المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من ردود الشيخ دمشقية على الاحباش في صفات الله سبحانه


عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:01 PM
مذهب الشافعي في الصفات

لقد كان الشافعي يعتبر التأويل على طريقة أهل الكلام تعطيلا ، إذ قال "إني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل " ( ) .
وكان مذهبه إثبات الصفات وليس التأويل كما قال " نثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هكذا رواه عنه الحافظ في الفتح ( ) .
وقال " السنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف يشاء، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء " ( ) . وقال بمثل هذه الكلمة ابن المبارك حيث سئل عن حديث النزول - كيف ينزل ؟ أجاب : " ينزل كيف يشاء " ( ) .
• روى الحافظ ابن حجر عن الشافعي أنه قال " لله أسماءٌ وصفات جاء بها كتابه ، وأخبر بها نبيه ïپ¥ الله عليه وسلم أمّتَه لا يسع أحداً ردها . فمن خالف في ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل ( ) ، لأن عِلْمَ ذلك لا يُدرك بالعقل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه ، كما نفاه عن نفسه فقال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ( ) . وهذا يبطل دعواهم " الصفات العقلية " التي تثبت بالعقل. فإن السمع هو الدليل والأصل على ما نثبته من الصفات لا العقل.

الحبشي يكذب على لسان الشافعي

غير أن الحبشي كذب على لسان الشافعي بما يخالف هذا النص. فبينما قال الشافعي قولا مطلقاً ما نصه " إن علم الصفات لا يدرك بالعقل " زعم الحبشي أن صفات الله عند الشافعي قسمان :
قسم يُعرف بالعقل كالصفات الثلاث عشرة كصفات القيام بالنفس وقيام الحوادث وجاحده يكفر بالله . والقسم الثاني لا يدرك بالعقل ( ) .
وقد قال أبو نصر السجزي " وأئمتنا كسفيان ومالك والحمّاديْن وابن عيينة الفضيل وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق متفقون على أن الله سبحانه فوق العرش وعلمه بكل مكان وأنه ينزل إلي السماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء " ( ) .
هذا موقف أهل الحديث الذين تخالفونهم : فاكذبوا ما شئتم وموهوا ما شئتم واختلقوا ما شئتم من الأعذار كالتنزيه وغيره . فإن أهل !الحديث أثبتوا هذه الصفات وصححوا أحاديثها بعد متابعتها ولم يؤولوها ووضعوها في كتب وأبواب التوحيد وكفى بذلك حجة عليكم .




مذهب عبد القادر الجيلاني في الصفات

وذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله في كتابه الغنية ( ) أن الله " يقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويغضب ويسخط وله يدان وكلتا يديه يمين وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه ، وأنه بجهة العلو مستو على العرش. محتو على الملك. وأن النبي ïپ¥ شهد بإسلام الجارية لما قال لها: أين الله فأشارت إلى السماء " ، وأن عرش الرحمن فوق الماء ، والله تعالى على العرش ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمـة ، وأن للعـرش حداً يعلمه الله ( ) .
وأنه ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرّامية ، ولا على معنى العلو [ أي علو المنزلة ] ، والرفعة كما قالت الأشعرية ، ولا على معنى الاستيلاء كما قالت المعتزلة ( ) .
وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعت المعتزلة والأشعرية " ( ) . وإنما أخذ الجهمية التأويل عن الفلاسفة والباطنية، وتلقاه المعتزلة عن الجهمية.
وصدق رحمه الله فقد شهد بذلك ابن عساكر وغيره قال " وقد أخذ الجعد بن درهم ( ) بدعته عن بيان بن سمعان ، وأخذها بيانٌ عن طالوت بن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته ، وأخذها طالوت عن لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر النبي ïپ¥ وأخذها لبيد عن يهودي بالمدينة ( ) .
هذا هو سند المذهب الأشعري ، إنه يصل إلى الجهم عن طريق الجعد وواصل بن عطاء ، وليس يصل إلى أبي موسى الأشعري .
وقال الشهرستاني " كان واصل بن عطاء يَشرَع في نفي الصفات على قول ظاهر، وإنما شَرَعَت أصحـابُه فيـها بعد مطالعة كتب الفلاسفة " ( ) .

مذهب أبى الحسن الأشعري في الصفات

وكان أبو الحسن الأشعري رحمه الله من المعتزلة ، غير أنه رجع عن ذلك إلى إثبات جميع ما وصف الله به نفسه ، وأعلن أن " مذهب أهل السنة والجماعة عدم التأويل، وأنهم يثبتون لله اليدين والعينين " ( ) والوجه والاستواء ولا يتأولون ذلك " ( ) .
- وقد سرد الذهبي عقيدة الأشعري الموافقة لأهل السنة وخروجه عن التأويل الذي كان عليه المعتزلة ( ) .
- غير أن المنتسبين إليه من بعده يتجاهلون ما انتهى إليه حال الأشعري رحمه الله من إثبات ما أثبته الله ورسوله. ويجهلون حقيقة عقيدة المعتزلة في كثير من كتبهم ومن هنا خفي على الأشاعرة المتأخرين التأويلات المتقدمة للمعتزلة فتبنَّواْ تأويلاتهم ودافعواعنها معتقدين أنها تأويلات أهل السنة بينما هي عين تأويلات المعتزلة .
وظن آخرون منهم أن المعتزلة لم يكونوا يؤولون الصفات وإنما كانوا ينفونها ويكذبونها. وهذا غير صحيح وإنما كانوا يقولون ما يقوله كثيرون اليوم: نؤمن بهذه الصفات لكننا نعتقد أن ظاهرها غير مراد ( ) .
بل نص أحمد على أن جهم بن صفوان كان " يتأول القرآن على غير تأويله " ( ) . فأثبت له تأويل الصفات لا جحودها .
وذكر المرتضى الزبيدي أن المعتزلة " تصرفوا في الألفاظ بمقتضى عقولهم فأولوا وبدلوا " ( )
ولو أن المعتزلة نفوا الصفات وردوها نصاً لما اختلف في كفرهم ( ) أحد وإنما كانوا يؤولون الصفات على النحو الذي نرى الأشاعرة أخذوه عنهم. فيؤولون اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء والمجيء بمجيء الأمر والنزول بنزول الملك .
ولذلك نقل أبو الحسن الأشعري لنا تأويلاتهم كقولهم " نزول الله معناه نزول آياته أو نزول الملك بأمره ( ) . وهذا تأويل يصر الحبشي على أنه مذهب أهل السنة.
وفي هذا دليل على أن المعتزلة كانوا يعتمدون التأويل فانه لما ترك أبو الحسن الأشعري الاعتزال ترك معه التأويل . واعتبر تأويل المعتزلة إنكاراً لصفات الله . فأعرض عن طريقتهم وأعلن في كتابه الإبانة أنه على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل ، هذا الكتاب الذي لا يزال يتجاهله من ينتسبون للأشعري إلى اليوم. ويتجاهلون الحال التي انتهى إليها من مخالفة أهل الكلام والتأويل ، وموافقة الإمام أحمد في السنة واثبات الصفات .

مراحل الأشعرية الفكرية

وقد نقل المرتضى الزبيدي عن ابن كثير بيان مراحل أبي الحسن الفكرية وهي على ثلاث مراحل :
• الأولى : حال الاعتزال التي رجع عنها .
• الثانية : إثبات الصفات العقلية السبعة : الحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام ، وتأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق . وهذه الطريقة اتبع فيها عبد الله بن سعيد بن كلاب ( ) .
• الثالثة : إثبات الصفات جميعها من غير تكييف ولا تشبيه ، جرياً على منهاج السلف ، وهذا ما يظهر في كتابه الإبانة ( ) .
غير أن أمر الأشاعرة قد استقر من بعده على المرحلة الثانية فقط .

اعتراف السبكي برجوع الأشعري إلى مذهب احمد

وقد أكد السبكي هذا الأمر وهو أن الشيخ الأشعري رجع إلى مذهب السلف وأن عقيدته هي عقيدة أحمد بلا شك ولا ارتياب ، وأن الأشعري صرح هو نفسه بذلك مراراً في تصانيفه " أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المُبَجَّل ، أحمد بن حنبل " قال السبكي : هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع كلامه ( ) .

حول كتاب الإبانة للأشعري

وقد حاول البعض التشكيك في المرحلة الثالثة وأنكروا نسبة كتاب الإبانة إليه ، ولكن الدراسات الجادة التي قام بها العديد من الباحثين أكدت تمثيل هذا الكتاب للمرحلة الثالثة للأشعري ، مستبعدين أن يكون كتاب اللمع واستحسان الخوض في علم الكلام آخر كتبه ( ) .
وعمد الأحباش إلى التشكيك في صحة نسخة الإبانة التي بأيدينا ، وزعموا أن النسخ التي يعتمد عليها خصومهم " مدسوسة ولا يستطيعون أن يظهروا نسخة موثوقاً بها " ( ) .
وهل يملك الأحباش مخطوطة صحيحة سليمة من التحريف ؟
لو كانوا يملكون ذلك لأظهروه ولكنه ادعاء وتحكم .
ونحن نحتج عليهم بالفقرات التي نقل الحافظ ابن عساكر من كتاب الإبانة واستحسنه الكوثري وأقره في تحقيقه لرسالة التبيين للحافظ ابن عساكر.

توثيق الحافظ ابن عساكر والبيهقي كتاب الإبانة
- وخالفهم أعلم الناس بمذهب الأشعري وهو الحافظ ابن عساكر والحافظ البيهقي اللذان أثبتا ( ) صحة نسبته إليه .
فقد أكد ابن عساكر أن الأشاعرة القدامى لا يزالون يعتقدون ما في كتاب الإبانة أشد الاعتقاد ( ) .
قلت : إلا عند الأشاعرة المتأخرين .
قال الحافظ ابن عساكر " وأنشدني بعض أصحابنا [ في الثناء على الإبانة]:
لو لم يصنّف عمره غير الإبــانة واللمـع
لكفى ، فكيف وقـد تفنّن في العلوم بما جمـع
وحكى ابن عساكر عن أبي عثمان الصابوني النيسابوري قال : ما كان يخرج إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به ( ) . وإنما يحكى ابن عساكر والصابوني ما انتهى إليه الأشعري من الاعتقاد على وجه التمدح والثناء على عقيدته .
- كذلك احتج ابن عذبة من الحنفية بالكتاب ( ) .
- وأثبته المرتضى الزبيدي في كتابه إتحاف السادة المتقين (2/4) .
- وكذلك أثبت الذهبي نسبة كتاب الإبانة للأشعري قائلا " وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن ، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ، ونسخه الإمام محيي الدين النووي بخطه " ( ) .
ولعل هذا ما اضطر الكوثري للاعتراف بصحة نسبته إليه غير أنه زعم في تعليقاته على تبيين كذب المفتري أن أبا الحسن كان يساير به الحنابلة ويستدرجهم ( ).
ولا نتوقع هذه التقية من الأشعري وهو الذي وقف وقفته الشجاعة في صحن المسجد وأعلن رجوعه عن الاعتزال ولا يزال التاريخ يسجل له هذا الموقف ، وهذا الاعتذار الكوثري ليس سوى طعنة في صدر الأشعري .
وقد احتج منكرو كتاب الإبانة بأن أبا بكر بن فورك ذكر مصنفات الأشعري ولم يذكر منها الإبانة ، لكن ابن عساكر استدرك على ابن فورك مصنفات أخرى للأشعري فاتته ولم يذكرها مثل رسالة الأشعري إلى أهل الثغر ورسالة الحث على البحث ( ) فلماذا لا تكون رسالة الإبانة من بينها ؟ . والمثبت مقدم على النافي .
على أن إغفال ابن فورك كتاب الإبانة لا يؤثر كثيراً فقد دوَّن الأشعري في (مقالات الإسلاميين) التزامه بمذهب السلف وأعلن إثبات الصفات كلها كالوجه واليدين والاستواء والنزول على الوجه اللائق بالله .

نقد القاعدة الكلية للرازي

ذهب الرازي الى تقديم الدليل العقلي على الأدلة الشرعية وحجته أن العقل أصلٌ في إثبات الشرع فإذا خالف الدليل الشرعي الدليلُ العقلي وجب تقديم الدليل العقلي عليه ووجب تأويل الدليل الشرعي بما يوافق الدليل العقلي ( ) ، وذهب الغزالي الى أن العقل حاكم لايكذَّب قط، وأن من كذَّب العقلَ فقد كذّّب الشرع. ولولا صدق العقل لما عُرِف النبُي من المتنبي ( ) .

أصابتهم عدوى المعتزلة
• وقد زعموا أن الاشاعرة قرروا مذهب أهل السنة بالأدلة العقلية : كذلكم قالت المعتزلة ما قبل .
وهو عودة بالناس إلى مذهب المعتزلة بعدما أبعدهم الأشعري عنه . فقد صرح القاضي عبد الجبار (رأس المعتزلة) أن " الأدلة أربعة : حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ومعرفة الله لا تُنال إلا بحجة العقل ( ) .
وذكر المرتضى الزبيدي أن المعتزلة " تصرفوا في الألفاظ بمقتضى عقولهم فأولوا وبدلوا " ( ) . وكفى بذلك دليلا على تسرب المرض الاعتزالي إلى المذهب الأشعري .
فالمعتزلة أنكروا عذاب القبر ( ) وبرهنوا لذلك بحجة عقلية جعلتهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة فقالوا إننا نشق عن الميت بعد دفنه فلا نرى أثراً لأي تعذيب. وقد حكمت عقولنا بما رأت عيوننا. وبمقتضى تقديم الرازي للعقل يصيرون معذورين فيما تأولوه. وهذا يؤكد أن قانون الرازي يمثل منعطفاً اعتزالياً آخر.
فبأي ميزان حكم الرازي على أن الدليل العقلي (غير المعصوم) مقدم على الدليل الشرعي (المعصوم) ؟ وكيف حكمت عقولكم بوقوع العذاب للميت مع انعدام أثر التعذيب لمن عاين القبر؟ يلزمكم أن تقولوا بالعذاب النفساني لوقوع التعارض بين العقل والنقل بمقتضى قاعدة الرازي التي قرر فيها أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل !
فما أفسد ميزان من جعل المعصوم ظنياً مؤخراً ، وغير المعصوم قطعياً مقدماً عليه . هذه دعوة إلى التخلي عن الكتاب والسنة بعد أن ضمن النبي ïپ¥ العصمة لمن تمسك بهما قائلا " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي " ولم يضمن العصمة لمن تمسك بعقله ، فإن كثيرا من الضالين عباقرة .
هؤلاء يزعمون أن العصمة حاصلة بما أوتوا من عقل .
هل وقف السلف موقفاً موافقاً لهذه القاعدة أم أن الشرع كان عندهم دائماً مقدم على عقولهم . اسمع وتدبر:

نموذج من استخدام الصحابة للعقل :
فإنه لما أنكر أعرابي أن يكون ابتاع النبي ïپ¥ منه فرسه وطلب شهوداً على ذلك فقدم خزيمة الأنصاري وقال : أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله ، فقال له النبي ïپ¥ بم تشهد ؟ قال بتصديقك يا رسول الله . فجعل النبي ïپ¥ شهادة خزيمة بشهادة رجلين " ( ) .
فهذه الحادثة تبين موقف العقل السليم من كلام الله ورسوله وأنه شاهد لهما بالصدق والكمال لا حاكما عليهما. وليس مدق التسليم للسمع ولا تعظيمه : تقديم العقل عليه وإلا كان ذلك قدحا في العقل نفسه ، حيث شهد بأن نصوص الشرع من عند الله وأن ما يأتي من عند الله لا يحصل فيه تناقض { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } .
فلا اعتبار لعقل لا يشهد بصدق النقل ، فالعقل ليس معصوماً والنقل معصوم والله تكفل بحفظ وحيه ولم يتكفل بحفظ عقول البشر من الزلل والخطأ .
فصفات الله صفات كمال ، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال ودل أيضاً على أن كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن اتصاف الله به فالله أحق بهذا الكمال من المخلوق . والطعن بالأدلة النقلية طعن بالعقل الذي شهد بكمالها وعصمتها عن الزلل والخطأ لأنها من عند خالق العقل .
ومن وصية الله لعباده { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء 59 ] ، ولم يقل فرُدُّوه إلى عقولكم . فإن هذه العقول تتفاوت ، فمرة تثبت سبع صفات ثم تكتشف عقول المتأخرين ست صفات إضافية فيصير المجموع 13 ويكتشف آخرون سبعة أخرى فيصير المجموع 20 صفة ومن هذه العقول من يثبت صفة من الصفات فيأتي عقلٌ آخر ويجعل إثباتها كفراً . وقد تقدم تصريح العز بن عبد السلام بأن الأشاعرة مختلفون في كثير من صفات الله تعالى ( ) .
وهكذا فالعقول تتخبط ولا تستقر على شيء ، بينما أدلة الشرع ثابتة متناسقة لا تتغير. والدليل على ذلك أن ننظر إلى عبقرية رجل كابن سينا ، لم تستفد أوروبا من كتاب استفادتها من كتابه (القانون في الطب) غير أن علومه الدينية متخبطة ولم يزدد بعقله إلا زندقة وبعداً عن الهدى .

