المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من ردود الشيخ دمشقية على الاحباش في التوحيد


عبدالله الأحد
2015-03-22, 01:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى اله وصحبه واتباعه

من كتاب الشيخ عبد الرحمن دمشقية رحمه الله في رده على فرقة الاحباش

الشرك باسم التوحيد
يدسون السم في الدسم

أحذر الذين يضعون السم في الدسم : يسمون الشرك والاستغاثة بغير الله توسلا ، قد بدلوا اللغة كما بدلوا الشريعة . يستعملون ألفاظاً شرعية ويجعلونها طعما ، ويختارون لها معاني غير شرعية لتقريب شركهم إلى العوام ، فيستسيغونها ويألفونها ولا ينفرون منها ، وهم يرجون أن لا يكشف الناس هذه الحقيقة وهذا التلبيس فسحقاً لمن ورث اليهود في تلبيس الحق بالباطل .
لذا كان من الواجب الاعتناء بالألفاظ الشرعية ومعرفة معانيها وما أراد الشارع منها لكل من يجاهد هؤلاء بل لكل مسلم ، وذلك حتى لا تختلط المفاهيم ويتمكن المبطلون من التلبيس ، الذين ضيقوا معنى العبادة حتى صار مفهومها قاصراً على السجود ، وأفرغوا من معانيها : الدعاء والاستغاثة والنذر ( ) والذبح.
وهم وإن زعموا أن استغاثتهم توسلا فليس بأمانيهم : إذ تبديل الألفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا فإن العبرة بالحقائق لا بالتسميات ، كما أن الحقائق تتغير بتغير أسمائها ، فالحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً .
إنهم يتعلقون بالأسماء ويغيرون حقائق النصوص ، قد خالفوا المشركين في التسمية ووافقوهم في الحقيقة ، كما عبد المشركون الأوائل من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وقالوا { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فسموا شركهم (شفاعة) ولم يرتض الله هذه التسمية بل سماها شركاً . ثم جاء بعدهم من لم يعرف حقيقة جاهليتهم ، فنحا نحوهم وسمى- مثلهم- الشرك توسلاً وشفاعة .

الاستغاثة غير التوسل

الاستغاثة ليست بمعنى التوسل لما يلي:
1) أن السلف ما فهموا التوسل والاستغاثة بمعنى واحد . ولو فهموا ما فهمه السبكي وغيره لاستغاثوا لكنهم لم يفعلوا .
2) أن السلف تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته بالإجماع كما في قصة القحط عن عمر حيث قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " ( ) . فإذا تركوا التوسل به بعد موته ïپ¥ فكيف يعقل أن يستغيثوا به بعد موته ؟
3) الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة ، وهو مستعمل لمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل .
وإذا طلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله في عبادته ، والشرك محبط للعمل ، قال تعالى لنبيه محمد ïپ¥ { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . وبما أن الله خاطب بذلك سيد الخلق وأعظم الموحدين . فنحن أولى أن نخاف ونحذر من الوقوع في الشرك كل الحذر حتى لا يخدعنا الشيطان ويوحي إلينا أننا ما دمنا مسلمين نقر بالشهادتين فلن نقع في الشرك .

تنبيه على تناقض الأحباش
يتساءل الأحباش : كيف تتهمون من يقول لا إله إلا الله بالشرك لدعائه غير الله ؟ وجوابنا مستفاد مما يقولونه هم دائما أن " من قال لا إله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء فإن هذه الشهادة لا تنفعه وهو كافر لأن الشهادة تنفع مع الاعتقاد الصحيح ، أما من تلفظ بها بلسانه وعقيدته فاسدة فإنها لا تنفعه " ( ).
وهذا ما نقوله لهم : إن من دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه فإنه مخالف بعقيدته ما يتلفظ به لسانه .
وكيف يكفر من وافق قول القرآن { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ؟ ووافق شهادة النبي ïپ¥ للجارية بالإيمان لقولها أن الله في السماء ؟ فإن كان الكتاب والسنة غير كافيين لكم فعليكم بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري " اعلم أنه ليس ينكر قول من قال : إن الله في السماء ؟ لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به ، وهو قوله { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ومعنى ذلك أنه فوق السماء" ( ).
4) لو كانت الاستغاثة بمعنى التوسل لصار معنى { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } أي تتوسلون بربكم ؟ إلى من؟ ولصار معنى قوله تعالى { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } أي فتوسل به الذي من شيعته على الذي من عدوه ! توسل به إلى من ؟
5) الاستغاثة بالله طلبٌ منه لا طلبٌ به . والمستغيث بالشيء طالب منه سائل له . والمستغاث هو المسئول منه لا المسئول به.
ومن المعلوم أن المتوسل به لا يدعى ولا يسأل ولا يطلب منه ، وإنما يطلب به لا منه . وهذا التفريق بين المدعو وبين المدعو به ضروري لا يعرفه عامة الناس وبالتالي لا يتفطنون لهذا المكر الحبشي بهم .
6) أنك قد تجد في إحدى الروايات عن أحمد جواز التوسل بالنبي ïپ¥ إن صحت ، أما أن تجد أحداً من الأئمة المعتبرين يجيز الاستغاثة بغير الله فهذا مستحيل .
ولهذا حكى ابن حجر الهيتمي إجماع الحنابلة على أن من يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً ( ). ولم يعترض الهيتمي على هذا الإجماع بل أقره وأورده مستحسنا له ، بينما أجاز التوسل بالنبي ïپ¥ في حاشيته على إيضاح المناسك للنووي .
• وحكى الحافظ ابن رجب عن أحمد أنه كان يدعو فيقول " اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " ( ).

مفاجأة من السبكي
7) أن تعلقهم بالسبكي على أن " التوسل والاستغاثة بمعنى واحد" مع تجاهل القرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } والحديث "إذا سألت فاسأل الله " ليس من صفات المسلم. ولقد كان السبكي يقصد بـ ( الاستغاثة بالنبي ) : الاستغاثة إلى الله بالنبي ïپ¥ ولذلك قال " اعلم أنه يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه " . ثم استدل على ذلك بحديث "يا رب أسألك بحق محمد" ( ) .
ثم قال " ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه ، فالمسئول في هذه الدعوات كلها هو الله وحده لا شريك له ، والمسئول به مختلف ، ولم يوجب ذلك إشراكاً ولا سؤال غير الله ، كذلك السؤال بالنبي ïپ¥ ليس سؤالاً للنبي ïپ¥ بل سؤال لله به ". وضرب لذلك مثلا أن تقول " استغثت الله بالنبي ïپ¥ كما يقول : سألت الله بالنبي ïپ¥ " ( ). وهذا يفيد : أن سؤال غير الله شرك عند السبكي . وأن الاستغاثة بالنبي معناها عنده : الاستغاثة بالله بالنبي ïپ¥ ولكنه عادة يختصر العبارة ويقول : ( الاستغاثة بالنبي ) . ولذلك قال " وقد يحذف المفعول به ( أي الله المستغاث ) ويقال : استغثت بالنبي ïپ¥ " ( ). على أن هذا خطأ من السبكي أدى إلى استغلاله فيما بعد .
• بل قال السبكي في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } " إن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص ( ).
ونحن مع اختلافنا مع السبكي في استخدام عبارة " استغثت بالنبي " وحول التوسل ، إلا أننا نتفق معه على عدم جواز سؤال غير الله . وبهذا ينكشف تلبيس الأحباش وتحريفهم للنصوص .
وهذا السبكي الابن ينقل عن القماح شعراً يقول فيه ( ) :
فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل بشراً فليس سواه كاشـف الضر

مفاجأة من عند أبي حنيفة
8) ونقلب السحر على الساحر فنقول : إن كان التوسل والاستغاثة بمعنى واحد فحينئذ نقرر لكم أن أبا حنيفة نهى عن الاستغاثة بالنبي ïپ¥ ونلبس عليكم ما تلبسون .
فإن قلتم : أين صرح بهذا ؟ قلنا : ألم ينه أبو حنيفة عن التوسل بالنبي ïپ¥ ورواه عامة الأحناف عنه ؟
قال المرتضى الزبيدي " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " ( ) وهو ما جاء عند البلدجي في شرح المختارة . والقدوري في شرح الكرخي ، ونصه ( ) " لا ينبغي ( ) لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه ، المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ } (الأعراف 180) وقال أيضا " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " ( ).
وقد نقل الحبشي كلام أبي حنيفة وقول أصحابه كابي يوسف " لا يدعى الله بغيره " وقد ذكرها الحبشي عنه ولم يشك في نسبتها إليه وإنما زعم أن قوله لا حجة فيه ( ).
فإذا خلطنا التوسل بالاستغاثة حملنا نهي أبي حنيفة عن التوسل على معنى الاستغاثة . وهذا اللائق بمن لا يفرق بين النوعين تمويها وغشاً للناس .
ولئن كنا بذلك نفاةً للتوسل ، صفوا بذلك عمر بن الخطاب لقوله بعد موت النبي ïپ¥ فيما رواه البخاري ( اللهم كنا نتوسل بنبيك " ثم صفوا بذلك أبا حنيفة ثانياً .
فلسنا نفاة كل توسل إذ ليس كل توسل حراماً ، كالتوسل بدعاء الرجل الصالح لا بذاته .
ولسنا نفاة كل استغاثة ، فالاستغاثة بالحاضر الحي جائزة . مثالها استغاثة الناس بآدم يوم الموقف .
ولسنا ضد كل أنواع التبرك فإن السلف الذين كانوا يتبركون به ïپ¥ وهو حي : قد تركوا التبرك به بعد موته ولم يتبرك بعضهم ببعض .
نعم ، لقد استغاث الصحابة بالنبي ïپ¥ في حياته ولكنهم لم يكونوا يستغيثونه إلا أمامه وهو حي ويطلبون منه أن يدعو الله لهم لنزول المطر كما في كتاب الاستسقاء عند البخاري ، وعلى المخالف أن يثبت ولو حادثة واحدة تناقض ذلك . فيلزمه إن كان أشعرياً أن لا يأتي من الأخبار في العقائد إلا بما كان متواتراً ، فإن عجز عن الإتيان بدليل صحيح يثبت به الاستغاثة به وهو حي غائب ، فهو أعجز عن الإتيان بدليل على الاستغاثة به بعد موته .



لا إله إلا هو : لا غياث إلا هو

• قال البيهقي " ومن أسمائه الغياث ومعناه : المدرك عباده في الشدائد . قال ïپ¥ في حديث الاستسقاء " اللهم أغثنا اللهم أغثنا " ( ).
فأنتم تتوجهون بالاستغاثة إلى من كان يستغيث الله وحده . فكيف يكون من بين المستغيثين من يكون غياثاً للمستغيثين في آن واحد .
والله وحده غياث المستغيثين مطلقاً لا يستثنى من ذلك نبي ولا ولي . قال القرطبي عند شرح اسم الله (غياث المستغيثين) " يجب على كل مكلف أن يعلم أنه لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله " ( ). فهل الله عندكم وحده غياث المستغيثين مطلقاً ؟ أم أن هناك غياثاً آخر للمستغيثين يستحق أن يشارك الله في هذا الاسم ؟

أليس الله بكاف عبده ؟
دعاء غير الله قبيح عند الزبيدي
قال الزبيدي " وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } .
أضاف " ليعلم العارف أن المستحق لأن يلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها ... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره " ( ) وذكر أن إبراهيم الخواص قرأ قوله تعالى { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } ثم قال "ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله " ( ) .
فالاستغاثة بغير الله استغناء عن الله بغيره وسوء ظن به وادعاء بأنه غير كاف لدعاء عباده ، ولو كان عندكم كافياً لما لجأتم إلى غيره { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .

كلمات ذهبية للجيلاني

• قال الشيخ عبد القادر الجيلاني (يا من يشكو الخلق مصائبه ، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق عز وجل يبعدونك ، وفي سخطه يوقعونك... أنت يا جاهل تدعي العلم ، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك الخلق .. ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره ".
• قال " لا تدعو مع الله أحداً كما قال { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } " .
• قال لولده عند مرض موته "لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلي الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد" ( ) .
واستغاثة العبد الضعيف بعبد ضعيف مثله كاستغاثة الغريق بغريق مثله . ومن الأقوال المنقولة عن الشيخ أحمد الرفاعي " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال " أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ ( ) غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين . يستغيث به الجن والإنس بل حتى النعجة التي ينقض عليها الذئب تصيح : خلصني يا سيدي أحمد . وقد كذبوا عليك أيتها النعجة بينما أنت على ملة هدهد سليمان .
والله تعالى هو الغياث { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } . فجعلتم الرفاعي شريكاً معه في ذلك . والله { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فجعلتم الرفاعي شريكاً له في هذه الآية وغوث الثقلين يسأله الجن والإنس في السماء والأرض ، فكيف يكون غضب الله عليكم ؟
وإذا كانت الاستغاثة بمحمد ïپ¥ جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح ؟ أليس هذا إقراراً منكم بجواز قول النصارى يا مسيح ؟ وجواز قول الشيعة "يا حسين " " يا صاحب الزمان " ؟
ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون : أين قال المسيح اعبدوني مع الله ؟ ونحن نقول لكم : أين قال محمد ïپ¥ إدعوني مع الله ؟ لا فرق بين " يا محمد يا بدوي لا عبد القادر يا رفاعي " وبين "يا مسيح " "يا حسين ". قال تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } وقال { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } .
وهل يمكن للنبي ïپ¥ سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قدر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه ïپ¥ وألفاً في أندونيسيا وألفاً في الصين ، كلهم يستغيثون به : فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟
إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي ïپ¥ لا يشغله سمع عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق . وجعلتموه شريكاً مع الله في قوله { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ } وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات : سميع ، بصير ، مجيب ، كاشف .
• إن النبي الذي تدعونه مع الله لجلب النفع ودفع الضر كان هو يتوجه إلى الله وحده لذلك . هو يتوجه إلى الله وأنتم تتوجهون إليه ؟ ما وافقتم من تزعمون محبته . وهو الذي أمره الله أن يقول { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } . وإذا كان الذي يدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه عن بعد حين كان حياً : فكيف يقبل من عنده عقل الاعتقاد أن النبي أو الصالح يسمع من يناديه ولو من بعيد وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع كل من يدعوه بعد موته ولو كان في أمريكا ؟ قال تعـالى { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } .
ويوم أن يحال بينه ïپ¥ وبين أناس عند الحوض يقول " أصيحابي أصيحابي ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (متفق عليه) .
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته .
وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
فما بال أناس يعتقدون أنه ïپ¥ يسمع مناديه في المشرق والمغرب ؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } .

الاستعاذة بغير الله جائزة عنده

والحبشي لا يفتي فقط بجواز الاستغاثة برسول الله ïپ¥ ، ولكنه يجيز الاستعاذة به مع الله ، فقال " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" ( ).
وهذه ستناقش بتفاصيلها بعد قليل ولكن يهمنا هنا بيان أن هذا الرجل قد تفرد عن باقي المنحرفين بجواز الاستعاذة بغير الله وهذا ما لم أسمعه من غيره.
بل حتى الشعراني على ضلالاته فإنه قد صرح بأن الله لم يأذن لأحد أن يستعيذ بغيره .
قال الشعراني ما نصه " ولو أن أحداً من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمرنا الله أن نستعيذ بمحمد ïپ¥ أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر ، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل " ( ).


القرآن يحكم بيننا
مناقشة قرآنية حول الاستغاثة بغير الله

القرآن مليء بالآيات الناهية عن دعاء غير الله ، فلنذكر جملة من هذه الآيات حيث أن الله تعالى أمرنا بالرد إليه وإلى رسوله ïپ¥ عند التنازع فقال { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } والقرآن ما ترك شيئاً إلا بيّنه كما قال تعالى { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } .
الآية الأولى : قوله تعالى { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } ما أوضح هذه الآية لطالب الحق ، وهل بعدها مبرر للنزاع والجدل ؟
فقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله . والمسجد ليس مكانا للسجود فقط وإنما للدعاء أيضاً ، فالصلاة التي تتضمن السجود تتضمن أكثر منه : وهو الدعاء ، فهل يجيز أحد أن يُدعا غيرُ الله في الصلاة ؟ فما الذي يجعل دعاء غير الله داخل الصلاة محرماً وخارجها جائزاً ؟
• وأي مضادة لله أعظم : من أن يقول الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } فيقول الحبشي: بل ادعوا مع الله أحداً : ادعوا البدوي والدسوقي والرفاعي!
وأي مخالفة أعظم من أن يقول الله { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فيخالف الحبشي ربه ويقول: إن تدعوهم يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا استجابوا لكم بل خرجوا من قبورهم لقضاء حوائجكم ولو من مكان بعيد ، ويقول الله { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } فيقول الحبشي: القائل بأنهم غافلون طعن بهم .


