المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحيح المسند من ( ليس مني ) و ( ليس منا )


أبو الحسن العراقي الأثري
2015-03-26, 10:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن والاه , أما بعد :
فهذا جزء من بحث صغير يبحث في مجموعة أحاديث , وقد كُتِبَ فيهِ من قبلُ , ولعليّ أُنسقه كاملاً قريباً إن شاء الله , والله الموفق .

1- قال الإمام البخاري : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، حدثنا زبيد اليامي ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، عن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية "
صحيح البخاري - كتاب الجنائز- باب : ليس منا من شق الجيوب - حديث : ‏1246‏
وأخرجه الإمام مسلم - كتاب الإيمان - باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية - حديث : ‏173‏
فوائد
· عبد الله : هو عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه –
فائدة :
((إذا جاء السند مكياً وصحابيه اسمه عبد الله فهو عبد الله بن عباس.
إذا جاء السند مدنياً وصحابيه اسمه عبد الله فهو عبد الله بن عمر.
إذا جاء السند كوفياً وصحابيه اسمه عبد الله فهو عبد الله بن مسعود .
إذا جاء السند مصرياً وصحابيه اسمه عبد الله فهو عبد الله بن عمرو بن العاص .
إذا روى أبو بردة عن عبد الله فعبد الله هو عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري
إذا روى علقمة عن عبد الله فهو ابن مسعود.
وهذا في غالب الأحوال. والله تعالى أعلم )) تيسير المصطلح في سؤال وجواب, للشيخ الفاضل أبي عبد الله مصطفى بن العدوي –حفظه الله - , ص47
· قلت : وهذا السند مسلسل بأهل الكوفة , وكلهم ثقات . ومسروق –رحمه الله – قال فيه علي ابن المديني –رحمه الله - : ((ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله )) .

· شيء من فقه الحديث , قال الحافظ أبن حجر – رحمه الله - : ((قوله ليس منا أي من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد به إخراجه عن الدين ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغه في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني أي ما أنت على طريقتي ....)) . فتح الباري (3\163)
(( ( من شق الجيوب ) جمع جيب بالجيم والموحدة وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات التسخط ( وضرب الخدود ) جمع الخد خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك ( ودعا بدعوة الجاهلية ) أي بدعائهم يعني قال عند البكاء ما لا يجوز شرعا مما يقول به أهل الجاهلية كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاه )) . تحفة الأحوذي ( 4\68)

وقال العلامة أبن دقيق العيد –رحمه الله - : ((و "دعوى الجاهلية" يطلق على أمرين أحدهما: ما كانت العرب تفعله في القتال من الدعوى.
والثاني: - وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث - هو ما كانت العرب تقوله عند موت الميت كقولهم: واجبلاه واسنداه واسيداه وأشباهها)). إحكام الأحكام (1\253)