تقليد أعمى لا عقلانية
إن القوم مقلدة في الحقيقة وليس عقلانيين .
فأي عقل دل الأشاعرة على صحة اعتقاد رؤية بلا محل ؟
بل يلزم عقلا نفي رؤية الله عز وجل لأن الرؤية تكون في محل ومقابلة ، وأما رؤية من ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل ولا خارج محال عقلا ومردود شرعاً .
إذ أي عقل يقبل رؤية العدم ؟
فإما أن تنفوا أن الله في العلو فيلزمكم معه نفي رويته .
وإما أن تثبتوا علوه تعالى كضرورة من أجل إثبات رؤيته.
وإلا فنقول لكم ما قاله لكم المعتزلة " من سلّم أن الله ليس في جهة وادّعى مع ذلك أنه يُرى فقد أضحك الناسَ على عقله " ( ) .

مذهب أبى الحسن الأشعري في الصفات

وكان أبو الحسن الأشعري رحمه الله من المعتزلة ، غير أنه رجع عن ذلك إلى إثبات جميع ما وصف الله به نفسه ، وأعلن أن " مذهب أهل السنة والجماعة عدم التأويل، وأنهم يثبتون لله اليدين والعينين " ( ) والوجه والاستواء ولا يتأولون ذلك " ( ) .
- وقد سرد الذهبي عقيدة الأشعري الموافقة لأهل السنة وخروجه عن التأويل الذي كان عليه المعتزلة ( ) .
- غير أن المنتسبين إليه من بعده يتجاهلون ما انتهى إليه حال الأشعري رحمه الله من إثبات ما أثبته الله ورسوله. ويجهلون حقيقة عقيدة المعتزلة في كثير من كتبهم ومن هنا خفي على الأشاعرة المتأخرين التأويلات المتقدمة للمعتزلة فتبنَّواْ تأويلاتهم ودافعواعنها معتقدين أنها تأويلات أهل السنة بينما هي عين تأويلات المعتزلة .
وظن آخرون منهم أن المعتزلة لم يكونوا يؤولون الصفات وإنما كانوا ينفونها ويكذبونها. وهذا غير صحيح وإنما كانوا يقولون ما يقوله كثيرون اليوم: نؤمن بهذه الصفات لكننا نعتقد أن ظاهرها غير مراد ( ) .
بل نص أحمد على أن جهم بن صفوان كان " يتأول القرآن على غير تأويله " ( ) . فأثبت له تأويل الصفات لا جحودها .
وذكر المرتضى الزبيدي أن المعتزلة " تصرفوا في الألفاظ بمقتضى عقولهم فأولوا وبدلوا " ( )
ولو أن المعتزلة نفوا الصفات وردوها نصاً لما اختلف في كفرهم ( ) أحد وإنما كانوا يؤولون الصفات على النحو الذي نرى الأشاعرة أخذوه عنهم. فيؤولون اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء والمجيء بمجيء الأمر والنزول بنزول الملك .
ولذلك نقل أبو الحسن الأشعري لنا تأويلاتهم كقولهم " نزول الله معناه نزول آياته أو نزول الملك بأمره ( ) . وهذا تأويل يصر الحبشي على أنه مذهب أهل السنة.
وفي هذا دليل على أن المعتزلة كانوا يعتمدون التأويل فانه لما ترك أبو الحسن الأشعري الاعتزال ترك معه التأويل . واعتبر تأويل المعتزلة إنكاراً لصفات الله . فأعرض عن طريقتهم وأعلن في كتابه الإبانة أنه على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل ، هذا الكتاب الذي لا يزال يتجاهله من ينتسبون للأشعري إلى اليوم. ويتجاهلون الحال التي انتهى إليها من مخالفة أهل الكلام والتأويل ، وموافقة الإمام أحمد في السنة واثبات الصفات .

مراحل الأشعرية الفكرية

وقد نقل المرتضى الزبيدي عن ابن كثير بيان مراحل أبي الحسن الفكرية وهي على ثلاث مراحل :
• الأولى : حال الاعتزال التي رجع عنها .
• الثانية : إثبات الصفات العقلية السبعة : الحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام ، وتأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق . وهذه الطريقة اتبع فيها عبد الله بن سعيد بن كلاب ( ) .
منقول

عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:04 PM
• الثالثة : إثبات الصفات جميعها من غير تكييف ولا تشبيه ، جرياً على منهاج السلف ، وهذا ما يظهر في كتابه الإبانة ( ) .
غير أن أمر الأشاعرة قد استقر من بعده على المرحلة الثانية فقط .

اعتراف السبكي برجوع الأشعري إلى مذهب احمد

وقد أكد السبكي هذا الأمر وهو أن الشيخ الأشعري رجع إلى مذهب السلف وأن عقيدته هي عقيدة أحمد بلا شك ولا ارتياب ، وأن الأشعري صرح هو نفسه بذلك مراراً في تصانيفه " أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المُبَجَّل ، أحمد بن حنبل " قال السبكي : هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع كلامه ( ) .

حول كتاب الإبانة للأشعري

وقد حاول البعض التشكيك في المرحلة الثالثة وأنكروا نسبة كتاب الإبانة إليه ، ولكن الدراسات الجادة التي قام بها العديد من الباحثين أكدت تمثيل هذا الكتاب للمرحلة الثالثة للأشعري ، مستبعدين أن يكون كتاب اللمع واستحسان الخوض في علم الكلام آخر كتبه ( ) .
وعمد الأحباش إلى التشكيك في صحة نسخة الإبانة التي بأيدينا ، وزعموا أن النسخ التي يعتمد عليها خصومهم " مدسوسة ولا يستطيعون أن يظهروا نسخة موثوقاً بها " ( ) .
وهل يملك الأحباش مخطوطة صحيحة سليمة من التحريف ؟
لو كانوا يملكون ذلك لأظهروه ولكنه ادعاء وتحكم .
ونحن نحتج عليهم بالفقرات التي نقل الحافظ ابن عساكر من كتاب الإبانة واستحسنه الكوثري وأقره في تحقيقه لرسالة التبيين للحافظ ابن عساكر.

توثيق الحافظ ابن عساكر والبيهقي كتاب الإبانة
- وخالفهم أعلم الناس بمذهب الأشعري وهو الحافظ ابن عساكر والحافظ البيهقي اللذان أثبتا ( ) صحة نسبته إليه .
فقد أكد ابن عساكر أن الأشاعرة القدامى لا يزالون يعتقدون ما في كتاب الإبانة أشد الاعتقاد ( ) .
قلت : إلا عند الأشاعرة المتأخرين .
قال الحافظ ابن عساكر " وأنشدني بعض أصحابنا [ في الثناء على الإبانة]:
لو لم يصنّف عمره غير الإبــانة واللمـع
لكفى ، فكيف وقـد تفنّن في العلوم بما جمـع
وحكى ابن عساكر عن أبي عثمان الصابوني النيسابوري قال : ما كان يخرج إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به ( ) . وإنما يحكى ابن عساكر والصابوني ما انتهى إليه الأشعري من الاعتقاد على وجه التمدح والثناء على عقيدته .
- كذلك احتج ابن عذبة من الحنفية بالكتاب ( ) .
- وأثبته المرتضى الزبيدي في كتابه إتحاف السادة المتقين (2/4) .
- وكذلك أثبت الذهبي نسبة كتاب الإبانة للأشعري قائلا " وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن ، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ، ونسخه الإمام محيي الدين النووي بخطه " ( ) .
ولعل هذا ما اضطر الكوثري للاعتراف بصحة نسبته إليه غير أنه زعم في تعليقاته على تبيين كذب المفتري أن أبا الحسن كان يساير به الحنابلة ويستدرجهم ( ).
ولا نتوقع هذه التقية من الأشعري وهو الذي وقف وقفته الشجاعة في صحن المسجد وأعلن رجوعه عن الاعتزال ولا يزال التاريخ يسجل له هذا الموقف ، وهذا الاعتذار الكوثري ليس سوى طعنة في صدر الأشعري .
وقد احتج منكرو كتاب الإبانة بأن أبا بكر بن فورك ذكر مصنفات الأشعري ولم يذكر منها الإبانة ، لكن ابن عساكر استدرك على ابن فورك مصنفات أخرى للأشعري فاتته ولم يذكرها مثل رسالة الأشعري إلى أهل الثغر ورسالة الحث على البحث ( ) فلماذا لا تكون رسالة الإبانة من بينها ؟ . والمثبت مقدم على النافي .
على أن إغفال ابن فورك كتاب الإبانة لا يؤثر كثيراً فقد دوَّن الأشعري في (مقالات الإسلاميين) التزامه بمذهب السلف وأعلن إثبات الصفات كلها كالوجه واليدين والاستواء والنزول على الوجه اللائق بالله .

نقد القاعدة الكلية للرازي

ذهب الرازي الى تقديم الدليل العقلي على الأدلة الشرعية وحجته أن العقل أصلٌ في إثبات الشرع فإذا خالف الدليل الشرعي الدليلُ العقلي وجب تقديم الدليل العقلي عليه ووجب تأويل الدليل الشرعي بما يوافق الدليل العقلي ( ) ، وذهب الغزالي الى أن العقل حاكم لايكذَّب قط، وأن من كذَّب العقلَ فقد كذّّب الشرع. ولولا صدق العقل لما عُرِف النبُي من المتنبي ( ) .

أصابتهم عدوى المعتزلة
• وقد زعموا أن الاشاعرة قرروا مذهب أهل السنة بالأدلة العقلية : كذلكم قالت المعتزلة ما قبل .
وهو عودة بالناس إلى مذهب المعتزلة بعدما أبعدهم الأشعري عنه . فقد صرح القاضي عبد الجبار (رأس المعتزلة) أن " الأدلة أربعة : حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ومعرفة الله لا تُنال إلا بحجة العقل ( ) .
وذكر المرتضى الزبيدي أن المعتزلة " تصرفوا في الألفاظ بمقتضى عقولهم فأولوا وبدلوا " ( ) . وكفى بذلك دليلا على تسرب المرض الاعتزالي إلى المذهب الأشعري .
فالمعتزلة أنكروا عذاب القبر ( ) وبرهنوا لذلك بحجة عقلية جعلتهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة فقالوا إننا نشق عن الميت بعد دفنه فلا نرى أثراً لأي تعذيب. وقد حكمت عقولنا بما رأت عيوننا. وبمقتضى تقديم الرازي للعقل يصيرون معذورين فيما تأولوه. وهذا يؤكد أن قانون الرازي يمثل منعطفاً اعتزالياً آخر.
فبأي ميزان حكم الرازي على أن الدليل العقلي (غير المعصوم) مقدم على الدليل الشرعي (المعصوم) ؟ وكيف حكمت عقولكم بوقوع العذاب للميت مع انعدام أثر التعذيب لمن عاين القبر؟ يلزمكم أن تقولوا بالعذاب النفساني لوقوع التعارض بين العقل والنقل بمقتضى قاعدة الرازي التي قرر فيها أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل !
فما أفسد ميزان من جعل المعصوم ظنياً مؤخراً ، وغير المعصوم قطعياً مقدماً عليه . هذه دعوة إلى التخلي عن الكتاب والسنة بعد أن ضمن النبي ïپ¥ العصمة لمن تمسك بهما قائلا " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي " ولم يضمن العصمة لمن تمسك بعقله ، فإن كثيرا من الضالين عباقرة .
هؤلاء يزعمون أن العصمة حاصلة بما أوتوا من عقل .
هل وقف السلف موقفاً موافقاً لهذه القاعدة أم أن الشرع كان عندهم دائماً مقدم على عقولهم . اسمع وتدبر:

نموذج من استخدام الصحابة للعقل :
فإنه لما أنكر أعرابي أن يكون ابتاع النبي ïپ¥ منه فرسه وطلب شهوداً على ذلك فقدم خزيمة الأنصاري وقال : أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله ، فقال له النبي ïپ¥ بم تشهد ؟ قال بتصديقك يا رسول الله . فجعل النبي ïپ¥ شهادة خزيمة بشهادة رجلين " ( ) .
فهذه الحادثة تبين موقف العقل السليم من كلام الله ورسوله وأنه شاهد لهما بالصدق والكمال لا حاكما عليهما. وليس مدق التسليم للسمع ولا تعظيمه : تقديم العقل عليه وإلا كان ذلك قدحا في العقل نفسه ، حيث شهد بأن نصوص الشرع من عند الله وأن ما يأتي من عند الله لا يحصل فيه تناقض { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } .
فلا اعتبار لعقل لا يشهد بصدق النقل ، فالعقل ليس معصوماً والنقل معصوم والله تكفل بحفظ وحيه ولم يتكفل بحفظ عقول البشر من الزلل والخطأ .
فصفات الله صفات كمال ، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال ودل أيضاً على أن كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن اتصاف الله به فالله أحق بهذا الكمال من المخلوق . والطعن بالأدلة النقلية طعن بالعقل الذي شهد بكمالها وعصمتها عن الزلل والخطأ لأنها من عند خالق العقل .
ومن وصية الله لعباده { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء 59 ] ، ولم يقل فرُدُّوه إلى عقولكم . فإن هذه العقول تتفاوت ، فمرة تثبت سبع صفات ثم تكتشف عقول المتأخرين ست صفات إضافية فيصير المجموع 13 ويكتشف آخرون سبعة أخرى فيصير المجموع 20 صفة ومن هذه العقول من يثبت صفة من الصفات فيأتي عقلٌ آخر ويجعل إثباتها كفراً . وقد تقدم تصريح العز بن عبد السلام بأن الأشاعرة مختلفون في كثير من صفات الله تعالى ( ) .
وهكذا فالعقول تتخبط ولا تستقر على شيء ، بينما أدلة الشرع ثابتة متناسقة لا تتغير. والدليل على ذلك أن ننظر إلى عبقرية رجل كابن سينا ، لم تستفد أوروبا من كتاب استفادتها من كتابه (القانون في الطب) غير أن علومه الدينية متخبطة ولم يزدد بعقله إلا زندقة وبعداً عن الهدى .

تقليد أعمى لا عقلانية
إن القوم مقلدة في الحقيقة وليس عقلانيين .
فأي عقل دل الأشاعرة على صحة اعتقاد رؤية بلا محل ؟
بل يلزم عقلا نفي رؤية الله عز وجل لأن الرؤية تكون في محل ومقابلة ، وأما رؤية من ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل ولا خارج محال عقلا ومردود شرعاً .
إذ أي عقل يقبل رؤية العدم ؟
فإما أن تنفوا أن الله في العلو فيلزمكم معه نفي رويته .
وإما أن تثبتوا علوه تعالى كضرورة من أجل إثبات رؤيته.
وإلا فنقول لكم ما قاله لكم المعتزلة " من سلّم أن الله ليس في جهة وادّعى مع ذلك أنه يُرى فقد أضحك الناسَ على عقله " ( ) .

إساءة استخدام العقل

ويقف الأشاعرة من العقل موقفاً متناقضاً :
- ففي مسألة رؤية الله تعالى يساوون بين العقل والنقل.
- وفي التحسين والتقبيح العقلييْن يقدمون النقل على العقل " خلافاً للمعتزلة " ويقولون بأنه يجب أن تكون التكاليف ومسألة البعث والجزاء شرعية لا عقلية .
- أما مسائل الصفات فإنهم جعلوها عقلية بالدرجة الأولى . وهذا اضطراب منهجي وتناقض صارخ. فإن من يتورع عن تقديم العقل في مسائل الحلال والحرام والبعث والنشور يجب أن يكون أكثر ورعاً في مسائل الصفات الإلهية .



