم من بعيد وأنت تريد ردّ الدابة فتُنادِيه وتصيح به : رُدّ الدابة .

10 – تحريف الكلم عن مواضِعه ! والزيادة في النصوص لتخدم أهواءهم ! يقول صاحب الشُّبْهَة:
[روى البخاري في الأدب المفرد ما نصه : حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي اسحق عن عبد الرحمن بن سعد قال : " خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك فقال : يا محمد "ا.هـ . وقد ذكر البخاري هذا الحديث تحت عنوان: "باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله]
أولاً : الحديث ضعيف ، ففي إسناده أبو إسحاق السبيعي ، وهو قد اختلط وتغيّر بأخرة ، وهو مُدلّس أيضا . فالحديث ضعيف كما بيّنه الشيخ الألباني في تخريج " الكلِم الطيب " وفي "ضعيف الأدب المفرَد " .
ثانياً : ليس في الحديث عند البخاري في الأدب المفرد حرف النداء ( يا ) بل ( محمد ) بدون يا النداء .
ثالثاً : لو صحّ الأثر ليس فيه مُستمسك على الاستغاثة بالأموات ولا بالتوسّل بهم ، بل غاية ما فيه ذِكْر اسم من تُحبّ .
ولم يَقُل ابن عمر – ولا غيره من الصحابة – بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد أغثني ، ولا يا محمد اشفِ مريضي ، أو اقضِ حاجاتي ، ولا حتى في هذا الحديث لم يَقُل : يا محمد أزِل الْخَدَر عن رِجْلِي !
فابن عمر رضي الله عنهما لم يَدعُ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسأله الشفاء ، كما يفعله بعض الجهال .
ووَرَد هذا الأثر عن ابن عباس ، وذَكَره شيخ الإسلام ابن تيمية في " الْكَلِم الطيب " وحَكم عليه الألباني بالضعف الشديد .

11 – الاستدلال بما في كُتب التواريخ دون النظر إلى مناهج مؤلِّفيها ، ودون النظر في أسانيدها
حيث جاء في السؤال :
[في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الذي تحبه الوهابية في المجلد الذي فيه الجزء السابع والثامن ص 104-105 يذكر فيه عن بلال ابن الحارث المزني الصحابي الذي قصد قبر النبي وطلب منه ما لم تجري به العادة وتوسل به، وفيه يقول: "إن أهله طلبوا منه أن يذبح لهم شاة فقال ليس فيهِنَّ شيء فألحوا عليه فذبح الشاة فإذا عظمها حُمُرٌ فقال: "يا محمداه"]

أولاً : من يُسمّيه الكاتب ( الوهابية ) هم أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، وهم يُحبّون كُتُب السلف ، بل وكُتُب الْخَلَف ، ويأخذون منها ما هو نافع ، وما وافَق الحق أخذوا به

ثانياً : قال ابن كثير في البداية والنهاية :
ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال : ليس فيهن شيء ، فألَحُّوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه ... . اهـ .
وهذا أولاً سياق تاريخي ، وكُتُب التواريخ يَتسمّح فيها العلماء ما لا يتسمّحون في غيرها .
هذا من جهة
ومن جهة ثانية أن العلماء كانوا يَرون إبراز وإظهار الإسناد إبراء للعُهدة ، فابن كثير أحال في هذه القصة على رواية راوٍ أخباري ضعيف ، وهو سيف بن عمر . فأقواله غير معتبرة في الحديث فضلا عن أن تكون مُعتبرة في العقائد !
قال عنه الإمام الذهبي : ضَعَّفَه ابن معين وغيره .
وقال عنه ابن حجر في التقريب : سيف بن عمر التميمي ، صاحب كتاب الرِّدّة ، ويُقال : الضبي ، ويُقال غير ذلك ، الكوفي ، ضعيف الحديث ، عمدة في التاريخ ، أفحش ابن حبان القول فيه . اهـ .
فهو في الحديث ضعيف ، فلا يُستدَلّ بما رواه في الأحاديث فضلا عن أن يُستَدَلّ بما رواه في العقائد .
أما في التاريخ فأمرها يسير ، إذ لا يُبنى عليها أحكام ، ولا يُعوّل على ما في كُتُب التواريخ والسِّيَر غالباً ، ولذا قال الإمام أحمد : ثلاثة كتب ليس لها أصل : المغازي والملاحم والتفاسير .
قال الخطيب في جامِعِه : وهذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها ، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة ، وليس يصح في ذِكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة ، وأما كتب التفاسير فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان ، وقد قال الإمام أحمد في تفسير الكلبي : من أوله إلى آخره كذب . قيل له : فَيَحِلّ النظر فيه ؟ قال : لا . وقال أيضا : كتاب مُقَاتِل قريب منه . انتهى ... وأما المغازي فمن أشهرها كتب محمد بن إسحاق ، وكان يأخذ عن أهل الكتاب .
وقال الشافعي : كُتُب الواقدي كذب ، وليس في المغازي أصحّ من مغازي موسى بن عقبة . انتهى .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:36 PM
وكذا ما يُذْكَر من القبور بجبل لبنان في البقاع أنه قبر نوح عليه الصلاة والسلام لا أصل له ، وإنما حدث في أثناء المائة السابعة ! وكذلك القبر المشهور الذي يُنْسَب لأُبَيّ بن كعب رضي الله عنه بالجانب الشرقي من دمشق ، مع اتّفاق العلماء على أنه لم يَدخلها ، فضلا عن دفنه فيها ! وإنما مات في المدينة . وكذلك المشهد المنسوب لعبد الله بن سلام رضي الله عنه في قرية " سقبا " من الغوطة لا أصل له هنا ، وإنما مَدْفَنه بالمدينة كما ذكره العلماء المعتبرون ، منهم النووي . وكذلك المكان المنسوب لابن عمر من الجبل الذي بالمعلاة مقبرة مكة لا يصح أصلا ، وإن اتّفَقُوا على أنه تُوفّي بمكة . والمكان المنسوب لعقبة بن عامر رضي الله عنه من قرافة مصر ، بل منام رآه بعضهم بعد أزمنة متطاولة ! والمكان المنسوب لأبي هريرة رضي الله عنه بعسقلان ، إنما هو قبر حيدرة بن خيشنة على ما جَزَم به بعض الحفاظ الشاميين ، ولكن جزم ابن حبان وتبعه الحافظ ابن حجر بالأول . وكذلك المكان المشهور بالمشهد الحسيني من القاهرة فليس الحسين مَدفوناً فيه بالاتفاق ، وإنما فيه رأسه كما ذكر بعض المصريين . قال الحافظ ابن حجر : ونفاه بعضهم ، ومنهم ابن تيمية فإنه بالغ في إنكار ذلك وأطال ، كما نقله عنه السخاوي .
وقال الإمام محمد بن الجزري : لا يصح تعيين قبر نبي غير نبينا عليه الصلاة والسلام ، نعم قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في تلك القرية لا بخصوص تلك البقعة . انتهى . اهـ . نَقَله العجلوني في كشف الخفاء .

فالعقائد بل والأحكام لا تُؤخَذ من كُتُب التواريخ ابتداءً ، وإنما يُستأنس بما فيها .
وأصحاب تلك الْكُتُب لهم مناهِج وطُرُق في الرواية ، فيَروون في تلك الكُتُب ما لا يَروونه في كُتبهم الأخرى .
فابن جرير الطبري – مثلاً – لم يُعوّل على رواية " أبي مِخنف " في التفسير ، بل ولم يَلتفت إليها في كُتُبه في العقيدة ، ككتاب " صَرِيح السُّنة " .
ولكنه روى عنه في التاريخ ، في كتاب " تاريخ الأمم والملوك " ، لأن له مَنْهَجاً في التفسير وفي العقيدة غير منهجه في التاريخ .
فمن أراد الاستدلال من كُتُب أهل العلم فلا بُدّ أن يكون عالما بمناهج أهل العلم ، وإلا زَلّ فَضَلّ وأضَلّ ، وربما نَسَب إلى العالِم ما لم يَقُلْه ، وما لم يَقُل بِه .