قصة الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام

• قال الحافظ " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ".
وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته ( ).
ومن لم يعِ هذه الحقيقة لم يفهم الشرك الذي كان عليه المشركون .
الآية الثانية : قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) قال ابن عباس : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ عليه السلام فلما ماتوا بنوا لهم الصور والتماثيل ( ).
• روى ابن جرير " حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى بن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم: فلما ماتوا ، وجاء آخرون : دبّ اليهم ابليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبِهِم يُسقَوْن المطر ، فعبدوهم " وذكر مثله ابن الجوزي ( ).
الآية الثالثة : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } ( النجم 19) عن مجاهد قال : كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره ( ) وأما مناة فكانت أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها . فلما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام .
• فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله ïپ¥ منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين : وُدّ وسواع ويغوث فيستسقون بها . ولا يزال كثيرون يجهلون أن أصنام مشركي الأمس ما هي إلا رموز تذكارية للصالحين ، وأنهم ما عبدوا أصناماً لمجرد حبهم للحجر والحديد وإنما عبدوا الصالحين الذين صورت الأصنام بصورهم .
الآية الرابعة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ( الأحقاف ه ) فحكم على من دعا غيره بغاية الضلال ، ولم يستثن من الضلالة من يدعون الأنبياء والأولياء ، وأن هذا المدعو لا يستجيب له ، بل هو غافل عن دعائه .
الآية الخامسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ } فيقف العابدون والمعبودون { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي فرقنا بينهم { وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ما كانت عبادتكم لنا { فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } كنا موتى لا نسمع ولا نعلم بعبادتكم لنا كما قال تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } وقوله { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا 81 كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } وقوله { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } .
{ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي عاينت وتحققت أن هذا العمل كان في حقيقته شركاً ظنوه استشفاعاً مشروعاً وإذا بهؤلاء المعبودين يتبرأون من عابديهم ويحلفون أنهم كانوا غافلين عما كانوا يشركونهم به مع الله ، فهذا موقف عظيم يحشر الله فيه الذين كانوا يدعون الصالحين الذين كانوا أمواتاً غافلين عما كان يحدث عند قبورهم من طواف واستغاثة .
الآية السادسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } فيقولون { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } وفي آية أخرى { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } .
فهذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً : بل كانوا يدعون الشيطان { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } ( النساء 117 ) وفي النهاية يتضح لهم الأمر فيندمون ويقولون { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } . تلك حقيقة يتعامى عنها مشركو اليوم الذين يروجون للتوجه إلى الأنبياء والصالحين بالدعاء , إنهم يدعون الناس إلى عبادة الشيطان والجن .


الله ينفي استجابة الميت والحبشي يخالفه
الآية السابعة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } والنبي ïپ¥ عبد مثلنا { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } . فالنهي عام عن دعاء جميع العباد وتخصيص الدعاء بالمعبود وحده .
الله تعالى يتحدى الذين تدعونهم من دونه أن يستجيبوا . والحبشي يقول : بل يستجيبون ، فيخرجون من قبورهم ويغيثون الملهوف ثم يعودون إلى قبورهم.
وهذا نص واضح في أن المشركين كانوا يدعون بشراً لا أصناماً . ولك أن تتأمل وصف الله للمدعوين هنا بأنهم {عِبَادٌ } لله مثل الذين يدعونهم . مما يدل على أن المراد بذلك الصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صورهم ، فإن الأصنام لا توصف بأنها عباد لله. ولا يقال إن الأصنام مثل البشر! ومعنى الآية " أنتم عباد وهم عباد أمثالكم : فكيف يتوجه العباد بالدعاء إلى العباد ؟

الآية الثامنة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } (الحج 73 ) . فالأصنام والقبور تشترك في صفات الضعف : فكلها لا تقدر على خلق ذبابة ولا على استعادة ما يسلبه الذباب منها .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } .
{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ } .
{ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا } . { لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } .
{ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } . { مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . وهذا كله شامل للأصنام والقبور . بل وللأنبياء .
قال إبراهيم عليه السلام لأبيه { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } .
وأمر الله نبينا أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } . وقال له { وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا } .

الآية التاسعة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 20 أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } ( النحل 20 ) هل تتحدث الآية عن بعث الأصنام إلى الحياة بعد الموت ؟ لا يمكن ذلك:
• لأن ( الذين ) من الأسماء الموصولة , والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنحويين ، فهي عامة في كل من دُعِيَ من دون الله . وهي لا يُخبَر بها إلا عن العقلاء , ولو كان المراد بها الأصنام والحجارة لكان حق الكلام أن يقال ( والتي تدعونها من دونه ما تملك من قطمير . إن تدعوها لا تسمع دعاءكم ولو سمعت ما استجابت لكم ) . والأصنام لا يحل بها موت ولا بعث لأنها خارجة عن قانون الحياة والموت والبعث ، ولأن الشعور يستعمل فيمن يعقل لا في الأحجار.
• ولأن { أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء } لا يصح إضافتها إلى الأحجار التي صنع منها الصنم ، إذ هي جمادٌ لا يصح وصفه بالحياة ولا بالموت . فلم يبق إلا أن الكلام متعلق بالصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صدرهم .

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:18 PM
اتفقنا أنهم لا يخلقون واختلافنا هل يملكون
ومن تلبيسات الأحباش قولهم " عقيدة أهل السنة أن محمداً لا يخلق نفعاً " لكنهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء يملكون في قبورهم نفعاً ويدفعون ضراً بإذن الله , ويلبسون الأمر على الناس فيظن العامي أنهم موحدون ما داموا يعتقدون أن محمداً ïپ¥ لا يخلق النفع .
ولقد قال رسول الله ïپ¥ لأحد الموحدين حين قال له " ما شاء الله وشئت " " أحعلتنى لله نداً ؟ " وقال لمجموعة من الموحدين من الصحابة حين قالوا له " إجعل لنا ذات أنواط " : " قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ؟ وقال لمن حلف بغير الله " من حلف بغير الله فقد أشرك " .

المشركون لا يعتقدون استقلال معبوداتهم
وحرفوا المصطلحات الشرعية فزعموا أنهم ما داموا لا يعتقدون استقلال الأنبياء والأولياء بالنفع والضر فهم غير مشركين . فيقال لهم : قد وافقكم أبو جهل على أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لا تخلق نفعاً ولا ضراً ، إذ كان يراها مملوكة لله , كما كانوا يقولون في الحج :
" لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك " ( ). مما يؤكد أنهم لم يكونوا يعتقدون استقلال شركائهم مع الله بالنفع والضر .
ولقد استفتح أبو جهل يوم بدر بالرب دون اللات والعزى وهُبَل فقال " اللهم أقطَعَنا الرحم ، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة " فكان ذلك استفتاحاً منه ، فنزلت { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ } ( ).
فتعريفاتكم ليست بأمانيكم ولا منجية لكم عند الله . فقد قامت عليكم الحجة بقول النبيïپ¥ " الدعاء هو العبادة " ( ) ، فمخالفتكم للتعريف النبوي مردود عليكم . فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي ïپ¥لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة .
الآية العاشرة : قوله تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال الطبرى " كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشـرك به في عبـادته " ( ).
فمجرد اعتقاد أن غير الله لا يخلق نفعاً لا يبرّىء من الشرك بل لابد من إخلاص التوحيد وذلك بأن يكون الدعاء لله وحده .
فإن محمداً ïپ¥ نهى عن دعاء الله مطلقاً من غير استثناء فقال لابن عباس " إذا سألت فاسأل الله " ولم يكن ابن عباس ولا الصحابة يعتقدون أن أحداً غير الله ينفع أو يضر ، ولم يقل لهم النبي ïپ¥ ما دمتم تعتقدون أن النفع والضر من الله جاز لكم أن تسألوا غير الله .
وقوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تملك نفعاً فضلاً عن أن تخلقه ، فلما سألهم { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } ما قالوا بلى تنفع وتضر .
ولما كان دعاء غير الله عند إبراهيم شركاً قال لهم : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } فحكم عليهم في الآية التي تليها أن دعاءهم لها عبادة من دون الله { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } ( مريم 48 و 49 ) وأكد ذلك في آية واحدة فقال { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وقد دلت الآية على أن دعاء غير الله عبادة تتعارض مع الإسلام لرب العالمين .
ولو كان يعلم عنهم أنهم كانوا يعتقدون فيها النفع والضر لما حاجّهم بذلك ولأجابوا عن سؤاله { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } " نعم , إنها تنفع وتضر . فلما عجزوا عن الإجابة قالوا { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قال { أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ } فقال لهم أولاً { تَدْعُونَ } ثم قال { تَعْبُدُونَ } وفى آية أخرى { أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ } .

استغاثتهم بهم مسبوقة باعتقادهم فيهم
هذا ولا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغث يا رفاعي ، المدد يا جيلاني ، شيء لله يا سيدي دسوقي ، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النـذور عنـدها على نيـة الشفاء ( ) .
قال الآلوسي " ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك ( يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني ) إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه " . واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ، { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } ( ).
• تصور رجلاً جائعاً فقيراً يخير بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني : فإلى من يذهب ؟ بالطبع سيذهب الى الغني ويترك الفقير . لا تنس أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمه بأن هذا الغني يملك نفعاً وإلا : فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنوناً . وكذلك المستغيث بغير الله : يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له ، وإن أنكر ذلك باللسان .
الآية الحادية عشرة : قوله تعالى { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } . وقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي ïپ¥ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } هذا وهو حي . فكيف وهو ميت ؟ أفيجوز أن يقال إنه كان لا يملك النفع والضر قبل موته فلما مات صار يملكهما ؟
وكيف يقول لابنته فاطمة " لا أملك لك من الله شيئا " بينما يحث المسلمين على الاستغاثة به عند قبره بعد موته ؟

اتركوا دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضراً

الآية الثانية عشرة : قوله تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ } (يونس 106) أي المشركين ، فليس في شرع ربنا جواز دعاء من لا يملك نفعا ولا ضراً ولم يقل تعالى : ولا تدع ما لا يخلق نفعا وإنما المعنى : لا تدع من تعلم أنه لا يضر ولا ينفع كما قـال تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } (الأعراف 197) ، لم يستثن الله نبياً ولا ولياً . فهذه الآية نص صريح على تحريم دعاء من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا يملك نصراً وإلا فإن فعل فقد رد على أعقابه إلى الضلالة بعد إذ هداه الله كما قـال تعـالى { قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ } (الأنعام 71) .
- ودعاء من لا يغنى من الله شيئاً محرم في القرآن وهو من خصال المشركين قال تعالى { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ }. ولم يقل (التي يسجدون لها من دون الله) .

تدعون من صرّح بأنه لا يغني !
فهذا رسول الله ïپ¥ بأنه لا يغني عن أحد من الله شيئاً ولا حتى لابنته فاطمة . وهو موافق في هذا للقرآن . فقد نهى إبراهيم أباه أن يدعو من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً ؟ ويعقوب يقول لأولاده { وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ } ورسولنا ïپ¥ يعلن بالكلمة نفسها إلى فاطمة وأقربائه وجميع قريش .
وإذا كان لا يملك شيئاً لفلذة كبده فاطمة وهو حي : أفيملكه لغيرها وهو ميت ؟ قال لابنته " يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار : فإني لا أملك لكِ من الله ضرا ولا نفعا " وفي رواية " لا أغني عنك من الله شيئا " وفى رواية " لا أملك " فكيف نستغيث بمن كان يقول وهو حي " لا أملك لكم [لا أغني عنكم] ، من الله شيئا " (متفق عليه) .
وهو الذي إذا استغاث به الناس يوم القيامة وهو حي حاضر يقول " لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغتُك " ! ولا نجد في القرآن جواز سؤال من يملك نفعاً لكنه لا يخلق نفعاً !

لما أراد نوح أن يدعو الله لإنقاذ ولده قال الله تعالى : { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }.
فالذي يدعو الصالحين إن كان مستحقا للعقاب فالنبي أو الولي لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، فقد مات أبو طالب على الشرك ، ولو كان الأمر بيد النبي ïپ¥ لما مات على ذلك .
{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ } .
{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } .
{ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } .
وإذا ثبت أن دعاءكم لغير الله شرك فقد قال الله تعالى :
{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }
{ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ }

حجة رازية أشعرية
• قال الرازي " إعلم أن الكفار أوردوا سؤالا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } .
وتقرير الجواب :
أن هؤلاء الكفار : إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها .
والأول باطل : لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً ، فكيف يعقل صدور الشفاعة منها ؟
والثاني باطل : لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله . فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره " ( ) انتهى كلام الرازي رحمه الله .

بين قبر اليوم وصنم الأمس عند الرازي :
وذكر الرازي كذلك أن المشركين " وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
قال : ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله " ( ) 0 انتهى كلامه وهو نفيس جدا . وصدور مثل هذا الكلام من رجل من عظماء الأشاعرة هو حجة على متأخريهم ، فهل يصير الرازي عندهم " وهابياً " بعد هذا ؟.
• وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالا على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً " ( ) .
وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين : هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى .
وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس .
سؤال قرآني موجه إلى المشركين
الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } [ الزمر 38 ] . فمن لم يكتف بدعاء الله وحده لم يكن حسبه الله ، قال قتادة في هذه الآية " سأل النبي ïپ¥ المشركين فسكتوا " أي سألهم : هل هن كاشفات ضره ؟ هل هن ممسكات رحمته ؟ فسكتوا لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الضر والنفع ولو كانوا يعتقدون العكس لأجابوا . وإنما كانوا يتخذونها وسائط وشفعاء عند الله .

النصارى لا يعتقدون أن مريم تخلق نفعاً
الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . فالذين يدعون غير الله وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعاً إلا أنه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعاً ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . قال ابن عباس ومجاهد "وهم: عيسي وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتا أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .
وقد اعترف الرازي بأنه " ليس المراد بالآية الأصنام لأنه تعالى قال في صفته { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } قال : وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام " ( )

دعاء غير الله تأليه لغير الله
فالنصارى يعترفون بأنهم اتخذوا المسيح إلهاً ، لكنهم يرفضون اتهامهم بتأليه مريم ويقولون : نحن لم نؤله مريم ، بل نعتبرها بشراً ، ولا نعتقد أنها تخلق نفعاً ولا ضراً ، غير أننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب. لكن الله ألزمهم بعبادتها وإن رفضوا، لأنهم يدعونها من دون الله ويطلبون منها ما يطلبه الأحباش من الجيلاني والرفاعي .

ولو سمعوا ما استجابوا
الآية السادسة عشرة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [ الأحقاف 5 ]. وهذه صفات مشتركة بين الأصنام والقبور ، وقد جمع الله بينهما في آية واحدة فقال { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء } [ النمل 80 ] . وقد استدل ابن الهمام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى ( ) . وهذه الآية مفسرة بقوله تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . وأفضل التفسير : تفسير القرآن بالقرآن .
وجاء في الفتاوى البزازية " من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم : يكفر. وقال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان الجياني : ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقد بذلك فقد كفر " ( ) .
• وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } إلى قوله { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فإنهم من أولياء الله ، وقد أنامهم نوماً ثقيلا لا توقظهم الأصوات . فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم هذا كذبا .

الآية السابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } [ الرعد 16 ] و { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فغير الله لا يقضون بشيء ولا يملكون نفعاً ولا ضراً ولا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون ، وهؤلاء يقولون : بلى ، يقضون بشيء ويستجيبون لمن شاءوا .

الدعاء أفضل العبادة
هل أجاز النبي عبادة غير الله مع الكراهة ؟!
والدعاء عبادة كما قال رسولنا ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " ( ) ، وفي رواية "الدعاء مخ العبادة " ( ) . ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله ïپ¥ خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي ïپ¥ لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
• وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله مع الكراهة كما زعم الحبشي وغيره. بل ما كان عنده عبادة لا يصرف إلا لله .
• قال الزبيدي " قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على " المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار". وعن معنى رواية "الدعاء مخ العبادة" قال الزبيدي " أي خالصها، وإنما كان مخا لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فله فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية استشعار ذلة البشرية " ( )
وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال " أفضل العبادة الدعاء " ( ) .
وهذا التفسير لغويٌّ وشرعي: علَّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم ïپ¥ والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله . والتوجه بالدعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله . فقد قال رسول الله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " فدل على أن الدعاء مدق أعظم أنواع العبادة ، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات كتوجه الوجه والقلب واللسان وحصول التذلل والخضوع والرغبة فيما عند المدعو والرهبة منه وهذه حقيقة العبادة بل مخها .
قال الفيومي في المصباح المنير " دعوت الله : أي رغبت فيما عنده من الخير، وأما الاستغاثة فهي طلب الغوث والنصرة ، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام . عاذ به أي التجأ واعتصم " ( ) .
ووصف الخطابي الدعاء بأنه ( ) " استمداد المعونة [ من الله ] وحقيقته إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ". ثم احتج بقول النبي ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " .
{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قال الطبري أي اعبدوني ( )
قال القرطبي " فدل على أن الدعـاء هو العبـادة وكذا عليه أكثر المفسرين " ( ) .
قلت : فسرها قبلهم رسول الله ïپ¥ فأبى الأحباش إلا الهروب من هذه الأقوال الصريحة عن جمهور العلماء إلى التفسـيـر الغريب المرجوح للآية وهو " أطيعوني أُثبْكم " ( ) . قال الحافظ " وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب . وأجاب الجمهور بأن الدعاء من أعم العبادة " ، واعتبر قول النبي ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " كقوله في الحديث الآخر " الحج عرفة " ( )
{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } [ غافر ] قال السدي : أي دعائي ( ) قال الحافظ وضع عبادتي موضع دعائي " ( ) وقال القسطلاني في إرشاد الساري كلاماً بنحوه .

شبهة : العبادة نهاية التذلل
الدعاء توحيد عند الزبيدي

• واعترض الأحباش على ذلك فقالوا " العبادة نهاية التذلل " هكـذا أثبتـها علماء اللغة " ( ) .
ويقال لهم : إذا كان الشرع يعتبر دعاء قضاء الحوائج عبادة فقد ألزمكم الشرع بالوقوع في غاية التذلل. يؤكد ذلك قول الحافظ ابن حجر " الدعاء هو غاية التذلل والافتقار" ( ) . وأن فائدة الدعاء " إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه ". وقال مثله الزبيدي ( ) ، وزاد عليه لأن وصف لفظ الدعاء يطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } وقوله { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، فهذه شهادة من الزبيدي ضدكم بأنكم صرفتم التوحيد إلى غير الله .
فإذا كان الدعاء غاية التذلل والافتقار وإظهار الفاقة والتضرع وهو التوحيد : فمثل هذا لا يجوز صرفه لغير الله وإلا كان شركاً .