عقلانية الماتريدية اعتزالية النزعة

وقد صار العقل عند الماتريدية مصدراً من مصادر معرفة العقيدة وسرت هذه العقلانية المفرطة بينهم حتى حكى الشيخ زادة عن عامة مشايخ الحنفية الماتريدية قولهم أن الله لو لم يرسل الرسل لكفى حجة الله عليهم بعقولهم ( ) وخالفوا بذلك صريح قوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء 15 ] ، وهذه نزعة اعتزالية .
وهم في ذلك عالة على شيخهم الماتريدي الذي جعل العقل مناط معرفة الدين أصلا وفرعاً كقوله :
والعقل سبيل معرفة حجة الرسل ... والعقل سبيل إدراك معنى أوامر الله . . . والعقل إنما هو لإدراك العواقب ( ) .
والعقل سبيل شكر المنعم ( ) .
ومع هذا كله فقد اعترف الماتريدي بقصور العقل وأنه " مخلوق له حد كغيره من وسائل الإدراك : يعترضه ما يعترض غيره من الآفات مع غموض الأشياء واستغلاقها " ( ) . وهذا متعارض مع جعل العقل أصلا يقدمونه على الأدلة السمعية . ويؤكد ذلك أن ما يدفعون به الأدلة السمعية ويستعملونه في تأويلها يكون باعترافهم محتملاً لا مقطوعاً به . مثال ذلك :



جملة احتمالات الماتريدي :
فحين وجد الماتريدي آيات القرآن صريحة في زيادة الإيمان وفي بطلان مذهبه في عدم زيادة الإيمان كقوله تعالى { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } لجأ إلى استخراج وجوه الاحتمالات فقال :
[1] يحتمل أن تعني الزيادة هنا زيادة الحجج والبراهين .
[2] يحتمل أن تكون زيادة الإيمان داعية إلى الوفاء بشروطه .
[3] يحتمل أن تكون الزيادة من حيث الفضيلة والكمال لا من حيث العدد والعمل .
[4] يحتمل أن تكون الزيادة بمعنى قوته ونوره وزيادة ثماره .
[5] يحتمل أن تكون الزيادة بمعنى زيادة الثبات .

جملة احتمالات ابن فورك
- ومن الصعب إحصاء المرات التي كرَّر فيها ابن فورك من قوله (ويحتمل . . . ) ومن أراد عمل إحصائية بعدد احتمالات وجوه تأويلاته فلينظر كتابه ( مشكل الحديث وبيانه ) فإنه ملأه بالاحتمالات وتعجل في تأويل الأحاديث الضعيفة والموضوعة من غير تفحص لأسانيدها.
قال الحافظ عند شرح حديث " إن الله يمسك السموات على إصبع "
" وعن ابن فورك: يجوز أن يكون الإصبع خلقاً يخلقه الله فيحمله الله ما يحمله الإصبع ويحتمل أن يراد به القدرة والسلطان " ( ) .
الأمر الذي حدا بالكوثري إلى نقده مرات عديدة قائلا " وابن فورك كثيراً ما يطيش سهمه في باب التأويل ويحاول أن يؤول كل ما استدل به المشبهة " ثابتاً أو غير ثابت " ( ) . بل وصف تأويلاته بأنها من قبيل تأويلات الباطنية.
قلت : ومن ذلك قوله :
" أن الله لما قضى خلقه استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى. قال " فيه وجهان من التأويل " (مشكل الحديث وبيانه 120- 121).
" إن الله إذا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عن بعضه " قال " يحتمل أن يكون المراد بقوله " أبدى عن بعضه " أي عن بعض آياته " (مشكل الحديث وبيانه 254).
" ساعد الله أشد من ساعدك وموساه أحد من موساك " ( ) . قال ابن فورك " أي أمره أشد من أمرك ... وأما قوله ( وموساه أحد من موساك) لما كانت الموسى آلة للقطع عبر عن القطع بالموسى " (مشكل الحديث وبيانه 257).
" إن الله سبحانه قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم " قال " معنى قرأ أي أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه من الملائكة في ذلك الوقت " (مشكل الحديث وبيانه 289).
وهكذا يأتي ابن فورك بالأحاديث الصريحة الكذب ويبحث لها عن تأويل .
قال الحبشي عن الحافظ ما نصه " وقد اشترط الحافظ ابن حجر أن يكون الحديث الوارد في الصفات متفق على ثقة رواته " ( ) .
فانظروا إلى تناقض أهل البدع في المنهج.
فالمتكلمون لم يوفوا بما اشترطوه وهو أن لا يتكلموا في العقائد إلا بالأدلة القطعية. هذا الشرط الذي دفعهم إلى رد أحاديث الآحاد واعتبارها ظنية مع أنها في البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأمة بالقبول .
- فالتأويل ظني الدلالة باعتراف الماتريدي ( ) ومع ذلك اعتمدوه في العقائد وبكثرة . والعقل قدموه على الأدلة النقلية السمعية في العقائد ، مع اعتراف الماتريدي أيضا بقصوره .

أيهما الأصل العقل أم الشرع ؟

ما هو مصدر التأويل ؟
وما الذي سوغ إثبات الصفات السبع وتأويل غيرها ؟
وما الحجة التي دفعت إلى اعتماده قبل الشرع ؟
يجيبنا الباقلاني والأشاعرة بأن العقل دل على إثبات وجود الله ، ووافقه الماتريدية الذين جعلوا العقل مصدر التلقي والحجة التي يقيمها الله على العباد ولو لم يرسل الرسل ، إذ الرسل عندهم قد أتوا لبيان مكملات الدين ، فان أصله [ أي الدين ] يعرف بالعقل ( ) . فالأدلة العقلية مقدمة عندهم على الأدلة الشرعية في مسائل الاعتقاد .
وهذا باطل لما يلي :
• أن وجود الشرع ثابت قبل أن يثبت العقل وجوده ، ولا ينتظر الشرع من العقل أن يثبته . وقد شرع الله قبل خلق العقول. فإذا كان الدليل الشرعي موجوداً قبل خلق عقلك فكيف يكون عقلك دليلا مقدماً عليه ؟
• أن الأدلة العقلية التي يسمونها (قواطع عقلية) يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها بينما الأدلة الشرعية لا يأتيها الباطل من بين يديها وما خلفها. والتباس المسائل على العقول دليل على وجوب تقديم شرع الله (الكامل ) على عقل الإنسان ( الناقص ) . ولقد أحسن الباقلاني حين ذكر مراتب الأدلة وجعل العقل في المرتبة الخامسة ( ) : ويا ليت لسان حاله لازم لسان مقاله .
• أن العقول على نوعان : عقل ضال مختوم عليه وعقل مهتد موفق. فالعقل المختوم عليه تَرِدُ عليه الوساوس ويزين الشيطان فيه الباطل فيستحسنه ويقبح له الحق فيستشنعه . والمرض لا يصيب البطون والأعضاء فقط، وإنما يصيب العقول أيضا.
• أن المعلوم من حال المتكلمين : أن تاليهم يأخذ عن سابقهم ، وآخرهم يأخذ عن أولهم : تقليداً أعمى وليس من نتاج أفكارهم . بل إن كثيراً مما زعموا أنه عقليات ما هو إلا نقليات مأخوذة عن المعتزلة .
أن هؤلاء يجترئون على الله أن يقولوا : إذا تعارض العقلي والنقل قدمنا العقل ، ولكنهم لا يقولون أبداً : إذا تعارض قولي مع قول شيخي قدمت قولي على قول شيخي . بل إذا تصوفوا أخذوا بالمبدأ الصوفي ( لا تعترض فتنطرد ) فهم يتعاملون مع كتاب ربهم وسنة نبيهم معاملة خالية عن التعظيم والثقة .

موقف أهل السنة من دور العقل

فأهل السنة يؤمنون :
ا) أن العقل الصحيح لا يمكن أن يتناقض مع النص الصريح . وقد قال الأحباش " أن الشرع لا يأتي بما تحيله العقول " ( ) . فإن العقول لها حد ، إن وقفت عند حدها نجت وسلمت ، وإن تعدته ضلت وعطبت .
2) أن العقل شاهد على كمال الشرع وصدق السمع وصحته وعدم تناقضه وأن الرسول معصوم في خبره عن الله ، واثق من عدم تناقضه. فما أخبر الصادق المصدوق هو ثابت في نفس الأمر: تبين للعقل ثبوته أم لم يتبين ، وعدم العلم ليس علماً بالقدم. فالعقل ليس أصلا لثبوت الشرع .
ولكن هل من العادة أن يقبل العقل الاكتفاء بمسح المتوضئ على الجوارب وغمس الذبابة في الإناء لولا أن الشرع أتى بذلك ، ومع ذلك ما زالت عقول بعض الأشاعرة تؤول حديث الذبابة وتنفر منه !!!
أليست العقول متفاوتة في إدراكها بين عقول تحيل رؤية الله وعقول تجوزها! ولو اتبع الحق اختلافات العقول بين محيل ومجوز لفسد وحي الله واختلط الحق بالباطل .
3) أن العقل من النقل بمنزلة العين من الشمس فالعين ضرورية للرؤية لكن وظيفة الرؤية تتعطل إن لم تمد الشمس العين بالنور الذي ترى به . ولولا نور الشمس لما أعملت العين وظيفتها. فالشرع منزّل من الله الذي خلق العقل ولا يجوز الوثوق بالعقل أكثر من شرع الله .
4) أن العقل من النقل بمنزلة العبد من السيد فليس من اللائق تقديم العبد على سيده مثلما يفعل المعتزلة حيث جعلوا عقولهم بمنزلة السيد وجعلوا الشرع عبداً لهم .
5) أنه لولا الشرع المنزل على محمد ïپ¥ لكانت عقولُنا إما عقول يهود أو نصارى أو مجوس أو وثنيين . ولذلك كان على العقل أن يعترف بفضل الشرع عليه لا أن يجعل نفسه فاضلا عليه .
6) أن هؤلاء المتكلمين والفلاسفة الشاكين في نصوص السمع ، الذين قدموا عقولهم عليها والذين يقولون في أنفسهم لماذا قال الله ذلك ورسوله ؟ هؤلاء مسبوقون بالمنافقين الذين إذا خرجوا من عند رسول الله ïپ¥ الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم قالوا { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً } فالله يضل من كان في قلبه مرض بالرغم من وجود عقله المريض ، فيظن لمرضه أن الأدلة السمعية لا تتفق مع عقله . نعم : إن الأدلة السمعية لا تتفق مع عقول المرضى.
• أن على العقل الذي يدعي صاحبه الإسلام أن يسلم للخالق ويخضع له فان الله اشترط لحصول الإيمان تحكيم كتاب الله وسنة نبيه ïپ¥ من غير أن يجدوا في أنفسهم حرجاً ويسلموا تسليما. ولم يمهلهم أن يُعملوا عقولهم قبل التسليم لله وليس من الإيمان أن يقول قائل: أنا أؤمن بالرسول ما لم يظهر لي ما يتعارض مع عقلي ! بل إن معارضة النصوص بما تمليه العقول هو من شيم وأفعال الكفار الذين قال الله فيهم { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } [غافر4] .
ولو كان هناك تعارض بين العقل والنقل لوقع هذا التعارض بين الأدلة النقلية وعقول السلف ، والسلف أرجح عقلا ممن جاء بعدهم. غير أنهم لم يشعروا بهذا التعارض - أعني الوساوس- وبالتالي لم يقدموا عقولهم على الأدلة الشرعية ، ولم يستخرجوا لها التأويلات التي استخرجتها عقول الخلف الذين يشترطون للاستدلال بالأدلة الشرعية العلم بعدم المعارض العقلي . حتى قال الأيجي بأن " في إفادتها لليقين في العقليات نظر" ( ) . وقرر الآمدي أن دلالة الكتاب والسنة تتقاصر عن إفادة القطع ( ) .
• أن الشافعي نص على " أن العلم بالصفة قبولاً وردّاً وتأويلاً مما لا يُدرَكُ بالعقل " ( ) .
- وقال أبو حنيفة " لا ينبغي أن ينطق في الله بشيء من ذاته ولكن يصفه بما وصف به نفسه ، ولا يقول فيه برأيه شيئاً " ( ) . فهل الاستيلاء رأي أم لكم فيه سلف ؟ ومن من السلف قال بذلك .
• ومع أنهم يحتجون بحديث " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا " ( ) فانهم يخالفونه بكثرة تفكرهم في ذات الله حتى استخرجت أفكارهم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء وأن اليد بمعنى القدرة وأن جبريل فهم ما في نفس الله من المعاني وصاغها بألفاظ من عنده . وأن لله تعلقات وإضافات هي فعله وليست من صفاته . . . إلخ .
- ومع أنهم يقولون " لا قبح ولا حسن إلا بالشرع " إلا أنهم يستقبحون ما استحسن الشارع وصف نفسه به .
• قال ابن السمعاني " فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل ، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول ، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول " وقال " وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيماناً وتصديقاً ، وما لم نعقله قبلناه تسليماً واستسلاماً " ( )
ثم إن الواقع أثبت عدم أهلية العقل لهذه المهمة ولو كان مؤهلا لاستخراج معان غير التي يدل عليها الظاهر فلماذا تخلى العقل عن هذه المهمة عند قسم كبير من الماتريدية والأشاعرة ففوضوا الصفات وتبرءوا من العلم بها والقسم الآخر منهم أولوا ولكن لم تأت عقولهم بمعان مقطوع بها وإنما محتملة، والاستدلال بالمحتمل محرم في العقائد عندهم .
• أن المؤولة من الأشاعرة والماتريدية يستاؤون من تأويل المعتزلة لنصوص عذاب القبر من عذاب حقيقي إلى آلام نفسانية معتبرين ذلك من ضلالات المعتزلة ، ويطالبونهم بالرجوع عن التأويل ، فهاهم هنا يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية ويطالبون المعتزلة أن يحذوا حذوهم ، ويحكمون بكفر من يتأول عذاب القبر إلى عذاب مجازي ، مع أنهم يقدمون الأدلة العقلية على النقلية في صفات الله ، ويستبيحون لأنفسهم الحكم على بعض صفات الله بالمجاز ويعدلون بها عن حقائقها بغير علم ولا هدى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [القصص50] ، علماً بأن الخوض في ذات الله أعظم شأناً من تأويل ما دون ذلك. فما هو مستندهم في تقديم عقولهم في الصفات وتأخيرها في مسائل القبر مع أن كلا المسألتين من الغيب الذي لا نعلم عنه شيئاً إلا بنص من كتاب أو سنة ؟
ولهذا لما أنكرت الأشاعرة على الفلاسفة إنكارهم عذاب القبر قال لهم الفلاسفة " قولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله " بمعنى أننا وإياكم في التأويل سواء، فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل في صفات الله وتحرمون علينا تأويل عذاب القبر والصراط والميزان ؟
وهم في مسائل البدعة يميلون إلى التحسين والتقبيح العقليين فيقولون: ما رأيناه من البدع حسناً فهو عند الله حسن. وهذا تأثر واضح بالمعتزلة الذين يجعلون الرأي في الدين أصلاً يعتمدون عليه . ومخالفة لما قرره الأشاعرة بأنه لا مجال للعقل في التحسين والتقبيح وإنما يقتصر على ما استحسنه الشرع حتى قال التفتازاني " لو أمر- أي الله- بما نهى عنه صار حسناً " ( ) .

بين الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين

وكان الأشاعرة المتقدمون يُسَمَّوْن " الصفاتية " بسبب تميزهم عن المعتزلة بإثباتهم جميع الصفات .
ثم افترق المتأخرون من بعدهم : فرقة منهم تؤول الصفات ، وفرقة لم تتعرض للتأويل ، ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية ( ) واستمر المتأخرون منهم في الخروج عن خط شيخهم أبى الحسن حتى أدى ذلك إلى اختفاء مذهبه في وهج من الفلسفة ( ) .
وإذا كان الغلط فى المتقدمين شبراً فقد استفحل وتطور حتى صار في الأتْبَاع ذراعاً ثم باعاً.
وأبو الحسن قد وُفِّق إلى الصواب في أكثر المسائل إلا ما أخذ عليه في مسألة الكلام وأفعال العباد وهو فيها عالة على عبد الله بن كلاب الذي وصفه الأشاعرة المتقدمون كالبغدادي والشهرستاني بأنه شيخهم ( ) .
ويصفه ابن حزم بأنه شيخ الأشاعرة القديم ( ) .
ولذا يقول ابن تيمية " والأشعرية غلب عليهم أنهم مرجئة في باب " الأسماء والأحكام " جبرية في " باب القدر" وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم " ( ) .

مذهب الباقلاني من الصفات

وقد انتهى ، الباقلاني إلى الرجوع عن التأويل إلى مذهب السلف ، وأثبت صفات الوجه واليدين على الحقيقة وذلك في كتابه " التمهيد " الذي احتج به ابن تيمية وابن للقيم ( ) وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة اليوم ( ) . وقسّم صفات الله إلى ذاتية وفعلية وذكر أن من الصفات الذاتية لله : الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى.

رجوع الرازي عن التأويل
والرازي من أشهر متكلمي الأشاعرة وهو صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدَّمه على الأدلة الشرعية التي صرح بأنها لا تفيد اليقين ولا يجوز التمسك بها ( ) . وهذا طعن بالله الذي أنزل هذه الأدلة وسماها برهـاناً كما قال { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ }. ويلزم منه عدم التيقن بالبعث والنشور الذي قرر الأشاعرة أنه يقتصر في التدليل عليها بالأدلة النقلية. فيلزم منه أن يصير الدين كله ظنياً لأن أساس الدين (قال الله قال الرسول) والله نهى عن اتباع الظن .