ثم لو صَحّتْ نِسبة ذلك القول إلى الصحابي ، فليس فيه ما يُستَنَد إليه !
فقول : " يا محمداه " ليس فيه نداء استغاثة ، ولا توسّل به صلى الله عليه وسلم ، بل غاية ما فيه أن يكون كما في التشهّد " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ، فهو من باب استحضار الْمُخَاطَب ، لا من باب دعائه .
ويَدلّ على هذا قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فلْيَقُل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض . رواه البخاري ومسلم .
أي أصابه ذلك السلام ، ولم يَقُل : إنكم تَدعون كل عبد صالح ، ولا أنه يسمعكم كل عبد صالح
وهذا كما يُسلّم على الأحياء يُسلّم على الأموات .
ولا يُنكَر أن يأتي آتٍ ويُسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ، بل على عامة أموات المسلمين ، فالسلام مشروع من الأحياء للأحياء ، ومن الأحياء للأموات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : لا تَقُل عليك السلام ، فإن عليك السلام تحية الموتى . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
فقول : " يا محمداه " من باب استحضار الْمُخاطَب ، وليس من باب الدعاء في شيء ، كما يقول القائل : وا مُعتَصِماه ، وهو لا يَدعو " المعتَصِم " ولا يُريد منه نُصرَة ! وكما يقول القائل : أين أنت يا صلاح الدّين ؟ فهو لا يَدعو " صلاح الدّين " ويَعلم عِلم يَقين أن صلاح الدين لا يَرجِع إلى الدنيا ، ولا يَملك لِنفسه ولا لغيره ضَرًّا ولا نفعاً ولا موتا ولا حياة ولا نشوراً .
وإنما هو يستحضر شَخص ذلك الْمُخاطَب ، وهذا أسلوب معروف عند أهل العربية .

12 – الاستدلال بحديث ربيعة بن كعب رضي الله عنه ، حيث قال :
[روى مسلم في صحيحه أن ربيعة بن كعب الأسلمي الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله من باب حُبّ المكافأة:"سلني"، فطلب من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة، فقال له: أسألك مرافقتك في الجنة، فلم يُنكر عليه رسول الله بل قال له من باب التواضع:" أو غير ذلك" ، فقال الصحابي : هو ذاك ، فقال له : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " ]

وهذا حق ّلا مِرية فيه ، ولكن لا بُد لكل استدلال من أمرين :
الأول : صِحّة الدليل .
والثاني : صِحّة الاستدلال .

فالدليل صحيح لا إشكال فيه ، ولا غُبار عليه ، وإنما الاستدلال هنا لا يُسلّم لِمن استَدَلّ به .
فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم في حياته أمراً مُمكِناً لا يُنكَر ، فهل أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ضَمَانة إلى الجنة ؟
وهل قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أدْخَلْتُك الجنة ؟
الجواب : لا ، فلا صُكوك غفران في الإسلام ، وإنما هذا في النصرانية وفي دِين الرافضة !
وإنما أحَالَه عليه الصلاة والسلام على عَمَلٍ يُدخِله الجنة ، وهو " كثرة السجود " .
ولذلك بوّب عليه الإمام النووي في شرح مسلم بـ " باب فضل السجود والحث عليه " .
ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم مُؤيّد بالوحي ، فإذا أخبر أن شخصا بِعينه في الجنة ، فإنما يكون ذلك بما أوحاه الله إليه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأقرب الناس إليه : يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا ، سَلاني من مالي ما شئتما . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : لما أنزلت هذه الآية : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ، فاجْتَمَعُوا ، فَعَمّ وخَصّ ، فقال : يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا ، غير أن لكم رَحِمًا سَأبُلّها ببلالها .
قال الإمام النووي : ومعنى الحديث سَأصِلُها ، شُبِّهَتْ قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة ، ومِنه : " بُلّوا أرحامكم " أي صِلُوها . اهـ .
وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم : ولكن لهم رَحِم أبُلّها ببلالها . يعني أصِلُها بِصِلَتِها . رواه البخاري .
فهذا إعلان منه صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه - فضلا عن غيرهم - أنه لا يَملِك لهم شيئاً ، إلا ما يكون من صِلَة الرّحِم ، وما كان يستطيع أن يُعطيهم من مالِه ، فقال لعمّته وابنتِه : " سَلاني من مالي ما شئتما " رواه البخاري ومسلم .
وقال لِقَرَابته : " فإني لا أملك لكم من الله شيئا ، غير أن لكم رَحِمًا سَأبُلّها ببلالها " .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:36 PM
13 – الاستدلال بما جاء عن موسى عليه الصلاة والسلام ، حيث قال :
[وكذلك سيدنا موسى عليه السلام سألته عجوز من بني إسرائيل أن تكون معه في الجنة ، ولم يُنكر عليها ذلك ، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها أي طلبها.. رواه ابن حبان والحاكم والهيثمي وصححوه .. ولفظ الحديث أنه قال: "دلوني على قبر يوسف ، قالت : حتى تعطيني حكمي ، قال: ما حكمك ؟، قالت : أن أكون معك في الجنة ، فَكَرِه أن يعطيها ذلك ، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها ". فماذا يقولون بعد هذا ؟؟]

أولاً : قال ابن كثير عن هذا الحديث : وهذا حديث غريب جدا ، والأقرب أنه موقوف . اهـ .

ثانياً : لم يُصحِّحه الإمام الهيثمي ، كما يُوهِمه قوله أعلاه ، بالإضافة إلى خطأ منهجي يَدلّ على ضعف علم من استدلّ به ! وهو قوله : " رواه ابن حبان والحاكم والهيثمي " فالهيثمي لا يُقال في حقِّه : رواه الهيثمي ؛ لأنه لا يَروي الحديث بإسناده ، بل يُورِده مُختَصَراً .
ومع ذلك فلم يُصحِّح الهيثمي الحديث ، بل قال فيه : ورجال أبي يعلى رجال الصحيح . اهـ .
وهذا لا يُعتَبَر تصحيحاً عند الْمُحدِّثِين ، فالْحُكم على الرِّجال ليس حُكما على الإسناد ، والْحُكم على الإسناد لا يَعني تصحيح الحديث ، فقد يكون متن الحديث مُنْكَراً ، وقد يكون مُعللاً ، وقد يكون شاذًّ ، كما هو معلوم عند أهل هذا الفنّ .
ومع ذلك فالهيثمي مُتَعّقّب في كثير من أحكامه ، ومنها هذا ، فهذا الحديث على شرط مسلم وحده ، فإن " يونس " لم يُخرِّج له البخاري في صحيحه . كما بيّنه الألباني في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " .

ثالثاً : إحقاقاً للحقّ – وحتى لا يُقال تغافل عمّن صحّح الحديث - فالحديث صحّحه الشيخ الألباني في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " .

رابعاً : فِقه الحديث :
1 - ليس فيه ما يَدلّ على دعاء الأموات ، فإن تلك المرأة سألت موسى عليه الصلاة والسلام أن تكون معه في الجنة ، فأمره الله أن يُعطيها سؤلها ، وهو أن تكون معه في الجنة ، وموسى عليه الصلاة والسلام مُؤيّد بالوحي ، فلا يُقاس غير الأنبياء على الأنبياء ، وهي لم تَطلب ذلك من يوسف عليه الصلاة والسلام وهو في قَبره مع معرفتها بِقَبْرِه ، بل طلبت ذلك من نبيّ حيّ يُوحى إليه ، وقد أوحى الله إليه أن يُعطي تلك المرأة ما سألتْ .
هذا من ناحية .
2 - ومن ناحية أخرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم ساق تلك القصة شحذاً للهِمم ، ويُؤيِّد هذا ما جاء في أول الحديث .
قال أبي موسى رضي الله عنه : أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعرابياً فأكرمه ، فقال له : ائتنا . فأتاه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : سَلْ حاجتك . قال : ناقة نركبها ، وأعْنُز يحلبها أهلي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل ؟ قالوا : يا رسول الله ، وما عجوز بني إسرائيل ؟ قال : إن موسى عليه السلام لما سار ببني إسرائيل من مصر ضَلُّوا الطريق ، فقال : ما هذا ؟ فقال علماؤهم : إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا مَوثِقاً من الله أن لا نَخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا . قال : فمن يعلم موضع قبره ؟ قال : عجوز من بني إسرائيل ، فَبَعَثَ إليها ، فأتته ، فقال : دُليني على قبر يوسف . قالت : حتى تعطيني حُكمي . قال : وما حكمك ؟ قالت : أكون معك في الجنة . فَكَرِه أن يُعْطِيها ذلك ، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها ، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء ، فقالت : أنضبوا هذا الماء فأنْضَبوه ، فقالت : احتفروا ، فاحتفروا ، فاسْتَخْرَجُوا عظام يوسف ، فلما أقَلّوها إلى الأرض وإذا الطريق مثل ضوء النهار .
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم كَرِه سؤال الأعرابي واقتصاره على متاع دنيوي زائل ، فأراد تعليق هِمم الناس بالنعيم المقيم ، فَضَرَب مثالا بتلك العجوز التي لم تسأل موسى عليه الصلاة والسلام شيئا من متاع الدنيا ، وإنما سألته أن تَكون معه في الجنة .
3 - ثم إن في هذه القصة ما يَرُدّ على من يَدعو الأموات ، أو يتوسّل بالأنبياء ، فإن تلك العجوز ، بل بني إسرائيل لم يتوسّلوا بنبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام ، ولا تبرّكوا به ، ولا ذُكِر أن تلك العجوز كانت تأتي مكانه – وهي تَعْلَمه – لتسأل حوائجها !
فَدَلّ هذا على منع التوسّل بالأموات ، ولو كان ذلك جائزاً لكان موسى عليه الصلاة والسلام قد دَلّ الناس عليه ، خاصة مع كثرة أنبياء بني إسرائيل ، وإخراجهم لِجَدَث يوسف عليه الصلاة والسلام .

14 – الاستدلال بِفعل عائشة في وضع قطعة من قميصه عليه الصلاة والسلام معها في قبرها ، حيث قال حيث قال صاحب الشُّبْهَة : [روى الإمام مرتضى الزبيدي في شرح الاحياء ( 10/ 333 ) عن الشعبي قال حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت : إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثا ولا أدري ما حالي عنده فلا تدفنوني معه ، فاني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر]

ولا يُنكَر التبرّك به عليه الصلاة والسلام في حياته ، والتبرّك بآثاره بعد وفاته ، وهذا ثابت عن غير واحد من الصحابة .
أما في حال حياته صلى الله عليه وسلم فالأحاديث والآثار الواردة في ذلك كثيرة جداً ، منها التبرّك بِشَعْرِه صلى الله عليه وسلم وآثاره ، من فَضْلَة وضوء ، ومِن فَضْلَة سؤر ، ومن تبرّك بريقه صلى الله عليه وسلم في تحنيك المواليد ، إلى غير ذلك ، مما هو معلوم مُتّفق عليه بين الجميع
وأما تبرّك الصحابة بآثاره بعد موته صلى الله عليه وسلم ، أو طَلَب البركة في آثاره صلى الله عليه وسلم لتكون مع أحدهم في قبره ، فكثير أيضا ، ومن ذلك :
ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَة ، فقالت : يا رسول الله أكسوك هذه ، فأَخَذَها النبي صلى الله عليه وسلم مُحْتاجًا إليها فلبسها ، فرآها عليه رجل من الصحابة ، فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه فاكْسُنِيها ، فقال : نعم ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامَـهُ أصحابه ، قالوا : ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها مُحتاجًا إليها ثم سألته إياها ، وقد عَرَفْتَ أنه لا يُسْأل شيئا فيمنعه ، فقال : رَجَوتُ بَركَتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لَعَلِّي أُكَفَّن فيها .

وروى البخاري من طريق ثمامة عن أنس أن أم سليم كانت تبسط للنبي صلى الله عليه وسلم نِطْعًا فيقيل عندها على ذلك النطع . قال : فإذا نام النبي صلى الله عليه وسلم أخَذَتْ مِن عَرَقِه وشَعْرِه فجمعته في قارورة ، ثم جمعته في سُكّ . قال : فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إليّ أن يُجِعَل في حَنوطه من ذلك السُّك . قال : فَجُعِل في حَنوطه . ورواه مسلم مُختَصراً .

قال ابن حجر في فتح الباري : قوله : " أخَذَتْ مِن عَرَقِه وشَعْرِه فجعلته في قارورة " في رواية مسلم : " في قوارير " ولم يَذكر الشعر ، وفي ذكر الشعر غرابة في هذه القصة ، وقد حمله بعضهم على ما ينتثر من شَعْرِه عند التَّرَجّل ، ثم رأيت في رواية محمد بن سعد ما يزيل اللبس ، فإنه أخرج بسند صحيح عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حَلَق شَعْرَه بِمِنى أخذ أبو طلحة شعره فأتى به أم سليم ، فجعلته في سُكّها . قالت أم سليم : وكان يجيء فَيَقِيل عندي على نَطع ، فَجَعَلْتُ أسْلُت العرق .. الحديث . فيُسْتَفاد من هذه الرواية أنها لما أخذت العرق وقت قيلولته أضافته إلى الشعر الذي عندها ، لا أنها أخذت من شَعْرِه لما نام . ويستفاد منها أيضا أن القصة المذكورة كانت بعد حجة الوداع ، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما حَلَق رأسه بِمِنى فيها . اهـ .

هذا على سبيل المثال لا الْحَصْر ، والآثار كثيرة في الباب .
ولا يُمكن التبرّك بما يُنسَب إليه صلى الله عليه وسلم من أثر من شَعر أو غيره في زماننا هذا ، لِعدَم اليقين بأن هذه من شَعره ، أو تلك من ثوبه وقميصِه صلى الله عليه وسلم .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:37 PM
ولأن من وجد شيئا من آثاره عليه الصلاة والسلام لا يُؤثِر بها غيرَه ، ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت لأوثِر بنصيبي منك أحداً يا رسول الله . رواه البخاري ومسلم .
هذا من جهة .
ومِن جِهة أخرى من يستطيع أن يَجزم في الأزمنة المتأخِّرة أن ما وُجِد ونُسِب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه من آثاره عليه الصلاة والسلام فِعلاً ؟
ونُدرة آثاره عليه الصلاة والسلام كانت في القرون الفاضلة ، ويَدلّ عليه ما رواه البخاري عن ابن سيرين قال : قلت لَعَبِيدة : عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قِبَلِ أنس ، أو مِن قِبَلِ أهل أنس . فقال : لأن تكون عندي شَعْرَة منه أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها .
وهذا في زمن التابعين ، وهم أقرب الناس إلى الصحابة .