2- قال الإمام البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا محمد بن جعفر ، أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل ، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه ، يقول : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فقال : ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني))
الجامع الصحيح - كتاب النكاح - باب الترغيب في النكاح - حديث : ‏4777‏
وأخرج مسلم بنحوه ,كتاب النكاح - باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه - حديث : ‏2566‏
فوائد :
· قال العجلي – رحمه الله – في سعيد بن أبي مريم- رحمه الله- : ((ثقة ، كان له دهليز طويل ، وكان يأتيه الرجل فيقف فيسلم عليه ، فيرد عليه : لا سلم الله عليك ولا حفظك وفعل بك . فأقول : ما لهذا ؟ فيقول : قدرى خبيث . ويأتى آخر فيقول له مثل ذلك ، فأقول : ما لهذا ؟ فيقول : جهمى خبيث . ويأتى آخر فيقول مثل ذلك ، فأقول ما لهذا ؟ فيقول : رافضى خبيث . لا يظن إلا رد عليه سلامه . وكان عاقلا ، لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكيم )) الثقات للعجلي (1\396).
· ((وهو دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك والإضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها وأن هذه الملة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} قال الطبري في الحديث الرد على من منع استعمال الحلال من الطيبات مأكلا وملبسا قال القاضي عياض هذا مما اختلف فيه السلف فمنهم من ذهب إلى ما قاله الطبري ومنهم من عكس واستدل بقوله تعالى: ل {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} قال والحق أن الآية في الكفار وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين والأولى التوسط في الأمور وعدم الإفراط في ملازمة الطيبات فإنه يؤدي إلى الترفه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشبهات فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا فلا يستطيع الصبر عنه فيقع في المحظور كما أن من منع من الراوي ذلك أحيانا قد يفضي به إلى التنطع وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة المنهي عنه ويرد عليه صريح قوله تعالى: {قٌلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يؤدي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا وترك النفل يفضي إلى البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخيار الأمور أوسطها وأراد صلى الله عليه وسلم بقوله: "فمن رغب عن سنتي" عن طريقتي "فليس مني" أي ليس من أهل الحنيفية السهلة بل الذي يتعين عليه أن يفطر ليقوى على الصوم وينام ليقوى على القيام وينكح النساء ليعف نظره وفرجه وقيل إن أراد من خالف هديه صلى الله عليه وسلم وطريقته أن الذي أتى به من العبادة أرجح مما كان عليه صلى الله عليه وسلم فمعنى ليس مني أي ليس من أهل ملتي لأن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر )) . سبل السلام (3\111,110)
3- قال الإمام البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من حمل علينا السلاح فليس منا " *
صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من حمل - حديث : ‏6676
والإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من حمل - حديث : ‏168‏
الفوائد :
· (( عبد الله بن يوسف التنيسي بمثناة ونون ثقيلة بعدها تحتانية ثم مهملة أبو محمد الكلاعي أصله من دمشق ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ من كبار العاشرة مات سنة ثماني عشرة خ د ت س )) . تقريب التهذيب

· قال العلامة أحمد شاكر –رحمه الله - : ((ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها. فعن أحمد وإسحق: أصحها: الزهري عن سالم عن أبيه. وقال علي بن المديني والفلاس: أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. وعن يحيى بن معين: أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. وعن البخاري، مالك عن نافع عن ابن عمر. وزاد بعضهم: الشافعي عن مالك، إذ هو أجل من روي عنه)) , الباعث الحثيث ص2

· شيء من فقه الحديث :-
قال الإمام النووي –رحمه الله - : ((..قاعدة مذهب أهل السنة والفقهاء وهي أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك فان استحله كفر فاما تأويل الحديث فقيل هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر ويخرج من الملة وقيل معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا وكان سفيان بن عيينة رحمه الله يكره قول من يفسره بليس على هدينا ويقول بئس هذا القول يعنى بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع فى النفوس وأبلغ فى الزجر والله أعلم )) , شرح صحيح مسلم (2\107)

((حمل السلاح: يجوز أن يراد به ما يضاد وضعه ويكون ذلك كناية عن القتال به وأن يكون حمله ليراد به القتال ودل على ذلك قرينة قوله عليه السلام: "علينا" ويحتمل أن يراد به ما هو أقوى من هذا وهو الحمل للضرب فيه أي في حالة القتال والقصد بالسيف للضرب به وعلى كل حال فهو دليل على تحريم قتال المسلمين وتغليظ الأمر فيه.
و قوله: "فليس منا" قد يقتضي ظاهره الخروج عن المسلمين لأنه إذا حمل: "علينا" على أن المراد به المسلمون كان قوله: "فليس منا" كذلك وقد ورد مثل هذا فاحتاجوا إلى تأويله كقوله عليه السلام: "من غشنا فليس منا" وقيل فيه: ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا أو ما يشبه ذلك فإذا كان الظاهر كما ذكرناه ودل الدليل علة عدم الخروج عن الإسلام بذلك اضطررنا إلى التأويل )) . إحكام الأحكام (1\501)