شرط اعتزالي لقبول النصوص الشرعية
وكان الرازي قد قرر أنه لا يصح الاعتماد على الأدلة اللفظية- أي الكتاب والمسنة- وعدم إفادتها اليقين إلا بعشرة شروط : عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة ، وعدم الإضمار ، والتأخير ، والتقديم ، والنسخ ، وعد المعارض العقلى الذي لو كان لرجح عليه " ( ) .
وهذا من أصول الإلحاد في الدين والتشكيك فيه ، ومدخل للإلحاد وانعدام الثقة بكلام الله ورسوله ïپ¥ .
ولهذا شهد الحافظ ابن حجر على الرازي بأن له " تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة ، وكان يورد شُبه الخصم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء ( )
وشروطه من باب تكثير المقدمات من غير حاجة ، وهو كذب ظاهر فان الصحابة والتابعين وأئمة الفقه والنحو والتفسير لم يطرحوا مثل هذه الشروط التعجيزية لقبول النصوص السمعية.
والذين { بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } إنما استفادوا اليقين من الأدلة اللفظية فإن عقولهم لا تعرف شيئاً عن تفاصيل الآخرة ولا تهتدي إليه وهو ما اعترف المتكلمون به وصرحوا بأن أمور الآخرة والمعاد لا مدخل للعقل فيها.
لقد كان الرازي متفلسفاً يأخذ من قواعد الفلاسفة ويصبها في قالب المذهب الأشعري وكانت له شروح على كتب الفلاسفة أهمها (شرح إشارات ابن سينا) و (المباحث الشرقية) وفي هذا الأخير (1/382– 383) يوجه اللوم على من يشوه صورة الفلاسفة ولا يؤول كلامهم على أحسن المحامل ! ولذا وصفه السنوسي في الكبرى بأنه كان مولعاً بآراء الفلاسفة ( ) .
غير أن الرازي قلَّتْ ثقته بالعقل الإنساني وأدرك عجزه فأوصى وصية تدل على أنه حسن اعتقاده فقال قبل موته " لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا... " ( ) ونجد عند السبكي تفاصيل هذه الوصية ( ) وفيها يظهر الندم على تعاطي علم الكلام عندما كان أشعرياً ، ولم تكن توبته من الاعتزال . فهل يجوز أن يظل بعض الناس مُصِرِّين على الاقتداء به في أصل الدين ؟ متجاهلين وصيته.
وقد أبدى قلة ثقته بالعقل أثناء استعراض أقوال المعتزلة والأشاعرة حول مسألة التحسين والتقبيح العقليين قائلا " واعلم أن هذه المذاهب ظهر في كل واحد منها من المدائح والقبائح ، فعند هذا قال أصحاب الخيرة والدهشة : إن هذه الدلائل ما بلغت في الوضوح والقوة إلى حيث تزيل الشك وتملأ لقوتها ونورها : العقل. بل كل واحد منها يتوجه فيه نوع غموض " ( ) . وهكذا لما اعتمدوا على العقل زادت شكوكهم .



رجوع الغزالي عن التأويل
وهو من أبرز الراجعين عن منهج التأويل : ويمتاز بأنه كان يُكثر من نقد علم الكلام وأهله حتى وهو في أعمق مراحل التصوف . غير أنه أعلن قبيل موته بأيام معدودة استنكاره الشديد لطريق التأويل وعلم الكلام وأنه بدعة مذمومة ومخالفة للسلف. ووصف التأويل بصفته اللائقة به " التعطيل " وأفتى بحرمة خوض العلماء والوعاظ في التأويل ، حكاه عنه المرتضى الزبيدي. وأوضح أن " علاج وهم التشبيه " أسهل من علاج التعطيل ، إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ( ) .

مذهب الجويني في الصفات ونقده للتأويل
وبعدما أورد الحافظ ابن حجر مذاهب الناس في صفات الله نقل عن إمام الحرمين الجويني رحمه الله قوله كما في رسالته النظامية " والذي نرتضيه رأيا وندين الله به : عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة . فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما فلا شك حينئذ أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع " .
• ثم نقل الحافظ عن شهاب الدين السهروردي مثل كلام الجويني وفيه يقول " لم ينقل عن النبي ïپ¥ التصريح بوجوب التأويل . . ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ثم يترك هذا الباب " ( ) .


نقد ابن العطار تلميذ النووي للتأويل
وكان ابن العطار من أخص تلاميذ النووي رحمه الله ومع ذلك لم يرتض تأويلات شيخه وصرح بأنه " إذا ثبت نص في الكتاب والسنة مثل أن الله خلق آدم بيده ، وأنه كتب التوراة بيده : وجب إثباته وحرم علينا أن نقول : المراد باليدين النعمتين أو القدرتين فهذا تحريف لما فيه من التعطيل ، كيف والإجماع على أن الصفات توقيفية ( ) : " وهو فعل المعتزلة والجهمية " قال " وقد نفى بعضهم النزول وضعّف الأحاديث أو تأولها خوفاً من التحيز أو الحركة والانتقال: والمحققون أثبتوها وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء سبحانه " ( ) .
نقد ابن قتيبة والشعراني للتأويل
لما وافق الأشاعرة والماتريدية تقديم دليل العقل على الأدلة السعمية وجعلوا أحكامه ثابتة ودلالاته قطعية أخضعوا النصوص الشرعية لهذا الأصل فما وافق المعقول أقروا به ، وما خالفه تأولوه وحملوه على غير معناه الحقيقي المتبادر. ولهذا قال ابن قتيبة ( ) " إن المتكلمين يعتنقون الآراء التي يذهبون إليها بعقولهم ثم ينظرون في كتاب الله فإذا وجدوه يخالف ما قاسوا ويبطل ما أسسوا، طلبوا له ا لتأويلات " ( ) .
ولهذا صدق من قال بأن هؤلاء إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد وليس للاعتماد . إن وافقت ما أنتجته عقولهم قبلوه وإن خالفته أولوه.


هل كان التأويل مذهب السلف
إدعاء الحبشي ثبوت التأويل عن مالك

قال الحبشي " قد ثبت التأويل عن مالك في حديث النزول أنه قال : نزول رحمة لا نزول نقلة " ( ) .
وقوله هذا مردود من وجوه عديدة :
ïپ¶ أولاً : أن المعتمد عند عامة الأشاعرة أن السلف فوضوا آيات الصفات ولم يتأولوها وإنما كان التأويل بدعة الخلف . ولهذا فإن الأشاعرة المفوضة يعترضون على ادعاء الأشاعرة المؤولة أن السلف كانوا مؤولة للصفات .
ïپ¶ ثانياً : أن الحبشي لم يذكر اتصال سند الرواية عن مالك وانما اكتفى بادعاء ثبوت ذلك عنه .
نعم روى ذلك عنه بعض الكذابين كحبيب كاتب مالك ، وجامع بن سوادة .
فأما حبيب فقد ثبت عليه أنه كان يكذب ويروي عن الأئمة الموضوعات (ميزان الاعتدال1/452 الكامل في الضعفاء 2/818 ) كما قال ابن عدي " ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات وأمره بيّن في الكذابين " ووصفه أبو داود بأنه من أكذب الناس وقال أحمد ليس بثقة .
وأما جامع بن سودة فقد ضعفه الدارقطني وأورد له الذهبي والحافظ روايتين باطلتين هو آفتهما (ميزان الاعتدال1/378 لسان الميزان2/93).
فهذه الروايات عن مالك إما أنها تروى بسند فيه مجاهيل أو تروى عن حبيب الكذاب والذي اتفق أهل الجرح والتعديل على كذبه .
وهل شهادة مثل هؤلاء أولى مما شهد به الشافعي عن مالك وحلف عليه قائلاً " السنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما . . . أن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف يشاء ، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء " ( ) .
ïپ¶ ثالثاً : أن الثابت عن مالك خلاف ذلك ، فقد ذكر البيهقي صفات الفوقية والنزول والإتيان ، ثم روى بسنده عن الوليد بن مسلم قال : سئل الأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا " أمرّوها كما جاءت " هكذا أثبته الصابوني عنهم عند حكايته عقيدة السلف وأصحاب الحديث ، وكذلك أثبته ابن عبد البر عن مالك : وهو أعلم بمذهب مالك من غيره ( ) . وقد أثنى عليه الكوثري أمانة وحفظاً ( ) .
- فالأشاعرة المؤولة يتمسكون بعبارة " نزول رحمة " والأشاعرة المفوضة يتمسكون بعبارة " أمروها كما جاءت " و " تفسيرها ظاهرها ".
- وحكى الشيخ عبد القادر الجيلاني عقيدة أهل السنة وأنهم يؤمنون بأن الله تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ، ونسب تأويل النزول بنزول الرحمة إلى الأشاعرة والمعتزلة ( ) . ولم ينسبه إلى أحد من أئمة الأمة وسلفها.
وقال أبو نصر السجزي " وأئمتنا كسفيان ومالك والحمّادَيْن وابن عيينة والفضيل وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق متفقون على أن الله سبحانه فوق العرش وعلمه بكل مكان وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء " ( ) .
ïپ¶ رابعاً : أن مالكاً لم يتأول صفة الاستواء بالاستيلاء حين سئل السؤال المشهور عن كيفية الاستواء وإنما كان جوابه : (الاستواء معلوم والكيف مجهول ". ففرق بين المعنى المعلوم وبين الكيف المجهول .
ولو كان متأولاً شيئا من الصفات لتأول صفة الاستواء من باب أولى . وهذه الرواية المشهورة عن مالك هي المعتمدة في معرفة موقفه من الصفات .
• هذا وقد ادعى الحبشي ( ) وجود رواية لمالك عند اللالكائى " الاستواء مذكور " ورجعت إلى المصدر المشار إليه فلم أجد فيه شيئاً وقلده في ذلك تابِعُه عماد حيدر ( ). والعارف المنصف يأخذ بما اشتهر وتواتر عن مالك ولا يعتمد على هذه الروايات الغريبة المعارضة لما ثبت وتواتر. وهذا القول ضعيف وهو من باب تحصيل الحاصل ، فإن السائل ابتدأ سؤاله لمالك بإثبات آية الاستواء . وإنما يشكره إخوانه المفوضة على هذه الرواية المجهولة لأنها لو ثبتت لكانت ترجح مذهبهم في التفويض على مذهب التأويل .

ادعاؤه ثبوت التأويل عن أحمد
قال الحبشي "وقد ثبت التأويل عن أحمد " وذكر رواية البيهقي عن حنبل بن إسحاق عن أحمد ( ) .
الجواب : نعم ثبت التأويل بالمعنى القرآني الذي هو التفسير والبيان.
وأما على مفهومك للتأويل فقد أبطله :
المرتضى الزبيدي بقوله : إن المفهوم من ظاهر مذهب أحمد عدم التأويل على الإطلاق وأن الشافعي ومالك وأحمد اختاروا عدم التأويل للمتشابهات ( ) .
ومحمد بن درويش الحوت : الذي قال أن " سيدنا أحمد يمنع التأويل " وصرح أن أقاويل مذهب المعتزلة ( ) .
- وما أورده السبكي عن أحمد أنه قال " لا يُوصَف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ïپ¥ : لا نتجاوز القرآن والحديث " ( ) . قال الحافظ ابن رجب " ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد " ( ) .
- ويبطله ما ذكره الشهرستاني أن عموم أهل الحديث كأحمد ومالك وجماعة من السلف قالوا : نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن الله لا يشبه شيئاً من المخلوقات " ( ) .
- بل قد رد أحمد على تأويلات الجهمية التي يحمل الأشاعرة العديد منها كما في كتابه " الرد على الجهمية " الذي أثبت الحافظ ابن حجر نسبته إليه ، قال " فيما تأولته من القرآن على غير تأويله " ( ) فأثبت لأهل السنة تأويلا وأثبت للجهمية تأويلات مخالفة لهم .

أما المروي عنه في التأويل فالجواب عن ذلك :
ا) ذكر الغزالي أن أحمد حسم باب التأويل إلا في ثلاثة نصوص : " الحجر الأسود يمين الله " " قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه " " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ( ) . فإذا كان تأويلكم مبنياً على الاقتداء بأحمد فتقيدوا بتأويل النصوص الثلاثة فقط ، ولا تتأولوا ما لم يتأوله من تأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة والنزول بنزول الملك أو الأمر إن كنتم تقتدون بأحمد لا سيما وأن الأشعري صرح مراراً بأن " عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد " !
2) أن الغزالي قال " سمعت بعض أصحاب أحمد يقول : حسم أحمد باب التأويل الا في ثلاث ( ) فهل كان الغزالي معاصراً لأحد من أصحاب أحمد ؟ هذا انقطاع في الرواية عن أحمد . وإن كان يعني أصحاب مذهبه فما أكثر من روى من أصحابه أنه لم يكن يرى عمل التأويلات في صفات الله ومنهم من يصفه الأحباش "منزه الحنابلة " إذ روى عن أحمد قوله " ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت به " ( )
فالرواية عن أحمد بعدم التأويل متواترة ورواية التأويل المحدود بثلاثة أحاديث بين آحاد وضعيف لا يجوز لمن تعهد بترك الآحاد في العقائد : التمسك بها، ناهيك عن أن كتب أحمد خالية من الدعوة إلى التأويل مملوءة بالدعوة إلى إثبات ما أثبته الله لنفسه .
3) أن الرازي ذكر التأويلات الثلاث التي حكاها الغزالي عن أحمد ثم حكى تأويلا رابعاً لأحمد وهو أنه أوّل مجيء البقرة وآل عمران بمجيء ثوابهما( ) . وهذا يبطل رواية الغزالي في حسم أحمد التأويل إلا في ثلاث . ثم رواية الرازي تتناقض مع ما حكاه الرازي من أن طريقة السلف وجوب تفويض معاني الصفات ولا يجوز الخوض في تفسيرها ( ) .
ورواية التأويل التي ذكرها جاءت من طريق حنبل بن إسحاق وهو رجل مُتَكلَّمٌ فيه . قـال الذهبي " له مسائل كثيرة عن أحمد ، يتفرد ويغرب " ( ) . وقال إسحاق بن شاقلا " هذا غلط من حنبل لا شك فيه ".
وعلى كل حال فقد ذكر أهل العلم أن المراد بالمجيء مجيء القراءة التي هي من عمل القارئ ، وأعمال العباد مخلوقة ، والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله " ( ) .
4) إذا كان الحبشي يأخذ برواية حنبل بن إسحاق فليأخذ بروايته عن احمد التي يذم فيها علماء الكلام ويقول فيهم " لا أراهم على الإسلام " كما نقله الحافظ الذهبي عن حنبل بن إسحاق عن أحمد ( ) .
5) أن الثابت المحفوظ عن أحمد خلاف ذلك كما رواه عنه المروذي والخلال وغيرهم . بل ومما رواه حنبل بن إسحاق نفسه " أننا نؤمن بهذه الصفات ونصدق بها ولا نردها ونعلم أنها حق " ( ) .

كلمة حول موقف ابن الجوزي من التأويل
6) وقد روى اللالكائي وابن الجوزي عن أحمد أنه قال " ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت به " ( ) . وهذا الذي نقله ابن الجوزي حجة عليه فإننا نأخذ بما رواه عن أحمد وندع كتابه " دفع شبه التشبيه " إن كان ثابتة له حقاً.
وقد خالف إجماعاً كان قد حكاه عند قوله تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } " وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية " ( )
وهذا يؤكد ما حكاه العلماء عن ابن الجوزي ، من أنه مضطرب العقيدة في الصفات ، يجد المرء في كتبه إثباتا للصفات ، وتارة تأويلاً وتارة تفويضاً . وقد حكى الحافظ ابن رجب بأن تلون آراء ابن الجوزي تبع لتلون آراء شيخه أبي الوفاء بن عقيل ( ) .
بل إن كتبه مملوءة بالحث على إثبات ما أثبته الله لنفسه والتشنيع على الأشعرية وعلى تأويلاتهم كقوله " من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين ، والنفاة للصفات " ( ) فوصفَ ابن الجوزي مؤولة الصفات بأنهم نفاة . ونقض تأويل المعتزلة يد الله بالقدرة ، وأنكر أن يكون قد نقل عن الصحابة أنهم قالوا (استوى) أي (استولى) و (ينزل) أي (يرحم) ( )
ثم اعترف بأن طريق السلف مناقض للتأويل إذ قال " أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرّونه كما جاء " حكاه عنه الحافظ ( ) بينما نراه في دفع شبه التشبيه (114) يؤول اليد بالقدرة . وهذا ما يشكك في الكتاب .
وحتى وإن كان مؤولاً فلم يكن متكلماً ، بل قد طعن في علم الكلام وأهله وحذر منهم وذكر أقوال الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك في ذمهم واتهامهم بالزندقة .
قال ابن الجوزي " قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم . . . وقالوا : إن الله ليس في السماء وأن الجارية التي قال لها النبي ïپ¥ أين الله ؟ كانت خرساء فأشارت إلى السماء ، أي ليس هو من الأصنام التي تعبد في الأرض .
- وقالوا : إن الله ليس في السماء ( ) ولا يُقال استوى على العرش ولا ينزل إلى السماء الدنيا بل النازل رحمته ، فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها ( ) .
وهذا الذي حكاه عن هؤلاء السفهاء هو عين ما يقوله ابن فورك فقد قال " إنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء " ( ) .
وقد أكد ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص 101 ) ميله الشديد إلى التفويض وترك نصوص الصفات من غير تفسير لها .
وإذا ثبت التأويل عنه فقد وقع في تلبيس إبليس من حيث لا يدري ، ومع ذلك لا يكون بتأويله أشعرياً إذ لا بد من التفريق بين زلة تأويل وقع فيها رجل ثبت عنه خلافها في كتبه الأخرى ، وبين جماعة جعلوا علم الكلام شعارهم الذي يفخرون به كما يقول الأحباش عن شيخهم ( إمام علم الكلام ) وجعلوا التأويل الفاسد منهجهم . فمن سوى بين الفريقين فلا يعرف الإنصاف .
وهكذا فالأمر كما ترى أحد اثنين : إما أن يُحمل على تناقض عند ابن الجوزي وإما أن يكون الكتاب مدسوساً عليه ، مثله في ذلك مثل كتاب الفقه الأكبر المنحول للشافعي والله أعلم بالصواب .