وفي زمان الخليفة المهدي جاءه رجل وفي يده نعل ملفوف في منديل ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك !
فقال : هاتها .
فدفعها الرجل إليه ، فقبّـل باطنها وظاهرها ، ووضعها على عينيه ، وأمَرَ للرجل بعشرة آلاف درهم ، فلما أخذها وانصرف ، قال المهدي لجلسائه :أترون أني لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَرها فضلا علن أن يكون لبسها ؟! ولو كذّبناه لقال للناس : أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها عليّ ، وكان من يُصدّقه أكثر ممن يدفع خبره ، إذ كان من شأن العامة ميلها إلى أشكالها ! والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالما ! فاشترينا لسانه وقبلنا هديته وصدّقناه !ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح .

فيُقال لمن زَعم أن ذلك الثر من آثاره صلى الله عليه وسلم : أثبِتْ العرش ثم انقُش !
أثبت أولاً أن ذلك الأثر من آثاره صلى الله عليه وسلم ونحن نوافقك على التبرّك به .

15 – قال في الشُّبْهَة : [روى الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده إلى علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم ، يعني زائرا ، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده ، فما تبعد عني حتى تقضى . اهـ . تاريخ بغداد -(1/123) ]

أولاً : يُقال مثل ما قيل عن كتاب " البداية والنهاية " ، فكُتُب التواريخ لأصحابها مناهج في إيراد الروايات ، ولا يتم الاستدلال إلا بمعرفة مناهج أصحابها .

ثانياً : في إسناد هذه القصة من لا يُعرَف ، فالذي يظهر عدم ثبوت ذلك عن الإمام الشافعي .

ثالثاً : غاية ما في هذه القصة أنها فِعل عالم ، وأفعال العَالِم وأقواله تُعْرَض على الكتاب والسُّنَّة ، وتُوزَن بهما .
وكلام العالِم يُسَتَدَلّ له ، ولا يُستَدَلّ به .
وكلام العالِم يُحَتَجّ له ، ولا يُحتَجّ به .
وإلا لزِم ادِّعاء العصمة للعالم والإمام ، كما تفعل الرافضة !

ثم إن الصحابة والتابِعين أفضل ممن جاء بعدهم ، ولم يأتِ أحد منهم إلى قبر أفضل الْخَلْق صلى الله عليه وسلم يَتَبرّك به ، أو يسأل الله الحاجة عنده ، أو يَدعو عند قبره صلى الله عليه وسلم ، ولم يثبت عن أهل القرون الفاضلة من ذلك شيء .

16 – الاستدلال بِفعل الإمام مالك رحمه الله .
حيث قال صاحب الشُّبْهَة : [ قال الإمامِ مالكٍ للخليفةِ المنصورِ لما حَجَّ فزارَ قبرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسألَ مالكًا قائلاً: "يا أبا عبدِ الله أستقبلُ القِبلَةَ وأدعو أم أستقبلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : وَلِمَ تَصرِفُ وجهَكَ عنه وهو وَسيلَتُكَ ووسيلةُ أبيكَ آدم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبِلهُ واستشفع بهِ فيشفّعهُ الله" ذكرهُ القاضي عياضٌ في كتابِ الشّفا]

أولاً : هذه الرواية لم تثبت ولم تَصِحّ عن الإمام مالك رحمه الله ، فإن الذي رواها هو محمد بن حُميد ، وهو ضعيف .
ولو صَحّت القصّة لم تَكن تَخفى على علماء المالكية ، خاصة وأن منهم مُفسِّرين ، كابن عطية والقرطبي وابن جُزيّ وغيرهم ، ومع ذلك لم يُشيروا إلى هذه الحكاية في تفاسيرهم .

ثانياً : يُقال في هذا ما قيل في سابقِه ، من أن فِعل العَالِم وقوله يُحتَجّ له ، ولا يُحتَجّ به ، هذا لو صحّت القِصّة .
وقد اشتهر عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان يقول : كل أحد يُؤخذ من قَولِه ويُرَدّ عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم .
وجاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن مُجاهد رحمه الله ، كما تقدّم .

ثالثاً : الإمام مالك رحمه الله من اشد الناس في ردّ البِدَع وذمّها ، وكان يَنهى ويَزجُر عن إحداث أمر لم يَكن عليه عَمَل السَّلَف ، فقد أمر بِسَجن أحد العلماء – ولم يَعرِفه – لما ألْقَى ثوبه بين يديه حال الصلاة !

رابعاً : هذا يُخالِف ما اشتُهر عن الإمام مالك رحمه الله مِن نَهيِه عن استقبال القبور عند الدعاء ، ففي المبسوط : قال مالك : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لِيُسَلِّم ويمضي .
ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره ، وذلك بعد تحيته والسلام عليه ؛ فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام . وذكر أصحاب مالك أنه يدعو مستقبلا القبلة يوليه ظهره ، وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دَعَـا لا يَستقبل القبر . نَقَله الشيخ سليمان بن عبد الله في شرح كتاب التوحيد .

خامساً : وهو يُخالِف نَهْيَه صلى الله عليه وسلم عن اتِّخاذ قبره عيداً ومسجداً .
روى ابن أبي شيبة من طريق علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو ، فَدَعَاه ، فقال : ألا أُحَدِّثُك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا بيوتكم قبورا ، وصَلُّوا عَليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم .

فهذا ما فهمه أئمة آل البيت رضي الله عنهم مع قُربِهم منه عليه الصلاة والسلام .
فهل يَزعُم زاعِم أن أئمة آل البيت كانوا لا يُحبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم .

قال ابن القيم رحمه الله : وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما نَهَى ذلك الرجل أن يَتَحَرّى الدعاء عند قبره ، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسَمِعَه من أبيه الحسين عن جده علي رضي الله عنه - وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضُّلاّل - وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن - شيخ أهل بيته - كَرِهّ أن يَقْصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد ، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا .
قال شيخنا [ يعني ابن تيمية ] : فانظر هذه السنة كيف مَخْرَجها من أهل المدينة ، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قُرْب النسب وقُرْب الدار ؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم ، فكانوا له أضبط . اهـ .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:37 PM
17 – الاستدلال بالحديث الموضوع المكذوب بِدعوى محبته صلى الله عليه وسلم ! حيث يقول صاحب الشُّبْهَة :
[في الحديثِ الذي رواه السيوطي وغيره أن آدمَ عليه السلامُ لما أكلَ من الشجرةِ قالَ: "يا رب أسألُكَ بحقِّ محمدٍ إلا ما غفرتَ لي". قال: "وكيف عرفتَ محمداً ولم أخلقْهُ". قالَ : "رفعتُ رأسي إلى قوائِمِ العرشِ فوجَدْتُ مكتوباً : لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ فعَرَفتُ أَنَّكَ لم تُضِفْ إلى اسمِك إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ". بهذا الحديثِ يُسْتَدَلُّ على التوسلِ ومشروعِيَّتِهِ]

أولاً : الحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما بيّنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة .
وقد صَحَّح الحاكم هذا الحديث فتعقّبه الإمام الذهبي ، بقوله :
قال : صحيح . قُلتُ : بل موضوع ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم المذكور في إسناده واهٍ .
قال الحاكم : وهو أول حديث ذكرته له في هذا الكتاب . قلتُ [ أي الذهبي ] : وفيه عبد الله بن مسلم الفهري ، ولا أدري من هو . اهـ .
وفي تخريج وتحقيق " مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك أبي عبد الله الحاكم " لابن الملقِّن ما نصّه :
الْحُكم على الحديث :
قلتُ : مما تقدّم يتبيّن أن عبد الرحمن بن زيد ضعيف ، وأما عبد الله بن مسلم ، فالظاهر أنه ابن رشيد مُتّهم بِوضع الحديث ، فعليه يكون الحديث بهذا الإسناد موضوعاً ... ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنْكِر عليه ، فإنه نفسه قد قال في كتاب " الْمَدْخَل " : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رُوى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يَخْفَى على من تأمّلها من أهل الصَّنْعَة أن الْحَمْل فيها عليه . اهـ .

