المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله


عبدالله الأحد
2015-03-30, 05:41 PM
إذا سـألت فاسـأل الله

الشيخ محمد بن عبدالله المقدي

- قصة قصيرة -



بسم الله الرحمن الرحيم

وقف عماد يتأمل المناظر الطبيعية الخلابة التي تظهر له على ظهر السفينة الضخمة التي يستقلها مدعوا لرحلة ترفيهية مع صديقه المقرب كريم، وبينما هو مستند على حاجز السفينة وقد بهرته روعة تلك المشاهد الخلابة التي تنطق بعظمة الخالق المبدع سبحانه وتعالى أغراه جمال المنظر أن يميل بجسده أكثر إلى الأمام ليتمكن من رؤية السفينة وهي تمخر عباب البحر وقد كانت سفينة صغيرة جميلة الشكل.

وفجأة جاءت موجة عنيفة اهتزت معها السفينة اهتزازا شديدا فاختل توازن عماد... وحدثت المصيبة... وسقط عماد في قلب المحيط، وتعاظمت المصيبة فعماد لا يحسن السباحة، صرخ عماد طالبا النجدة حتى بح صوته، وضل يصارع الموج بدون جدوى وبدأ ينادي بصوت يشبه هزيم الرعد يا جيلاني.. يا جيلاني.. يا دسوقي.. يا محضار علهم يستطيعون إنقاذه، وبينما هو يصارع تلك الأمواج العاتية وينادي بأعلى صوته إذ رآه رجل كبير في سن الخمسين من عمره كان مسافرا معه على ظهر تلك السفينة، وعلى الفور أشعل جهاز الإنذار ثم رمى بنفسه في الماء لإنقاذ عماد.

وبسرعة دب النشاط والحركة في جميع أركان السفينة، هرول المسئولون وتجمع المسافرون على ظهر السفينة يرقبون المشهد ويبادرون بالعون والمساعدة، ألقوا بقوارب نجاة إلى المياه وتعاونت فرقة الإنقاذ مع الرجل الشهم على الصعود بعماد إلى ظهر السفينة، وتمت عملية الإنقاذ بعون الله تعالى ونجا عماد من موت محقق، وتلقفه صديقه كريم معتنقا إياه، ثم انطلق يبحث حوله عن ذلك الرجل الشجاع الذي جعله الله تعالى سببا في إنقاذ حياته، فوجده واقفا في ركن من أركان السفينة يجفف نفسه، فأسرع إليه عماد واعتنقه وقال: لا أدري كيف يمكنني أن أشكرك على جميلك معي، لقد أنقذت حياتي، فابتسم الرجل ابتسامة هادئة ونظر في الأفق متأملا ثم التفت إلى عماد وخاطبه قائلاً: (يا بني حمدا لله على سلامتك، ولكن أرجو أن تساوي حياتك ثمن بقائها).

فتعجب عماد من هذه الكلمات ونظر إلى الرجل مستوضحا معنى كلامه، استمر الرجل في كلامه قائلاً: (لقد سمعتك وأنت تصارع الأمواج العاتية وأنت تنادي الجيلاني والدسوقي كي ينقذوك فعلمت أنك بحاجة إلى الإنقاذ!).

عماد: وما المشكلة في الأستغاثة يهم أليسوا هم أولياء الله الذين يغيثون من أصابه الكرب والضيق والغرق وقد استجابوا لندائي وأرسلوك لإنقاذي تبسم عماد عند هذه الكلمة.

بدا على عماد التحمس الشديد لمواصلة النقاش مع ما أصابه في هذا اليوم الصعب من متاعب بادره محب بقوله لماذا لاتؤجل هذا الحديث إلى وقت لاحق كي تأخذ قسطا من الراحة ثم نواصل حديثنا إن شئت وافق عماد وهو يتحسس أعضائه التي أصيبت بمواجع وآلام رهيبة.

في عصر نفس اليوم.. التقى عماد ومحب على ظهر السفينة وبدا بحال جيدة بادرة محب بقوله: لعلك أخذت قسطاً من الراحة هز عماد رأسه موافقا مرددا الحمد لله الحمد لله بادر عماد محب بقوله لقد تذكرت حديثا يتصل بما تكلمنا عنه سابقا.

محب: وما هو؟

عماد قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا تحيَّرتم في الأمور فاستعينوا بأصحاب القبور)، أترد هذا الحديث؟

المحب: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما أن الحديث صحيح.