((أي من حمله لقتال المسلمين بغير حق كني بحمله عن المقاتلة إذ القتل لازم لحمل السيف في الأغلب ويحتمل أنه لا كناية فيه وأن المراد حمله حقيقة لإرادة القتال ويدل له قوله علينا وقوله فليس منا تقدم بيانه بأن المراد ليس على طريقتنا وهدينا فإن طريقته صلى الله عليه وسلم نصر المسلم والقتال دونه لا ترويعه وإخافته وقتاله وهذا في غير المستحل فإن استحل القتال للمسلم بغير حق فإنه يكفر باستحلاله المحرم القطعي والحديث دليل على تحريم قتال المسلم والتشديد فيه وأما قتال البغاة من أهل الإسلام فإنه خارج من عموم هذا الحديث بدليل خاص )) سبل السلام (3 \258,257)
قال الإمام المالكي الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله - : (أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة وشهر على المسلمين السلاح وأخاف السبيل وأفسد بالقتل والسلب فقتلهم وإراقة دمائهم واجب لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر عليه والانهزام عندهم ضرب من التوبة وكذلك من عجز عن القتال لم يقتل إلا بما وجب عليه قبل ذلك .
ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم مثل قوله من حمل علينا السلاح فليس منا ومثل قوله يمرقون من الدين وهي آثار يعارضها غيرها فيمن لا يشرك بالله شيئا ويريد بعمله وجهه وإن أخطأ في حكمه واجتهاده والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها الإيمان لأنهما ضدان وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا وبالله التوفيق )) التمهيد (23\340,339)

4- قال الإمام البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرنا ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ، وزاد غيره : " يجهر به "
صحيح البخاري -كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به - حديث : ‏7110‏
قلت : إسناده صحيح .
الفوائد :
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني –رحمه الله - : ((حَدِيثُ ليس مِنَّا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ من حديث أبي هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدُ وأبو دَاوُد وابن ماجة وَالْحَاكِمُ وابن حِبَّانَ من حديث سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ وفي الْبَابِ عن بن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ في الْحَاكِمِ وَعَنْ أبي لُبَابَةَ في سُنَنِ أبي دَاوُد )) تخليص الحبير (4\201)
قلت : وبعض طرق الحديث معلولة , وللمزيد ينظر التاريخ الكبير (5\401) , وعلل الدار قطني –رحمه الله – (9\244,240) , وغيرها من كتب العلل .