وقد ضعّفه غير واحد من أهل العلم .
ففي تاريخ مدينة دمشق لحافظ ابن عساكر : قال البيهقي : تَفَرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه ، وهو ضعيف . والله أعلم . اهـ .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفيه من لم أعرفهم . اهـ .

فانظر إلى من يدّعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم كيف يُشارِك في الكذب عليه ، وذلك بِنَشْر الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ونشر الحديث الموضوع ذَنْب وخطيئة تجب التوبة منها .
قال الإمام الذهبي في ترجمة " أبي نُعيم " : وما أبو نعيم بِمُتَّهَم بل هو صدوق عالم بهذا الفن . ما أعلم له ذنبا - والله يعفو عنه - أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه ، ثم يَسْكُت عن توهيتها . اهـ .
فَقَبّح الله من يستدلّ بالحديث الموضوع على بِدعة مُحدَثَة ، يَزعم بها نُصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته !
فبَطَل قوله : [بهذا الحديثِ يُسْتَدَلُّ على التوسلِ ومشروعِيَّتِهِ] بل لا يجوز نشر هذا الحديث ولا ذِكره إلا على سبيل التحذير ، فكيف يُسَتَدلّ به ؟؟!

وسبق الجواب عن سؤال :
ما صحة حديث : أن آدم عليه السلام قد توسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=832 (http://www.almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=832)

18 – الاستدلال بِحديث الأعمى ، حيث يقول صاحب الشُّبْهَة : [روى الطبراني في المعجم الكبير والصغير أن الرسول علم رجل أعمى أن يتوسل به علمه أن يقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة .. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي". قال الطبراني والحديث صحيح]

الحديث صحيح ، والاستدلال به بهذه الطريقة غير صحيح .
لا يصح في التوسّل به صلى الله عليه وسلم إلا حديث الأعمى .
وحديث الأعمى رواه الترمذي وابن ماجه النسائي في الكبرى عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادعُ الله أن يعافيني . قال : إن شئتَ دعوت ، وإن شئتَ صبرت فهو خير لك . قال : فادْعُه . قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي ، اللهم فَشَفِّعْه فِيَّ .
وفي رواية :
فقال : يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري . قال : أو أدَعُك ؟ قال : يا رسول إنه شقّ علي ذهاب بصري . قال : فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف لي عن بصري شفعه فيّ وشفعني في نفسي ، فَرَجَع وقد كَشَفَ له عن بصره .
وهذا ليس فيه دليل ولا مستمسك لمن يتوسّل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم
بل فيه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل ، فقد سأل الله عز وجل أن يُشفّع النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، وذلك في حال حياته دون مماته .
والذي دلّ على هذا أن من الصحابة من عَمِي وأُصِيب في بصره ، ولم يأتِ إلى قبره صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فيدعو بهذا الدعاء .
فابن عباس رضي الله عنهما من علماء هذه الأمة ، وهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أُصيب ببصره وعَمِي في آخر عمره ، ولم يأتِ إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستشفع به ، ولم يصحّ عن واحد من أصحابه أنه فَعَل ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .

قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس هو القائل ما روي عنه من وجوه :
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما *** ففي لساني وقلبي منهما نور

فبَطَل بذلك قول السُّبكي الآتي بعد ذلك .
19 – قول السُّبْكي ، حيث أوْرَدَ صاحب الشُّبْهَة عن السبكي قوله :
[ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه ، ولم ينكر ذلك أحد من السلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يفعله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام مُثلة ]
أقول :
بل لا يُعرَف ذلك عن السَّلَف ، أي الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم ، ولا التوسّل بشخصه عليه الصلاة والسلام ، ولا بِجاهه صلى الله عليه وسلم .
فالصحابة رضي الله عنهم منهم من أصابه المرض ، ومنهم من عَمِي ، بل وقع بينهم الْخِلاف ، ومنهم من شكَا غربته وكُربته ،ولكنه لم يشكُها إلا إلى الله ، امتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله . رواه الإمام أحمد والترمذي .

فالْمُحَدَّث الْمُلْهَم عمر رضي الله عنه شكا حاله عند الكبر ، وإنما شكاه إلى الله لا إلى أحد مِن خلْقِه .
روى الإمام مالك في الموطأ وعبد الرزاق في المصنّف والحاكم في المستدرك من طريق سعيد بن المسيب قال : لما صَدَر عمر بن الخطاب عن مِنى في آخر حجّة حجها أناخ بالبطحاء ثم كوّم كومة ببطحاء ثم طَرَح عليها صنفة ردائه ثم استلقى ومَدّ يديه إلى السماء فقال : اللهم كبر سني ، وضَعُفَتْ قوتي ، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مُضَيّع ولا مُفَرِّط .

واشتهر عن عليّ رضي الله عنه قوله : أشكو إلى الله عجري وبُجَري .قال الأصمعي : يعني همومي وأحزاني .

وهذا هو دِين الأنبياء ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما أُلْقِي في النار لم يَزِد على قول : حسبنا الله ونعم الوكيل .
قال ابن عباس : (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار ، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . رواه البخاري .
ويعقوب عليه الصلاة والسلام إنما شَكا حُزنه وبثّ شكواه إلى مولاه ، فقال : (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) .
وهذا هو دِين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تبارك وتعالى قال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) .
فَنَسَب الإيتاء والإعطاء إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما الكفاية – وهي الْحَسْب – فنسبها إلى الله وحده (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ) .
ومثله ما جاء في أجوبة أسئلة الناس ، فإن الله وَكَل الجواب فيها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ ... ) الآية .
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ ... ) الآية .
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ ... ) الآية .
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ ... ) الآية .
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ ... ) الآية .
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ ... ) الآية .
وهكذا في سائر أسئلة الناس يأتي الجواب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً إياه أن يقول للناس كذا وكذا .
فـ (قُلْ) خِطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول وأن يُبلِّغ الجواب .
إلا في مسألة واحدة ، وهي الدعاء ، فإن الله تبارك وتعالى قال : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) فلم يأتِ بـ(قُلْ) لئلا يَتوهّم مُتوهِّم أن النبي صلى الله عليه وسلم واسطة بين الْخَلْق والْحَقّ سبحانه وتعالى في الدعاء ، وإنما أتى بصيغة التوكيد (فَإِنِّي) ثم أخبر عن نفسه أنه قريب مُجيب ، فما على الداعي إلا أن يَدعو الله (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .
ولأن الدعاء عبادة محضة لا يَصلُح فيها واسطة بين العبد وبين ربِّه جل جلاله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : الدعاء هو العبادة . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .
فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يأتِ بِبِدْعٍ من القول ، ولم يَعدِل عن الصراط المستقيم ، بل مشى على ما كان عليه سَلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين .
فلا يَصِحّ عن واحد من الصحابة أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يَدعوه أو يتوسّل به أو يطلب منه قضاء الحوائج ، بل لما أرادوا الاستسقاء طلبوا من العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَدعو لهم ، ولم يَعدِلوا عن الإتيان إليه صلى الله عليه وسلم في قبره إلا لِما تقرّر عندهم أنه لا يجوز دعاء الأموات ولا التوسّل بهم ، وقد تقدم هذا المعنى .
وعداء السُّبكي لابن تيمية يَعرفه أهل العلم ! وذلك لاختلاف المشارِب بينهما !