إذا تأملت في هذه عبارة "استعينوا" تجد أن الحديث موضوعٌ؛ لأن الاستعانة طلب العون، وفي سورة الفاتحة يعلمنا الله تعالى بقوله: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:5] أن الاستعانة لا تكون إلا بالله وحده، أي: فلا يُلتمَس عونٌ من أي شيءٍ إلا من الله سبحانه، وعليه أفلا يكون هذا القول السابق معارضاً للقرآن الكريم؟

ألسنا نقرأ الفاتحة في كل صلاة ونستحضر هذا المعنى لسبب ما؟

ياصديقي أن هذا القول لم يسمعه أحد من الصحابة منه صلى الله عليه وسلم، ولم يوجد من قال بمثله في زمان الصحابة ولا التابعين، ولم ينقله أحد من المصنفين في الحديث الصحيح.

عماد: لكنه موجود في كتاب "كَشفُ الخَفاء" للعَجْلوني، وهو صاحب مكانة كبيرة في الحديث.

المحب: قولك صحيح، لكن "كَشف الخَفاء" صَنَّفه العَجلوني ليميز الحديث الصحيح من الضعيف مما اشتهر على ألسنة الناس من الأحاديث، لهذا كثُر فيه الأحاديث الموضوعة. وما على الذين وضعوه إلا أن يتوبوا إلى الله تعالى.

عماد: إذن الحديث موضوع! قال عماد هذه الكلمة وبدا كأنه مستغرق في شيء ما وفجأة بادر محب بقوله:

ولكن ما قولك في قوله تعالى: ((فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)) [القصص:15].

ففي هذه الآية الكريمة دليل ظاهر على جواز الإستغاثة بالأموات والغائبين حينما تصيب الإنسان الأضرار والشرور.

محب: أفهم منك أخي أنك لا تميز بين الإستغاثة المشروعة والإستغاثة الممنوعة.

عماد: وهل ثمة فرق بينهما؟

محب: التفريق بينهما ظاهر جلي وقد ذكره جلة من العلماء، فالاستغاثة المشروعة هي الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أما الاستغاثة الممنوعة فهي محصورة بالاستغاثة بالغائب أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق وهي الحالة التي كنت بها قبل قليل.

وهنا تحرك محب وعماد إلى ركن قصي من السفينة وجلسا على مقعدين متقابلين.

بادر عماد محب بقوله.

عماد: لكن ألسنا نستعين بالإنسان الحي؟ وهكذا روح الولي الميت، هي كالسيف المسلول من غِمده، فهو أكثرُ قدرةً على الإعانة، وهؤلاء الأولياء ذوو قدرة كبيرة على التصرف.

المحب: أخبرني من الذي أنبأك أن روح الولي كالسيف المسلول ما سند هذا القول من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوفَى نصلي ونسلم عليه كلما ذكرناه أو زرنا قبرَه، ونسأل له الرحمة من الله أما أن ندعُوَه فهو مخالفةٌ صريحة للشرع، إذ ما الفرق بيننا وبين النصارى الذين يدعون نبيَ الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من أجل نصرهم؟ ليس لهذا معنًى سوى اتباع سبيل هؤلاء.

أما ما ذكرته بأن الولي إذا مات صار أكثرَ قدرةً على التصرف والإعانة ليس عليه دليل؛ لأن الله الذي هو عالم الغيب والشهادة قد بين لنا في كتابه الكريم بطلان ذلك، فقال: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) [الزمر: 42]. فهذه الآية تدل على أن الله يُمسك الأرواح في مكان ما في البرزخ.

أما عن الموتى، فقال تعالى: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)) [فاطر:22].

وهذا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقول في الآخرة كما قال الله عنه: ((...وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [المائدة: 117].

فإذا كان رسولُ الله المسيحُ عيسى بنُ مريم نفسُه لا علمَ له بما أَحدَثَت أمتُه من بعده، فكيف يُقبل أن تكون روح الولي كالسيف المسلول من غِمده؟

أن الله قد بين كل ذلك في آية فاصلة، قال سبحانه: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)) [الأحقاف:5].

بدا الإنصات الكامل على عماد فهاهو يسمع كلاما شافيا من القرآن العظيم أنصت طويلا وسكن سكونا تاما وهو يتأمل هذه الآيات الكريمات وكيف لم تستوقفه أثناء تلاوته للقرآن التي هو حريص عليها كل الحرص.