ابن الجوزي وابن حزم يوبخان الأشعري
بل قد صرح ابن الجوزي بتوبيخ الأشعري قائلا " لم يختلف الناس حتى جاء علي بن إسماعيل الأشعري فقال مرة بقول المعتزلة ثم عن له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس ، فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق ( ) وحكى السبكي أن ابن حزم كان يصرح بتكفيره وبنسبته إلى البدعة في غير موضع ( )
7) أن مما نُسب إلى أحمد تأويله ما لم يثبت سنداً كحديث " الحجر الأسود يمين الله في الأرض مدن استلمه فكأنما صافح الله " ( ) وليس من منهج أحمد قبول الحديث الضعيف في العقائد ثم تأويله. ثم إن النص يفيد أنه كأنما صافح الله ولم يقل فقد صافح الله .
منقول

عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:11 PM
أدلة العلو بالجملة

كتاب الله وسنة رسوله ïپ¥ مليئان بالنصوص المثبتة لعلو الله تعالى على عرشه فوق خلقه ، بلا أي نهي عن الاعتقاد بهذا العلو.
وانظر اعتراف التفتازاني بذلك حيث قال " فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة [يعني نفي علو الله على عرشه وفوقيته] فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك؟
أجاب بأنه:
" لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكادُ تجزم بنفي ما ليس في الجهة : كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهراً في التشبيه ، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث"( ).
وكلامه هذا هو عين كلام ابن سينا الذي قال " فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون مقرّباً ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه والتمثيل "( ).
فأي فائدة في كتاب جعل الباطل في صورة الحق؟
هل هذا إلا استدراج إلى الباطل ثم العقوبة عليه بزعمكم؟!



نصوص العلو من القرآن والسنة وكلام السلف

فمن نصوص القرآن قوله تعالى:
• { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }
• { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } قال البغوي "أي العالي على كل شىء"( ) والطبري " وهو ذو علو وارتفاع على كل شيء والأشياء كلها دونه"( ).
• { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }. روى البخاري (7430) قول النبي ïپ¥ " ولا يصعد إلى الله إلا الطيب"( ).
• { يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } قال الطبري عن الحسن رضي الله عنه "رفعه إليه فهو عنده في السماء"( ).
• { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } سيأتي حولها تفصيل كثير.
• { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } قال البخاري : قال مجاهد " يقال ذي المعارج: الملائكة تعرج إلى الله "( ). وقال الطبري يعني تصعد الملائكة والروح إلى الله عز وجل ، والهاء في قوله { إِلَيْهِ } عائدة على اسم الله عز وجل "( ). يؤكد صحة هذا التفسير قول النبي ïپ¥ "ألا تصُفّون كما تصُفّ الملائكة عند ربها" مسلم (430) وأبو داود (661). وقوله " وذكرهم الله فيمن عنده" (مسلم 2699) وقد قال تعالى:
• { إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ }.
• { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ } ( ) .




ومن نصوص السنة

• قول النبي ïپ¥ للجارية " أين الله ؟ قالت : في السماء . قال لمولاها: أعتقها فإنها مؤمنة " ( ) .
• وكان ïپ¥ في خطبة يوم عرفة يقول: ألا هل بلّغت؟ فقالوا: نعم . فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللهم اشهد" (مسلم 1218). فهذه إشارة حسيّة إلى العلو ممن هو أعلم بما يجب على الله ممن وافق في نفيه المعتزلة والجهمية.
• وقال النبي ïپ¥ " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " ( ) .
• وقال ïپ¥ " الراحمون يرحمهم الرحمن: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ( ) . قالها الذي قال " أنا أمين من في السماء " (مسلم رقم 144).
قال البيهقي في الأسماء والصفات (2 :165) "ومعنى قوله في هذه الأخبار "من في السماء" أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة". وذكر البيهقي قول جهم أن الله مع كل شيء وفي كل شيء ثم قال " كذب عدو الله: إن الله في السماء كما وصف نفسه" (الأسماء والصفات 2: 170). وقول البيهقي يبطل مزاعم الحبشي أن المراد بقوله تعالى { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } أي جبريل أو الملائكة.
• وقال رسول الله ïپ¥ : في ذكر المسافر " يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب. ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام: فأنى يُستجاب لذلك ".
• وقال " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأة على فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها " (مسلم 1436). ولا يمكن أن يكون الساخط جبريل.
• وقال ïپ¥ " إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه يدعوه أن يردهما صفراً " (الترمذي 3551 وأبو داود 1488) قال الحافظ ابن حجر في الفتح 11/143 " سنده جيد " .
• وقال " إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض... فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء فيسألهم - وهو أعلم - من أين جئتم ؟ فيقولون: جئنا من عباد في الأرض " (مسلم 2689).
• وقيل لعائشة " برّأكِ الله من فوق سبع سموات " (أحمد 1/276 والحاكم وصححه).
• وقول زينب " زوّجني الله من فوق سبع سموات " ( البخاري رقم7420) ( ).
• وقول عمر في خولة بنت ثعلبة " هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات " (البيهقي 2/162 طبري 28/4-5).
• حديث معراج النبي ïپ¥ وفيه "ما زال يعرَج بالنبي ïپ¥ حتى بلغ السماء السابعة". وأنه ïپ¥ ما زال يتردد بين موسى وبين ربه ، في كل مرة يقول له موسى ارجع إلى ربك. ونص الحديث: " ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فأوحى إليّ ما أوحى".
• وقال النبي ïپ¥ لسعد بن معاذ " لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات " ( ) .
• وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ïپ¥ " فإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة " (البخاري 2790) وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله ïپ¥ " لما قضى الله الخلق : كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي " (البخاري 7404). ! قول ابن عباس " لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء" (البخاري: خلق أفعال العبادص 40).
• وقال عبد الله بن مسعود " والعرش فوق الماء ، والله فوق العرش ، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم " ( ).
• وسئل ابن المبارك " كيف نعرف ربنا ؟ قال: في السماء السابعة (وفي لفظ) فوق سبع سموات على عرشه " ( ).
• وقال أبو بكر رضي الله عنه " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت " ( ).
• وعن ابن عباس في قوله تعالى { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} قال: لم يستطع أن يقول "مِن فوقِهِم" عَلم أن الله فوقهم"( ).
منقول

عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:12 PM
ولما أحس التفتازاني بانعدام الأدلة الشرعية على نفي العلو وإنما العكس قال:
"فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة [يعني نفي علو الله على عرشه وفوقيته] فما بل الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك؟
أجاب التفتازاني بأنه "لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة: كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهراً في التشبيه، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث"(1).
فأقول هؤلاء موافقة لأقوال الباطنيين؟
وكيف يكون هؤلاء ممثلين للسواد الأعظم وقد اعترفوا بأن السواد الأعظم يعتقدون علو الله وأن الله وصف نفسه بصفات التشبيه ليقربهم بالتشبيه إلى التوحيد، وأن الأنبياء جاءت والكتب نزلت على خلاف الحق وجاءت بالذب لمصلحة دعوة العوام؟
يخافون ربهم من فوقهم
أما قوله تعالى {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} فالذهاب فيه إلى التأويل والمجاز مستحيل، لأن معنى خوف الملائكة من قوة الله وقهره متحقق تحققاً كاملاً في قوله تعالى {يَخَافُونَ رَبَّهُم} دون الحاجة لذكر الظرف {مِّن فَوْقِهِمْ} فتعيّن أن الفوقية هنا فوقية ذات".
وقال تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}فماذا يعني الصعود والارتفاع. ولماذا تصعد الملائكة بأعمال العباد إن لم يكن صعودهم بها إلى الله؟ إن هذا الذي جعل الأشاعرة وغيرهم يزعمون أن المقصود بارتفاع الأعمال إنما هو مجاز عن تفاوتها في المراتب ارتفاعاً وانخفاضاً(2). إذ لما جعلوا علو الله علو المنزلة اضطروا إلى التزام أن ارتفاع الأعمال ارتفاع في المنزلة أيضاً. وهو من باب ترقيع التحريف بتحريف آخر.

{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} فماذا يعني عروج الملائكة إليه؟ ووقوفهم عنده صفّاً كما قال ïپ² "ألا تصُفّون كما تصُفّ الملائكة عند بها"(1)؟ أكلّ هذا لا يفيد عندكم معنى؟ أم أن قلوبكم استمرأت التعطيل وأشربت التحريف وصارت في أكنّة من فَهْمِ آيات الله؟ أم أنه يعني أن منزلة الملائكة تعرج لتصير لمنزلة علو مكانة الله؟
الظاهر والباطن
قال تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ومعنى "الظاهر" عند الحبشي أي أن كل شيء يدل عليه عقلاً. وهو قول بلا علم بل تحريف متعمد. فإن كان معنى الظاهر: ما دل كل شيء عليه عقلاً فهذا القمر كل شيء يدل عليه عقلاً فهل نسميه الظاهر أيضاً. وأما الباطن عنده فهو بمعنى أن العقول لا تتصوره ولا تتوهمه فهو باطن بهذا المعنى، وهذا تحريف وتلاعب بكلام الله ورسوله وإلحاد في صفاته.
وهذه الصفة لم يتركها رسول الله ïپ² من غير تفسير بل فسرها تفسيراً هو أولى بالأخذ من غيره.
فنحن نتمسك بتفسير النبي ïپ² لصفة (الظاهر) حيث قال "أنت الظاهر فليس فوقك شيء". ولم يقل أنت الظاهر فلا يدل العقل علي شيء كدلاته عليكز ومن عادة الحبشي القول "وخير ما فسرته بالوارد". فانظر إلى تفسير النبي ïپ² للآية ولا تتجاهله هداك الله. فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي ïپ² لم يحتج في ذلك إلى تفسيرك المقرمط.
فهذه الصفة مع تفسير النبي ïپ² لها، نصٌّ في إثبات علو الله تعالى، ولأن الظاهر في اللغة هو العالي كما قال تعالى {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي يعلون ويرتفعون. وقال {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} أي يعلوه.
قال الطبري "الظاهر" أي العالي على كل شيء دونه وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه"(2) وقال ابن الأثير أي الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه(3).

وأما الباطن فعلى معنى أنه لا يدانيه أحد من خلقه، غير أن البيهقي روى أن الباطن معناه أنه مع ظهوره وعلوّه فإنه الباطن القريب من عباده العالم بهم، المطلع على سرهم وعلنهم وإن كان فوق الجميع. وهو فوق عرشه(1). وكما قال ابن مسعود "والله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم"(2). وعلى كلٍّ فليس تفسير أحد بحجة بعد تفسير الرسول ïپ² لهذه الآية.
وما أفسد ما يقوله هؤلاء بأن اعتقاد علو لله في السماء منقوض بوضع الجبهة على الأرض عند السجود، فإن واضع الجبهة إنما قصدُه الخضوع لِمَن فوقه بالذل والخضوع لا أن يميل إليه برأسه إذ هو تحته، بل هذا لا يخطر في قلب ساجد. نعم، سُمِع من بشر المريسي أمير المعتزلة وأول منكري علوّ الله أنه كان يقول "سبحان ربي الأسفل" وهو سلف منكري علوّ الله اليوم.
وما أفسد قولهم: ولو لم يكن الله متصفاً بالعلو لكان متصفاً بضده وهو السفول، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده. وهذه القاعدة معتمد الأشاعرة والماتريدية في ردودهم على المعتزلة والجهمية(3). كقول الشيخ ملا علي قاري "لو نفيت الحياة يلزم الموت، ولو نفيت القدرة لزم العجز"(4).

معنى "في السماء" في مفهوم أهل السنة
والذي نعتقده وندين الله به:
أن الله {في السَّمَاء} بمعنى في أعلى العلو فإن "في" ليست ظرفية هنا كما حققه البيهقي وغيره حين قال "ول ما علا فهو سماء" وإنما بمعنى " على " وهذا ما حكاه أبو بكر بن فورك والبيهقي عن أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه أن العرب تضع (في) بمعنى (على) كما في قوله تعالى {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على النخل وقوله {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ} أي سيروا على الأرض وفوقها، فكذلك قوله {مَنْ فِي السَّمَاء} أي على العرش فوق السماء كما صحّت به الأخبار" ونقل الحافظ ابن حجر كلام البيهقي(1).
وهذا الكلام يجعل البيهقي في عداد مثبتي جهة العلو لله في السماء، فقد نقل النووي عن القاضي عياض ما نصه "فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء"(2).
والسماء في قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ليست هي نفس المخلوق العالي: العرش فما دونه، وإنما هي اسم جنس للعالي لا يخص شيئاً. فقوله (في السماء) أي في العلو دون السفل ليس بمعنى السماء الدنيا أو التي تحت العرش كما يفتري الحبشي(3).
ومما يؤكد أن السماء لفظ اصطلاحي يراد به العلو قول النبي ïپ² "الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" (متفق عليه). يبين ذلك أيضاً قول الإمام النووي رحمه الله "قوله (طولها في السماء) أي في العلو"(4).
قال الشيخ أسامة القصاص رحمه الله "فها هو النبي ïپ² يخبرنا عن خيمة في الجنة طولها في السماء ستون ميلا، فكيف تكون لجنة فوق السماوات السبع ثم يذكر النبي سماءً فوقها؟ فهذا الجاهل لو بقي على قوله الساقط لكان على مقتضى قوله عدم وجود الكرسي والعرش في السماء لأنهما فوق السماوات السبع"(5).

مفهوم (في السماء) كما قرره شيخ الإسلام
واعلم أن ابن تيمية يكفّر من يقول إن الله في السماء بمعنى التي تحت العرش، وإنما نعني بالسماء العلو المطلق الذي هو فوق السماوات.
قال ابن تيمية "من توهم بأن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، ضالٌّ إن اعتقده في ربه، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته"(1).
تحرير مذهب السلف
ولربما البعض بالحيرة وتساءلوا ما يدرينا أن ما تقوله هو قول السلف أهل السنة والجماعة، فإن هؤلاء يزعمون أنهم على منهج السلف وأنهم أهل السنة والجماعة؟!
فأقول: اقرءوا ماذا قال السلف الصالح وما نُقِلَ عنهم، هل قال واحد منهم إن: الله ليس في السماء.
واسمعوا ماذا قال الأوزاعي وهو من أئمة أهل السنة؟
قال الحافظ في الفتح "وروى البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي أنه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"(2).
وقال الحافظ الذهبي "مقالة السلف وأئمة السنة بل الصحابة والله ورسوله ïپ² والمؤمنون: أن الله عز وجل في السماء وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته. ومقالة الجهمية أنه في جميع الأمكنة.
ومقالة متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش ولا في السماوات ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه ولا هو بائن عن خلقه ولا هو متصل بهم…
قال لهم أهل السنة والأثر … إن هذه السلوب نعوت المعدوم، تعالى الله جلّ جلاله عن العدم بل هو متميز عن خلقه موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف"(3).