20 – قوله : [ثبت أن خبيبَ بن عدى الصحابي حين قُدّم للقتل نادى : يا محمّد . رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني]
وأين إثبات ذلك ؟
وقد تقدّم قول الإمام الذهبي في ترجمة " أبي نُعيم " : وما أبو نعيم بِمُتَّهَم بل هو صدوق عالم بهذا الفن . ما أعلم له ذنبا - والله يعفو عنه - أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه ، ثم يَسْكُت عن توهيتها . اهـ .

عبدالله الأحد
2015-03-14, 08:37 PM
وفي إسناد هذه القصة عند أبي نُعيم في الْحِلية " الهيثم بن عدي " نَقَل ابن عدي في الكامل عن يحيى بن معين قال : الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة ، كان يكذب .
ونَقَل عن البخاري قوله فيه : سكتوا عنه .
ونَقَل عن النسائي قوله : الهيثم بن عدي متروك الحديث .
فمثل هذا تكون روايته موضوعة مكذوبة .

فكيف يُقال : [ ثَبَت .. ] ؟؟ هذا إيهام للقراء ، وعدم أمانة في النقل .

فهذا يُوجِب ردّ قوله ، واطِّراح ما يقوله ، وعدم الركون إلى ما ينقله .

21 – الاستدلال بقول خالد بن الوليد رضي الله عنه ، حيث يقول صاحب الشُّبْهَة : [خالد بن الوليد رضي الله عنه كان شعار كتيبته يوم اليمامة "يا محمداه" فخالد نادى بذلك ونادى بندائه الجيش فهل يكون هذا إلا إقرارًا من هذا الجيش الكريم على تصويب ما أمر به خالد رضي الله عنه وقد كان في الجيش من الحفاظ والعلماء والبدريين وعِليَة الصحابة رواه ابن الأثير في الكامل]

أقول :
أولاً : هذا منقول من كُتُب التواريخ ، وقد سبق التنبيه على مناهج كُتُب التواريخ أكثر من مرّة
وقد رواه ابن جرير الطبري في تاريخه بإسناده من طريق شيخه محمد بن حُميد ، وهو ضعيف ، فالرواية على هذا ضعيفة ، يُستأنس بها في التواريخ ، ولا يُعتَمد عليها في العقائد .

ثانياً : لو صحّ هذا فإنه – كما تقدّم – من باب استحضار المخَاطَب فحسب .

ثالثاً : لو صحّ هذا فلا يُمكن الاستدلال به على التوسّل ، لأن خالداً رضي الله عنه لم يَقُل : يا محمد انصرني . ولم يَقُل : يا محمد أغثني ! بل غاية ما فيه أن جعلوا شعارهم " يا محمداه" ، وهو كقول : وا إسلاماه ، ونحوها ، كما تقدّم .

22 – قوله : [وتوسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنه لما استسقى الناس وغير ذلك مما هو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بذكره والتوسل الذي في حديث الأعمى قد استعمله الصحابة السلف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وفيه لفظ "يا محمَّد"، وذلك نداء عند المتوسل]

أقول : الدعاوى أسهل ما يكون !
وقد تقدّم الجواب عن فِعل عمر رضي الله عنه مع العباس رضي الله عنه ، وليس فيه توسّل بِميّت ، ولم يتوسّل عمر رضي الله عنه بالعباس بشخصه فحسب ، بل بِدعائه ، فَطَلب من العباس رضي الله عنه أن يَدعو لهم ، وهذه حُجة عليهم لا لهم .
فلو توسّل عمر بالعباس لقال : اللهم إنا نتوسّل إليك بالعباس فاسقنا ، ولم يأمره بالدعاء .
وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه قال للعباس : قم يا عباس فادعُ . وقد تقدّم .
وحديث الأعمى تقدّم أيضا .
ولم يستعمله الصحابة كما زعم صاحب الشُّبْهَة ، بل لا يُعرف هذا عن الصحابة رضي الله عنهم
فأين هي الأسانيد الصحيحة والثابتة عن الصحابة رضي الله عنهم في أنهم استعملوا حديث الأعمى ، وأنهم توسّلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ، أو طلبوا منه قضاء الحاجات ، أو تفريج الكُرُبات ؟
لا يثبت عن واحد من الصحابة من ذلك حرف واحد في ذلك ، ولو وَجدوا حرفا واحدا عن صحابي واحد لرفعوا الأعلام ، ونادَوا في الأنام على ذلك !

23 – التلبيس المتكرر على الناس ، حيث يقول صاحب الشُّبْهَة : [الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان من دعائه :"اللهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك" وهذا توسّل لا شكّ فيهِ وكان يُعلّم هذا الدّعاء أصحابَه ويأمرهم بالإتيانِ]
تقدّم بيان ضعف الحديث ، والجواب عنه لو صحّ ، مع أنه لم يصِحّ ، بل هو حديث ضعيف .

24 – تكرار التلبيس وتصحيح ما ليس بصحيح !
حيث يقول : [وصحّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ رضي الله عنها ألحدها صلى الله عليه وسلم في القبر بيده الشريفة وقال:" اللهمَّ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسّعْ عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي إنك أرحم الراحمين]

فقوله : [ صَحّ عنه .. ] هذا تصحيح منه للحديث ، وهو حديث ضعيف .
قال الهيثمي في الْمَجْمَع : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه روح بن صلاح وثَقه ابن حبان والحاكم ، وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح . اهـ .

والحديث قد ضعّفه ابن الجوزي في العلل المتناهية بقوله : تَفَرّد به " روح بن صلاح " وهو في عِداد المجهولين ، وقد ضَعَّفَه ابن عدي . اهـ .

فقوله : [ وصَحّ عنه .. ] مُخالِف للأمانة العلمية ، وتلبيس على القرّاء !

25 – قوله : [وقد ذَكَرَ الحافظُ الجزريُّ وهو شيخُ القرَّاءِ وكانَ من حفَّاظِ الحديثِ في كتابٍ له يُسمَّى الحصن الحصين وكذلكَ ذكرَ في مختصرهِ قال: "مِن مواضِعِ إجابةِ الدُّعاءِ قبورُ الصّالحينَ" ا.هـ، وهذا الحافظُ جاءَ بعد ابن تيمية بِنحوِ مائةِ سنةٍ، ولم يُنكِر عليه العلماءُ إلا أن يكونَ بعض الشَّاذّين الذين لَحِقوا نفاةَ التَّوسُّلِ من أتباعِ ابن تيمية]

سبق القول بأن كلام العالِم يُعرَ على الكتاب والسنة ، ويُوزَن بميزان الكتاب والسُّنَّة .
وأن كلام العالِم يُحتَجّ له ، ولا يُحتَجّ به .
وأن كلام العالِم يُسْتَدَلّ له ، ولا يُسْتَدَلّ به .

وهذا الاستدلال مثل الاستدلال بأفعال المشركين ! حيث كانوا يَدعون أصنامهم فربما استُجيب لهم استدراجاً ، وربما لبّس عليهم الشيطان فكلّمهم من خِلال تلك الأصنام فيزدادون غَيا إلى غيِّهم ، وضلالاً إلى ضلالهم .