عاد محب بمقعده إلى الوراء قليلا وقال ملاطفا عماد ومحترما سكونه دعني أطلب لك شايا تجدد به نشاطك.

ذهب محب وعينا عماد ترمقه أحق مايقول أم هو الباطل بعينه إنه يذكر آيات محكمات.. ولكن.

اصطرعت في ذهنه أفكار شتى وأحس أن الأرض بدأت تدور به أفاق ومحب واقف بجانبه وعلى وجهه إبتسامة عريضة وفي يديه كوبان من الشاي.

رشف عماد من كوبه رشفه وبدا كأنه يريد أن يلقي بشيءإلى محب فقال له.

عماد: عمتي تزوجت منذ زمن بعيد ولم تنجب أطفالا وقد زارت كل مصحة سمعت بها من غير فائدة تذكر وحينما ذهبت إلى قبر الجيلاني رزقتبولد جميل ألا يدل هذا على قوة تصرف الأموات؟

أجاب محب بكل هدوء: ألم يُخبِرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل الإنسان بعد موته قائلاً: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له). والصدقة الجارية كبناء المساجد ونحوها مما يدوم ثوابه ويصل إلى فاعله ما دام مُستمِرَّ النفعِ، وكذا العلمُ النافع فإذا أَنجز إنسانٌ عملاً علمياً مُفيداً فثوابُه يصل إليه، ومثلُه دعاءُ الولدِ الصالحِ. فكل هذه الأعمال يستمر ثوابُها حتى بعد الموت، وإلا فلم يبقَ له أيُّ عمل بعد وفاته.

ولو فكرت قليلا هل يقدر الأموات على ما لم يقدر عليه الأحياء؟

والله تعالى يقول: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)) [فاطر: 22].

وما أسوأَ أن يَقُصّ الإنسان على الناس الأعمال التي لا أصل لها من حيث تحقُّقها سوى أنْ رآها فاعلوها حسنةً في أعينهم فأكبروها لتعظيم من زيّنها لهم من البشر.

إن من ذهب به إلى القبر فشفي، فلعله شُفي حقاً، أما أن يكون الميتٌ وسيلةً يُستشفى به فهذا ما لا يمكن قبولُه أبداً. وها نحن نرى أتباع الطريقة القادرية يَغرِزون السكاكين في أبدانهم ويَحسَبُه البعض كراماتٍٍ خُصَّ بها القومُ، وكذا الهنود فهم مَعروفون بإنفاذ السيوف في أجسادهم، ويَغرِزون في خُدودهم قَصَباتٍ سُمكها كخشب المَطارق حتى تَنفذ من الشِقِّ الآخَر، فلو كان صنيعُ القادِريّةِ كراماتٍ لوَجب أن يُنسب هؤلاء الهنودُ إلى فِعل المُعجِزات.

والحقيقة أنه لا علاقة لأفعال أحد من الفريقين بالدين، بل يجب تنزيه الدين عن مثل هذه الأفعال، وإنما هو من قبيل التنويم المغناطيسي، وبعض العمليات الجراحية تُجرى بهذا التنويم دون اللجوء إلى التخدير، فلا يشعر المريض بأي ألم، وقد شاهدتُ في الرائِي (التِلفاز) تصويراً لعملية واضحة على دماغ مفتوح يُسأل صاحبُه أثناءَها: هل يشعر بشيء من الوجع؟ فيجيب بأنه لا يُحِس إلا بمثل الدغدغة فقط.

عماد ولكن الشيخُ عبدُ القادر الجِيلانيُّ في بعض شعره يقول:

مريدي إذا ما كان شرقاً ومَغرباً أُغِيثه إذا ما صار في أي بلدةِ

وقد شهدت بعض الحالات التي استغاث المري فيها بشيخه فتمثل له وأنقذه مما هو فيه من كرب وضيق.

المحب: إن كلامك هذا يناقض كثيراً من الآيات القرآنية: قال تعالى: ((أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)) [النمل: 62]، فإذا ما ظهرت للمرء حاجةٌ فسأل قضاءَها من غير الله سبحانه وتعالى، فكيف له أن يشعر بوجوب التجائه إلى الله سبحانه وتعالى؟

ثانياً: أكثر ما يُذكَر عن هؤلاء الشيوخ غيرُ صحيح، والشعر المذكور آنفاً نعُدُّه من هذا القسم، فإذا كان قد اختُلق الكذبُ بالآلاف من الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يُكذبُ على عبد القادر الجيلاني أو الجنيد أو الإمام الرباني؟ ولو جاءنا عبد القادر الجيلاني وذَكر لنا هذا الشعر لم نُسلِّم له به معتذرين عنه بقلة علمنا إلى جانب علمه، بل نرده عليه غيرَ متردِّدين، لأننا سنُحاسب يوم القيامة عن القرآن وليس عن عبد القادر الجيلاني.