· شيء من فقه الحديث :
قال الإمام البغوي –رحمه الله - : ((فقال قوم : معنى " التغني " هو تحسين الصوت وتحزينه ، لأنه أوقع في النفوس ، وأنجع في القلوب. وروي عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " زينوا القرآن بأصواتكم ".
ذهب بعضهم إلى أن هذا من المقلوب ، ومعناه : زينوا أصواتكم بالقرآن ، ويروي هكذا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، كما يقال : عرضت الناقة على الحوض ، أي : عرضت الحوض على الناقة.
وفيه دليل على أن المسموع من قراءة القارئ هو القرآن ، وليس بحكاية القرآن.
وقيل : معنى " التغني " هو الاستغناء ، وإليه ذهب سفيان بن عيينة ، فمعناه : ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن غيره.
وسئل ابن الأعرابي عن هذا ، فقال : كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل ، وإذا جلست في الأفنية ، وعلى أكثر أحوالها ، فلما نزل القرآن أحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يكون القرآن هجيراهم مكان التغني.
قال الشافعي : لو كان معنى " يتغنى بالقرآن " على الاستغناء ، لكان " يتغاني " وتحسين الصوت هو يتغنى ، قال الشافعي : فلا بأس بالقراءة
بالألحان وتحسين الصوت بأي وجه ما كان ، وأحب ما يقرأ إلي حدرا وتحزينا.
وقرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان ، فكره ذلك أنس ،
قال محمد بن سيرين : كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة.)) شرح السنة (4\485-488)
((ما تقول أئمةُ الدين -رضي اللَّه عنهم أجمعين، وجعلهم عاملين بما عَلِموا، مخلصين مصيبين- في قراءة القرآن بما يُخرِجُه عن استقامتِه التي أجمعَ أئمةُ القراءةِ عليها، من تمطيطٍ أو ترجيعٍ بالألحان المُطْرِبة، أو مَدٍّ مُجمَعٍ على قَصْرِه، أو قَصْرٍ مُجْمَعٍ على مَدِّه، أو إظهارِ ما أُجْمِع على إدغامِه، أو إدْغامِ ما أُجْمِعَ على إظهارِه، أو تَشْدِيدِ ما أُجْمِعَ على تخفيفِه، أو تخفيفِ ما أُجْمِعَ على تشديدِه، أو بما يُزِيلُ الحرفَ عن مَخْرَجِه أو صفتِه، وما أشبهَ ذلك مما يُعَانيه بعض القراء، هل تَجُوز تلك القراءةُ؟ وهل يجوزُ سَماعُها أو استماعُها؟ فإن لم تَجُزْ، فهل يَلزَمُ سامعَها أن يُنكِر على قارئها؟ فإن لَزِمَه وتَرَكَ فهل يأثَمُ؟ وإن أنكَر على قارئها، ولم يَقْبَل القارئُ، فهل يجب عليه شيء أم لا؟ أَفْتُونا مأجورين، رحمكم الله. والحمد لله وحده.
أجابَ شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية:
الحمد لله. الناسُ مأمورون أن يقرأوا القرآن على الوجه المشروع، كما كان يقرؤه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ، فإنّ القراءةَ سنَّةٌ يأخذُها الآخِرُ عن الأول.
وقد تنازع الناسُ في قراءةِ الألحانِ، منهم مَن كرهَها مطلقًا، بل حَرَّمها، ومنهم من رخَّصَ فيها، وأعدلُ الأقوالِ فيها أنها إن كانت موافقةً لقراءة السَّلفِ كانت مشروعةً، وإن كانت من البدع المذمومة نُهِيَ عنها. والسلفُ كانوا يُحَسِّنون القرآنَ بأصواتِهم من غيرِ أن يتكلفوا أوزانَ الغِناء، مثلَ ما كان أبو موسى الأشعري يَفعلُ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد أُوتِيَ هذا مِزْمارًا من مَزاميرِ آلِ داودَ". وقال لأبي موسى الأشعري: "مررتُ بك البارحةَ وأنتَ تقرأ، فجعلتُ أستمعُ لقراءتِك"، فقال: لو علمتُ أنك تسمعُ لَحبَّرتُهُ لكَ تحبيرًا. أي لحسَّنْتُه لك تحسينًا. وكان عمر يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذَكِّرْنا ربَّنَا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون لقراءته.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم"[ صحيح , رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه]. وقال: "لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا إلى الرجلِ الحسنِ الصوتِ بالقرآنِ من صاحبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِه"[ضعيف] . وقال: "ليس منّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن".
وتفسيرُه عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تَحْسِين الصوتِ به. وقد فَسَّره ابن عُيينة ووكيع وأبو عبيد على الاستغناء به. فإذا حَسَّنَ الرجلُ صوتَه بالقرآن كما كان السلف يفعلونه -مثل أبي موسى الأشعري وغيره- فهذا حسن.
وأما ما أُحدِثَ بعدَهم من تكلُّفِ القراءةِ على ألحانِ الغناءِ فهذا يُنْهَى عنه عند جمهور العلماء، لأنَّهُ بدعةٌ، ولأنَّ ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يُورِثُ أن يَبقَى قلبُ القارئ مصروفًا إلى وزنِ اللفظ بميزان الغناءِ، لا يَتدبَّرهُ ولا يَعقِله، وأن يَبقَى المستمعون يُصغُون إليه لأجل الصوت الملحَّن، كما يُصْغَى إلى الغناء، لا لأجلِ استماعِ القرآن وفهمِه وتدبُّرِه والانتفاع به. والله سبحانه أعلم.)) مجموع الفتاوى (3\303-305)
قال الحافظ العلامة ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - : ((فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن ، كما قال النبي : ( ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) ) والمراد : أنه يجعله عوضا عن الغناء فيطرب به ويلتذ ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه ، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر . وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود - أيضاً .