وأما قوله : [ولم يُنكِر عليه العلماءُ إلا أن يكونَ بعض الشَّاذّين الذين لَحِقوا نفاةَ التَّوسُّلِ من أتباعِ ابن تيمية]
فابن تيمية رحمه الله لم يَنْكِر التوسّل جُملة وتفصيلا ! بل أنكَر التوسّل الممنوع ، وأما التوسّل المشروع فهو لا يُنكِره ، بل يُقرّه ويُثبته ويَدعو إليه .
ولو تأمّلت في أحوال أصحاب التوسّل البِدْعِيّ لرأيت أنهم لا يتوسّلون إلا التوسّل الممنوع ! فلا يَكادون يَعرفون التوسّل المشروع !
والتوسّل المشروع هو التوسّل إلى الله بأسمائه وصفاته وبمحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وبالأعمال الصالحة .
وأما نفي التوسّل الممنوع والمنع منه ، فلم يَنفرد به ابن تيمية – كما يُوهمه قول القائل – ولم يَشُذّ به ، وإنما أراد هؤلاء تشويه صورة ذلك العالم الرباني الذي حارب البِدع وأهلها ! فوصَفُوه بالشذوذ لتنفير الناس منه ومن أقواله !

ونفي التوسّل الممنوع هو ما دلّ عليه الكتاب والسُّنَّة .
فَمِن الكتاب العزيز قول رب العزة سبحانه : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) .
وقرأ ابن مسعود : { أولئك الذين تدعون ..}
وهذا في ذم ما كان عليه أهل الشرك من توسّل ممنوع !
قال ابن جُزيّ في تفسيره : المعنى أن أولئك الآلهة الذين تَدعون من دون الله يَبتغون القُرْبَة إلى الله ويرجونه ويخافونه ، فكيف تعبدونهم معه ؟ . اهـ .

ومن السُّنَّة قوله صلى الله عليه وسلم : إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله . رواه الإمام أحمد والترمذي .
ولم يَقُل عليه الصلاة والسلام فاسألوا الله بِجاهي ، أو تَوسّلوا بي . بل أمَر بسؤال الله مُباشَرة .

وخلاصة القول :

أنه لم يثبت خبر ولا أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه بل ولا عن أحد من التابعين في التوسّل الممنوع ، ولا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الاستغاثة به عليه الصلاة والسلام بعد وفاته .
وما صحّ من خبر فليس فيه التوسّل به صلى الله عليه وسلم ولا بِجاهِه ، ولا الاستغاثة به عليه الصلاة والسلام ، ولا طلب قضاء الحوائج ، أو كشف الكروب ، أو شفاء المرضى .

واسأل الله أن يُرينا الحق حقا ويُوفّقنا لاتِّبَاعِه ، ويُرينا الباطل باطلا ويُوفّقنا لاجتنابِه .
والله تعالى أعلم .

كتبه / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم – الرياض – الجمعة 25 / 1 / 1427 هـ .

عبدالله الأحد
2015-03-16, 08:37 PM
10ـ إن الكفار أعداء الله يفرحون بإقامة هذه البدع؛ لأنهم قرءوا كتبنا الإسلامية وعلموا أنه متى أحدث في الدين بدعة ماتت سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، "وأوضح أنموذج لذلك ما ذكره الجبرتي من أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل بنفسه من أوله إلى آخره..." ويعلل الجبرتي اهتمام الفرنسيين بالاحتفال بالموالد عموماً بما "رآه الفرنسيون في هذه الموالد من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، وإتباع الشهوات، والرقص، وفعل المحرمات" أ.ه. [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (155) المنتدى الإسلامي].
11ـ إننا لو نقبنا في بداية تاريخ هذه البدعة ومن هو أول من فعلها فسنجد أنهم الفاطميون العبيديون، وهم من الباطنيين، وقد حكموا مصر وكان بدء حكمهم في مصر في القرن الرابع الهجري، وقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابة "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/490) أنه كان للفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرة جداً، ومنها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ) وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: "ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلّ عندهم الصالحون من العلماء والعباد..". [الرد على الرفاعي والبوطي، للعباد (82ـ83). وكتاب القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، (2/451ـ452)].
وقال العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقاً في كتابة "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام" (44ـ45) : "مما حدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب إلى مصر في شوال سنة (361هـ)، فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة (362هـ) ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان فابتدعوا ستة موالد النبوي، ومولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب...". [القول الفصل، إسماعيل الأنصاري (2/457ـ458)].
وبعض أهل العلم ذكر أن أول من احتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبوري" ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية (13/ 137) عن هذا الملك وهو أبو سعيد كوكبوري: "كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً.. [إلى أن قال:] قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة آلف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى.. [إلى أن قال:] ويعمل الصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم" أ.ه [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (140)].
ويمكن الجمع بين قول من قال إن الاحتفال بالمولد النبوي أول من فعله الرافضة بنو عبيد القداح في القرن الرابع، وبين قول من قال أول من فعله هو ملك إربل في القرن السابع، أن يقال:
أن أول من فعله بنو عبيد القداح في مصر ثم سرت هذه البدعة إلى الشام والعراق في القرن السابع الهجري.
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية عن الدولة الفاطمية (11/346): "هم كفار، فساق، فجار ملحدون، زنادقة، معطلون الإسلام جاحدون ولمذهب المجوسية معتقدون" ا.هـ.
وقال ياقوت في معجمه (1/138) عن الملك المظفر صاحب إربل وقد كان من معاصريه: "طباع هذا الأمير متضادة، فإنه كثير الظلم، عسوف بالرعية، راغب في أخذ الأموال من غير وجهها" ا.هـ.
إذاًَ علمنا علم اليقين أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن هذه البدعة تسربت للمسلمين من الكفار العبيديين ومن ملك إربل الظالم المتعسف المبتدع، فهل يجوز لنا أن نأخذ ديننا من مثل هؤلاء المبتدعة؟
12ـ ومن الأمور التي تجعلنا نقول إن الاحتفال بذكرى المولد بدعة، أن إحياء بدعة المولد يفتح الباب للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن، ولهذا تجد المبتدعة ينشطون في إحياء البدع ويتكاسلون عن السنن ويبغضونها ويعادون أهلها. [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (142)].
والبدعة أحب إلى إبليس من مائة معصية؛ لأنها تجر الإنسان إلى الشرك بالله وقد لا يعلم ذلك، ولأن صاحبها يعتقد أنه على صواب ويجادل عن جواز بدعته، أما صاحب المعصية يعلم أن المعصية غير جائزة وقد يتوب منها ويستغفر الله عز وجل.
13ـ يُلزَم أصحاب بدعة المولد النبوي أن يفعلوا ذكرى لوفاته صلى الله عليه وسلم وذكرى ليوم بعثته في نشر دين الإسلام وهلم جراً، ثم أن محمداً صلى الله عليه وسلم توفي في شهر ربيع الأول "فلأي سبب يفرحون ـ أي أصحاب البدعة ـ بميلاده، ولا يحزنون بموته لولا قسوة القلب"، وعلى هذا الإلزام يكون في كل يوم ذكرى مولد أو وفاة لكل نبي وصالح وضاع ديننا بالموالد والذكريات.