عماد: ألا يستعين الناس بعضُهم ببعض؟ فكيف لا يُستعان بغير الله إذن؟

المحب: توجد العديد من الآيات والأحاديث التي تَحثُّ على التعاون والتناصر، لكن الكلَّ يعلم أن طلبَ المعونة من الأموات تختلف عما نحن فيه، فالناس يستعينون بهم في المواضع التي يجدون أنفسهم عاجزين عنها، فيدعونهم لدفع ضر أو جلب مصلحة متخذين وسائل خارقة للعادة.

وأضرب مثلاً: واجه بعضُ الناس سيلاً جارفاً وهم ركوب في سياراتِهم، فدعا أحدُهم الرفاعي قائلاً: "يا سيدنا يا رفاعي يستعين به"، ولو أن هذا الداعيَ سأل الله العليمَ البصيرَ الخبيرَ الذي لا يخفى عليه شيء لكان قد أحسن الصنع، ولكنه يسأل السيدَ الرفاعي الذي يرقد في قبره، فهذا يعني أنه يؤمن بأن الرفاعي قادر على سماع دعائه والمجيء إلى ذلك المكان وإعانته فوراً، فهذا الداعي يتخيل في الرفاعي بعض الصفات التي هي فوق صفات البشر، منها: الحياة والعلم والسمع والبصر والإرادة والقدرة، والحياةُ خلاف الموت، فلو لم يكن يَعُدُّ الرفاعي حياً لما دعاه أو سأله المعونة، ولو كان هذا الفعل صواباً لفعله صحابة محمد صلى الله عليه وسلم مع وقوعهم في المضائق والكربات، ومع هذا لم يذكر عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم.

عماد: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغيث أمته ويلتقي بالصالحين منهم.

المحب: أخي! من الذي جعل هذا معلوماً؟

رسولنا صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وهو يقول: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)) [الأعراف:188] وجسده الشريف في قبره لا يخرج منه إلى يوم القيامة.

عماد: ما الدليل على هذا؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من قبره ليغيث أمته؟

محب: الدليل قول الله تعالى: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)) [المؤمنون:15-16] وثم للتعقيب أي أننا نموت وبعدها نبعث من غير فصل والخطاب عام فيشمل المرسلين وغيرهم.

وفي الحديث عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- أنك كان يقول: (لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: (مالي أراك منكسراً؟ فقلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك، قلت: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطك، فقال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية، فقال الرب: إنه سبق مني: (أنهم إليها لا يرجعون).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة") رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت، قال: "إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" فهذا الحديث يدل على أن أجساد الأنبياء -عليهم السلام- لا تفارق قبورهم.

والقول بأنه يخرج من قبره ليغيث الأمة فيه مخالفة صريحة لكلام الله جل وعلا، ألم يقل الله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)فخروج النبي صلى الله عليه وسلم من قبره فيه مخالفة لهذه الآية الكريمة.

عماد: وكيف هذا؟

المحب: من المعلوم أن الله خلقنا من العدم، وهذه هي الموتة الأولى، ثم بعد ذلك نموت في الدنيا فتكون موتتان ليس بعدها موت، والحياة في هذه الدنيا واحدة، وبعد الموت حياة أخرى، فالقول برجوع النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح من قبره فيه مخالفة ظاهرة لهذه الآية فتكون موتات وليست موتتان.

عماد: كلامك جيد! ولكن لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغيث بروحه وليس بجسده وكذلك الأولياء يغيثون بأرواحهم.

المحب: أخي عماد أن لا أدري حقيقة من أين تأتي بهذه الأفكار المسألة سهلة يسيرة الله خلقنا وعلينا إفراده بالعبادة فما الحاجة للإستغاثة بغيره وهو موجود سبحانه وتعالى ومع هذا تأمل هذا الحديث الشريف:.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن هذه الآية: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران:169]. فقال صلى الله عليه وسلم: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا " أخرجه مسلم.

عبدالله الأحد
2015-03-30, 05:47 PM
ويستفاد من هذا الحديث:.

1- أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: " أرواحهم في جوف طير " يدل على أنها ليست في الأجساد المدفونة في الأرض.