وأما الغناء المهيج للطباع ، المثير للهوى ، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا
استماعه ؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة ؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع ؛ ولهذا جعل النبي (( زنا العينين النظر ، وزنا الأذن الاستماع )).
ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه ، ولم يرخص فيه أحد يعتد به .
وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين .
وقد روى الإمام أحمد ، عن إسحاق الطباع ، أنه سأل مالكا عما يرخص فيه أهل المدينه من الغناء ؟ فقالَ : إنما يفعله عندنا الفساق . وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وهو من علماء أهل المدينة - أيضا .
وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ . وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء .
وقال أحمد : الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب : أتيناكم أتيناكم .
وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم ، فمحرم مجمع على تحريمه ، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى .
وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أنه يرخص فيه مطلقا للنساء .
وقد روي عن أحمد ما يشهد له ، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، كصاحب ( ( المغني ) ) وغيره .
والثاني : إنما يرخص فيه في الاعراس ونحوها ، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم .
والثالث : أنه لا يرخص فيه بحال . وهو قول النخعي وأبي عبيد .
وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها .
وقال الحسن : ليس الدف من أمر المسلمين في شيء . ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة .
وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف ، وكأنه حصل عنده تردد : هل كانت راهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الاعاجم فيه جرس ؟ وقد قيل لأحمد : الدف فيهِ جرس ؟ قال : لا .
وقد نص على منع الدف المصلصل .
وقال مالك في الدف : هو من اللهو الخفيف ، فإذا دعي إلى وليمة ، فوجد فيها دفاً فلا أرى أن يرجع . وقاله القاسم من أصحابه .
وقال أصبغ - منهم - : يرجع لذلك .
وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر :
خرج ابن ماجه من رواية الشعبي ، قال : شهد عياض الأشعري عيداً بالأنبار ، فقال : (( ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله )) [ضعيف ، الضعيفة ( 4285 )].
ومن رواية الشعبي ، عن قيس بن سعد ، قال : (( ما كان شيء على عهد رسول الله إلاّ وقد رأيته ، إلاّ شيء واحد ، فإن رسول الله كان يقلس له يوم الفطر)) [ضعيف ، الضعيفة ( 4285 )].
قال يزيد بن هارون : التقليس : ضرب الدف .
وقال يوسف بن عدي : التقليس : أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق ، يلعبون بالطبل وغير ذلك .
وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد ، سميناه : ( ( نزهة الأسماع في مسألة السماع ) ) ، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة )). فتح الباري (6\82-86)
5- قال الإمام مسلم :حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن القاري ح ، وحدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان ، حدثنا ابن أبي حازم ، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حمل علينا السلاح فليس منا ، ومن غشنا فليس منا "
صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من غشنا" - حديث : ‏171‏
وقال أيضا : وحدثني يحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وابن حجر ، جميعا عن إسماعيل بن جعفر ، قال ابن أيوب : حدثنا إسماعيل ، قال : أخبرني العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها ، فنالت أصابعه بللا فقال : " ما هذا يا صاحب الطعام ؟ " قال أصابته السماء يا رسول الله ، قال : " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ، من غش فليس مني "
صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من غشنا" - حديث : ‏171‏
الفوائد :
((وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ( ح ) وهي مهملة ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها نعم كتب جماعة من الحفاظ موضها ( صح ) فيشعر بأنها من ( صح ) لئلا يتوهم أن حديث هذا الأسناد سقط .
وقيل إنها حاء التحويل من إسناد إلى إسناد آخر وقال الرهاوي " لأنها تحول بين الإسنادين فلا تكون من الحديث فلا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة " وأنكر كونها من الحديث
وقيل هي رمز إلى قولنا ( الحديث ) وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها ( الحديث )
والمختار أنه يقول ( ح ) ويمر فإنه أحوط الوجوه وحكي عن بعض البغداديين أيضا )) .المقنع في علوم الحديث ص364 , ويراجع تدريب الراوي (2\88) , والنكت على كتاب ابن الصلاح للزركشي (3\595) , والمنهل الروي , وغيرها من كتب المصطلح .