الدعاء عند الرازي أعظم مقامات العبودية
• قال الفخر الرازي " المقصود من الدعاء إظهار الذلة والأنكسار" وقال " وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : الدعاء أعظم مقامات العبادة " ( ).
وفسر قوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فقال : كأنه سبحانه وتعالى يقول : عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء . أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج ، وأنا الإله الغني " ( ) .
كما نقل عن الخطابي قوله " الدعاء هو العبادة " معناه أنه أعظم العبادة " و " حقيقة الدعاء استمداد العبد المعونة من الله " ( ) .
فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجا بهذه الآية .
وذكر الحليمي أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله " ( ) . وعرّف صاحب القاموس الدعاء بالرغبة إلى الله ( ) .

السجود لغير الله ليس هو الشرك الوحيد

وهؤلاء لم يفهموا من العبادة إلا الركوع والسجود . وهم بذلك يقصرون العبادة على بعض أفرادها كقولهم " العبادة نهاية التذلل " .
ولا ننسى أن المحبة والخضوع والتوكل والإنابة والخوف والرجاء والطاعة والتقوى كل ذلك عبادة لا ركوع فيها ولا سجود .
ورمي الجمار ليس فيه سجود ومع ذلك فهو عبادة ؟
والصيام عبادة لا سجود فيها .
والوقوف عند عرفة ركن الحج وهو عبادة لا سجود فيها .
وقراءة القرآن عبادة ليس فيها سجود .
فلماذا لا يكون الدعاء عبادة وإن لم يكن فيه ركوع ولا سجود .
فالرسول ما علّمنا أن الصوم والصلاة والحج عبادة فقط ، بل علمنا أيضاً أن الدعاء عبادة ، وقد بلّغ فقال " الدعاء هو العبادة " .
فكما أن ( الحج عرفة ) وعرفة أعظم مواقف الحج . فكذلك ( الدعاء عبادة ) بل من أعظم أنواع العبادة ولبّها وركنها الأعظم ، كما أن عرفة أفضل الوقوف ، يؤكد ذلك حديث أنس " الدعاء مخ العبادة " وهو ما قال مثله الرازي والزبيدي ( ) .

لا يفقهون ما يتلون في صلاتهم
وهؤلاء إذا دخلوا في الصلاة قالوا { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
فإذا خرجوا منها قالوا : إياك نستعين ونستمد يا محمد يا رفاعي يا بدوي.. فلم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، وإن الشرك لهو أعظم المنكر.
ولو أنهم تدبروا ما يقرءون لكان خيراً لهم ، فإن { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } جاءت بعد آيات بينت ربوبية الله المطلقة لكل العوالم ورحمته الواسعة وأنه هو المالك ليوم الدين فهو المنجي وهو الراحم وهو الذي يملك الشفاعة والمغفرة، فلا تجوز الاستعانة بمن لا يتصف بهذه الصفات.
وقد نص الحافظ ابن رجب ( ) في ( جامع العلوم والحكم 281) أن قوله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لأن الدعاء هو العبادة " وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وقال { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } ولم يأمرنا أن نسأل غيره . ولم يقل (وقال ربكم ادعو أنبيائي وأوليائي) ولم يقل رسوله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الأنبياء والأولياء ".
وقال السبكي بأن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " ( ) وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص .


الآية التي قطعت جميع وسائل الشرك

الآية الثامنة عشرة : قوله تعالى { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } فهذه الآية قطعت طرق الشرك كلها وسدت أبوابه أمام المشركين .
فإن الداعي غير الله إنما يتعلق قلبه بالقبور:
1- لما يرجو فيها من حصول منفعة أو دفع مضرة وحينئذ :
فلا بد أن يكون معتقداً أن هذا الولي يملك أسباب المنفعة ، فنفى الله ذلك قائلاً { لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } .
2- أو أن يكون هذا الولي المدعو شريكاً مع الله ، فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } .
3- أو أن يكون وزيرا معاوناً لله ذا حرمة وقدر يمكن الانتفاع به عند المالك . فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } .
4- فلم يبق للمشرك إلا حجة واحدة يتعلق بها وهى الشفاعة فيقول { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فنفى الله ذلك وقال { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ونفى عن غيره النفع والضر والشراكة في الملك وامتلاك الشفاعة وإنما الشفاعة حق يملكه الله ، فلا يسألها من لا يملكها وحتى إذا أعطي نبينا الشفاعة فإنه لا يشفع فيمن يشاء ولكن فيمن يأذن الله .
الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ولم تستثن الآية ممن { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } نبياً أو ولياً ، والآية ترد ما يدعيه الأحباش أن قبر السيدة نفيسة " معروف بالإجابة " ( ) ؟ فإن الله تعالى يقول { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } ! فمن أصدق عندكم : الله أم الحبشي ؟

الآية العشرون : قولـه تعالى { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ويناقض الحبشي هذه الآية فيقول : الأنبياء والأولياء : يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء ، وليس الله وحده ، وقد قال الشيعة من قبله : الأئمة والسادة يجيبون المضطر إذا دعاهم ، وقالها النصارى من قبلهم : المسيح ومريم والقديسون .

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:20 PM
ولو سمعوا ما استجابوا

{ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } فلا هم يملكون ولا هم يسمعون كما قال تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ولا إذا سمعوا يستجيبون ، لكن الحبشي يخالف هذه الآية فيقول : بلى يسمعون ويستجيبون ويخرجون من قبورهم فيقضون الحوائج ويكشفون الضر ثم إلى قبورهم يعودون ، ويملكون النفع والضر، ولكنه دلّس على العامة حتى لا يكتشفوا شركه فقال " ولكنهم لا يخلقون النفع والضر " .
وقد فسر الأحباش { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء الكافرين لأنها جمادات ميتة لا روح فيها ، فكيف تقاس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع بالنبي ïپ¥ والأولياء والصالحين ( ) .
غير أنهم لم يتكرموا بتفسير الآية بكاملها وبالتحديد قوله تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } إن آخر الآية يؤكد أن الضمير متعلق بالبشر الذين اتخذوهم آلهة ورمزوا الأصنام بهم .
ومع أن السجود للأصنام شرك لا شك فيه فقد سئل شيخهم عن حكم السجود لصنم لم يسجد له بعد فأجاب بأنه " كبيرة من كبائر الذنوب ليس أكثر وليس شركاً ( ) .


سماع أبي جهل دليل على سماع سيدنا محمد !

ثم احتجوا بقول النبي ïپ¥ في قتلى المشركين يوم بدر لما سأله عمر " كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ فقال ïپ¥ (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ( ) . بمعنى أنه إذا كان أبو جهل يسمع في قبره فالأنبياء والأولياء أولى بالسماع منه.
• وهذا قياس باطل ، والقياس أصلا باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد . قال إمام المالكية ، حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر " لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام " ( ) .
قال ابن سيرين " ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس " حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( ) وبهذا الاستدلال من الحبشي يصير الأصل في كل ميت أنه يسمع ، وهذا الفهم الباطل يتعارض وقوله تعـالى { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } ( ) { وقوله إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } .
ألا بئس ما توصل إليه أولئك من الاستدلال بسماع طواغيت قريش على سماع الأنبياء والأولياء !.
أولاً : ونحن نرد عليهم فنقول : لو كان ما تقولونه صحيحا فما معنى { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فعلى فرض سماعهم لا يستجيبون .
• ثانياً : أن هناك رواية تضمنت زيادة (الآن) أي أنهم الآن يعلمون حين تبوؤا مقاعدهم " ( ) . وفيه تحديد السماع بمدة وجيزة كما في الحديث الذي يحتجون به " إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه " وهو حجة عليهم فإنه إذا كان أي ميت يسمع قرع نعال مشيعيه بطل تخصيص السماع من القبر بالأنبياء والأولياء . وقد نقل إلينا السلف هذا الحديث ولم يفهموه على الوجه الذي تفهمونه أنتم .
• ثالثاً : أنهم تجاهلوا تفسير قتادة الذي أورده البخاري ومسلم " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ïپ¥ توبيخا وتصغيراً ونقمة وحسرة وندامة " ( ) .
وقد صدر مثل هذا التوبيخ من الأنبياء السابقين منهم صالح عليه السلام { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } .
• رابعاً : من أضل ممن يسمع هذه الآية { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [الأحقاف 5] ، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . ويطلب أدلة أخرى لأن الآية لا توافق هواه بل هي حجة عليه إلى يوم القيامة !
فأهل البدعة والشرك أمام حواجز إذا اخترقوا أولها صعب عليهم ثانيها . فإذا تخطوا حاجز { لاَ يَسْمَعُواْ } اعترضهم حاجز { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا } .
هل كل مخاطب يسمع ؟

• واحتجوا بأن الحي يقرئ الميت السلام كقوله ïپ¥ عند زيارة قبور المسلمين " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " ( ) ثم قالوا : هل يلقى السلام على من لا يسمع ؟
وليس كل من خوطب يكون سامعا بالضرورة. فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود ( ) فهل كان الحجر يسمعه ؟
وليس كل من سمع يكون مجيبا ، فقد فسر الحافظ سلام زائر المقابر " السلام عليكم " أي اللهم اجعل السلام عليكم ( ) .
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال " فخطاب الموتى بالسلام في قول الذي يدخل المقبرة : السلام عليكم أهل القبور من المؤمنين لا يستلزم أنهم يسمعون ذلك : بل هو بمعنى الدعاء ، فالتقدير: اللهم اجعل السلام عليكم ، كما نقدر في قولنا الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإن المعنى : اللهم اجعل الصلاة والسلام عليك يا رسول الله " ( ) .
وهل كل مخاطب يسمع ؟ إن قلتم نعم هذا ضروري ، قيل لكم : هذا خطاب عمر للحجر الأسود : " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع " ولولا أني رأيت رسول الله ïپ¥ يقبلك ما قبلتك " ( ) .
ونسأل : هل يستوي عندكم المسلم عليهم والمستغيث بهم ؟ هل يستوي من يدعو الله لهم بالسلام والرحمة وبين من يدعوهم أن يكشفوا ضره ويغيثوا لهفة ؟ أم أنكم تأتون بمثل هذه الحجج الداحضة للتمويه على عوام الناس !
وقد حكى الأحناف ومنهم صاحب الدر المختار أن هذا من باب الدعاء له لأن السلام دعاء من المؤمن لأخيه .
• والأحناف أشد الناس إنكاراً لمسألة سماع الميت ، فجاء في رد المحتار على الدر المختار (180:3) أن إسماع الكافرين يوم بدر حالة خاصة جعلها الله زيادة في حسرتهم وأن سماع الميت قرع نعال مشيعيه يكون في أول الوضع في القبر فقط. وهو قول العلامة الشيخ أحمد الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح للشرنبلالي " شرح نور الإيضاح " باب أحكام الجنائز قال " وأكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع عندهم (صفحة 326) . أضاف " وأما السلام عليهم فحملوه على انه دعاء لهم وليس خطابا ، لأن السلام دعاءً لهم . بالرحمة والأمن " (341 الطبعة الأزهرية) .
• ولما نفدت حججهم قالوا : ألستم تؤمنون أن الله على كل شيء قدير؟ أليس الله قادرا أن ينطق الشجر والحجر والدواب فكيف تحددون قدرة الله وتحيلون على الله أن يفعل ذلك ؟ وهي حجة واهية شبيهة على ضعفها بحجج النصارى: ألستم يا مسلمين تزعمون أن الله على كل شيء قدير ، فهل يعجز القدير إن أراد أن يتخذ ولدا أن يفعل ؟
والجواب : أن الله الذي هو على كل شيء قدير هو. الذي حكم أننا لو دعوناهم ما سمعوا دعاءنا .
أن الله لا يفعل إلا ما كان حقا ولا يفعل الباطل . ودعاء غير الله باطل بالدليل من كلام الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } .



احتجاجهم برؤية نبينا موسى عند المعراج

شبهة : واحتج الحبشي بحديث " مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره " على جواز أن نسألهم وهم في قبورهم وأن موسى كان سبب تخفيف الصلاة فحصل به نفع وهو ميت.
والجواب : أن مخاطبتكم لموسى بناء على مخاطبة نبينا له قياس باطل . فإنه ïپ¥ كان يلقى جبريل فهل كان يستغيث الصحابة بجبريل أم أنهم كانوا يستغيثون ربهم فاستجاب لهم { أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ } لماذا لم يستغيثوا بالملائكة مباشرة ؟
• أن حياة الأنبياء في قبورهم لا ينكرها أحد ولكن هل مجرد كون موسى حياً في قبره دليل على جواز سؤاله ؟ فإن كلام نبينا لموسى حالة خاصة في وقت خاص. فإنه لم يكن يكلم موسى في أي وقت وإنما كلمة يوم المعراج فقط .
• لقد بنيتم على حديث المعراج هذا جواز سؤال الأنبياء وغيرهم في قبورهم ، بينما حديث المعراج صريح في أن موسى ïپ¥ هو الذي طلب من النبي ïپ¥ أن يسأل الله التخفيف فقال: ارجع إلى ربك " واسأله " .
• ولكن في الحديث فوائد أخرى تجاهلتموها ومنها أنه أفاد علو الله فوق سماواته . ففي السماء السابعة فرضت الصلاة خمسين. ولما رجع النبي إلى السماء الخامسة لقي موسى فأمره أن يرجع إلى الله فيسأله التخفيف. حتى قال النبي ïپ¥ " فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ... ". فليس من الإنصاف أن تحتجوا ببعض الحديث وتعرضوا عن البعض الآخر .
• أننا لا نعلق حكم سؤال المقبور على حياته أو موته ولكن مدار الحكم على المشروع الوارد ، فلا يوجد في دين الإسلام الحث على محادثة أو مطالبة مدفون .
فالحديث حجة عليكم . فلم يقل أغثنا يا موسى أو المدد على النحو الذي تفعلونه حين تقولون لغير الأنبياء مدد يا رفاعي مدد يا جيلاني . وكقول علي بن عثمان الرفاعي (خليفة الشيخ أحمد الرفاعي) " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلي سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخله إن كانت لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
وقول الشيخ جاكير الكردي للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " ( ) .
• وإذا اختلفنا في فهم نص : فإننا نرجع إلى فهم الصحابة : والصحابة لم يفهموا الحديث على النحو الذي تفهمونه من جواز سؤال الأنبياء مع الله أو التوسل بهم : إيتونا برواية صحيحة السند إلى صحابي سأل نبياً من الأنبياء السابقين بعد موته . فان لم تجدوا فأنتم المخالفون للسلف ، فخبر موسى لم يخف عليهم وقد تركوا التوسل بنبيهم ïپ¥ بعد موته .
• أن النبي ïپ¥ رأى موسى وغيره من الأنبياء في السماوات على قدر منازلهم، ولم يكن عاكفا عند قبر موسى والفرق كبير جداً بين الأمرين . لكن أهل الزيغ يتجاهلون هذا الفرق. ولو لم يكن فرق لكلم الرسول ïپ¥ الأنبياء دائما من غير معراج .
• وإذا كانت أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة : فأرواح الأنبياء في أعلى عليين . ولم يعرف عن السلف مخاطبة شهداء ولا أنبياء .
كيفية حياتهم في القبور
واحتجوا بقول النبي ïپ¥ " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( ) بل زاد الحداد الصوفي فقال " يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل وينكحون وكذلك الشهداء: شوهدوا نهارا وجهارا يقاتلون الكفار في العالم المحسوس في الحياة وبعد الممات " ( ) .
الجواب : أما موتهم الدنيوي فلا يجوز إنكاره ، قال تعالى { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } . ولكن: ألم يكن رسول الله ïپ¥ يعلم أن الأنبياء السابقين (إبراهيم وموسى وعيسى) أحياء في قبورهم ؟ فلماذا لم يسألهم ولم يخاطبهم ولم يفعل صحابته شيئا من ذلك ؟ فإن رسولنا لم يستغث قبل موته بأحد من الأنبياء مع علمه بحياتهم البرزخية ، ولم يعلّم أحداً من أصحابه أن يستغيثوا بنبي من الأنبياء.
• وأما زعمهم أنهم ينكحون وأن حياة النبي ïپ¥ هي السبب في تحريم مناكحة أزواجه من بعده لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته. فهذا تدليس فإن الله وصف نساء النبي ïپ¥ بأنهن أمهات المؤمنين . وكيف يجوز للابن أن ينكح أمه ؟ ولو كانت العلة هي الحياة لجاز نكاح مطلقته ïپ¥ .
ثم إن قوله تعالى عن عيسى { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . دليل على أن الأنبياء وإن كانوا أحياء فإنهم لا يعودون شهداء على قومهم. وهؤلاء يجعلون النبي ïپ¥ شهيداً عليهم سواء في حياته أو بعد موته ! كقول علوي المالكي " روحانية المصطفى ïپ¥ حاضرة في كل مكان ، فهي تشهد أماكن الخير ومجالس الفضل " (الذخائر المحمدية 259) فكأنه يقول : وهو معكم أينما كنتم!
ويبطل ذلك قول النبي ïپ¥ " لجبريل عليه السلام " ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ } فإذا كلن نزول جبريل لزيارة محمد ïپ¥ لا تكون إلا بأمر رب العالمين فكيف بنزول أرواح المشايخ واجتماعها بالأحياء وادعاء الجهال مجيء الرسول ïپ¥ إلى مجالس الذكر واتصاله بالمتصوفة يقظة !!
ويتناقض الحبشي في الروايات التي يحتج بها. فتارة يأتي بحديث موضوع هو " من صلى علي عند قبري سمعته " ( ). وتارة يأتي بحديث صحيح " فإن صلاتكم معروضة علي " يبطل احتجاجه بالحديث الأول الموضوع المثبت للسماع ( ) . فالحديث الأول ضعيف وهو حجة على من زعم أنه لا يستدل في العقائد إلا بقطعي السند بل متواتر.
والحديث الثاني صحيح وهو حجة على من زعم أنه يسمع، فلو كان يسمع لما عرضت عليه صلاة أمته ، ولما انتظر حتى يبلغه الملك سلام أمته. فتأمل تناقض أهل البدع !!