2- أنهم سألوا ربهم أن ترد أرواحهم في أجسادهم، وهذا صريح في أنها قد فارقتها بالموت.

3- أنهم تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليقاتلوا في سبيل الله لما رأوا من عظيم ثواب الشهادة، فمنعوا من ذلك، فقد انقطع التكليف وانقطع العمل وما بقي إلا الجزاء، فإذا لم يملكوا هم لأنفسهم نفعاً ولا حياة ولا تصرفاً، مع كرامتهم عند ربهم ووجاهتهم عنده، فكيف يملكون لغيرهم من الخلق جلب منفعة أو دفع مضرة؟!).

و تأمل قول الله تعالى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ)) [البقرة:154] ففي الآية دلالة ظاهرة على أن الشهداء أحياء ولكن لا نشعر بهم، فكيف يغيثونا ونحن لا نشعر بهم.

عماد: لكن الشهداءَ لا يموتون.

المحب: صحيح أن الشهداء لا يموتون، قال الله تعالى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ)) [البقرة: 154]. فهذه الحياة ليست مما نشعر بها، ولو كنا نستطيع الشعورَ بها لما تأَسَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمِّه حمزةَ الذي مات شهيداً، ولو كان حمزةُ يُجيب المناديَ لجاءه أحياناً ولسأله قضاءَ بعض الحاجات.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً قَطُّ أشدَّ من بكائه على حمزةَ بنِ عبد المُطَّلِب، وضَعَه في القِبلة، ثم وقف على جِنازته وانتحب حتى نَشَع من البكاء)، والنَشَع الشَهيق.

وقال تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من حمزة: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)) [الأنبياء: 34]، وقال: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر: 30].

فما معنى الموت هاهنا؟وماالذي يدل عليه إذا كان لا يزال يخرج من قبره ويغيث الناس؟

والله تعالى يقول: ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل:19-21].

وما أكثر الذين يستعملون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأغراضهم السيئة! فهؤلاء يفترون على الله الكذب لتدومَ لهم السيطرةُ على الناس، وهم يُضلونهم بزعمهم أن رسول الله حيٌ وأن لهم معه لقاءاتٍ رغم الكثير من الآيات التي يُخفونها، حتى إن منهم من يدّعِي في رسول الله -حاشا لله- أنه نقيب المفتشين، يراقب مَن حولَ الشيخ وما يُخدَمون به هناك من خدمات.

عماد: لو شاء الله أما يمنح المحضار اوالدسوقي او الجيلاني أن يجيب المستغيث به؟

المحب: الله على كل شيء قدير، ولكن لا يصلح أن يستدل بقدرة الله على جواز مثل هذا، فمن ذا الذي يستطيع أن يدَّعِيَ في أحد هؤلاء قدرةً خاصة وكلُ هذه الآيات بين أيدينا؟ ونحن كلُنا ورسلُ الله معنا عبادٌ لله تعالى، والله تعالى ربُنا ومليكنا، ولا يملك العبد أمام سيده شيئاً، وكذلك كل الناسُ بين يدي الله وإن كانوا رسلاً، أما ما يَمنحه اللهُ من بعض الصَلاحيّاتِ فهذا أمر آخر.

عماد: ذكر لي أحد زملائي المقربين أنه قد رأى الجيلاني بنفسه في مكان آخرَ حين جاء ليُعينه، يقول: إني أستطيع أن أقول: إن جانّاً أمسك بيدي وحاول أن ينطلق بي، فاستأتُ منه، ثم إذا بي أصرخ وأنادي: يا جيلاني فأجاب هذا الولي ذو الشأن دعائي، وكأنه مَثُل لي فجأةً في الغرفة، فخافه الجانّ وهرَب منه غائباً عن الأنظار من خلال الجدار.

المحب: الله تعالى هو الذي يُنجي من كل كرب، وحين كشف الله عن هذا الشخص مصيبتَه ظن أن الجيلاني هو الذي أنقذه، والاستعانة بروحانية الأحياء أو الأموات تعني أن يُنسَب إليهم ما لم يُخَوِّلهم الله تعالى من صفة القدرة، والله يقول: ((أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) [يونس: 66].

مال عماد إلى الأمام قليلا وابتدر محب بقوله.

أنا لم أطمئن بعد، فحسب اطلاعي توجد خمسة أنواع من الحياة:.

- الأولى: حياتنا.