وقال الحافظ ابن عبد البر في (التمهيد 7/129 – 135) ما نصه "وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة" أضاف "ومن الحجة أيضاً على أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليه مسلم".
وقال عثمان الدارمي "اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته"(1).
اقرءوا كتاب خلق أفعال العباد للبخاري والأسماء والصفات للبيهقي وانظروا ما فيهما من الروايات الثابتة عن الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة، كلها تنص على أن أهل السنة يثبتون كل ما وصف الله به نفسه لا يتأولونها كما يفعل أولئك المحرفون المعطلون.

هل السماء قبلة الدعاء
وزعم الحبشي أن الناس يرفعون أيديهم إلى السماء لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة ولأنها مهبط البركات(1) واحتج لذلك بالاحتمالات والأقاويل(2).
وقد سبقه الرازي باحتمال من أعجب ما يكون: فقد زعم أن الرفع إلى السماء لأن الأنوار تنبعث من جانب السماوات، أو لأن الحياة متوقفة على الهواء وهو دائماً فوق الأرض. أو لأن الغيث ينزل من السماء"(3). وقد زعم الأشاعرة أن الاحتمالات لا تجوز في العقائد باعترافه.
وهذه الدعوى باطلة لوجوه:
1 ) أن القبلة لا تثبت إلا بالشرع، ليس للرأي فيها نصيب، فنسألهم:
* من أين عرفتم أن الكعبة قبلة المصلين؟ أبعقل المتكلمين أم بكشف المتصوفة أم بالوحي؟
وإذا كانت معرفتكم هذه مصدرها وحي الله فنسألكم:
من أين عرفتم أن السماء قبلة الداعين؟ أمن عقولكم أم من كشوفاتكم أم من وحي الله؟
وهذه الحجة نتوجه بها إلى من زعموا أنهم يتبعون الأشعري القائل بأن الواجب يثبت بالشرع لا بالعقل. وقد ثبت بالشرع قبلة الصلاة كما قال تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فما لكم تحسّنون قبلة للدعاء غير القبلة التي كان يتوجه ïپ² نحوها في الصلاة والدعاء؟ وما الدليل على أن قبلة الدعاء في جهة غير قبلة الصلاة؟ أرأيتم لو أن رجلاً حدد للناس قبلة في اليمن ودعا الناس للتوجه إليه أنقبل منه ذلك، أم أننا نطالبه – كما نطالبكم – بالدليل على هذه البدعة.
2 ) أن النبي كان يستقبل القبلة عند الدعاء والاستسقاء، فهي قبلة الدعاء والصلاة، ففي البخاري "فلما أراد ïپ² أن يدعو استقبل القبلة"(4) وكم كنا نود أن يقرأ الحبشي باب (الدعاء مستقبل القبلة) عند البخاري(5)، ولما دعا على نفر من قريش رفع يديه واستقبل القبلة(6).

فمن ذا يزعم أن النبي ïپ² قد سنة لنا أن نستقبل قبلتين؟ قبلة الأرض وقبلة السماء؟؟؟
3 ) أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه ولذلك سميت وجهة. فأما ما حاذاه الإنسان برأسه فهذا لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازاً. والسماء فوق الأرض من جميع الجهات كما أن الأرض تحتها من جميع الجهات.
فكروية الأرض دليل على علو الله لأن الله عالٍ على جميع خلقه. أينما كانوا فهو فوقهم. ولكن الأحباش يجادلون حتى في هذه. فيزعمون أن سكان الأرض من الجهة الأخرى تحتنا، بينما هو يقولون إننا نحن تحتهم. ولو كانوا هم تحتنا كان مجيء المطر إليهم من أسفل إلى أعلى.
على أن الجهة الدائرية تختلف عن الجهة المستقيمة، وتأمل كيف يؤم إمام المسجد الحرام المصلين وراءه بينما يصل بعضهم إلى أن يصيروا أمامه. فأهل البدع أسارى خيالاتهم وحساباتهم الفاسدة. وهم لم يقولوا ذلك إلا جدلاً وإلا فهم لا يعتقدون بكروية الأرض أصلاً. ولقد قالوا لأحد إخواننا: إن الشهادة بكروية الأرض منشؤها من الكفار وشهادتهم باطلة.
4 ) أن النبي ïپ² كان يرفع إصبعه إلى السماء ويخطب ربه كقوله "ألا هل بلغت؟ قالوا نعم" فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول الله فاشهد(1) وهذا إشهاد منه لله تعالى على تبليغه ليس إشهاداً للخزنة ولا للملائكة ولا للبركات المخزونة في السماء.
5 ) إذا كنت السماء قبلة الدعاء فما معنى قول عائشة "برّأني ربي من فوق سبع سماوات" وقول زينت "زوّجني ربي من فوق سبع سماوات" وقول عمر عن خولة بنت ثعلب "هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات"؟
6 ) أن هذا الادعاء ليس فيه نص من كتاب أو سنة أو سلف، وإنما هو اجتهاد محض، فما بال منكري الاجتهاد في العقيدة يجتهدون في تحديد قبلة للناس غير التي في قوله تعالى {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}؟ فقد جعلوا ببدعتهم الآية هكذا: فلنولينك قبلتين ترضاهما.
والله تكلم عن قبلة مؤقتة حين قال لبني إسرائيل {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} فلماذا لم يخبرنا أنه جعل السماء لكل الخلق قبلة؟
7 ) أن رسول الله ïپ² قال "إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه "إلى الله" أن يردهما صفراً"(2). فأثبت النبي ïپ² أن رفع اليدين إنما هو في الحقيقة إلى الله.
منقول

عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:14 PM
8 ) أن الله لم يختر له السماء قبلة مع أنه رآه يقلب وجهه في السماء كأنه كاد أن يتخذها قبلة {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فلا يجوز بعد هذا أن يقول قائل "السماء قبلة" بعدما حوّل الله نبيه ïپ² عنها إلى قبلة واحدة دون التي كان يقلّب وجهه فيها. فكيف تختارون ما لم يختره الله؟
9 ) أن قولكم (نرفع أيدينا إلى السماء لأنها مهبط البركات) قول فيه سخف ووثنية. فهل يجوز إذا وضع الله بركته في موضع ما أن تتوجه الأيدي إلى هذا لموضع بالتضرع والدعاء، فإذا جعل الله بركته في جوف الأرض فهل يجوز أن نتخذ هذا الموضع قبلة لنا ومن ثم تتوجه أيدينا إلى جوف الأرض حيث صارت موضع الرحمات والبركات!
وإذا كانت الأيدي ترفع إلى السماء لأنها مهبط البركات فإن الأرض منبت البركات ومخزنها فاجعلوها قبلة لكم أيضاً!
قبل الرفاعي قبلة أخرى للدعاء
قد زعم الرفاعيون – والحبشي منهم – أن قبر الشيخ الرفاعي قبلة الدعاء يتوجه المكروب إليها ويخطو نحوها ثلاث خطوات من أي مكان من العالم ويُقسم على الرفاعي أن يكشف عنه همّه وكربه(1).
والشيخ عندهم "كعبة القاصدين وقبلة المريدين، كما أن عرش الرحمن قبلة أصحاب الهمم"(3)!
وهكذا شأن أهل البدع يبتدعون ما تشاؤه أهواؤهم فتارة تكون السماء قبلة الدعاء وتارة يكون قبر الرفاعي هو الآخر قبلة الدعاء ولست أعلم أي القبلتين عندهم أفضل من الأخرى.

جارية ترغم أنوف أهل الكلام
5 ) حديث الجارية التي قال لها رسول الله ïپ² "أين الله؟ قالت في السماء فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة(1).
* وقد زعموا أن معنى قول النبي ïپ² للجارية "أين الله" أي أين اعتقادك من التعظيم لله. فأجابت "في السماء" أي رفيع القدر جداً(2). وبهذا جعلوا التخاطب بطريقة الألغاز لأن التخاطب على هذه المعاني لا تستعمله العرب بهذه الطريقة.
إن موقفه من حديث الجارية مطابق لموقف المعتزلة حرفاً بحرف. فقد زعم سؤال النبي ïپ² للجارية "أين الله" إنما هو سؤال عن المكانة لا المكان"(3).
ويلزم من هذا التأويل السمج أن كل من كان عظيم القدر من البشر نَصِفُهُ بأنه في السماء. وهذا مخالف للغة التخاطب التي يتخاطب بها العرب.
وزعم ابن فورك أنها كانت خرساء ولهذا أشارت بيدها إلى السماء(4).
وهذا تأويلٌ سنّه الأعاجم الذين دخلوا العراق كما قال ابن الجوزي "قَدِمَ إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم… وقالوا: إن الله ليس في السماء وأن الجارية التي قال لها النبي ïپ² أين الله؟ كانت خرساء فأشارت إلى السماء(5).
ولكن نص الحديث يدل على أنها كانت ناطقة، ولذلك لما سألها رسول الله ïپ² "من أنا؟" قالت: "أنت رسول الله".
تناقض أشعري
وإليك واحد من تناقضات الأشاعرة. فقد زعموا أن الرواية التي عند مالك في الموطأ أن النبي ïپ² قال لها: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت : أشهد أن لا إله إلا الله"(6).
وهذا من تناقضهم، فقد زعم شيخهم ابن فورك أن الجارية إنما كانت خرساء لا تتكلم(7).

وقول الجارية للنبي ïپ² "أنت رسول الله" تزيد من حيرة هؤلاء وتناقضهم.
على أن القوم معترفون بأن التأويل لا يمكن الجزم أن يكون مراداً لله ورسوله(1). وهذا الرد كاف في إبطال ذلك التأويل السمج البارد المتكلف. البعيد عن الحق الكاذب على الشرع واللغة.
* فالحبشي يخلط بين صفتين لله إحداهما صفة (العلي) وهي أزية والثانية (العلو) وهي صفة فعلية ورد تحديدها بوقت بعد خلق السماوات والأرض كما دلت عليه (ثم). فلماذا الخلط والتلبيس بين الصفتين؟
* إذا كان قول الجارية (في السماء) بمعنى رفيع القدر جداً، فيصير معنى قوله ïپ² (ينزل إلى السماء الدنيا) ينزِل قدرُه! تعالى الله عن ذلك. ولكان قول الله لعيسى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} معناه: إني رافعك لتصير بمنزلتي. وعروج الملائكة إليه بلوغ منزلته وقدره: ألا فليجيبوا عن هذه.
ثم هو لا يفيد شيئاً فإن العلي من كان عالياً فوق خلقه ولذلك قال الطبري "وهو العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه" و "أنه تعالى ذو ارتفاع على كل شيء، والأشياء كلها دونه"(2) وقال البغوي {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} أي العالي على كل شيء(3) وقال الطبري "وهو ذو علو وارتفاع على كل شيء، والأشياء كلها دونه"(4).
فأهل السنة على عقيدة هذه الجارية ويبرؤون إلى الله ممن لا يتأدبون مع نبيهم ïپ² فيظنون أنه يُقرّ باطلاً. ويبرؤون من ك من يشهد بخلاف ما شهد لها به، فقد شهدت لله بالعلو فشهد لها ïپ² بالإيمان:
في حين يشهد هؤلاء بكفر من يقول بقولها، كقول الحبشي: إن من أصول الكفر اعتقاد أن الله في السماء. فإن كان ذلك من أصول الكفر فكيف أقرها النبي ïپ² عليه؟ وهل الحبشي أعلم بالله من الله ومن رسوله ïپ² ؟

المبتدعة يطعنون في صحة الحديث
* ويعمد بعض المبتدعة إلى الطعن بالحديث مع وروده في صحيح مسلم فيزعم نبيل الشريف (حبشي) أن حديث الجارية مضطرب "ظاهر" الاضطراب!! فقد رواه مالك بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ فقالت: أشهد. وأما رواية مسلم: قال لها: أين الله؟ .." قال: فهذا الاختلاف في اللفظ يوضح الاضطراب. ومالك أضبط للحديث من مسلم، بل اتفق العلماء على أن مالكاً أضبط رواة الحديث"(1). انتهى.
وهؤلاء لا يحبون رواية هذا الحديث ولا كتابته ولعله لهذا السبب لم يدرج حيدر عند تحقيقه لكتاب الأسماء والصفات هذا الحديث في فهارس أحاديث الكتاب حتى لا يمكن إيجاد الحديث بسهولة. وكان ينبغي له أن يدرجه بلفظ "إيتني بها" أو لفظ "أين الله" لكنهم لا يجيزون لأنفسهم كتابة هذا السؤال الذي تقشعر منه أبدانهم.
والـجــواب:
* قد شهد الحافظ ابن حجر بصحة الحديث ولم يذكر فيه اضطراباً ولا علة فقال "وهو حديث صحيح أخرجه مسلم"(2). فخذه "حيث حافظ عليه نص".
* بل الرواية عند مالك بلفظ: "أين الله" فلماذا التلبيس والخداع(3)؟ غير أنكم تتجاهلونها وتتمسكون بالرواية التي تليها وهي حادثة أخرى لا تتعلق بما قبلها بتاتاً بدليل رواية عتبة بن مسعود أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ïپ² بجارية له سوداء فقال لرسول الله ïپ² "إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أُعتِقُها. فقال لها رسول الله ïپ² أتشهدين… الخ". أما رواية معاوية بن الحكم ففيها أنه ضربها وأسف لما فعل فاستدعاها رسول الله ïپ² وسألها: "أين الله". وقد استغل أهل الزيغ إبهام اسم الرجل من الأنصار وجعلوه وحديث معاوية بن الحكم حديثاً واحداً مروياً من عدة طرق ليتمكنوا بعد ذلك من ادعاء الاضطراب فيه. بينما الحديثان متنان اثنان لقصة متعددة كما نص عليه الحافظ ابن عبد البر ونقله عنه في "شرح الزرقاني على موطأ مالك 4/86". ألا فبُعداً وسُحقاً لمن ورث مكر اليهود في تلبيس الحق بالباطل.

* أن كون الإمام مالك رحمه الله أضبط من مسلم: فهذا ليس قاعدة دائمة يحتج بها، والدليل على ذلك أن مالكاً أخطأ في ضبط اسم راوي هذا الحديث حينما روى حديث (أين الله) فسماه (عمر بن الحكم) وإنما هو (معاوية بن الحكم السلمي).
وقد نبه الشافعي على ذلك فروى حديث الجارية (أين الله) ثم استدرك على مالك هذا الخطأ فقال "وهو معاوية بن الحكم: وأظن مالكاً لم يحفظ اسمه" (الرسالة ص 76) وكذلك انظر كتابه (الأم 5/280).
وكذلك استدرك النسائي هذا الوهم في (التفسير من الكبرى 8/427 تحفة).
وقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير 3/222) "وهو من أوهام مالك في اسمه". فها هو الشافعي الذي تدعون اتباعه يصرح لكم بأن مالكاً أخطأ فتجاهلتم تنبيهه وتنبيه الحافظ ابن حجر والنسائي وتمسكتم بخطأ مالك!

طعن الكوثري في الحديث
وممن طعن في الحديث الكوثري حيث زعم أنه قد وقع في رواية أنها أشارت ولم تتكلم مما يدل على أنه حديث الجارية لم يكن إلا بالإشارة وأن الراوي (الصحابي!) سبك ما فَهِمه من الإشارة بلفظ من عنده، وهو لم يكن فقيهاً بدليل أنه كان يتكلم في الصلاة، وهذا دليل عنده على أن "أين الله" لم يكن من لفظ الرسول"! ثم أصدر حكمه على الحديث بالاضطراب لا سيما وأن فيه يحيى بن أبي كثير وهو مدلس وقد عنعن(1).
الجواب على ذلك:
أولاً: أن الحديث الذي عند الذهبي في "العلو" ضعيف الإسناد لأنه من رواية سعيد بن زيد: ضعفه القطان جداً كما في الجرح والتعديل (4/21). وذكره ابن حبان في المجروحين (1/321) ومع توثيق البخاري ومسلم فقد جرحه آخرون كيحيى بن سعيد وأبي حاتم والنسائي والجوزجاني والدارقطني والبزار (تهذيب التهذيب 4/33) والظاهر أنه كان صدوقاً له أوهام كما لخصه الحافظ في (التقريب 2312). وأين هذا السند على افتراض صحته من رواية مسلم؟
* أن هذا الحديث رواه غير يحيى بن أبي كثير كما عند الطبراني والموطأ. وأن يحيى بن أبي كثير قد صرح بالتحديث في روايته عن هلال عند أحمد رووه وليس فيه هلال وهو لا يحدث إلا عن ثقة.
وقد صرح الحافظ الذهبي (الذي تحتجون به في تصحيح أثر خدر رجل ابن عمر) بأن هذا الحديث متواتر(2).
أن أبا حنيفة روى هذا الحديث(3)، وذكر أنه لم يطعن أحد فيه إلا المعتزلة هو والسمرقندي(4). وإذا كان أبو حنيفة مجتهداً ولا ريب، فقد ذكر الكوثري وتلميذه أبو غدة والتهانوي أن استدلال المجتهد بحديث يعتبر تصحيحاً له(5). وأنه لا يستساغ تضعيف أحاديث رواها أبو حنيفة(6).
* ثانياً: دعوى اضطراب رواية مسلم دعوة مضطربة، لأن الرواية الأخرى لا تساويها في السند وإنما تقل عنها.
* ثالثاً: إن كان الصحابي سبك هذا اللفظ من عنده ثم اشتهر هذا اللفظ بين الصحابة: أليس هذا دليلاً واضحاً على أن الراوي والصحابة قد ارتضوا هذا اللفظ (أين الله) ألم يكن هؤلاء الصحابة يفهمون عقيدة التنزيه حتى يختاروا هذا اللفظ؟ وهل يرضى أحد منكم أن يختار لفظاً كهذا؟ هذا قشيريكم وابن عساكركم وسبكيكم يقولون "تعالى الله عن أن يقال (أين)(1). وهذا سبكيكم يقول "ولا يقال له أين، هذا مذهب أهل السنة"(2).
كيف تناقله الصحابة والتابعون ودوّنه المحدّثون ثم ابتدأ جهم والمريسي والمعتزلة بإنكاره فحرّموا على الناس أن يقولوا: إن الله في السماء، ثم تلقيتموه عنهم؟
أرى أن الكوثري قد ورّط نفسه بعدة ورطات أهمها أن الصحابي قد كذب على الرسول وعلى الجارية. فبينما قال الرسول ïپ² لها: أتشهدين، سبكه الصحابي بلفظ (أين الله). وبينما قالت الجارية (أشهد أن لا إله إلا الله) أو أشارت: سبك لها الصحابي لفظاً آخر وهو (الله في السماء).
وغمز الصحابي معاوية بن الحكم، ورماه بالجهل وهو ليس أول صحابي يطعن فيه الكوثري فقد طعن في أنس بن مالك ووصفه بالهرم والخرف وردّ حديثه الصحيح(4).
وهذا دليل من جملة الأدلة على انغماس الكوثري في منتهى الضلالة.
قال ابن المظفر السمعاني "التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، وهو بدعة وضلالة"(5). نقله عه الحافظ في الفتح.