لا يفرقون بين الأحياء وبين الأموات
ولم يعد هؤلاء يفرقون بين الموت والحياة، بل يسوون بين الحي والميت مخالفين بذلك القران والسنة :
• أما القرآن فيقول تعالى { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ } وعند الحبشي يستويان. وقال المسيح عليه السلام { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
• وأما السنة فقد قال نبينا ïپ¥ عند الموت " اللهم الرفيق الأعلى" ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا. غير أن المنحرفين يجعلون النبي شهيدا عليهم في الدنيا وفي القبر. بل ويحضر عند موت كل من رآه من أمته في المنام فيراه وهو يضحك إليه أو يكلمه كما زعم نبيل الشريف .
فتوحيدكم لا يصححه قرآن ولا سنة ، بل يشهدان بضد ذلك. ونذكركم بما قال القشيري " كل توحيد لا يصححه الكتاب والسنة فهو تلحيد لا توحيد " ( ) .

دعاء غير الله باطل
20) { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان 30 ] ، فحكم الله على كل دعاء لغيره أنه باطل . فإذا كان كذلك فكيف يزعم هؤلاء الجاهلون أن قول النبي ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " لا يعني " لا تسأل أحداً غير الله " ؟ ألم يصف الدعاء بأنه عبادة فكيف يبيز عبادة مع الكراهة ؟
ولنفرض أن الرسول لم يقلها : ألم يقلها الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي ، وإذا كانت { أَحَدًا } لا تعم كل مدعو عندكم فماذا تقولون في هذه الآيات :
{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } أليس واضحاً أن دعاء أحد مع الله شرك كما اقتضه الآية الكريمة بكل وضوح ؟
الرسول سمى التبرك بالشجرة تأليهاً
وشبه الرسول ïپ¥ قول الصحابة " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " بقول من قال لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } مع أنهم لم يخطر لهم أن يسجدوا للشجرة أو يعبدوها وإنما قصدوا التبرك بها فتنبه لهذه الفائدة ففيها حجة عظيمة .
وكذلك أصحاب الكهف هربوا من الشرك وكانوا يقولون { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } وقالوا عن قومهم { اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } وقد سارع قومهم إلى اتخاذ قبورهم مكانا للتبرك والدعاء { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا } [ الكهف 14 – 15 ] .
فإذا كان دعاء غير الله تأليها لغير الله كان حقيقة قولكم : أجعلت المدعو واحداً ؟ شبيهاً بقول من قالوا { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }

دعاء غير الله شرك

الآية الرابعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [ لجن 20] ، فالشرك إنما حصل بدعاء غيره معه : نبيا كان أو وليا ، وقد قال ïپ¥ " من مات وهو يدعو مات دون الله ندا دخل النار" ( ) ، وهو تحقيق قوله تعالى { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .

الآية الخامسة والعشرون : قوله تعالى { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
الآية السادسة والعشرون : قوله تعالى { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } .
{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام 40 ] .

الآية السابعة والعشرون : قوله تعالى { وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } [ النحل 86 ] فالذين قالوا { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس الأصنام وإنما البشر الذين تم نحت صورهم على شكل تماثيل و أصنام .
الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } فدعاء غير الله عند الله شرك يؤدي إلى حرمان الجنة { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } [المائدة 72] فلماذا المجازفة وركوب المخاطر في دينكم بشرك يؤبدكم في جهنم ؟ !

دعاء الله إيمان
ودعاء غير الله كفر

الآية التاسعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } قال ابن عباس " يقول : لولا إيمانكم " ( ) وذكره البخاري في كتاب الإيمان فقال "دعاؤكم إيمانكم " ( ) .
{ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ 73 مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } [ غافر 73 ] فحكم الله بأنهم كافرون { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } بعدمـا حكم بشركهم { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ } . واجتمعت الصفتان في آية واحدة { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } [غافر12] فهم بدعائهم غير الله يكفرون ويشركون .
وهكذا صار دعاء غير الله عندهم إيماناً وهو عند الله شرك { وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } ودعاء الله وحده عندهم كفر . وهو عند الله إيمان .

الآية الثلاثون : قوله تعالى { حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [ الأنعام 130] ، دلت هذه الآية على أن حكم دعاء غير الله عند الله كفر. ونص الله على أن الكافرين يكرهون إخلاص الدعاء إليه وحده فقال { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [ غافر 14 ] . فمن كره منا قصره على دعاء الله وحده فقد وافق الكفار فيما يكرهونه .

الآية الواحدة والثلاثون : قوله تعالى { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } [ الزمر 8 ] . وقد قال تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ثم حكم عليهم بالكفر فقال { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ الرعد 14 ] .

دعاء غير الله عبادة للشيطان
فإذا كان الدعاء عبادة صار توجيه هذه العبادة لغير الله عبادة للشيطان ، هذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } [ النساء 117 ] . وقد حذر الله من عبادة الشيطان فقال { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .

دعاء غير الله تأليه لغيره

والنصارى ملزمون بتأليه مريم وإن لم يلتزموه لأنهم دعوها من دون الله ، قال تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم ، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } قال ابن عباس ومجاهد " وهم : عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .






المشبهة الحقيقيون
المضيعون لحقوق الله

اعلم أن حق الله عليك أن توحده : فالشرك هضم لحق الله بل تشبيه ومساواة له بمخلوقاته ، قال تعالى { تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } يحلف الذين كانوا يدعون الأولياء أنهم كانوا يشبهونهم برب العالمين . فوقعوا في الغلو الذي حذرنا منه نبينا بقوله " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ( ) . وهكذا خالفوا أصل التوحيد وجعلوا معنى لا اله إلا الله : أي لا شبه بين الله وخلقه ، ودندنوا حول غير ما دندن حوله القران وهو شرك الدعاء .
ولا يغرنك قول البوصيري :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن الذين قال لهم نبينا ïپ¥ " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " لم يكونوا يقولون له : أنت ابن الله ، وإنما كانوا يقولون " وفينا نبي يعلم ما في غد " فهل يتناسب هذا وقول البوصيري وأمثاله ممن يظنون أنه لا يكون غلوا وإطراء إلا أن ننسب له الألوهية ؟! .
وفى نهاية الأمر يقف الجميع أمام الله ، فيؤمر من كانوا يدعون مع الله غيره أن يدعوهم في ذاك اليوم العصيب : قال تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } [ يونس 64 ] .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا } [الكهف 52 ] { وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ } [ فصلت ] .
من النداء ما هو دعاء

قد شهدت لغة العرب بأن الدعاء يسمى نداء. قال أبو حيان النحوي في البحر المحيط ( 7 / 418 ) عند تفسير قوله تعالى { دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ } أي ناداه .
وسمى الله النداء دعاء لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد . { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } ووصف زكريا نداءه لله بأنه دعاء فقال { وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } ووصف الله نداء زكريا بأنه دعاء فقال { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فالنداء في الأصل هو رفع الصوت بالدعاء، وقال في آخر ندائه { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء } .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ } { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } قال ïپ¥ " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه " . وكذلك نوح { إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا } وفي آية أخرى { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ } .
فكم من آية صريحة في النهي عن دعاء غير الله وقلوبكم لم تستجب . .

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:24 PM
أقوال السلف في اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية

وحال أكثر أهل الأرض خلط عبادة الله بعبادة غيره . . قال تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف 106 ] قال الطبري " وإيمانهم بالله هو قولهم : الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكا في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده ، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع .
قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك " وقال " الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك " وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه وخالقه ورازقه وهو يشرك به . . . ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
• وممن جاء بعدهم كابن قتيبة الذي ذكر الفطرة التي فطر الله الناس عليها ثم قال " فلست واجداً أحداً إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا إن سماه بغير اسمه ، أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه ، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا ، قال تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ( ) .
وقال العز بن عبد السلام " لا يمكن أن يقال: إنهم [ المشركين ] ، كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله ، لأنهم قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( ) .
وأكد ابن الجوزي أن "ما يقال عن الفلاسفة من جحد الخالق محال فإن أكثر القوم يثبتون الصانع " ( ) .
وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته إن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى واحتج بقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم . . . } ونقل عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي ، وأما الذين عبدوا الأصنام فلم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربا إلى الله تعالى ( ) .
• ومع هذا ظن من لم يعرف الجاهلية أن المشركين ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق وأنه لا خالق مع الله فلن يزالوا موحدين. مع أن الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق وحده هو إيمان فطري وتوحيد ناقص لا يصير به المشركون موحدين وإن اعتقدوا أن الله هو الخالق الرازق وحده . إذ لم يخالف أبو جهل ولا أبو لهب هذه الحقيقة .
فالمشركون يعتقدون أن آلهتهم لا تخلق لأنك لو سألتهم { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } { مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } فلم يقولوا : أصنامنا هي الخالقة .
ولهذا لم ينفعهم إذ أشركوا بالله أن يجيبوا بأن خالق الكون هو الله ، فان إبليس يعلم أن الله هو الخالق الرازق وحده وهذا بالطبع لا ينفعه.
وكانوا إذا مسهم الضـر في البحـر أو وقعوا في شدة لجأوا إلى الله : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
ولكن مشركي زماننا جمعوا بين الشرك والجهل المركب وصاروا بجهلهم أشد جاهلية من مشركي الأمس ، فتروي كتب تراجم الصوفية أنهم إذا مسهم الضر أو أصابهم كرب استغاثوا بغير الله ، قال النبهاني " وكان تجار اليمن يستغيثون بسيدي أبي الغيث الشحري اليمني أحد الأولياء في شدائد البحر ومضايق البر " ( ) . وهذا عين ما كان عليه شرك الجاهليين الأوائل ، قال ابن قتيبة في تفسير { وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ } " ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة ، ومنه دعاء الجاهلية ، وهو قولهم : يا آل فلان ، وإنما هو استغاثتهم " ( ) .
فكيف تعجب اليوم إذا قال قائل إن مشركي اليوم مع قولهم لا اله إلا الله أكثر شركا من مشركي الأمس ؟! فان لا اله إلا الله : كلمة الإخلاص ولا بد أن يوافقها عمل الإخلاص ولا ينفع مع عمل الشرك كلمة الإخلاص .
فالأحباش يقولون " من قال لا اله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء جالس على العرش فلا تنفعه وإن كان يقول لا اله إلا الله لأن الشهادة تنفع صاحبها إن كان يعتقد معناها : أما كثير من الناس اليوم تسمعهم يأتون بالشهادتين بألسنتهم لفظا وفي قلوبهم ما فيها من الاعتقادات الفاسدة " ( ) .
ونحن نقول ما يقوله الأحباش أن من كانت عقيدته قبورية فهو مخالف لأبي جهل بلفظ الشهادتين موافق له في عقيدته الفاسدة من حيث التعلق بالصالحين والتبرك بصورهم وقبورهم ، فلماذا يجوز لكم أن تخرجوا الموحد مع أنه يشهد أنه لا اله إلا الله ولا يحق لنا نحن ؟!
ولقد أخبر رسولنا ïپ¥ أن أقواما من هذه الأمة سيلحقون بالمشركين فقال ïپ¥ " لا تقوم الساعة حتى يلتحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان " ( ) . وقال " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة " وذو الخلصة صنم لدوس في جنوب جزيرة العرب كانوا يعبدونه في الجاهلية .
فهذان الحديثان رد على من يحتجون بحديث " وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي " والذي هو خاص بالصحابة ، أو يقال : إن النبي ïپ¥ لا يخاف أن يطبقوا على الشرك لأن الأمة لا تجمع على ضلالة ، وهذا ما يقتضيه الجمع بين الأحاديث .





الحبشي يجيز الاستعاذة بغير الله


والحبشي لا يجيز فقط الاستغاثة برسول الله ïپ¥ فحسب ، ولكنه يجيز الاستعاذة به ، وهذا شرك باتفاق العلماء ، فقد ذكر البيهقي أنه لا يجوز أن يستعاذ بمخلوق من مخلوق ( ) ، واحتج بقوله تعالى { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } واحتج الحافظ برواية عن النبي ïپ¥ " وإذا استعذت فاستعذ بالله " ( ) .
قال الحبشي " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً ولو قال قائل يا رسول الله المدد فهو عندهم صار كافرا " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " ( ) .
وإذا كان نبينا ïپ¥ لم يقر قول من قال " ما شاء الله وشئت " فقال له: أجعلتني لله ندا " وقال للمسيء خطبته "بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله " ونهى عن الحلف بغير الله فكيف يرضى أن يكون شريكا مع الله فيما خص به نفسه { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } .
إن هذا شرك يخالف إجماع المسلمين ويتعارض وقوله تعالى { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } [ فصلت 36 ] روى البخاري قول شيخه نعيم بن حماد: لا يستعاذ بمخلوق " ( ) واحتج أحمد بحديث خولة بنت حكيم أن رسول الله ïپ¥ قال " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق : لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " ( ) . قال الخطابي " كان أحمد يحتج بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيـذ بمخلوق " ( ) . وأكده المرداوي الحنبلي في الإنصاف (2/ 456).
قال ابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 401) " فهل سمعتم عالماً يجيز أن يقول الداعي : أعوذ بالكعبة من شر ما خلق ؟ هذا لا يقوله مسلم يعرف دين الله ، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه " ؟

الكلام على سند هذا الحديث
ثانياً : هذا الحديث جاء من روايتين : زيد بن الحباب وعفان ، غير أن زيادة (ورسوله) زائدة من رواية زيد بن الحباب تفرد بها عن عفان عن عاصم بن أبي النجود وهو صدوق كثير الخطأ كما قاله أحمد ( ) وإنما وثقوا رواية عفان. وبذلك لا تصح زيادة (ورسوله) لأن عفان رواه بدون هذه الزيادة وهو أوثق من زيد .
تنبيه مهم :
قد حسن شيخنا الألباني رواية الترمذي (سلسلة الضعيفة 3/373) وهي من طريق سفيان بن عيينة وليس من طريق عفان بن مسلم ومحمد بن مخلد الحضرمي. وطريق سفيان ليس فيها زيادة (ورسول الله) حسب رواية الترمذي (رقم 3273) فليُتنبه لذلك حتى لا يحتج بتحسين الألباني، ثم إن رواية أحمد عن عفان جاءت بدون زيادة (ورسول الله) وإنما الزيادة من طريق زيد بن الحباب ، قال الحافظ في التقريب (صدوق يخطئ في حديث الثوري) فرواية (أعوذ بالله) رواها حافظان ثقتان : عفان بن مسلم وسفيان بن عيينة . ورواية (أعوذ بالله ورسوله) جاءت من طريق محمد بن مخلد الحضرمي ، قال ابن أبى حاتم الرازي " سألت أبي عنه فقال " لا أعرفه " (الجرح والتعديل رقم 398) وقال الحافظ: ضعفه أبو الفتح الأزدي (لسان الميزان5/423 ميزان الاعتدال8150).
فظهر أن رواية الإمامين : عفان وسفيان (أعوذ بالله) هي المحفوظة . وأما رواية (ورسوله) منكرة أو شاذة والله أعلم .
ثالثاً : لو جازت الاستعاذة بغير الله لجاز الحلف بغيره .
رابعاً : أن مَن عَلم معنى الاستعاذة لا يمكن أن يقول بجوازها لغير الله. فإن معناها كما فسرها الشيخ مصطفى نجا: أعتصم وأتحصن وألتجئ إلى الله تعالى وألصق نفسي برحمته وفضله وكرمه( ). ولهذا قال الشعراني " ولو أن أحدا من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمَرَنا الله أن نستعيذ بمحمد ïپ¥ أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل"( ). فهل يجيز عاقل موحد الاستعاذة بغير الله لمجرد رواية ضعيفة يحتج بها من يحرمون عادة الاستدلال بغير المتواتر في مسائل العقيدة ؟

المستعيذ بغير الله موافق لمشركي العرب

فالحبشي قد وافقت عقيدته مشركي العرب إذ كانوا يستعيذون بسادة الجن من أذى قومهم { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجن 6] . قال مجاهد " كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً : نعوذ بعظيم هذا الوادي " .
فهل يجوز التعوذ بالإنس بينما يحرم التعوذ بالجن ؟
وهل يقول عاقل : يجوز لي أن أقول أعوذ برسول الله من النار. أعوذ برسول الله من شر ما خلق الله. أعوذ برسول الله من الجنة والناس أعوذ برسول الله من الضلالة ؟

هذا هو توحيد الحبشي !!!