المبحث الثاني
ذكر أقوال لأهل العلم في إنكار هذه البدعة


1ـ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وفي رواية النسائي "وكل ضلالة في النار".
2ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/123): "وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً.. من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً. مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيم له منا، وهم على الخير أحرص...".
وتأمل رعاك الله ما قاله "مع اختلاف الناس في مولده"؛ لأن بعض أهل العلم قال: ولد صلى الله عليه وسلم في يوم التاسع من ربيع الأول، وبعضهم قال ولد في يوم الثاني عشر. ولذا يلزم من يفعل هذه البدعة أن يحتفل كل يوم قيل إنه ولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى ينال ما يريده من موافقة اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.
3ـ وقد ألف الفاكهاني رسالة "المورد في عمل المولد" وأنكر هذه البدعة وقال: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون" إلى آخر ما قال رحمه الله (1/ 8ـ9) من كتاب "رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي"، تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء.
4ـ وألف الشيخ إسماعيل الأنصاري رسالة ضخمة بما يقارب (600) صفحة وذكر أن الاحتفال بالمولد بدعة، وردّ على معظم الشبه التي يثيرها أدعياء هذه البدعة في رسالته "القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل".
5ـ وممن أنكر هذه البدعة الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام".
6ـ والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه "صيانة الإنسان".
7ـ والشيخ ابن باز، ومحمد ابن إبراهيم وجمع من العلماء المتقدمين والمتأخرين ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ.


المبحث الثالث
شبهــــات وردود


يستند بعض مقيمي مثل هذا المولد إلى شبهات يتعلقون بها ويجوزون بناءً عليها فعل بدعتهم، ولذا فلا بد من عرض شيء منها ، وسأذكر أهم الشبه التي يتعلق بها هؤلاء وأناقشها، خاصة أن بعض من ينتسب إلى العلم ويقيم مثل هذه الموالد يلبّس على العوام بهذه الشبه ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله ـ.

كيف، لا أدري، لماذا؟ ربمـا *** أنني يومـاً عرفـــت السببـــا
عالِم يدعو بدعــوى جاهــل *** وليوث الحرب ترجو الأرنبا


الشبهة الأولى: أن إقامة مثل هذا المولد من قبيل البدعة الحسنة الجائزة في دين الإسلام.


ويجاب عن هذه الشبة بأن يقال: ليس في دين الإسلام بدعة تسمى بدعة حسنة، فإنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي مرّ بنا مراراً يقول: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وزاد النسائي "وكل ضلالة في النار".
وقد ذكر الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/28) أن "ابن الماجشون" قال: سمعت مالكاً يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً".
ثم إنه صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ مسلم "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
فهل عمل بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من دين الإسلام الذي ذكره الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم لنا، وهل فعل هذه البدعة كان عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وذكر الإمام ابن بطة في كتاب "الإبانة" (1/339) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" وذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بسند صحيح.
ورحمة الله على الإمام مالك الذي كان كثيراً ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البــدع

ذكره الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/115).

الشبهة الثانية: يستند بعضهم إلى ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح"، ثم يقولون وكثير من المسلمين يستحسن فعل الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن ذلك:
1ـ أن هذا الكلام المنسوب لابن مسعود رضي الله عنه إنما أراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام، وكلامه صريح في ذلك، وهذا لفظه عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ".
وهذا مثل ما رآه الصحابة حسن من العلم بالتاريخ والابتداء به بالهجرة، ومثل وضع ديوان العطاء زمن عمر بن الخطاب، ومثل جمع المصحف في عهد أبي بكر، وأما ما رأوه سيئاً مثل التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ومثل إنكار الصحابة لبدعة الخوارج، ومثل إنكار علي رضي الله عنه على الرافضة في غلوهم فيه وإنكار الصحابة معه. [الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي لحمود التويجري (163ـ166)بتصرف].
2ـ أن يقال إن كثيراً من أهل الإسلام يستقبحون البدع ويعتبرونها ضلالة، ومن ضمنها بدعة المولد النبوي.
3ـ أن هذا الكلام الوارد عن ابن مسعود المراد به ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً لا ما رآه بعضهم واستحسنه وقد ذكر هذا الجواب أربعة من أئمة العلم، وهم ابن القيم والشاطبي وابن قدامة وابن حزم. [القول الفصل، الأنصاري (2/591)].
ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتبهم أو إلى المرجع السابق ذكره فقد ذكر الشيخ إسماعيل جميع أقوالهم.

الشبهة الثالثة: أن الاحتفال بالمولد يفعله الكثير من الناس بل يراه بعض المشايخ، ولو كان منكراً ما فعله هؤلاء.
والجواب عن هذه الشبهة:
1ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، رواه أهل السنن إلا النسائي وهو حسن لغيره. (سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1331).
2ـ ذكر العلامة محمد ابن إبراهيم ـ رحمه الله ـ عن الإمام الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أنه قال نقلاً عن بعض مشايخه: "إن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم"، ثم قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ "ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول: "ولو كان هذا منكراً لما فعله الناس"، ثم قال ما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "من اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المستحدثة المخالفة للسنة..". [رسائل في حكم الاحتفال بالمولد، رسالة الشيخ محمد ابن إبراهيم].
3ـ أن فعل الكثير من الناس لأي شيء لا يدل على أنه حق بل إن الله ذم الكثرة في القرآن فقال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116]، وقال {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، وقال {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} [الأنعام: 119]، وقال تعالى {وإن كثيراً من الخلفاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا أو قليل ما هم} [ص: 24].
4ـ ويرد على من قال إن بعض المشايخ يقول بجوازه بل يفعله، بأن رسول الهدى يقول: "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، ووالله إن قول رسول الله أحب إلينا من قول أمة كلها، وقد قال أبو بكر بن أبي داود:

ودع عنك آراء الرجال وقولهم *** فقول رسول الله أزكى وأشرح

ويقال لمن استدل بقول شيوخه، أيهما أحب إليك قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أم قول مشايخك؟ فإن قال بل قوله عليه الصلاة والسلام أحبُّ إليّ، فيقال له: إن الله عز وجل يقول {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}، وقد ذكر ابن تيمية في كتاب العبودية قول الحسن البصري: "ادعى قوم محبة الله ورسوله فأنزل الله عليهم آية الممتحنة {قل إن كنتم تحبون الله..}، فامتحنهم الله بهذه الآية.
وقد قال الإمام الشافعي: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. [الرسالة (104)].
إن قال إن قول شيخي أحب إلي من قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فإني أبشره بآية عظيمة {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}. [النساء: 115].
وقد قال ابن تيمية: "ومن نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا بدينهم وكانوا شيعاً". [الفتاوى (2/239ـ240)].

الشبهة الرابعة: دعوى بعضهم أن من لم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم فإنه يكره الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحبه ولا يعظمه.
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال:
1ـ بل إنكم أنتم يا من تدعون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعظموه ولا توقروا شرعه، واتِّباع سنَّته، واجتناب ما نهى عنه من البدع المحدثة، فلم خصصتم هذا اليوم لقراءة الشمائل المحمدية هل لكم نص بذلك من كتاب أو سنَّة؟!
2ـ ويقال كذلك أنتم الذين تنقصتم محمداً صلى الله عليه وسلم، ورميتموه بالتقصير فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1844) في كتاب الإمارة).
وقد نهانا محمد صلى الله عليه وسلم وحذرنا عن البدع كلها، فقال: "وكل بدعة ضلالة".
قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (1/102): "وكما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة فإن يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلاً مقلداً، وإن كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله".
وإني أبشر السني بكلام عظيم لابن القيم قاله كذلك في إغاثة اللهفان (1/111) "وهذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يشبها بآراء الرجال ولا بشيء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسل على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صده على ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة.

إذا لم يكن بد من الصبــر، فاصطبر *** على الحق، ذاك الصبر تحمد عقباه

وأختم بما ذكره أبو داود في سننه عن حذيفة رضي الله عنه قال: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقال".
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (20750) واللفظ له، وأخرجه كذلك أبو داود (4611) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "فيوشك قائل أن يقول: ما هم بمتبعي فيتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره! فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة..". هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أصحابه الكرام الميامين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
منقول