وقد امتحن الله أهل الزيغ بزلة للبيهقي وهي قوله أن مسلماً أورد حديث معاوية بن الحكم غير أنه لم يذكر معه خبر الجارية، وهذا وهم منه رحمه الله. فقد أثبته علماء الحديث كاملاً كالبغوي في (شرح السنة 3/239) والحديث جاء بتمامه عند مسلم(1) متضمناً قصة لجارية، كما أن الحافظ المزي أثبته في تحفة الشراف (8/426) إلى مسلم متضمناً قصة الجارية. غير أن مسلماً رواه في كتاب السلام(2) من غير هذه الزيادة، ومعلوم أن الزيادة من الثقة مقبولة.
وأثبته شرّاح صحيح مسلم بتمامه وشرحوه كالحافظ النووي(3). ولم يطعن أحد منهم في قصة الجارية.
وقد ذهب أحدهم وهو عبد الله الغماري المغربي إلى أن الحديث شاذ ومردود(4).
قلت: بالطبع مردود عند أتباع جهم بن صفوان الذين يعرضون الكتاب والسنة على موازين عقولهم المتلوثة بعلم الكلام فما استساغته عقولهم أثبتوه، وما نفرت منه أوّلوه أو حكموا بشذوذه.
ثم إن الشاذ في اصطلاح المحدثين: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه. فأين يوجد في الحديث ما يفيد ذلك.
فما نصروا الدين ولا رفعوا راية السنة وإنما ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وضربوا السنة بعضها ببعض كل هذا من أجل تنزيه مزعوم حملهم على العبث والتشكيك.
ولم يستفيدوا بعد هذه المحاولات من الطعن بالحديث لأن القرآن أثبت أن الله في السماء. قال تعالى {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} والضمير عائد على الله بدليل قوله تعالى {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ}.

موقفه من حديث الجارية كالمعتزلة
ودعواه أن سؤال النبي ïپ² للجارية "أين الله" سؤال عن المكانة لا المكان"(1). فباطل لوجوه:
* أن الأشعرية لا يرضون أصلاً بإطلاق هذا الوصف على الله. كما قال القشيري "تعالى الله أن يقال (أين)(2).
* أن المكانة لا يقال عنها (أين) ولا يجاب عنها بأنها في السماء. الله إلا إذا دخلت عليها (من) كقولك: أين أنت من فلان. أين الثرا من الثريا.
* أنهم جعلوا فوقية الله على خلقه بمعنى أنه خير منهم وأفضل منهم منزلة، فإن الله لم يمتدح نفسه ابتداءً بأنه أفضل من أحد من خلقه. وكيف يقبل عاقل فيه شيء من إيمان أن يعتقد أن (الله فوق العرش) بمعنى هو خير وأفضل منزلة من عرشه؟ وأن معنى قول زينب "زّوجني الله من فوق سبع سماوات" بمعنى أن الله خير وأفضل من السماوات؟
وهذا إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر، وأما إذا لم يتقاربا فإنه لا يصح ذلك، وحينما يقول الله {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} فإنه العلو الحقيقي، إذ لا يعرف في اللغة استعمال "فوق" مقروناً بـ (من) بمعنى فوقية الخيرية والأفضلية فلا يصح أن يقال "الذهب من فوق الفضة" ولا يقال "العلم من فوق الجاهل".
وإذا كان من القبيح أن تقول: الجوهر فوق البصل، والذهب فوق التنك، مما يُضحك الناس منك: فكيف تقول: الله فوق عباده بمعنى أنه خير منهم وأفضل؟!
* أن قوله مردود بحديث النزول، فإذا كان العلو على مكانة: فماذا نقول عن حديث النزول؟ أنقول بأنه نزول مكانة؟ تعالى الله عن قبح تأويل أدعياء التنزيه.
* أن المكانة تأنيث المكان، والمنزلة تأنيث المنزل.
ولما ذكرت ذكرت لأحد أتباعه حديث الجارية وأنها قالت أن الله في السماء، بادرني بالقول أن الجارية قصدت بذلك تنزيه الله.
فقلت له: فإذا كان هذا القول من التنزيه فلماذا لا تقولون به أنتم بل وتحرمون على أنفسكم التلفظ بما قالت به؟ وهل يرضى أحد منكم أن يختار لفظاً كهذا؟ هل يرضى أن يقول: نشهد أن الله في السماء كما قال هو {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} فقد قال ابن فورك "اعلم أنه لي يُنكر قولُ من قال: إن الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به، وهو قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ومعنى ذك: أنه فوق السماء"(1).
وكنت ألح عليه مراراً أن يقول بقولها لفظاً ولو من غير اعتقاد تأدباً مع النبي ïپ² الذي وافق ظاهر لفظها ليوافق رضاه رضا رسول الله منها، فأبى أن يقول بمثل ما قالت.
فقلت له: إن النبي ïپ² لا يقرّ باطلاً فهل لي أن أختبرك كما اختبرها النبي ïپ² فأسألك بمثل ما سألها: أين الله؟ فقال: بلا مكان.
قلت له: أهكذا كان جواب الجارية؟ تالله لقد فازت هذه الجارية في الاختبار وفشلت فيه أنت.
الحبشي يكمل مسيرة الاعتزال
وهذا التأويل يشكرهم عليه المعتزلة لأنه هو نفس تأويلهم. فقد ذكر الأشعري(2) أن الجبائي – من المعتزلة – لا يجوز عنده أن يوصف الله بالفوقية، فإن وُجِد في القرآن ما يثبت الفوقية فهو مؤول بالقهر والاستيلاء وأن الله مستول على العباد" وبهذا تبدو المطابقة والتشابه واضحة بين الحبشي والمعتزلة.

آية شاهدة على كذب المؤولة
وسألتُ الحبشي عن معنى قول الله تعالى {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} فأجابني بأن الضمير في الآية يعود على الملائكة لا على الله.
وكان أتباعه يقولون إن الضمير يعود على جبريل.
فقلتُ له: ولكن تلاميذك يقولون إن الضمير عائد على جبريل.
فقال "تلاميذي يقولون عني ما لم أقل"(1).
قلت: وأنت ماذا تقول؟ قال: أقول إنه المعنى (ءأمنتم الملائكة).
قلت: هذا غير صحيح:
فلماذا جاءت الآية بصيغة المفرد (أن يخسف) ولم تأت بصيغة الجمع (أن يخسفوا)؟
قال: قد ثبت إطلاق الجمع على المفرد.
فقلت: ولكن لم يصح إطلاق المفرد على الجمع. فبهت.
قلت: ثم في سورة الإسراء آية شبيهة بآية (تبارك) تُبطل هذا الزعم.
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} ولا ريب أن الضمير هنا عائد على الله ولذلك قرن الإمام ابن قتيبة بين الآيتين ثم قال "هكذا قال المفسرون"(2). وخير تفسير القرآن بالقرآن.
حجة على الهامش
وقد خالف أبو بكر بن فورك هذا التحريف للضمير عن الله إلى الملائكة فقال "اعلم أنه ليس يُنكر قولُ من قال: إن الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به"(3).
ونتابع الآية {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً}. ولا يزال الضمير عائداً على الله. فالخسف وإرسال الحاصب من الله وليس يصح الإرسال من جبريل لأن جبريل يأتي به بنفسه ولا يرسله فالله هو المرسل وجبريل هو المرسل. ولا توجد آية يذكر الله فيها أن الملائكة هي التي ترسل العذاب.
ـ ففي آية الإسراء {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ . . . أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ}.
ـ وفي سورة تبارك {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ . . . أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ}.
واعلم أنه لم يطلق لفظ {أَأَمِنتُم} في كتاب الله إلا كان المقصود بذلك هو الله لا غيره. ففي سورة النحل {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ}. وفي سورة الأعراف {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ}.
ـ أن الله يخوّفنا نفسه كما قال {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} ولا يخوفنا بملائكته. ولا يعقل أن يكون معنى الآية: ألا تخافون ملائكتي أن يخسفوا. وأثنى على المؤمنين فقال {وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ} [الأحزاب 39].
ـ وهاتان الآيتان الأخيرتان حجة عظيمة على المتأولين الذين يجعلون الضمير في سورة تبارك {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} عائداً على غير الله. ولا يجرؤون على تحويل الضمير في سورة الإسراء إلى غيره. فهكذا يجب مقابلة أهل الزيغ بالمحكم من القرآن بعد استغلالهم للمتشابه منه. وهم دائماً يقولون لنا "أفضل التفسير تفسير الوراد بالوارد". فلما بينت ذلك للحبشي سكت.
شبهة: ومن علامات زيغهم احتجاجهم بأن النبي ïپ² كان يقلب يديه في الاستسقاء فتارة يوجه باطن كفه إلى السماء وتارة إلى الأرض. بمعنى أنه إذا كنا نوجه الأيدي إلى السماء لأن الله في السماء فهذا مردود بتوجيه يديه إلى الأرض.
* لقد تجاهلوا قول الله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وتجاهلوا شهادة النبي ïپ² للجارية بأنها مؤمنة لأنها صرحت بأن الله في السماء. وتمسكوا بفعل لا يعني ما يذهبون إليه.
فتقليب اليدين في الاستسقاء حالة خاصة تعني زيادة التذلل وتبيين الحاجة إلى الله. وأما رفع اليدين إلى السماء فهي متواترة جمع السيوطي رواياتها فبلغت قرابة المائة رواية في رسالة بعنوان "فضّ الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء". فقليلاً من الإنصاف يا من تصفون أنفسكم بالمعتدلين.

تضارب تأويلات المؤولين
والحقيقة أن الذين يتأولون هذه الآية لم يتفقوا على تأويل واحد، فمنهم من زعم أن {مَّن فِي السَّمَاء} أي ملكوته كما قاله أبو حيان النحوي،(1) ومنهم من قال (ملائكته) ومنهم من قال (جبريل). ومنهم من قال "أي من تزعمون أنه في السماء" قال النسفي والبيضاوي والرازي(2).
ويفسر العز بن عبد السلام آية {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} بمعنى "قصد إلى السماء: ويحتمل ثم استوى أمره وخلقه إلى السماء، وكلاهما مجاز لا يترجح أحدهما إلا بدليل من خارج"(3). وهكذا تجد عقيدتهم بنيت على الاحتمال الذي غزا كل تأويلاتهم.
وبهذا يكونون قد نقضوا قاعدتهم التي ردوا بسببها أحاديث الآحاد وهو أن لا مجال للمحتملات في العقائد بل لا بد من القطعيات، وقد اعترفوا بأن التأويل محتمل.
أقوال المفسرين
قال الطبري(4) {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} وهو الله(5). كذا روى ابن الجوزي عن ابن عباس(6). والبغوي والسيوطي(7).
وقال أحمد {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} فهذا خبر من الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل منه مذموماً"(8).
وقال البيهقي "معنى الآية والله أعلم: ءأمنتم من على العرش" "أي من فوق العرش(9). فلم يقل بأن المعنى جبريل أو الملائكة ولكنه أثبت الضمير لله.
وروى القرطبي عن ابن عباس "ءأمنتم عذابَ مَن في السماء إن عصيتموه"(10).
وروى السيوطي عن مجاهد {مَّن فِي السَّمَاء} أي هو الله تعالى(11).

وقال الألوسي {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} "وهو الله عز وجل.. وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره.. فهُم مؤمنون بأنه عز وجل في السماء على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه، وحديث الجارية من أقوى الأدلة لهم في هذا الباب، وتأويله بما أوّلَ به الخلف خروجٌ عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب"(1).
* وقد اجتمع عند السلطان جماعتان اختلفتا حول علوِّ الله: فطلب من الجماعة الأولى أن تعرض عقيدتها فقالت إننا نؤمن بأن الله على عرشه فوق سماواته. وقالت الأخرى: نحن نؤمن بأن الله ليس فوق العالم ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه. فقال: هؤلاء قومٌ أضاعوا ربهم.
وقوله هذا حق فإن العقل والمنطق يوجبان أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً عنه فإنه لا يكون شيئاً وهو صفة العدم.
فالأشاعرة قوم أضاعوا ربهم فهم يقولون ليس لله مكان وليسن له زمان ولا هو داخل العالم ولا خارجه(2).
وهل يقول الشيوعيون إلا بمثل هذا؟ يقولون: لا يوجد إله فوق ولا تحت ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه. فهم داخلون في حكم الجهمية الذين قال فيهم ابن المبارك "كل قوم يعرفون ما يعبدون إلا الجهمية"(3). وقال فيهم محمد بن الحسن الشيباني "من قال بقول الجهم فقد وصف الله بصفة لا شيء(4) وقولهم هذا كقول القائل: العدد لا زوج ولا فرد. وهو شبيه بقول الباطنية القائلين عن الله لا عالم ولا لا عالم.
شبهة: واحتجوا برواية منسبوة إلى زين العابدين علي بن الحسين بن علي وفيها "أنت الله الذي لا يحويك مكان" وقالوا "رواها الحافظ الزبيدي في إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين (4/380) بالإسناد المتصل إلى أهل البيت"(5).
وهذا قول غير مقبول أولاً:

نحن نثبت له الاستواء فوق المكان ولا نعتقد أن المكان يحويه. وكيف يحوي المخلوق خالقه، تعالى الله عن ذلك، فلا اعتراض على هذه العبارة من حيث المبدأ.
ولكننا حين نثبت علوه فوق المكان وفوق العرش كما أثبت هو لنفسه ورسولُه ïپ² فإننا لا نعتقد أن شيئاً يحويه.
وبالمناسبة فإليكم عبارة مروية عن أهل البيت أكثر وضوحاً من العبارة التي تحتجون بها: فقد روى الطبري بسنده عن الحسن رضي الله عنه أنه قال {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} "رفعه ليه فهو عنده في السماء"(1).
فإذا كان مقصودكم من هذه العبارة المنسوبة نفي ما أثبته الله لنفسه من استوائه فوق عرشه: فهذه الصحيفة من وضع الشيعة. طبعت في النجف بالمطبعة العلوية سنة (1352) ثم صورتها دار (صادق) الشيعة ببيروت. قال عنها محمد جواد مغنية في تفسيره (الكاشف 10/515) "تعظمها الشيعة وتقدس كل حرف فيها".
* أن اتصال السند ليس كافياً في الحكم على الرواية البصحة. بل لا بد أن يخلو من العلل الأخرى ومنه في هذه الرواية: جهالة الراوي، وهي علة ترد بها الرواية كما هو معروف عند أهل الفن. ويجب متابعة السند للتأكد من سلامته من الشذوذ أو العلل القادحة. فكيف إذا علمت أن أسانيد أهل البيت تركيبات رافضية يروج لها الرافضة ويختلقونها وما أكثر كذبهم على أهل البيت. يضاف إلى هذه الشروط: شرط أشعري وهو التواتر!!!
* أن رجال هذه الرواية إلى موسى الكاظم مجاهيل وليسوا معروفين بفن الرواية، لذا فهذه الرواية عملة لا يمكن صرفها عند أهل صرافة الحديث.
* أن الزبيدي لم يكن يتوثق مما يرويه الشيعة بل يكثر من الإتيان برواياتهم في كتابه ويكرر الرواية عن علي وأهل بيته رضي الله عنهم من كتب الشيعة الأصلية ككتاب نهج البلاغة للشريف المرتضى، ومن ذلك قوله "روى الشريف الموسوي في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين "شيعتنا الحلماء العلماء الذبل الشفاه، الأخيار الذين يُعرفون بالرهبانية من العبادة" ومثل هذا النقل غير مرتضى لكثرة ما كذب الشيعة على أهل البيت(2).
* أن هذه مقالة في العقيدة لا يؤخذ فيها إلا بخبر المتواتر كما اشترط الأشاعرة. فكيف وأن السند غامض.
* أن الزبيدي شرح كتاباً ذمه كثير من أهل العلم كابن الصلاح وابن الجوزي وغيرهما وسماه أهل المغرب في حياة الغزالي "إماتة علوم الدين" وقالوا "هذا إحياء علوم دينه، أما ديننا فلا" وانتقد بعض ما جاء فيه أكثر أهل العلم ومنهم تلميذه ابن العربي.
* أن أهل البيت ليسوا معصومين خلافاً لما عليه الشيعة من عصمتهم وأن كل ما يقولونه حق وأن الراد عليهم كالراد على الله. بل هم داخلون في قول مالك "كل منا يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر".
* أنني أقتدي بالحافظ ابن حجر والعراقي والسخاوي والزبيدي، فأستدل بابن تيمية في الحكم على الروايات كما فعلوا فأقول: إن ابن تيمية قد نقض هذه الصحيفة قائلاً "إن أكثرها كذب على علي بن الحسين"(1).
فإن قلتم: هو غير معتبر عندنا. قلنا لكم: هو معتبر عند من هو خير منكم، فكم أخذ الحافظ ابن حجر والزبيدي والسخاوي والسيوطي بحكمه في التضعيف والتصحيح، وكذلك الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروتي كما في كتابه أسنى المطالب. فإن كان عندكم كافراً، فهو عند الزبيدي "شيخ الإسلام"(2). منقول

عبدالله الأحد
2015-03-24, 08:19 PM
وهو معكم أينما كنتم
شبهة: وإذا قيل [كما قال الله] {في السَّمَاء} قال الذين في قلوبهم مرض [كما قال المعتزلة من قبل] وماذا تفعل بقوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} فإذا قيل لهم (بعلمه) قالوا: أرأيت كيف اضطررت للتأويل فلماذا تنكر علينا تأويلنا بأن {في السَّمَاء} أي المَلَك الذي في السماء، وتسمح لنفسك أن تؤول المعية بمعية العلم؟ {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً}.
والجواب:
قد كان الجهمية قبلهم يحاولون صفع وُجوه من قَبلَنَا بهذه الآية {وهُو مَعَكُم} من غير أن يتنبهوا إلى أن الآية تضمنت إثبات الاستواء والمعية {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. فأثبت علوه في السماء على العرش وأثبت شمول علمه في كل مكان.
ثم نسأل هؤلاء اللغويين الفطاحل: هل لفظ (مع) يدل على معنى واحد وهو المخالطة؟ فإن قالوا: نعم، خالفوا كل أهل اللغة، وإن قالوا: لا، ردوا على أنفسهم.
ونحن نقول: المعية في اللغة تعني مطلق المصاحبة – فهذا هو القدر المشترك في موارد المعية فإنها قد تقتضي النصر والتأييد كما تقتضي العلم – ولا يُحكم بواحدة منها حتى يُنظر في سياق النصّ
وسياق النص يبين أن المعية معية العلم كما دلّ على ذلك أول الآية وآخرها، ونقل ابن عبد البر في التمهيد الإجماع على ذلك وتواتر عن سلف هذه الأمة.
فنحن لنا في هذا الفهم سلف، فمن سلفكم في القول بـ (الاستيلاء) والقول بنزول الملك بأمر الله؟ اللهم إلا المعتزلة كما أثبتُ ذلك بالدليل؟
مَن مِن السلف فسّر {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} أي الملائكة كما يزعم شيخكم؟

* أما عن السلف "الصالح" فلكم أن تفتحوا كتاب الأسماء والصفات للبيهقي لتجدوا أن هذا التفسير هو قول سفيان الثوري ومقاتل بن حيان وأحمد بن حنبل والضحاك ونعيم بن حماد (هو على العرش وعلمه معهم)(1) وروى ابن جرير ذلك عن طائفة من السلف واحتج بذلك ابن الجوزي والسيوطي أيضاً(2).
* والسلف الذين نقلوا هذا المعنى لم يكن دأبهم تأويل الصفات على طريقة الخلف الذين هم سلفكم ولذلك لم يؤولوا الاستواء بالاستيلاء مما يدل على أنكم شاققتم الرسول واتبعتم غير سبيل المؤمنين.
وأما قوله تعالى {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام 3] معناه: هو الله الذي يعلم سرّكم وجهركم، والله يتحدث عن علمه بدليل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة 7].
قال القرطبي "يعلم ويسمع نجواهم. يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم" فالمعية معية علم. غير أن أهل الزيغ تعلقوا بوسط الآية وأغفلوا فاتحتها وخاتمتها.

فوائد مهمة في مسألة المعية
ولفظ (مع) لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر. فهذا القمر موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان.
أن لفظ (مع) له عدة معانٍ لا يُحكم بواحدة من هذه المعاني إلا بحسب سياق الجملة. ولهذا استعملت (مع) في مواطن من القرآن تختلف فيما بينها.
فمن معانيها معية النصرة ومعية المراقبة ومعية الذات.
فإذا قال الله {وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ثم فُسِّر ذلك بمعية التأييد والنصرة لا يقال إن هذا تأويل.
وإذا قال {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} لا يقال إن هذا تأويلٌ لأن لفظ المعية لفظ مشترك يتحدد معناه بحسب إضافته.
* وهذا التفريق تعرفه الفطرة بحسب السياق. لكن علم الكلام لا يتعامل مع الفطرة بل هو عامل خطير من عوامل إفسادها.
وأما قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} قال مجاهد وقتادة في تفسير هذه الآية "يُعبَد في السماء ويُعبد في الأرض"(1). وحكى الحافظ ابن عبد البر الإجماع والاتفاق على هذا المعنى، وقال ابن جرير بنحو ذلك(2).
فالإله هو المعبود الذي يألهه أهل السماء كما يألهه أهل الأرض. وهكذا جميع المفسرين وشرّاح الحديث يفسرون الإله بالمعبود.
قال الجوهري "ألّه بالفتح إلاهة أي: عبده عبادة، قال: ومنه قولنا: الله. وأصله: إلاه، على فِعَال، بمعنى: مفعول. بمعنى معبود، كقولنا: إمام: فِعَال بمعنى: مفعول لأنه مؤتم به. والتأليهك التعبيد والتأله: التنسك والتعبد(3). ولذلك لم يقل الله تعالى (إله السماوات والأرض) وإنما قال {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.

معراج النبي ïپ² دليل على الفوقية
وحديث معراج النبي ïپ² يبطل مذهب منكري علو الله لا سيما وقد ورد فيه:
ـ أنه ما زال يعرَج بالنبي ïپ² حتى بلغ السماء السابعة.
ـ وأنه ïپ² ما زال يتردد بين موسى وبين ربه، في كل مرة يقول له موسى ارجع إلى ربك. ونص الحديث:
ـ "ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فأوحى إليَّ ما أوحى".
قلت: وجاء في الرواية التي عند البخاري (رقم 7517) "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان نمه قاب قوسين أو أدنى".
وهنا ثار الخطابي غفر الله له وطار صوابه حتى قال "ليس في هذا الكتاب أشنع ظاهراً ولا أشنع مذاقاً من هذا الفصل فإنه يقتضي تحديد المسافة . . . إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل"(1).
قلت: هذا تشبيه عند من استحكمت وساوس التشبيه منه.
وقد تناقض الخطابي رحمه الله، فتارة يسلم للصفات قائلاً "جاء بها التوقيف. فنحن نطلقها على ما جاءت، ولا نكيِّف. وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة"(2). وتارة يؤول النص، وتارة يتوقف فيه كقوله في قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال "هذا الحديث مما تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهره ولم يكشفوا عن باطن معناه" (الأسماء والصفات للبيهقي 436). وتراه في غير ذلك يتأول كثيراً من الصفات فقد أثبت الوجه واليدين والعين وفوض في صفتي النزول والاستواء فالتذبذب واضح بين التفويض وبين التأويل.
ثم أخذ يشكك في رواية أنس التي اقشعر منها بدنه فزعم أن "القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي ïپ²" ثم غمز شريكاً وزعم أنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة".

ولقد تعقبه الحافظ ابن حجر فقال "وما نفاه من أن أنساً لم يسند هذه القصة إلى النبي ïپ² لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابي فإما أن يكون تلقاها عن النبي ïپ² أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي فيكون لها حكم الرفع، كما رجحه الحاكم وحكاه عنه الزبيدي(1).
ولو كان لما ذكرت تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود".
ثم نقل الحافظ قول الخطابي "إن الذي وقع في نسبة التدلي للجبار عز وجل مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير ممن تقدم منهم ومن تأخر". ثم تعقبه ثانية بأن ذكر ما أخرجه الأموي في مغازيه ومن طريقه البيهقي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس في قوله تعالى {ولَقَد رَآهُ نَزلَةً أخرَى} قال: دن منه ربه".
قال الحافظ ابن حجر "وهذا سندٌ حسن وهو شاهد قوي لرواية شريك". وقال "وأما ما جزم به الخطابي من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلّي ففيه نظر، فقد ذكرتُ من وافقه".
ثم ذكر الحافظ تحريف القرطبي – مما هو عند أهل الكلام تأويل – لقول ابن عباس "ولقد رآه نزلة أخرى: أي دنا منه ربه". قال القرطبي "والمعنى دنا أمره وحكمه" ثم تعقبه الحافظ بقوله "ويعكر عليه بعد ذلك {فأوحى إلى عبده ما أوحى}.
ثم تعقب طعن ابن حزم وعبد الحق في جرحهما لشريك بأن نقل عن أبي الفضل بن طاهر قوله "تعليل الحديث بتفرد شريك ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه: فإن شريكاً قبِلَه أئمة الجرح والتعديل ووثّقوه ورووا عنه وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي وعثمان الدارمي وعباس الدوري عن يحيى بن معين: "لا بأس به" وقال ابن عدي "مشهور من أهل المدينة حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف، قال بن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو سليمان بن بلال، وعلى تقدير تسليم تفرد قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث ولا سيما إذا كان الوهم لايستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين"(2).

قلت: وتضعيف الحديث للهروب من صفة الدنو لا يفي شيئاً، فعند البخاري أن رسول الله ïپ² قال "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه" وفي لفظ "يدنو أحدكم من ربه" وفي لفظ "يُدنى المؤمنُ من ربه" (2441 و6070 و7514 و4685) وأنا أقول ما قاله أبو بكر يوم سأله المشركون عن موقفه من قول النبي ïپ² إنه أسريَ به "إن كان قالها فقد صدق". وأنا أقول لهؤلاء: قد قالها من هو أعلم منكم بربكم وأشده له خشية منكم.
قال في حديث المعراج:
ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة
فنزلت إلى موسى ïپ² فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك.
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي. فحطّ عني خمساً، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عنّي خمساً.
قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى عليه السلام.
فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه"(1).
فليُحصِ هؤلاء كم مرّة كرّر موسى ومحمد عليهما السلام عبارة "ارجع إلى ربك" "رجعتُ إلى ربي" "فلم أزل بين ربي وبين موسى"

عبدالله الأحد
2015-03-24, 09:02 PM
قلت
ونحن نقرء كتب العلماء يجب ان لا ننسى ان كلا يؤخذ منه ويرد الا رسولالله صلى الله عليه وسلم فما وجدناه موافقا للسنة على فهم السلف الصالح فنعتقده وماوجدناه خالف الحق فنتبع الحق والصواب في كل حال اذ المهم عندنا هو تصحيح المعتقدللنجاة من النار لا غير فرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده الذي نتبعه ونتعصبلسنته ونحرص على موافقتها وعدم مخالفتها ابدا واختم لكم بهذه النقولات التي تبينعقيدة اهل السنة الجماعة نسأل الله ان يميتنا على السنة وان يجنبنها ضلال اهلالاهواء والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
ان الله في السماء وعلمه في كل مكان فان قال مخالف هذا يلزم منه اثبات الحد والمكان؟ فجوابه كلا قال الامام السجزي في رسالته الرد على من انكر الحرف والصوت وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثباتهم أن الله سبحانه وتعالى استوى على العرش، ومن عقدهم: أن الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا في عرش ولا فوق.
وقد ذكر ابن الباقلاني : أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش.
وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: " بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ".
قال الله سبحانه { يخافون ربهم من فوهم ويفعلون ما يؤمرون } وقال: { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه } وقال { إليه يصعد الكلم الطيب } وقال: { من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه } وقال { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض..... الآية } والآية التي بعدها.
وقال النبي : " ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا حتى ذكر سبع سماوات وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك أخرجه أبو داود في كتاب السنن عن أبي هريرة وجبير بن مطعم وغيرهما عن النبي هذا المعنى والطرق مقبولة محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم مثل ذلك موقوفا. [1]
ونص أحمد بن حنبل رحمة الله عليه على أن الله تعالى ذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان. وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع عن مالك بن أنس رحمة الله عليه وقد رواه غير واحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري وروي نحوه عن الأوزاعي هؤلاء أئمة الآفاق.
[ واعتقاد أهل الحق أن الله سبحانه فوق العرش بذاته من غير مماسة وأن الكرامية ومن تابعهم على قول المماسة ضلال ] وقد أقر الأشعري بحديث النزول ثم قال: [ النزول فعل له يحدثه في السماء ] وقال بعض أصحابه [ المراد به نزول أمره ] ونزول الأمر عندهم لا يصح وعند أهل الحق الذات بلا كيفية. وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به.
وهذا كلام مسفت لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات. وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم إن الله بذاته في كل مكان وذكر عن بشر المريسي أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم.
ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه.
وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان وقد أثبت الذي في موطأ مالك بن أنس رحمه الله وفي غيره من كتب العلماء: أن النبي قال للجارية التي أراد عتقها من عليه رقبة مؤمنة ( أين الله؟ قالت في السماء فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال اعتقها فإنها مؤمنة.)
وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر.
وإن زمانا يقبل في قوه من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إماما، لزمان صعب والله المستعان.
ولقد قال الأوس بن حارثة بن ثعلبة عند موته قصيدة يوصي فيها إلى ابنه مالك وذلك قبل الإسلام فيها:
فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العصر
فإن لنا ربا عليُ فوق عرشهعليما بما يأتي من الخير والشر
وقال غيره قبل الإسلام:
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين
وقيل إن عبد الله بن رواحة قاله في الإسلام، وهو صحابي.
ومثله في الشعر وكلام العرب قديما كثير.
( وليس في قولنا: إن الله سبحانه فوق العرش تحديد وإنما التحديد يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ).
وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } فخص العرش بالاستواء وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أن المراد به غير الاستيلاء.
وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل مكان، وقد علم أن الأمكنة محدودة فإذا كان فيها بزعمهم كان محدودا، وعندنا أن مباين للأمكنة ومن [حدها] ومن وفوق كل محدث فلا تحديد في قولنا وهو ظاهر لا خفاء به.
3.ان قال مخالف ان اثبات الصفات يستلزم التجسيم؟ فالجواب كلا يقول الامام السجزي رحمه الله تعالى ألا ترى في الشاهد أن الفاعل للأشياء المتقنة العالم الخبير الحي السميع البصير جسم والله سبحانه حي سميع بصير عليم فاعل وليس بجسم وإثبات الصفات له على ما جاء به النص عنه وعن رسول الله لا يوجب التجسيم والتشبيه بل كل شيء يتعلق بالمحدثات مكيف وصفات الباري لا كيفية لها فالتجسيم والتشبيه منتفيان عنه وعن صفاته وبالله التوفيق.وقال رحمه الله والمقابلة لا تقتضي التجسيم كما زعموا لأن المرئيات في الشاهد لا تخرج عن أن تكون جسما أو عرضا على أصلهم، والله سبحانه باتفاقنا مرئي وليس بجسم ولا عرض، وإذا صح ذلك، جاز أن يرى عن مقابلة، ولا يجب أن يكون جسما.