هذا هو التوحيد الذي يدعوك إليه الحبشي : عِلم كلام واستغاثة واستعاذة بغير الله وتأويل للصفات ، يسميه "علم التوحيد" أو " علم الدين الضروري " ! هكذا يدس لك السم في الدسم
• ألم يذكر في كتابه (الدليل القويم 229) دعاء المكروب وفيه قول علي بن أبي طالب " لقنني رسول الله ïپ¥ هؤلاء الكلمات وأمرني إذا أصابني كرب أو شدة أن أقولهن : لا اله إلا الله الحليم الكريم سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم "( ). فلم يأمره إذا أصابه كرب ان يسأل غير الله أو يستغيث بأصحاب القبور وانما علمه اللجوء إلى الله وحده .
ألم يعترف بأن قول القائل (أغثني يا رسول الله) (أغثني يا رفاعي يا بدوي يا جيلاني) أمر غير مشروع ( ) فلماذا يدافع عنه في مواقف أخرى ويهاجم منكري الاستغاثة بغير الله ؟
لماذا يوجه المكروبين إلى القبور ؟ أيريد إكمال دور الفاطميين الذين ملأوا مساجدنا بالقبور والأضرحة والمزارات والعتبات ؟





كلمة حول الحلف بغير الله

وبمناسبة الكلام على الحلف بغير الله فالأحباش لا يرضونا اعتبار الحلف بغير الله شركا. قالوا " كان أحمد يعتبر من حلف برسول الله فحنث أن عليه كفارة كما أن الذي حلف بالله ثم حنث فعليه كفارة . ابن تيمية يجعل الحلف بغير الله شركا مطلقا. . . هذا مع أن المعروف في مذهب الإمام أحمد حرام " (منار الهدى 41/ 44) .
وقد كتموا وجود روايتين عن أحمد لا واحدة. فإنه في إحدى الروايتين عنه أنه تنعقد به اليمين .
ولماذا التركيز على إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم انعقاد اليمين هو قول الجمهور ؟ أهو رغبة في التشويش أم ميلا مع الهوى وعدم إعطاء الحق أولوية!
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ïپ¥ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " ( ) . أنتم تتمسكون في أن لفظ ( لا ينبغي ) لا يفيد التحريم . فماذا تقولون في لفظ ( ينهاكم ) ؟
والحلف بغير الله كأن يقول : والله وحياتك ( ) .
قال أبو حنيفة " لا يحلف إلا بالتوحيد متجرداً بالتوحيد والإخلاص " ( ) .
وقال ابن نجيم الحنفي " ويُخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك " ( ) "قال ابن مسعود " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقا " ( ) . ومعنى هذا أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق . وأن سيئة الشرك أعظم وأقبح من سيئة الكذب .
قال !الحافظ " قال العلماء : السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه ، والعظمة في الحقيقة إثما هي لله وحده " .
وإن من قواعد العقيدة الإسلامية سد كل باب يوصل إلى الشرك أو ينقص كمال التوحيد ، ولهذا جاء النهي عن كل فعل أو قول يوقع في الشرك الأكبر أو الأصغر وإن لم يقصد صاحبه ذلك. وجاء النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وصوم يوم السبت .
والسؤال : هل الحلف بالله شرك أم لا ؟ هل الشرك مكروه أم محرم ؟ هل الكذب مكروه ؟ أيهما أعظم : الشرك أم الكذب ؟
قال تعالى { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [!لأنعام 151].
وكيف يكون الحلف بغير الله مكروها وقد قال رسول الله ïپ¥ " من حلف بغير الله فقد كفر" " فقد أشرك". قال الحافظ " تمسك به من قال بتحريم ذلك " ( )
فليس هناك شرك أو كفر مكروه فعله. بل الكفر والشرك محرم سواء كان شركا أصغر أم أكبر. مع أن الاعتقاد أن الحلف بغير الله شركا أصغر كما نص عليه ابن القيم ( ) .
وقد أثبت البخاري أن الحلف بغير الله كفر دون كفر. وأما الترمذي فلم ينكر الترمذي أنه شرك و قرن الحلف بالرياء مع أنه ترجم له بالكراهة كقوله تعالى { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } .
وليس من الإنصاف ترك ألفاظ الرسول ïپ¥ والتمسك بألفاظ غيره .
وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الحلف بغير الله .
وأما قول النبي ïپ¥ " أفلح وأبيه " فقد أجاب عنها جمع من العلماء منهم النووي :
فقد ذهب الحافظ ابن عبد البر إلى أن هذه اللفظة منسوخة لنهي الرسول ïپ¥ عن الحلف بغير الله . وهذا الذي ذهب إليه الماوردي وحكاه البيهقي وقال السكبى : أكثر الشراح عليه وهو الذي قاله الطحاوي (انظر فتح الباري 11 / 534) .
وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف بالمخلوقات ، وقد قال رسول الله ïپ¥ " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهل هذا أمر استحباب أم أمر وجوب ؟ فان قيل : ( استحباب ) قلنا: كيف يقول ( ليصمت) ثم هو يحلف بغير الله ؟ فلا يبقى إلا ما قاله النووي أن هذا ما كانت تستعمله العرب كقول النبي ( ثكلتك أمك ) .

مسألة التميمة

أما التميمة فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بتحريم التمائم عموما بلا استثناء والوعيد لمن فعل ذلك. فعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله ïپ¥ يقول " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ( ) .
وقال أيضا " من علق تميمة فقد أشرك" ( ) .
وقال " من تعلق تميمة فلا أتم الله له " ( ) .
وأما إذا كان المعلق من القران والأدعية والأذكار الصحيحة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال :
الأول : جواز ذلك . قالوا : إن التعليق الجائز هو ما كان بعد نزول البلاء ، أما قبل نزوله فلا يجوز . قال بهذا عائشة " ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء " وفي رواية " التمائم ما علق قبل نزول البلاء وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة " ( ) .
وقال مالك " أرى ذلك من العين " ( ) .
الثاني : جواز تعليق التمائم مطلقاً إذا كان كانت بكلام الله وهو رواية ثانية عن مالك .
الثالث : المنع مطلقا واليه ذهب ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وعقبة بن عامر وعبد الله بن عكيم وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ورواية لأحمد .
أدلتهم : عموم النهي الوارد من غير استثناء . قالوا : ولو كان تعليق التمائم مشروعا لاستثناه النبي ïپ¥ كما استثنى الرقية حين قال " اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " ( ) .
فرخص فيما لم يكن فيه شرك ، ولم يرد مثل هذا التفصيل في التمائم.
وحتى استثناء الرقى فإنه جاء مقروناً بعرضها ومتابعتها لاحتمال تلبيسها بالباطل من قبل الزائغين الذين يستدرجون العوام إلى الشرك .





موقفه من حديث
" إذا سألت فاسأل الله "

قال الحبشي " فإن قيل : أليس في حديث ابن عباس " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " ما يدل على عدم جواز التوسل بغير الله ؟ قال : فالجواب أن الحديث لا يعني تحريم سؤال غير الله والاستعانة ( ) بغير الله ، وإنما يفيد أن الأولى أن يسأل الله ويستعان الله .
قال: وهذا نظير قوله ïپ¥ " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " فكما لا يفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم إطعام غير التقي وإنما يفهم منه إن الأولى بالصحبة المؤمن وبالإطعام التقي فكذلك يفهم من حديث ابن عباس ، الأولوية .
كما أن رسول الله ïپ¥ لم يقل : لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله ، أليس هناك فرق بين أن يقال لا تسأل غير الله وبين أن يقال إذا سألت فاسأل الله " ( ) انتهى.
و الجواب :
إن لم يقله محمد ïپ¥ فقد قاله رب محمد { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وفهم السلف أن " اسأل الله " تعني عدم سؤال غيره ولهذا لم يثبت بسند صحيح أنهم كانوا يسألون غير الله ، وإنما ثبت العكس بالسند الصحيح ، قال سالم بن عبد الله " لا تسأل أحداً غير الله " ( ) .
بل قاله محمد ïپ¥ " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له الجنة " ( ) . فإذا كان رسول الله ïپ¥ يكره أن يسأل الحي حيا مثله - وهذا ليس محرماً - فأين شرع أن يسأل الحي ميتاً ؟!
فأنتم شر ممن يسأل الأحياء يشحذ منهم لأنكم تتسولون من الأموات !
• قال نبينا ïپ¥ ما لا تهواه نفسك الأمّـارة بالشرك " من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار " ( ) .
• أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف ، ولذلك نص الحافظ ابن رجب على أن قوله ïپ¥ " إذا سألتَ فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال : لأن الدعاء هو العبادة ، وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر 60 ] ( ).
وسبق احتجاج السبكي في فتاويه (1/13) بالآية على عدم جواز الاستعانة بغير الله . وإذا كان كذلك فهذه أكبر قرينة على التحريم .
• وما زعمه الحبشي أن قول النبي ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " ليس معناه : لا تسأل غير الله . وإنما معناه الأفضل أن لا تسأل غير الله . إنما هو تحريف واضح .
فإذا كان الأمر كما يقول : فقد ضاع المراد من الكلام. إذ ما قيمة الكلام إن كان المعنى ( إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره ) فقد كان الأولى بالرسول ïپ¥ حينئذ أن يقول : إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره . وإنما يكون للكلام معنى إذا فهم منه تخصيص الله بالسؤال دون غيره .
• أن قوله تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] يؤكد أن قوله " إذا سألت فاسأل الله " يفيد وجوب سؤال الله وحده فيما لا يقدر عليه غيره ، وليس مجرد الكراهة . لأن الدعاء عند الرسول عبادة ، ولأن سؤال الله وحده حق وسؤال غيره باطل كما قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } [الحج 62] فهذا الباطل محرم وليس مكروهاً فقط . قال تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والله أمر الرسول ïپ¥ أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } .
وقال { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } لماذا { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فتأمل الآية : كيف نهى الله عن دعاء غيره لأنه لا إله إلا هو. فمن في دعا غيره وخالف أول الآية { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } فقد نقض آخرها { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فهل هذا النقض مكروه أم محرم ؟
• ولنضرب لذلك مثالا يوضح مخالفة هؤلاء للشرع والعقل: أنت تعلم أن زيدا غني يملك أموالاً كثيرة وقد عرض عليك إذا احتجت شيئا أن تأتيه ليعطيك ما تريد فقال لك : سلني ما شئت من مال فإني أعطيك. لكنك مع حاجتك للمال وعلمك بأن زيدا يملكه لم تذهب إليه. بل ذهبت إلى عمرو وهو رجل فقير لا يملك مالا، فقلت له أعطني مالا يا عمرو فقال لك : إذا سألت فاسأل زيدا فإني لا أملك لك مما عند زيد شيئا. فامتنعت من الذهاب إلى زيد وأصررت على الأخذ من عمرو ما ليس عنده ، فكم تكون غبيا معاندا إذا أصررت على أن تسأل عمروا ما ليس عنده باعترافه ، أو تصر عليه أن يطلب لك مالا من زيد وقد قال لك زيد وعمرو : عليك أن تسأل زيدا فقط ؟

( فائــدة )
• وقد بايع النبي ïپ¥ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا قط منهم أبو بكر وأبو ذر وثوبان ، فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فينزل عن دابته ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه. وهذا لا يستطيعه كل واحد، لذا أسر النبي به إلى بعضهم بخلاف قوله " إذا سألت فاسأل الله " فإنه لم يسره فهو بذلك عام وملزم للجميع .
• وإذا كان " من لم يسأل الله يغضب عليه " ( ) فكيف بمن يسأل غيره ويبتهل إلى الأموات ويلح عليهم بالدعاء ؟ هل يعرف مثل هذا طعم التوحيد ؟! فهذه مبادئ التوحيد عند الحبشي ، يزعمون أن عندهم علم التوحيد الضروري ، فإذا جاءهم من يطلب التوحيد : علموه الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وطلب المدد من أصحاب الأضرحة . هكذا يضعون السم في الدسم .
أتدعون قبرا وتذرون أحسن الخالقين !
أتستبدلون الذي هو أدنى (القبر) بالذي هو خير ( الله ) ؟
واعجب ممن خرج من القبر كيف يطيب نفساً بالرجوع إليه !

من أسباب زيارة القبور الدعاء لأهلها
ولقد علمنا رسول الله ïپ¥ أن نزور القبور لندعو لأصحابها بالرحمة والمغفرة لا لنطلب منهم . ولم يشرع لنا دعاء الأموات لحصول المنفعة منهم. بل قد وعد هو أن يشفع لمن يدعو الله له ، ولم يَعِدْ بإجابة من يسأله بعد موته .
وحدّد أسباب زيارة القبور بسببين :
ïپ¶ للدعاء للأموات .
ïپ¶ لتذكر الآخرة .
أما ثالثتكم من تبرك واستغاثة وطلب للترياق عند الأضرحة بما تسمونه " ترياقاً مجرباً " فهو ïپ¥ بريء من ذلك .

المخالفون للطحاوي

• قال الطحاوي " وفي دعاء الأحياء منفعة للأموات ". ثم قال بعدها مباشرة " والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ( ) .
فنبه إلى أن أصحاب القبور ينتظرون من الأحياء الدعاء لهم وأن على الأحياء أن يتوجهوا إلى الله وحده في قضاء حوائجهم. لكن الأمر انقلب اليوم ، فقلب أهل الزيغ عبارة الطحاوي حتى صارت هكذا " وفي دعاء الأموات منفعة للأحياء " فصار دعاء الأموات منفعة للأحياء ، وصار الحي يذهب إلى الميت ليطلب منه الدعاء لا ليدعو له .
فما أبعد الحبشي عن هدي نبينا ïپ¥ وعن قول الطحاوي الذي شرح عقيدته على منهج جهم بن صفوان ، ولم يستفد من كلامه ، حتى قلب قوله فصار في طلب الدعاء من الأموات منفعة للأحياء ، وكأن غير الله أقرب إليهم وأسرع إجابة وأعظم رحمة !
إن دعاء المؤمن لأخيه وقضاء حاجته هو إيمان وعمل صالح ، فهل يقول الملك للولي في القبر : آمين ولك بمثل ما دعوت لأخيك ؟ وهل يكتب للميت عمل صالح لقضائه حاجة الحي مع أن العمل ينقطع بالموت ؟

منكرو العلو يستبدلون السماء بالأرض
لقد صرف الله قلوب الذين أنكروا علوه في السماء إلى أسفل سافلين ، فتوجهوا بالدعاء إلى أعماق الأرض حيث الموتى . وصارت آمالهم متعلقة هناك بعدما انتكست فِطَرُهُم فصرفهم الله عن التوجه إليه { صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } [ التوبة 127] . يدعون الأموات : ويدعون الحي الذي لا يموت !!!
الصد عن سؤال الله والحض على دعاء غيره

لما دعوا غير الله أعرضوا عن دعاء الله وحده ، بل جعلوا من علامات الصوفي الحقيقي " أن لا يكون له إلى الله حاجة " " وأن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ به من النار " ( ) . وجعلوا سؤال الله أقل المنازل ، وترْك سؤاله أعظمها ، فزعم القشيري أن " ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء ، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك" وزعم أن عبد الله بن المبارك قال " ما دعوت الله منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد " ( ) .
واعتبروا ترك دعاء الله من تمام الرضا بالله - ولم يعتبروا الصلاة كذلك مع أنها دعاء - فقال قائلهم " الرضا أنه لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضياً " وقال رويم " الرضا أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره " .
وزعم شيخهم أحمد الرفاعي أنه " لما وضع المنشار على رأس زكريا عليه السلام أراد أن يستغيث الله فعاتبه الله وقال " ألا ترضى بحكمي ؟ فسكت حتى قطع نصفين " ( ) . وزعم آخر أن إبراهيم قال حين ألقي في النار " علمه بحالي يغنيه عن سؤالي ". بمثل هذه الأكاذيب صرفوا الناس عن دعاء الله : وإذا دعي الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا دعي الذين من دونه إذا هم يستبشرون ( ) !



النقشبنديون يستغيثون بالكلاب والحرباء
بئس للظالمين بدلا

فصرفهم عن دعائه ووجههم إلى الحيوانات ليستغيثوا بها .
وقد ذكروا عن شيخ الطريقة النقشبندية بهاء الدين نقشبند أن شيخه علمه أن يطلب المدد من كلاب الحضرة النقشبنيدة ويخدمهم بإخلاص وأنه اجتمع مرة بكلب وحرباء ، فحل له من لقائهما بكاء عظيم وسمع لهما تأوهاً وحنيناً فاستلقى كلٌ منهما على ظهره ورفع الكلب قوائمه الأربع إلى السماء وأخذ يدعو الله ، وكذلك فعلت الحرباء ، والشيخ واقفٌ يبكي وهو يقول آمين ، يؤمن على دعاء الكب والحرباء ( ) .
فأي درك وصل إليه هؤلاء أن يستغيثوا بالكلاب والحرباء ويوصيهم مشايخهم بطلب المدد من كلاب الحضرة الصوفية ! وتأمله وهو يقول : مدد يا سيدي كلب!
ما هذه العقيدة : أموات قائمون في قبورهم على نفس كل مريد بما كسبت ، وكلاب وحرباء : الله خير أما يشركون ؟ !
وماذا لو عرضت هذه الخزعبلات على هندوسي يريد اعتناق الإسلام ثم هو يرى هؤلاء يطلبون المدد من الكلاب كما يطلب الهندوس المدد من البقر : هل يعتنق الإسلام ؟!

الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

كيف يكيل الأشاعرة بمكيالين
تناقض الأحباش في تخريج هذه الرواية .
شبهات أخرى حول الاستغاثة بغير الله .
ماذا بعد الاستغاثة بالنبي ïپ¥
كيف نفهم التوحيد







الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

واحتجوا بأن ابن عمر خدرت رجله فقيل له " أذكر أحب الناس إليك ، فقال " يا محمد " وزعم نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد ( ) . وهو مطالب بإثبات المخطوطة التي تثبت يا النداء من الكتاب المذكور.
وقد ذكر الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الرواية وضبطها بدون ياء النداء وهذا الموافق لرواية سفيان ، وطبع كتابه بدار نشر حبشية، ولكن بتحقيق شيخ حبشي اسمه أسامة السيد اضطر إلى التعقيب على ذلك ( ) .
على أنني رجعت إلى النسخ المطبوعة والمحققة لكتاب " الأدب المفرد" وأهمها نسخة " فضل الله الصمد " التي قورنت بمخطوطات عديدة ولم يجد المحقق لفظ النداء ، وحتى وجودها في بعض النسخ دون الأخرى يبطل الاحتجاج بها لاحتمال عدم ورودها في الأصل . وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فلا سندها مقطوع بصحته ولا ثبوت لفظ (يا) مقطوع بصحته .
فهاهنا إشكالات حول أصل مصداقية الرواية لا يجوز تجاوزها ، عليكم الإجابة عنها : فان تجاوزتموها وقعتم في مشاكل أخرى :
1) التحقق من النسخة المخطوطة .
2) صحة السند إلى ابن عمر. وأن يكون متواترا بحسب الاشتراط الأشعري لقبول الرواية في العقائد .
3) أن هناك روايتين متضادتين إحداهما متضمنة لياء النداء والأخرى لا تتضمنها فيجب الترجيح بين الروايتين قبل المسارعة إلى الاحتجاج بواحدة منهما.
4) مخالفة هذه الرواية للقرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وللسنة " إذا سألت فاسأل الله ". بل ولقول الصحابة قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " لا تسأل أحدا غير الله " ( ) .
وقول الصحابي وفعله يجب أن يكون مقيدا بموافقة قول الله ورسوله ïپ¥ فإن خالفت هذين الأصلين وجب تركها ، وقد قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق " أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ". فلا نترك كتاب الله وسنة رسوله وفعل جمهور الصحابة لفعل فرد منهم ، هذا إذا ثبت ذلك عنه بسند صحيح .
5) هب أن ( يا ) دعاء لغير الله فماذا قال رب ابن عمر ورسول ابن عمر وابن عبد الله بن عمر ؟
لقد قال تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } . وقال النبي ïپ¥ لابن عمر " إذا سألت فاسأل الله " وقال " الدعاء هو العبادة " وهذه الآيات والأحاديث أصح سندا من رواية ابن عمر.
ولا يترك قول الله ورسوله لقول ابن عمر إلا متحيز عديم الإنصاف مفضل لكلام غير الله ورسوله على كلام الله ورسوله.
ومثل هذه الرواية إن صحت يجعلها الله فتنة للذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ولا ليهديهم سبيلا .
6) مخالفة الرواية لعمل جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته وتوسلوا بعمه ، حيث أصيب المسلمون في عهده بالقحط والجدب ، فلو جاز الاستغاثة بالنبيïپ¥ لمجرد خدر الرجل فالاستغاثة به عند وقوع المجاعة أولى ، ولو كانت الاستغاثة عند الصحابة جائزة لأجازوا التوسل به ïپ¥ . غير أن الثابت عند البخاري أنهم تركوا التوسل به بعد موته. ثبت ذلك بأدلة أصح إسنادا من الأسانيد المشكلة التي تتمسكون بها وأوضح متونا منها.
فكيف يترك الصحابة التوسل ويجيزون الاستغاثة ؟ وكيف تكون الاستغاثة به بعد موته جائزة عندهم وهم لم يجيزوا لأنفسهم التوسل به بعد موته وهو دون الاستغاثة !
7) أن ابن عمر أصيب بالعمى ولم يعرف عنه أنه استغاث بالنبي ïپ¥ فكيف يستغيث بالنبي لمجرد خدر الرجل ولا يستغيث به لما هو أعظم من خدر الرجل وهو ذهاب البصر، لو كانت الاستغاثة به جائزة لفعل .

تذكر المحبوب عند خدر الرجل
8) أن الرجل قال لابن عمر " أذكر أحب الناس إليك " فأمره بتذكره ولم يقل له : استغث بأحب الناس إليك . فقال " محمد " أو " يا محمد " أي يا محمد أنت أحب الناس إليَّ ، فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه . وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله .
ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء ، فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله ، وإنما كان شرح ابن علان للرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم كما سيأتي .

كيف فهم أهل العلم هذه الرواية

فذكر الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب ، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب ، ويطلب به استحضار المنادى في القلب ، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل ، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به وإنما كما قال ابن علان "من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر ( ) .
وروى ابن السني قول الوليد بن عبد الملك في حبابة :
أثيبى مُغرماً كلفاً محباً إذا خدرت له رجل دعاك ( )
وقول جميل لبثينة :
وأنت لعيني قرة حين نلتقي
وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي
وقول الموصلي :
والله ما خدرت رجلي وما عثرت
إلا ذكرتك حتى يذهب الخَدَرُ
وقال أبو العتاهية :
وتخدر في بعض الأحايين رجله
فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر
وقول آخر:
صبّ محبّ إذا ما رِجلُهُ خدرَت
نادىَ كُبَيْشَةَ حتى يذهب الخدر
وقالت امرأة :
إذا خدرت رجلي دعوت ابنَ مُصعب
فإن قلت : عبد الله أجلى فتورها
فإن كان هذا العمل صحيحاً فقد صححتم الجاهلية وزعمتم أن كل مشرك استغاث بحبيبته أغاثه حبيبه وان الله يرضى لجميل استغاثته ببثينة ، وهذا قمة الجهل المركب .

هل ( يا محمد ) لمجرد النداء ؟


أما زعمهم أننا نكفر المسلم الموحد لقوله ( يا محمد ) لمجرد النداء. فان الأنبياء كانوا ينهون عن دعاء غير الله كقول إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } وقصدهم الدعاء الديني الذي يدعى فيه غير الله لكشف ضر أو جلب نفع بدعوى التقرب بالولي إلى الله . ونحن إذ نتكلم عن الدعاء فإنما نعني به هذا ، لا مجرد دعاء الزوجة بإحضار الطعام ! فسحقا لمن يعتمد التمويه والتلبيس ليضل الناس بغير علم.
ونحن نشهد أن استعمال (يا) لمجرد النداء لا شرك فيه، وهو شبيه بقول المصلي " السلام عليك أيها النبي " أو للندبة كقول فاطمة رضي الله عنها لما مات رسول الله ïپ¥ : يا أبتاه : أجاب ربا دعاه، يا أبتاه : جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . وقول أبي بكر له لما مات: بأبي أنت وأمي "يا" رسول الله . وكقول رسول الله ïپ¥ إذا سافر فأقبل الليل : يا أرض ربي وربك الله " .
فأنتم تعلمون أن النزاع معكم ليس في هذا ، وإنما في النداء المتضمن طلب دفع الكرب وقضاء الحوائج ، وهو الذي ننكره عليكم ، أما أن يكون كل نداء لمجرد النداء محرم وكفر عندنا : فان الله استعمل ( يا ) المنادى في حق محمد ïپ¥ لمجرد النداء ، فإنه يقول له حين يسجد تحت العرش " يا محمد ارفع رأسك . . . " فهذا نداء لا نحرمه . ولا نحرم أن يقول القائل ( يا محمد صلى الله عليك ) وإنما نحرم نداء قضاء الحوائج وكشف الضر.
ياؤكم ليست لمجرد النداء
ولكن : هل حقا (ياؤكم) لمجرد النداء أم لحاجة ، تريدون من غير الله قضاءها ، وضر تريدون كشفه، ومدد تريدون مدكم به كقولكم : المدد يا رفاعي شيء لله يا جيلاني اقضً حاجتي ، لا تردنا خائبين ، نشكوا إليك حالنا تعطف تكرم تلطف تحنن !
ونداء غير الله لدفع مضرة أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء ، والدعاء عبادة ، وعبادة غير الله شرك يؤدي إلى سخط الله ، قد شهد بذلك شيخكم الرفاعي حين ذكر في كتاب " حالة أهل الحقيقة مع الله ص 92 " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال : أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ فلماذا يغضب الرب ؟ أليس لأن الاستغاثة بغيره شرك به .

تغيير الصحابة ( أيها النبي)
في التشهد بعد موته إلى (النبي)

وحتى مجرد النداء الذي ليس فيه استغاثة بالنبي ïپ¥ قد تركه العديد من الصحابة، فقد ذكر ابن مسعود صيغة التشهد " السلام عليك أيها النبي... " ثم قال (وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا: السلام . يعنى: على النبي ïپ¥ " (البخاري رقم 6265). وهم لا يغيرون شيئا علمهم ïپ¥ إياه كما كان يعلمهم الصلاة إلا بتعليم منه ïپ¥ .
قال الحافظ ابن حجر " وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون ( السلام عليك أيها النبي " بكاف الخطاب في حياة النبي ïپ¥ فلما مات النبي تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون ( السلام على النبي ) ( ) . قال " وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ " فلما قبض قلنا السلام على النبي " بحذف لفظ (يعني) .
قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده " إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي ïپ¥ غير واجب فيقال : السلام على النبي " فتعقب ابن حجر السبكى فقال " قد صح بلا ريب. وقد وجدت له متابعا قويا: قال عبد الرزاق " أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ïپ¥ حي " السلام عليك أيها النبي. فلما مات قالوا: السلام على النبي " ( الفتح 2/ 314 ) كتاب الآذان : باب التشهد في الآخرة .
وقد حكى الزبيدي هذه العبارة عن الحافظ ابن حجر كاملة كما في إتحافه (3/ 161) فخذوه حيث حافظ عليه نص.
فهلا أجبتمونا عن سبب تركهم التوسل به بعد موته وتغيير صيغة السلام عليه ؟ . إن هذا يؤكد تقيد الصحابة في الألفاظ : فإذا كانوا تركوا لفظ الخطاب وهو دعاء له ïپ¥ . فكيف يتلفظون بخطاب فيه دعاء إليه مع الله ؟ هذا مع عدم التسليم بأن السلام عليه دليل على الاستغاثة به ، فإنه كان يسلم على أموات المسلمين بهذا السلام وليس كل المسلمين أحياء في قبورهم يصلون كما هو الحال مع الأنبياء !

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:24 PM
كيف نفهم التوحيد

ومن الشرك الذي يفوق شرك أهل الشرك القدامى ما يرويه الصيادي عن علي بن عثمان خليفة الرفاعي أنه قال : " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلىَّ سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخلة لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
ويروي النبهاني أن الشيخ جاكير الكردي كان يقول للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " فكانوا في مركب فهبت الريح بهم وتلاطمت الأمواج فاستقبلوا العراق جهة مكان الشيخ ونادوه باسمه فسكنت الريح . فشعر الشيخ باستغاثتهم به فأشار بكمه إلى الجنوب فهبت ريح طيبة وأوصلتهم إلى البر ( ) .
وذكر النبهاني أن تجار اليمن كانوا يستغيثون بأبي الغيث اليمني في شدائد البحر ومضايق البر ( ) .
بعد هذا ينكر الأحباش على مؤلف كتاب " كيف نفهم التوحيد " قوله إن أبا جهل أكثر توحيداً من الذين يقولون لا إله إلا الله في زماننا ، وقد اقتطعوا كلامه ، ولم يكملوا عبارته التي ذكر فيها أنه كان في مركب وهبت بهم الريح فصار الناس يستغيثون بالجيلاني بدلاً من التوجه إلى الله القائل { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ويقول { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } فأولئك دعوه مخلصين له الدين ، وهؤلاء دعوا الجيلاني فأي الفريقين على التوحيد ؟!














لا تتبعوا خطوات الشيطان

هؤلاء المجادلون المشوشون يبدءون تشويشهم خطوة خطوة :
المرحلة الأولى : ما المانع من التوسل بالنبي ïپ¥ إلى الله .
المرحلة الثانية : ما الفرق بين النبي وبين الصحابي والتابعي ؟
المرحلة الثالثة : ما الفرق بين الصحابة وبين الأولياء ؟
المرحلة الرابعة : تعلمون أن النبي ïپ¥ حيٌ في قبره ، إذن فهو يسمع كلامنا وقد أوكل الله له ملكاً يسمعه كلامنا فلماذا لا نستغيث به وهو المقرب إلى الله صاحب الجاه عنده ؟
المرحلة الخامسة : أليس ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ؟ إذن فهؤلاء الأولياء مكرَّمونا في قبورهم لهم من الأحوال ما للأنبياء فلماذا لا نستغيث بهم .
وهكذا خطوات تدريجية نحو الشرك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } .

مراتب الأولياء وخصائصهم

• ونسب منحرفو الصوفية إلى الأولياء ما لم يخطر ببال المشركين الأوائل ، فجعلوا السموات والأرض تقوم بهم:
فالنقباء ثلاثمائة : وهم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المُكوِّن ومسكنهم المغرب .
والأبدال أربعون : " الأبدال " ومسكنهم الشام .
والأخيار سبعة : وهم السياحون في الأرض .
والأوتاد أربعة : موزعون على أربع زوايا من الكون ليكونوا ركناً له . فهؤلاء هم الذين يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع .
والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها .
والنقباء مشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر .
والحواريون اثنان : وكان منهم في زمن الرسول ïپ¥ الزبير.
والقطب أو الغوث : ويكون واحداً وهو القائم بحق الكون والمكون . وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد ، بيده قسطاس الفيض الأعظم ... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل " ( ) .
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . وأجبتم قوله تعالى { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } فقلتم : يمسكها القطب والبدل والوتد والنجب... الخ .
كيف يكون لهؤلاء هذا التصرف المزعوم ، وقد قال سيد ولد آدم ïپ¥ " لا أملك لكم من الله شيئاً " . إن سموم عقائد الأمم الأخرى قد دست بين المسلمين وتسرب إليهم كثير من عقائد الشيعة فيجب مجاهدة هذه السموم حتى ينصرنا الله.


كيف نفهم التوحيد

ومن الشرك الذي يفوق شرك أهل الشرك القدامى ما يرويه الصيادي عن علي بن عثمان خليفة الرفاعي أنه قال : " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلىَّ سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخلة لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
ويروي النبهاني أن الشيخ جاكير الكردي كان يقول للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " فكانوا في مركب فهبت الريح بهم وتلاطمت الأمواج فاستقبلوا العراق جهة مكان الشيخ ونادوه باسمه فسكنت الريح . فشعر الشيخ باستغاثتهم به فأشار بكمه إلى الجنوب فهبت ريح طيبة وأوصلتهم إلى البر ( ) .
وذكر النبهاني أن تجار اليمن كانوا يستغيثون بأبي الغيث اليمني في شدائد البحر ومضايق البر ( ) .
بعد هذا ينكر الأحباش على مؤلف كتاب " كيف نفهم التوحيد " قوله إن أبا جهل أكثر توحيداً من الذين يقولون لا إله إلا الله في زماننا ، وقد اقتطعوا كلامه ، ولم يكملوا عبارته التي ذكر فيها أنه كان في مركب وهبت بهم الريح فصار الناس يستغيثون بالجيلاني بدلاً من التوجه إلى الله القائل { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ويقول { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } فأولئك دعوه مخلصين له الدين ، وهؤلاء دعوا الجيلاني فأي الفريقين على التوحيد ؟!














لا تتبعوا خطوات الشيطان

هؤلاء المجادلون المشوشون يبدءون تشويشهم خطوة خطوة :
المرحلة الأولى : ما المانع من التوسل بالنبي ïپ¥ إلى الله .
المرحلة الثانية : ما الفرق بين النبي وبين الصحابي والتابعي ؟
المرحلة الثالثة : ما الفرق بين الصحابة وبين الأولياء ؟
المرحلة الرابعة : تعلمون أن النبي ïپ¥ حيٌ في قبره ، إذن فهو يسمع كلامنا وقد أوكل الله له ملكاً يسمعه كلامنا فلماذا لا نستغيث به وهو المقرب إلى الله صاحب الجاه عنده ؟
المرحلة الخامسة : أليس ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ؟ إذن فهؤلاء الأولياء مكرَّمونا في قبورهم لهم من الأحوال ما للأنبياء فلماذا لا نستغيث بهم .
وهكذا خطوات تدريجية نحو الشرك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } .

مراتب الأولياء وخصائصهم

• ونسب منحرفو الصوفية إلى الأولياء ما لم يخطر ببال المشركين الأوائل ، فجعلوا السموات والأرض تقوم بهم:
فالنقباء ثلاثمائة : وهم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المُكوِّن ومسكنهم المغرب .
والأبدال أربعون : " الأبدال " ومسكنهم الشام .
والأخيار سبعة : وهم السياحون في الأرض .
والأوتاد أربعة : موزعون على أربع زوايا من الكون ليكونوا ركناً له . فهؤلاء هم الذين يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع .
والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها .
والنقباء مشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر .
والحواريون اثنان : وكان منهم في زمن الرسول ïپ¥ الزبير.
والقطب أو الغوث : ويكون واحداً وهو القائم بحق الكون والمكون . وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد ، بيده قسطاس الفيض الأعظم ... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل " ( ) .
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . وأجبتم قوله تعالى { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } فقلتم : يمسكها القطب والبدل والوتد والنجب... الخ .
كيف يكون لهؤلاء هذا التصرف المزعوم ، وقد قال سيد ولد آدم ïپ¥ " لا أملك لكم من الله شيئاً " . إن سموم عقائد الأمم الأخرى قد دست بين المسلمين وتسرب إليهم كثير من عقائد الشيعة فيجب مجاهدة هذه السموم حتى ينصرنا الله.

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:25 PM
أقسام التوحيد بين السلف والمتكلمين

وقد اعترض الحبشي على تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات واعتبر ذلك بدعة لا دليل عليها ( ) .
ووصف كاتب حاقد تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات بأنه مشابهة لعقيدة الثالوث عند النصارى .