((...فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْغَاشَّ لَيْسَ بِدَاخِلِ فِي مُطْلَقِ اسْمِ أَهْلِ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ كَمَا قَالَ " { لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؛ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؛ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فَسَلَبَهُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ حُصُولَ الثَّوَابِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْعِقَابِ ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُفَارِقُ بِهِ الْكُفَّارَ وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ النَّارِ . وَالْغِشُّ يَدْخُلُ فِي الْبُيُوعِ بِكِتْمَانِ الْعُيُوبِ وَتَدْلِيسِ السِّلَعِ ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْمَبِيعِ خَيْرًا مِنْ بَاطِنِهِ ؛ كَاَلَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ . وَيَدْخُلُ فِي الصِّنَاعَاتِ مِثْلَ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ الْخُبْزِ وَالطَّبْخِ وَالْعَدَسِ وَالشِّوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَصْنَعُونَ الْمَلْبُوسَاتِ كَالنَّسَّاجِينَ وَالْخَيَّاطِينَ وَنَحْوِهِمْ أَوْ يَصْنَعُونَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ فَيَجِبُ نَهْيُهُمْ عَنْ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَالْكِتْمَانِ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ " الْكِيمَاوِيَّةُ " الَّذِينَ يَغُشُّونَ النُّقُودَ وَالْجَوَاهِرَ وَالْعِطْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَيَصْنَعُونَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عَنْبَرًا أَوْ مِسْكًا أَوْ جَوَاهِرَ أَوْ زَعْفَرَانًا أَوْ مَاءَ وَرْدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ؛ يُضَاهُونَ بِهِ خَلْقَ اللَّهِ : وَلَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا فَيَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ بَلْ { قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ رَسُولُهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً } وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَصْنُوعَاتُ مِثْلَ الأطبخة وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ إلَّا بِتَوَسُّطِ النَّاسِ قَالَ تَعَالَى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } . وَقَالَ تَعَالَى : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } . وَكَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ لِبَنِي آدَمَ أَنْ يَصْنَعُوهَا ؛ لَكِنَّهُمْ يُشْبِهُونَ عَلَى سَبِيلِ الْغِشِّ . وَهَذَا حَقِيقَةُ الْكِيمْيَاءِ ؛ فَإِنَّهُ الْمُشَبَّهُ ؛ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَيَدْخُلُ فِي الْمُنْكَرَاتِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ : مِثْلَ عُقُودِ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ ؛ وَمِثْلَ بَيْعِ الْغَرَرِ وَكَحَبَلِ الْحَبَلَةِ ؛ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ؛ وَرِبَا النَّسِيئَةِ وَرِبَا الْفَضْلِ وَكَذَلِكَ النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَتَصْرِيَةُ الدَّابَّةِ اللَّبُونِ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ . وَكَذَلِكَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا جَمِيعُهَا أَخْذَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ ....)) . مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (28\72-75), ولكلامه الماتع بقية .

الفهداوي
2015-03-27, 12:57 AM
جزاكم الله خيرا

الحياة أمل
2015-03-27, 05:58 PM
بآرك الرحمن فيكم على هذآ الجهد
جعله ربي في ميزآن حسنآتكم ...~

أبو الحسن العراقي الأثري
2015-03-31, 09:19 AM
وجزاكم الله خيرا أحبتي في الله