- الثانية: حياة الخضرِ وإلياسِ عليهما السلام، وقد يتواجدان في أماكنَ مختلفةٍ في آن واحدٍ، وإن شاءا عاشا مثلَنا يأكلان ويشربان.

- الثالثة: حياة إدريسَ وعيسى عليهما السلام، وهي حياة نورانية كحياة الملائكة.

- الرابعة: حياة الشهداء.

- الخامسة: حياة أهل بدر.

ومنَح الله تعالى الذين قُتلوا في سبيله حياةً في البَرزَخ تُشبه الحياة الدنيا، إلا أنه لا هَمَّ فيها ولا غَمَّ، وهم لا يعلمون بموتهم وكأنهم انتقلوا من مكان إلى آخر أحسنَ منه يَسعدون فيه، وحمزة سيدُ الشهداء يعيش حياة كهذه، ويمكنه أن يحفظ الذين يستعينون به وينظُرَ في شئونهم ويأمرَ بإنجاز مَطالِبهم.

المحب: حياة الشهداء حق، ولكن كيف يُغفَر لنا ادعاؤنا الشعورَ بتلك الحياة التي قال الله تعالى فيها: ((...وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف: 38]؟

وإن كنت في شك من أنّ الجيلاني غيرُ قادرٍ على إعانة من يستعين به فاقرأ ما مرّ من الآيات بتمعن وتدبر، رويداً رويداً.

عماد: حياتنا هذه معلومة لا خلافَ فيها، وموضوع الشهداء فهمناه، ولكن ماذا تقول في بقية أنواع الحياة؟

المحب: عليّ قبل ذلك أن أسألك عن دليلك على أنّ الخضر وإلياس وإدريس أحياء إلى هذا الزمان؟

عماد: أنا لا أختلق هذا من عندي، فوجود مثل هذه الحياة قد عُلم بمُكاشَفات الأولياء التي نُقِلت إلينا بالتواتر.

المحب: إنه لا يُعتمَد على الكَشف في أمر علمي كأمر الغيب! أتعتمد على أمر ديني بمنام.

عماد:؟!.

المحب: أخي عماد!.

عماد: نعم.

محب: بقي أمور لا بد لك من التنبه إليها في مسألة دعاء غير الله وهي أمور لا ينفك عنها من دعا غير الله.

عماد: مثل ماذا؟

المحب: أولاً: أن من يدعو غير الله من الأموات أو الأحياء لاينفك من اعتقاد علمهم بالغيب ولا شك أن الله جل وعلا (عالم الغيب والشهادة).

ثانياً: أن من يدعو غير الله من الأموات أو الأحياء الغائبين لا ينفك من اعتقاد أنهم متصرفون في الكون.

عماد: هذان والله أمران عظيمان وإني أبرأ إلى الله من دعاء غيره!.

بدا البشر والسرور على وجه محب وقال:بارك الله فيك أخي عماد! فهذا هو دأب باغي الحق العودة والأوبة إلى صراط الله.

في هذه الأثناء اهتزت السفينة هزة خفيفة ابتسم محب وابتسم عماد.

واستأنف محب حديثه بقوله.

وزيادة على ماذكرته فسأبين لك هدي محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله في الدعاء إن مسهم الضر:.

1- أيوب عليه السلام قال الله: ((وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)) [الأنبياء:83-84].

2- ذو النون يونس بن متى عليه السلام قال الله: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)) [الأنبياء:87-88].

3- يوسف بن يعقوب عليهما السلام، قال الله: ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [يوسف:33-34].

4- زكريا بن عمران عليه السلام، قال الله: ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ)) [آل عمران:38-39].. ((وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) [الأنبياء:89-90].

5- موسى بن عمران عليه السلام، قال الله: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [يونس:88-89].

هذا دعاء الأنبياء الذين اصطفاهم واختارهم، فهم خير البشرية ولبابها، ترى الواحد منهم إن مسه البأساء أو الضراء رفع يديه لرب الأرض والسماء يدعوه ويسأله أن يكشف مابه من ضر فلم لا نقتدي بهم.

أخبرني يا عماد؟

عماد: عن ماذا أخبرك؟

المحب: ماذا يقول من يدعو غير الله؟

أليس يقول: "يا حسين أغثني!".

يا دسوقي اشفني!.

يا بدوي انصرني!.

يا شاذلي أرزقني مالاً أو ولداً!.

والله تعالى يقول: ((وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ)) [يونس:106].. ((فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ)) [الشعراء:213].. ((وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [القصص:88].