• الجواب الأول
• إذا كان تقسيم التوحيد عند أمثال هذا كالثالوث : فما الفرق بينه وبين ثالوث أهل الكلام الأشاعرة الذين قسموا التوحيد إلى :
- واحد في ذاته لا قسيم له .
- واحد في صفاته لا شبيه له .
- واحد في أفعاله لا شريك له .
• أن دليلنا على تقسيم التوحيد هو نفس دليلكم في تقسيم الكفر والتوحيد إلي ثلاثة أقسام وعلى تقسيم البدعة ، حيث حسّن الحبشي ما ذمه النبي ïپ¥ بقوله " كل بدعة ضلالة " وجزّاً ما لم يقبل التجزئة .
- أما تقسيمكم للكفر فقد جاء في مجلتكم (منار الهدى 2/16 و 39) ما نصه " وهؤلاء فقهاء الإسلام الذين قسّموا الكفر إلى ثلاثة أقسام أخذوا ذلك مما فهموا من القرآن ". وذلك رداً على من طالب الحبشي بالدليل على تقسيم الكفر إلى ثلاثة أقسام .
- وأما تقسيم شيخكم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فهو مبنيٌ على طريقة الفلاسفة كابن سينا والفارابي ( ) ويتفق تماماً مع تقسيم المعتزلة كما نجده عند القاضي عبد الجبار المعتزلي وبنفس اللفظ ( ) .
حيث يقسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
• واحد في ذاته لا قسيم له ، بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة . وفسّره بمعنى (الأحد) الذي لا ينقسم ( ) , وهو من تعبير الفلاسفة كقول الفيلسوف الكندي " ولا ينقسم الله بنوع من أنواع التكثر " ( ). ( ) ولفظ (الأحد) مفهوم عند العامة والخاصة ، ولكن جاء المؤولة أهل الكلام واصطلحوا على معنى خفي لهذا اللفظ وهو: الذات المجردة عن الصفات
• واحد في صفاته لا شبيه له . بمعنى نفي النظير عنه في ذاته ( ) .
• واحد في أفعاله لا شريك له . بمعنى نفي المساهم في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات ( ) . ( ) .
وليس في شيء من هذه الأقسام الثلاثة تطرقٌ إلى التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه : وهو توحيد الله في الدعاء والعبادة والذبح والنذر { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } (مريم 48) { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن 18) ولهذا نجد عندهم شرك دعاء غير الله على النحو الذي كان عليه أهل الجاهلية من نذر وذبح للأولياء وللأضرحة ، مع زعمهم أنهم قرروا التوحيد بهذه الأقسام الثلاثة .
فهذه التعابير محدثة لم ينطق بها السلف ولا يستسيغها الناس لا لصعوبتها وإنما لعُجْمَة لكنتها ولأنها من عند الفلاسفة والمتكلمين الذين هم أكثر الناس مرضاً وشكاً في الله على حد قول الغزالي القائل " إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً ومشرف على الزوال بكل شبهة " (الإحياء 1: 94) وقال أيضاً في (فيصل التفرقة 153) " فَقِسْ عقيدة العامِيّ بعقيدة المتكلمين والمجادلين تجد اعتقاد العامّيّ في الثبات كالطوْد الشامخ لا تُحركه الدواهي والصواعق " .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله " والأحد هو الواحد في ألوهيته وربوبيته . وفسره أهل الكلام بما لا يتجزأ ولا ينقسم " ( ).

• الجواب الثاني
التوحيد عند الغزالي أربعة أقسام
أفضلها وحدة الوجود

ينقسم التوحيد عند الغزالي (الأشعري) إلى أربعة أقسام :
رابعها : وهو أعظمها : أن لا يرى العبد في الوجود إلا واحداً .. وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد ، وتقسم التوحيد إلى توحيد شهودي وتوحيد وجودي.
قال الغزالي " فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة : فكيف يكون الكثير واحداً ؟
أجاب : فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات : وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون : " إفشاء سر الربوبية كفر " .
أضاف " إن الشيء يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع واعتبار آخر. وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر واحد إذ نقول : إنه إنسان واحد ".
" وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق ... فهو باعتبار واحد من الاعتبارات : واحد وباعتبار آخر سواه : كثير...


ويستحسن طريقة الحلاج في وحدة الوجود
وإلى هذا أشار : الحسين بن منصور الحلاج حيث قال للخوّاص : قد أفنيت عمرك في عمران باطنك : فأين الفناء في التوحيد ؟ " ثم أكد الغزالي عقيدته في وحدة الوجود قائلاً " وليس مع الله موجود ؟ بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة " .
وقال في كتابه مشكاة الأنوار " العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق… فقال بعضهم " أنا الحق " وقال الآخر " سبحاني ما أعظم شأني " ( ) ثم احتج ثانية بالحلاج وبشعره الذي يقول فيه ( ) :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحـان حلـلنا بدنا
فهذه تقسيمات أربعة للتوحيد ينتهي فيها الغزالي إلى عقيدة وحدة الوجود والاحتجاج بالحلاج الذي ينقل الأحباش تحذير أحمد الرفاعي منه غاية التحذير .
ولقد حكم الأحباش بكفر سيد قطب لقوله بأن " الوجود الحقيقي إنما هو لله فقط " قالوا: أليس هذا قولاً بوحدة الوجود التي اتفق علماء المسلمين على كفر قائلها " غير أنهم لتحيزهم لا يتحدثون عن هذه الكلمات التي كان الزبيدي يقر الغزالي عليها ويشرحها ويصرح بأنه ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله وأفعاله " ( ) !
فانظر إلى المتعصبين المشوشين كيف يتكتمون على ما عند الغزالي من الانحراف ، ويظهرون في موقفهم من المصلحين بمظهر المصلح . أليس هذا دليلا على أن الدافع على إنكارهم على ابن تيمية ليس نصرة الحق . لو كانوا يريدون الحق لأنكروا على الغزالي عقيدته في وحدة الوجود .

النقشبنديون يقسمون التوحيد إلى وحدة الوجود
جاء في البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية " اعـلم أن التوحيد قسمان :
توحيد شهودي كقول الحلاج : أنا الحق . وقول أبي يزيد : سبحاني ما أعظم شأني .
توحيد وجودي . فالتوحيد الشهودي لا يخالف العقل بخلاف التوحيد الوجودي ( ).

• الجواب الثالث
أن المرتضى الزبيدي قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
1. توحيد الذات .
2. توحيد الصفات .
3. توحيد الأفعال .
وأقرّ التفريق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية ناقلاً عن صاحب البصائر أن الصبر لله متعلق بالإلهية ، والصبر به متعلق بربوبيته ، وما تعلق بالإلهية أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته " ( ) . انتهى .
فهل تتهمون الزبيدي بموافقة القائلين بالثالوث كما اتهمتم ابن تيمية، ولا يخفاكم وصف الزبيدي لابن تيمية بأنه شيخ الإسلام رغم أنوفكم ( ).
أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية ذكره البيجوري في شرح جوهرة التوحيد (ص 97) ففي تفسير { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال " يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية " . وهو عين ما قاله العلامة الحنفي ملا علي قاري رحمه الله ( ) وزاد عليه " والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما " ( ) .
وذكر تلميذ الكوثري الشيخ أبو غدة أن هذا التقسيم مستقى مما جاء به الكتاب والسنة ( ) .
وأشار صاحب الحدائق الوردية النقشبندي إلى هذا الفرق بين توحيد الربوبية التي سماها مرتبة الخالقية والمرتبة الثانية التي أسماها بمرتبة الألوهية ( ).

• الجواب الرابع
أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ليس بدعة بل حكاه الطبري وغيره عن أهل العلم قبل ابن تيمية بمئات السنين : فقد قال في تفسير قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } أي فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفردوا له الربوبية والألوهية" ( ). وكذلك قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النعم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره " ( ).
وفي تفسيير قول { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال "كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته " ( ).
وقوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } " وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع . قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك" وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه خالقه ورازقه وهو يشرك به… ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
فالتقسيم دليله من كتاب الله كتقسيم الأحكام إلى فرض وواجب ومسنون ومباح ومكروه ومحرم وليس في ذلك نص وإنما هو مستفاد من نصوص الشرع، بخلاف التقسيمات المخالفة للنصوص الشرعية كتقسيم البدعة إلى بدعة واجبة وبدعة مستحبة وقد قصرها النبي ïپ² على واحدة " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " .
ومن الأدلة على صحة التقسيم ما أخرجه (مسلم 382) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال " كان رسول الله ïپ² يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار . فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال " على الفطرة " ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . فقال رسول الله ïپ² " خرجت من النار " . فنظروا فإذا هو راعي معزى " .
فقول رسول الله عليه ïپ² لمن قال : الله أكبر " على الفطرة " أفاد أمراً مهماً وهو أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية مستقر في الفطرة البشرية ولذلك لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا عندما أتى بالشهادة بتوحيد الألوهية.

لماذا نُذَكِّر بهذا التقسيم ؟
وقد وجب تذكير الناس بهذا حين اعتقدوا أن ( لا إله إلا الله) تعني أنه لا خالق ولا رازق إلا الله وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه المشركون كلما سئلوا { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } قالوا { اللَّهُ } .
ومن هنا وجب تذكير الناس بتوحيد الألوهية لئلا يظنوا أن لهم الفضل في توحيدهم الفطري للربوبية . وليعلموا أنهم مطالبون بمقتضى توحيد الربوبية الفطري أن يوحدوه توحيد الألوهية وذلك بإفراده بالدعاء والذبح والنذر وسائر الطاعات والعبادات . فإن من يعتقد أن الله هو الخالق الرازق وحده وجب عليه بمقتضى ذلك أن يعبده وحده فيجعل صلاته وذبحه ودعاءه له وحده لا يشركه في ذلك ولي ولا صنم ولا ضريح .
وقد احتيج إلى هذا التقسيم أيضا لقطع الطريق على أهل الكلام الذين قصروا الناس على توحيد الربوبية الذي كان يعتقده أبو جهل وجعلوه غاية توحيدهم، كما زعموا أن أحمد الرفاعي قال " غاية المعرفة بالله : الإيقان بوجوده ( ) وليتنبهوا إلى أن غاية التوحيد الذي أرسل الله من أجله رسله وأنزل كتبه ليس لمجرد اعتقاد أن صانع العالم واحد وإنما غايته إفراد صانع العالم وحده بالعبادة ، والدعاء عبادة والذبح والنذر عبادة .


لماذا قال الملكان : من ربك ولم يقولا من إلهك ؟

شبهة : واحتج الحبشي بسؤال الملكين للميت (من ربك " ولم يقولا له : من إلهك " على أن الربوبية والألوهية شيء واحد .
و الجواب:
أن هذا الدليل شبهة ليست بأوضح ولا أقوى من النص القرآني { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } فالنص القرآني محكم يرد إليه المتشابه الذي احتج به أهل الزيغ ، أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ } وكما يقال { رَبِّ الْعَالَمِينَ } و ( إله المرسلين (، وذلك مثل لفظ (المؤمن والمسلم) (والفقير والمسكين) (والزكاة والصدقة) .
وعند الإفراد يجتمعان كما في قول الملك للميت (من ربك) ومعناه من إلهك . لأن الربوبية التي أقر بها المشركون وشهد لهم القرآن بالإقرار بها ما يمتحن بها أحد . وكقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا } فالربوبية في هذه الآيات هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة عند الاقتران .
فإذا قيل : فقولوا بأن آية الميثاق { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ } تتعلق بالألوهية وليس الربوبية .
فالجواب :
أولاً : أن هناك قرينة تثبت أن الربوبية هي المراد هنا دون الألوهية ، وهي أن الكافر بعد أن يعرض عليه مقعده من النار يقول " رب لا تقم الساعة " فهذا يدل على أنه مؤمن به مقر بوجوده فكيف يسأل عنه ؟
وقد حرمه الله أن يجيب عن هذه الحقيقة التي فُطِر عليها ولم يثبته عند السؤال عقوبة له ، والجزاء من جنس العمل : فكما أنه نسي الله في الدنيا فقد أنساه الله الإجابة عما فيه نجاته في الآخرة . فقال عند السؤال (هاه هاه لا أدري) . وقال بعد السؤال (رب لا تقم الساعة) .
وقد شهد الله على المشركين أنهم ما غفلوا عن ربوبيته حين اتخذوا معه آلهة أخرى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } فإذا سألتهم إذن لماذا عبدتم غيره قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } . والتجربة تثبت أنه حتى النصارى المثلثة ما زالوا يقولون : نحن نؤمن بالرب الواحد .
ثانياً : أن الرب : المقصود به الإله ، ويقويه رواية البخاري " إذا أقعد المؤمن أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " فهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ " من ربك " ففي آية الميثاق شهدوا بربوبيته ، وفي حديث القبر شهد المؤمنون الموحدون منهم بألوهيته دون سواه .




دلـيـل التمـانع

وطلب الحبشي الدليل على تقسيم التوحيد من الكتاب أو السنة يوحي بأنه ملتزم بهما ولكن : من أين أتى بـ ( دليل التمانع ) ؟ أمن كتاب الله أم من عند أرسطو ومِن بعدِهِ ؟ المعتزلة ؟ هنا تظهر حقيقة الرجل :
فلقد أكد الحافظ ابن حجر ابن حجر أن الرازي ( ) أخذ دليل التمانع عن الفلاسفة وسلك فيه سبيل أرسطو ( ) .
وفي قول الحافظ تكذيب لما زعمه النسفي في تبصرة الأدلة أن " دليل التمانع أخذه المتكلمون من كتاب الله " . وقد قدح التفتازاني الماتريدي في هذا الدليل واعتبره دليلاً ظنياً ( ) ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى تكفيره كما سيأتي .

دليل التمانع سلاح المعتزلة
ودليل التمانع من أقوى الأدلة عند المعتزلة على وجود الله ، وقد ذكروه بنفس التفصيل الذي ذكره الأشاعرة ، واحتجوا له بقوله تعـالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } قال القاضي عبد الجبار " لو كانا اثنين يصح التمانع بينهما فيبطل أن يكون له ثان . فإن قيل فما مقصدكم بأنه لو كان معه ثان لصح التمانع بينهـما ؟ قيل : نريد بذلك كونه واحداً في القِدم وأنه لا ثاني له فيها ولذلك نستدل بدليل التمانع " ( ) .

وقال الشهرستاني وقد سلكت المعتزلة طريق التمـانع في استحالة الالهَيْن كما سلكناه " ( ) .
وهو من جملة السم الذي سقاه المعتزلة للأشاعرة (أو قل) وبقي من مخلفاتهم وتفاخر به الحبشي وأسلافه من خَلَف المعتزلة ( ) .
ولعلهم تجاهلوا ما ذكره المرتضى الزبيدي أن من الأشاعرة من أورد على هذا البرهان اعتراضات عديدة كالآمدي الذي وصفه بأنه مسلك ضعيف كالسعد التفتازاني الذي ذكر من مفاسد هذا الدليل : أنه لو تعدد الإله لم تتكون السموات والأرض أصلا . ثم نقل عن النسفي إشكالاً آخر وذلك أن يسأل سائل : لماذ لا يجوز فرض إلهين متوافقين في الإرادة بحيث يمنع وقوع المخالفة بينهما ؟
ثم عاد فنقل عن السعد أن هذا البرهان إقناعي وليس قطعياً ولا يفحم الجاحد ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى التشنيع عليه ، مستنداً في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة حكم بكفر أبي هاشم لقدحه في دلالة الآية ( ) .
على أن هذا الدليل بحد ذاته صادق وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن اثنين ، ولكن الآية لا علاقة لها بإثبات صانع واحد ، وإنما معناها أنه لو وُجد من يستحق العبادة مع الله لفسدت السموات والأرض .
وبهذا يبطل الاستدلال بالقرآن على صحة دليل التمانع { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } لأن الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين للعالم أو أكثر بل اتخذوا آلهة لم يعتقدوها أنها خالقة بل جعلوها وسيلة لهم تقربهم إلى الخالق الواحد وتشفع لهم عنده . فإذا ثبت بدليل صريح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود خالقين آخرين مع الله فقد صح دليل التمانع وان لم يثبت بطل دليل التمانع .
ولفظ (آلهة) جمع إله ، وهو المألوه أي المعبود ، وليس معناه : القادر على الاختراع كما قاله الرازي وحكاه البغدادي عن الأشعري ( ) . بينما مطلوب دليل التمانع إثبات خالق رازق مخترع واحد . وهو دليل تمنع الأنبياء عن الدعوة إليه .
وبما أن غاية دليل التمانع ( ) إثبات صانع مبدع للكون لا خالق سواه ، وبما أنه ينتهي بعد الخوض في الله بالطريقة الرياضية الحسابية إلى إثبات أن خالق العالم واحد لا شريك له في خلق الكائنات وتدبير المصنوعات ، وأنه لم يتطرق إلى توحيد هذا الخالق في العبادة والدعاء والاستغاثة وإفراده في الذبح والنذر ، اضطر أهل السنة إلى تفصيل أنواع التوحيد كما وردت في القـرآن الكريم فقالوا ( ) :

عبدالله الأحد
2015-03-22, 02:26 PM
توحيـد الربوبية

هو توحيد فطري ، فطر الله العباد عليه ، سواء منهم المؤمنون والكافرون حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } (الأعراف 172) فمن جحد ربوبية الله فقد جحد ما استيقنه قلبه كما حكى الله عن فرعون وقومه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ( النمل 14 ) وقال موسى لفرعون { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ } ( الإسراء 102 ) .
فاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق وحده من المسقمات الفطرية ، ولذلك يخطئ من يفني عمره في استخراج الأدلة على إثبات وجود الله لأن الدليل على ذلك مركوز في الفطرة .
وهذه حقيقة اعترف الحبشي بها بعد كثرة الخوض وإيراد الأدلة وهو أن العلم بذلك مستقر في قلوب البشر وفِطَرِهم ، ونقل اعتراف الرازي بذلك ( ) . وهو قول الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص 124) .
غير أن الغزالي قد شك بهذه الفطرة حين قال " وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق ، بل الصادق ما يشهد به قوة العقل " ( )
فتوحيد الربوبية كان يعتقده المشركون ، ولذلك لم يدعهم إليه الرسل لعِلْمهم أن الله فطرهم عليه والدليل على ذلك من القرآن الكريم : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } ( الزخرف 9 ) .
{ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .
{ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }
{ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ( المؤمنون 84-89 ) .
وقال رسول الله ïپ¥ فيما يرويه عن ربه " خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين " ( ) . فالحنيفية هي الإسلام .
ولذلك لم يدْعُ الأنبياءُ قومَهم إلى اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق ، فالقرآن أفاد بأنهم يؤمنون بذلك . وإنما كانت أول دعوتهم إلى :

توحيـد الألوهية

{ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } ( الأعراف 59 ) فقد كانوا يتخذون بينهم وبينه وسائط يتقربون بهم إلى الله زلفى .
قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } (يونس 18) .
فتوحيد الألوهية يدخل فيه توحيد الربوبية ، بمعنى أن من أفرد الله بالدعاء والطاعة والامتثال والخوف والرجاء فلابد أن يكون معتقداً بتوحيد ربوبية الله بالخلق والإيجاد وأنه لا خالق إلا هو ، وأن من أتى بتوحيد الألوهية لا يُطلب منه أن يأتي بتوحيد الربوبية لأن الثاني داخل فيه .
وهذا التوحيد (توحيد الألوهية) لم يعالجه دليل التمانع عند أهل الكلام ولم يتطرق إليه ولذلك تجدهم يبيحون الاستغاثة بغير الله وسؤال أهل القبور وطلب الشفاعة منهم :
والدليل على ذلك ما قاله الحبشي من أن من قال لا إله إلا الله فهو موحد وإن استغاث بالأنبياء والأولياء ، وإن استعاذ بسوى الله ، وأن الأولياء يخرجون من قبورهم ليجيبوا دعوة الداع إذا دعاهم !
• وجملة القول أن من يعتقدون بتوحيد الربوبية فقط ويظنون أنهم موحدون مع لجوئهم إلى الأموات ، يستغيثون بهم ويتضرعون إليهم ويسألونهم قضاء الحوائج ورفع الكربات ، ويظنون أن مشايخهم يتصرفون في الأكوان : متورطون في الشرك وإن اعتقدوا فيهم أنهم لا يخلقون ولا يرزقون وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله .

توحيد الأسماء والصفات

وأما " توحيد الأسماء والصفات " فانه بعدما أكثر أهل الكلام من الخوض والإلحاد في أسماء الله وصفاته بما أدى بهم إلى تعطيلها وتحريفها بضروب التأويلات :
قال أهل السنة حينئذ بأن هذا القسم من أقسام التوحيد : يتعلق بإثبات ما أثبته الله ورسوله ïپ¥ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ، ولا نقول على الله ما لا نعلم ، فإن التأويل في أسمائه وصفاته إلحاد فيها ، وتحريف للكلم عن مواضعه من جنس عمل اليهود ، قال الحافظ في الفتح " قال ابن عباس " { يُحَرِّفُونَ } : يزيلون ، وليس أحد يُزيل لفظ كتاب من كتب الله ، ولكنهم يحرّفونه : يتأولونه عن غير تأويله " ثم نص الحافظ على أن تحريف أهل الكتاب لمعاني النصوص لا يُنكر بل موجود عندهم بكثرة ( ) .
ولقد توعّد الله الخائضين فيها بالعقاب فقال { وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ( الأعراف 180 ) .
فأهل الكلام (والحبشي منهم) يشملهم هذا الوعيد ، فانهم يقولون : لا نقطع أن يكون ما تأولناه مراداً لله ، وإنما يحتمل أن يكون تأويلنا موافقاً لمراد الله ويحتمل أن لا يكون كذلك " ( ) .
فهم يُقحمون الاحتمالات في أشرف مسائل العقائد بينما يمنعون من الاستدلال بخبر الواحد ولو كان في البخاري ومسلم .

الـشـفــاعـة

خلط مفهوم الشفاعة بالتوسل والاستغاثة
الآيات القرآنية في الشفاعة
آلهتهم شفعاؤهم
الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية









الشفــاعـة

ومن مغالطات أهل البدع ومخادعتهم للعامة : الخلط بين التوسل وبين الشفاعة { لِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } ويراد بهذا الخلط طمس الشَبَه والمضاهاة بين الشفاعة البدعية الشركية الحاضرة وبين الشفاعة الشركية الماضية التي تذرع بها المشركون الأوائل والتي مَنَعَها القرآن .
فمفهوم الشفاعة عند المشركين والفلاسفة كابن سينا والصوفية أن شفاعة الرسول لا تحتاج إلى دعاء منه وإنما هي رحمة تفيض على الرسول فينعكس هذا الفيض (بما يسميه الصوفية بالمدد) على طالب الشفاعة من غير شعور أو دعاء من الشفيع ، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم انعكس الشعاع من المرآة على الحائط . فكذلك تفيض الرحمة على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم . وهذا الفيض يمكن تحققه عند زيارة قبر ولي أو نبي فتجتمع الأرواح المفارقة والأرواح الزائرة ويبدأ المدد عن طريق الذبذبات الكهرومغناطيسية وأشعات اللايزر ! وارتكبوا جناية على الألفاظ أدت إلى ارتكاب جناية على الدين حين بدلوا معاني الألفاظ .
جاء في تهذيب اللغة { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ( البقرة 255 ) ، الشفاعة هنا أي الدعاء .
والشفاعة : كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ( ) . وشفع إليه : أي طلب إليه وعلى هذا يفسَر موارد اللفظ في القرآن والسنة في لفظ الشفاعة .
ومعنى الشفاعة الدعاء . فعن أنس وعائشة عن النبي ïپ¥ قال "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس " ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه " ( ) .

شروط الشفاعة
نعم ، الشفاعة أُعطِيَت للأنبياء والصالحين يوم القيامة ، ولكن للشفاعة شرطان نص عليهما القرآن الكريم :
الأول : إذْنُ الله للشافع أن يشفع .
الثاني : رضاه عن المشفوع له .
فشرطا الشفاعة : الإذن والرضا من الله { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) . وقال النبي ïپ¥ لفاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " فلو كان يملك الشفاعة لضمنها لابنته ، فإن مالك الشفاعة لا يجوز أن ينتظر أن يأذن له أحد بها وإلا لا يسمى مالكاً لها .

الآيات القرآنية في الشفاعة

والآيات التي جاءت في الشفاعة على ثلاثة أنواع :
الأول : اختصاص الشفاعة بالله وحده { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } ( الزمر 44 ) { لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } ( الأنعام ) .
الثاني : مقيد بإذنه ورضاه { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) فحق الشفاعة لله حق مطلق لا يقيده حق أحد عليه ، وإنما شفاعة غيره مقيدة بأن يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع .
الثالث : الشفاعة الشركية ، وهى اتخاذ المشركين وسطاء بينهم وبين الله زعموا أنهم يشفعون لهم { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء } والتقرب بهم إلى الله { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } .

التفتازاني يعترف أن شرك المشركين توسل وتشفع
قال التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله وتوسلا " ( )

الرازي يشرح قول المشركين : إلا ليقربونا إلى الله
ذكر الرازي أربعة أسباب مفضية إلى الشرك منها " قول من قال : إنّا نعبد هذه الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ، فقال تعالى في إبطال أقوالهم { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره ، فبِطَلَبِكم الشفاعة تُفوّتون على أنفسكم الشفاعة.
وقال " اعلم أن الكفار قالوا : نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما... لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } ( ) . انتهى .
وقال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } ( مريم 87 ) .


آلهتـهم شفعـاؤهم

فمن زعم أن فلاناً يشفع له مما لا برهان له به فسيضل عنه يوم القيامة كما قال تعالى { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( الأنعام 94) ونحن لا نشك في أن محمداً ïپ¥ يشفع لكننا لا نعلم فيمن يؤذن له بالشفاعة ؟ لأن الأمر أولاً وأخيراً بيد الله .

موقف سلفنا من الشفاعة

ثم الشفاعة ليست خاصة بالنبي محمد ïپ¥ دون غيره من الأنبياء ، بل باقي الأنبياء يشفعون ، وليس هو الحي الوحيد في قبره وإنما باقي الأنبياء أحياء في قبورهم وكان الصحابة لا يجهلون أن الأنبياء يشفعون ومع هذا فلم يعلم أصحابه أن يسألوه الشفاعة بعد موته ، ولا علمهم طلب الشفاعة من الأنبياء ولم يقل لهم يجوز طلب الشفاعة من النبي المفضول مع وجود النبي الفاضل كما يدعي الحبشي في فعل عمر .
سؤال : لماذا نجد الشفاعة منفية تارة ومثبتة تارة أخرى ؟
والجواب : أن الشفاعة المنفية شفاعة أهل الشرك الذين اتخذوا لأنفسهم عهداً بأن غير الله سيشفع لهم عنده . وهي الشفاعة التي يدافع عنها مشركو اليوم ممن يخاطبون الأموات ويطلبون منهم الشفاعة . يسيئون العمل ويعلقون على الشفيع الأمل ، وقد قال النبي ïپ¥ لابنته فاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " .
- قال ابن تيمية " وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره ... فالله هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع ، وإذا لم يأذن الله لم تنفع الشفاعة كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي ïپ¥ على المنافقين واستغفاره لهم " ( ) . فإكرام الله نبيه بالشفاعة ليس مطلقاً من غير تقييد ، كما يهوى أهل الهوى والبدع .

الشفاعة لأهل الكبائر لا لأهل الشرك

تحقيق التوحيد أهم أسباب الشفاعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي ïپ¥ " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " ( ) .
فلا نصيب في الشفاعة لمن أشرك مع الله في الدعاء ولم يخجل من مناداة غيره جاهلاً أن شفاعة النبي ïپ¥ لا نصيب فيها لمشرك ، إنما هي لأهل الكبائر الموحدين من أمته لا لأهل الشرك كما قال " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ( ) . فحتى الزنا وشهادة الزور وقتل النفس ذنوب يرجى معها المغفرة والشفاعة لا الشرك ، فالله أكبر كم غفل الناس عن قباحة هذا الذنب !!!
ثم إن مفهوم الشفاعة عند هؤلاء يودي إلى التعلق بالأماني وترك العمل والاستعاضة عنه بالتعلق بنبي أو صالح يستغيث به من دون الله ، ويسأله أن يدعو الله له في قبره ، فيزعم أن الله لا ينظر إليه لذنوبه وهنا تأتى أهمية الوسيط الصالح المطهر المحبوب عند الله . وكأن هذا الوسيط أرحم بالعباد من رب العباد !!!
وغفل أن الشفاعة بيد الله هو الإذن بها لمن يشاء ويرتضي لها من يشاء للشفيع أن يشفع وهذا يقطع الطريق على من يتعلقون بالذوات ويربطون نجاتهم بهم فيعتمدون في أمر نجاتهم على الآخرين لا على العمل مضاهأة للنصارى .
قال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } قال ابن جريج " أي عملاً صالحاً " ( ) .

ليست كل دعوات الأنبياء مجابة

وليعلم أن دعوات الأنبياء ليست مستجابة كلها ، فالله لم يستجب دعوة النبي ïپ¥ في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه حتى قال { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } ( التوبة 80 ) وقد رد الحافظ على من زعم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة " قائلاً " وهذا فيه غفلة عن الحديث الصحيح أن النبي ïپ¥ قال : إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " ، وسأل ربه أن يستغفر لأمه فمنعه ذلك ، ولما أراد نوح أن يستغفر لابنه قال الله له { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } . وهذا إبراهيم عليه السلام لم تنفع شفاعته في أبيه .
فائدة أخرى من كلام الحافظ : قال " وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ïپ¥ ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط . والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة " ( ) .
وقال الكِرْماني في شرح البخاري (22/122) عند شرح الحديث " معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة ، وهو على يقين من إجابتها ، وأما باقي دعواتهم فهي على رجاء إجابتها : بعضُها يجاب وبعضها لا يجاب " .
وإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء ، وبعد موته يشفع ، وبعد قيامه يشفع : فأي معنى لقوله ïپ¥ " أنا أول شافع " ؟
وما معنى قوله " إني اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتى يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً " ؟ فالرسول يقول " اختبأت " وهؤلاء يتعجلونها ويكذّبونه حين يزعمون أنه لم يختبئها بل هي نائلة من يستغيث به في الدنيا عند قبره ، وهم بطلبهم الشفاعة بهذه الطريقة قد يُحرَمُون من الشفاعة ، فإن من طلب شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه .
والنبي ïپ¥ هو الذي أخبرنا أنه سيشفع يوم القيامة فيسجد تحت العرش ما شاء الله له أن يسجد ثم يقال له " أي محمد ، ارفع رأسك وقل يُسمع لك ، وسلْ تُعطه ، واشفع تُشفّع " فشفاعاته في الدنيا وهو حي ثابتة ، كقول عكاشة " يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم " فقال له " أنت منهم " .
وشفاعته في الآخرة ثابتة لا جدال فيها . ويبقى أن يأتينا من يزعم أنه يشفع في قبره بعد موته بدليل صحيح ، فإن نبينا ïپ¥ لم يخبرنا أنه سيكون شافعاً في قبره أيضاً ، وليس لدى من يزعمون ذلك دليل واحد من كتابٍ أو سنة . بل لم يصح حديث في الشفاعة لمن زار قبره .
صحيح أنه ïپ¥ حي في قبره ولكن الأنبياء جميعهم يحيون حياة برزخية مختلفة عن حياتنا . فلماذا لم يخطر ببالكم أن تنادوا الأنبياء الآخرين : فتقولوا يا سليمان يا داود يا آدم يا يعقوب يا إسحاق : أغيثونا ، وقدّمتم عليهم الرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي : أهؤلاء أحب إلى الله وإليكم - من أولئك ؟
وهؤلاء شهداء أُحد وبدر وغيرهم : أحياء كذلك ، وقد نهى الله أن يقال أنهم أموات { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ( البقرة 154 ) فلماذا لم يخطر في بالكم أن تستغيثوا بهم . أم أنكم وجدتم آباءكم ومشايخكم على هذا السبيل وأنتم على آثارهم مقتدون .
ولو كان يجوز طلب الشفاعة ممن ورد أنهم يشفعون لجاز لنا أن نطلب الشفاعة من القرآن والصيام والحجر الأسود ، فقد ثبت أنهم يشفعون يوم القيامة ، وكذلك الملائكة الذين لا يزالون يستغفرون للمؤمنين { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .
وأنت إذا تأملت نصوص الشفاعة فستجدها كثيرة في حياته ïپ¥ ولكنك لن تجد منها ما يفيد جوازها في حياته البرزخية . ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه طلب الشفاعة منه بعد موته ( ) بل إنك تجد ما يضاد ذلك ، فقد عدل عمر عن دعاء النبي بعد موته وتوسل إلى الله بدعاء عمه العباس وكذلك توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع غفير من الصحابة .

أويس القرني حجة عليكم
وهذا أويس القرني الذي يحتج أهل البدع بأن النبي ïپ¥ علّم أصحابه إذا هم لقوه أن يسألوه أن يستغفر لهم كما قال " إن رحلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس ... فمن لقيه منكم فليستغفر لكم " ( ). فقيّد طلب الاستغفار عند لقائه وليس مطلقاً .
فهل اكتفوا بطلب الاستغفار منه قبل اللقاء به أم طلبوا منه ذلك حين لقوه كما هو ثابت عن عمر ، التزاماً منهم بنص الحديث الذي قيد الطلب باللقاء ؟ !
وكيف ينص النبي للصحابة بكلام صريح أن يطلبوا من أويس الاستغفار إذا هم لقوه ولم يقل إذا أنا مت فأتوا قبري فإذا أتيتم فسلوني الاستغفار بعد موتي وسلوني حوائجَكم فإني حي في قبري !

الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية

وقد علمنا ïپ¥ إذا أردنا الفوز بشفاعته ïپ¥ أن نسأل الله له ، لا أن نسأله من دون الله كما في صحيح مسلم : قال " سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون هو . فمن سأل لي الوسيلة حقت له الشفاعة " ( ) .
يسألونه مقاماً لا ينبغي إلا له !!!
فقال سلوا الله لي الوسيلة . ولم يقل سلوني الوسيلة .
فخالفوا طريقه : فلم يسألون الله له وإنما صاروا يسألونه .
فكيف نسأله الوسيلة التي سألنا أن نسألها الله له ؟ هل تريدون أن تنالوا المقام المحمود الذي لا ينبغي إلا للنبي ïپ¥ فقط ؟
- وعلّمنا ïپ¥ نص الوسيلة ، فقال " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه : حلت له شفاعتى " .
- وقال ïپ¥ " من صلى عليّ عشراً أول النهار وعشراً في آخره : حلّتْ له شفاعتي " ( ) .
تلك هي الطريقة الشرعية لشفاعة النبي ïپ¥ :
- فالشفاعة الشرعية السنّيّة أن ندعو الله من أجل النبي لينال الوسيلة .
- والشفاعة الشركية البدعية أن ندعو النبي ïپ¥ من دون الله ونطلب منه مقامه الخاص به ، فنسأله الوسيلة التي صرح بأنها لا تنبغي إلا لعبد واحد .