عماد: سبحان الله! ولكن أخبرني ما هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الدعاء؟

المحب: دعنا نناقش هذا في مجلس قادم بارك الله فيك.



عاد محب إلى حجرته في السفينة وذهنه مليء بأفكار مصطرعة ما بين تعجب وإشفاق وفرح على صديقه، قام إلى مكتبة واستل قلمه وكتب الرسالة التالية إلى عماد.

رسالة إلى عماد...

إذا سألت فاسأل الله.

رسالة صادقة أبعثها إليك.

(إذا سألت فاسأل الله).

أخي الحبيب.

إن نصح نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لأمته فوق كل شبهة.. وإشفاقه عليها ليس مجالاً للطعن.. كيف لا وهو الذي بذل الغالي النفيس في سبيل دعوته.. فإذا أمرني وإياك بأمر، وجب تقديم أمره على كل مقدم، وقد قال هو بأبي وأمي: (إذا سألت فاسأل الله).

إن قلبك ليدمى حرقة ولوعة وأسى حين تسمع السؤال، ولكن لغير الله، والدعاء ولكن لأصحاب القبور، والالتجاء ولكن لشخص من البشر.

أخي الحبيب: ألا ترى تلك الجموع وقد حطت رحالها بباب البدوي أو المحضار أو الجيلاني: سيد شباب أهل الجنة، ألا تراهم يتفيئون نسائم الرحمات, ويتلقون برد الرحمة والرضا، أتراهم على جادة أم عن الجادة نكصوا وقد قال جد الحسين عليه السلام: (إذا سألت فاسأل الله).

أتراهم سألوا الله أم سألوا غيره؟

أيها الحبيب: استمع معي إلى قول الله: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)) [البقرة:186] هل تأملت لماذا هو قريب؟ ولماذا هو يجيب دعوة الداعي؟

ألأجل أن يدعى غيره؟! أم لأجل أن يُلتجئ إليه ويوحد في الدعاء؟

حكِّم عقلك.

استمع إلى قوله تعالى: ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ)) [الرعد:14].

أتظن أن الماء سيبلغ فاه؟

لا والله.

أتحب أن يكون وصفك كما هو في آخر الآية؟ إني والله مشفق عليك.

استمع أيها الحبيب إلى هذه الآية: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)) [الرعد:15].

أترى أنه بعد هذه الآية يجوز السجود لغير الله؟

استمع لآخر الآية: ((قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [الرعد:16].

لا والله لا يستوي الأعمى والبصير.

أخي الكريم أسمعت هذه الآيات.

ألا تراها واضحة في صرامة , صارمة في وضوح هل تحتاج بعد هذه الآيات إلى برهان ودليل، ومع هذا هاأنت تسمع من طرف قصي:.

نادي علياً مظهر العجائب تجده عوناً لك في النوائب.

وآخر تراه وقد التزم القضبان الحديدية لقبر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو قبر السيدة زينب أو قبر البدوي وهو يبكي بكاءً مراً وينشج نشيجاً متقطعاً يرجو ويخشى.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان.

فبالله على نفسك فلتبكي، وعلى بؤسك فلتحزن، أيدعى غير الله في أرض الله، استمع إلى كلام الإمام الصادق عليه رحمة الله-وهو إمام من أئمة آل البيت- (فوالله ما نحن إلا عبيداً للذي خلقنا واصطفانا, ما نقدر على ضر ولا نفع, إن رحمنا فبرحمتة , وان عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا عليه من حجة, ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون... ) إلخ كلامه رحمه الله.

ألم تر أن الحق تلقاه أبلجا وأنك تلقى باطل القول لجلجا.

فأين ذهب عقلك وأنت تدعو غير الله؟

أين ذهبت بصيرتك؟

أين ذهب بصرك؟

أرأيت الآيات المحكمات، أرأيت الكلمات النيرات، ومع هذا إنك لتأسى وأنت تسمع بعض المظلين يستدل بما هو متشابه محرضاً به على الشرك بالله من مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة).

ويقولون: إن الوسيلة هي ما يتوسل به إلى الله، وهذا صحيح، ولكن هل مما يتوسل به ذوات بني آدم وقبورهم؟ إن الوسيلة هي السبب الذي يقربكم إليه سبحانه من فعل الخيرات والأعمال الصالحة.

إذن فليس مما يتوسل به ذوات الصالحين وقبورهم، وإنما المراد بالتوسل في الآية التوسل بالعمل الصالح إيمان وتوحيد ودعاء ونحو ذلك.

استمع إلى هذه الآيات من سورة النمل ثم تأمل تلك التعقيبات العجيبة آخر كل آية: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) [النمل:60].

((أإله مع الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) [النمل:60].

((أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) [النمل:61].

((أإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)) [النمل:62].

((أإله مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [النمل:63].

((أإله مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل:64].

((فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ)) [الشعراء:213].

((الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)) [ق:26].

أرأيت صولة الحق! ألا تنظر إلى وضوح الحجة وقوتها، هذا هو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو دين أولياء، هذا هو نهجهم هذه هي عقيدتهم، فأين نحن منهم؟ أين نحن من تطبيقق منهجهم.

لقد آن للسماء أن تفتح أبوباً، وللجبال أن تسير سراباً، حين تسمع داعياً، يقول: يا جيلاني، يا رفاعي، يا محضار!.

واه لكم يا أولياء الله، فكم كذب على الدين باسمكم، وكم افتري على الشريعة برفع شعار حبكم.

أيها الكريم: تأمل معي قول الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [الأعراف:194] ماذا تفهم من هذه الآية؟ ما الذي تعقله منها؟ أتفهم منها دعاء الدسوقي عند المصائب؟

أم دعاء الحسين عند الكربات؟ أم اللجوء إلى المحضار عند المضائق؟

أين عقلك؟

أين بصرك؟

أين بصيرتك؟

إن هذا كلام ربنا خالقنا الذي له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، أتدري من هو الله؟! استمع إليه وهو يقول: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)) [يونس:31].

ويقول تعالى: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)) [المؤمنون:84-89].

فتأمل تعقيبه: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ).

فكأن القوم باتوا مسحورين.

قد يمر بخاطرك أثناء قراءتك للقران وصلاتك وصدقتك وبكاؤك على أولياء الله ومحبتك لهم، وزيارتك لهم، أيكون كل هذا غير نافع لي عند الله؟

وأقول: بلى والله، هو نافع لك وذخر لك عند الله، ولكن تأمل معي هذه الآية، يقول الله تعالى: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)) [يوسف:106].

أتدري ما معنى هذه الآية؟ معناها: أن كثيراً ممن يؤمن بالله وأنه خالقه ورازقه هو مع هذا مشرك وإن صلى وصام؛ لأنه جعل لله شريكاً في عبادته ودعائه.

وقد يمر بخاطرك قضية أخرى وهي قول بعضهم: إننا لا نعبد هذه القبور ولا نستغيث بالحسين ولا نتوجه إلى البدوي ولا نستعين بالرفاعي إلا لأنهم عباد صالحون، قد عبدوا الله حق العبادة، ووحدوه حق التوحيد، فهم مخلصون في يقينهم وإيمانهم، وهم قريبون من ربهم، فنتلمس قربهم من لله كي يقربونا منه،.

وهذا والله دخيلة شيطانية.

تأمل معي هذه الآية: ((أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) [الزمر:3].

كرر النظر في الآية أترى أن ثمة تطابق بين حالين عافاني الله وإياك.

أتدري ماذا يريد هؤلاء؟

إنهم يريدون القرب من الله ولكنهم ظلوا الطريق، وكم من مريد للخير لم يصبه، وتأمل نهاية الآية جيداً.

أخي الحبيب أقرأت كتاب الله؟ هل حفظت شيئاً منه؟

هل تدبرته؟ هل تفكرت في آياته؟

هل أنت معرض عنه؟ إلى متى تستمر هذه الغفلة؟

هل أعددت للآخرة زاداً؟ كيف تحاج عن نفسك عند الله؟

كيف تدفع عنها العذاب وقد سمعت هذه الآيات الباهرات التي تدلك على توحيده؟

هل تأملت الأمم وهي جاثية كل امة تدعى إلى كتابها؟ هل تأملت الحشر والنشور؟

هل تأملت الحساب والجزاء؟

أرأيت أنك وحيد لا رفيق ولا صديق، لا أنيس ولا جليس إلا عملك الصالح: ((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)) [عبس:37].

وأخيراً أيها الكريم: إنني أبعثها إليك رسالة واضحة صريحة أرجو منك أن تتلقاها بعقل وبصيرة واعية:.

إن الأئمة من آل البيت وإن أولياء الله الصالحين أئمة لنا وهم خليقون بكل خلق ودين وورع ولكنهم عباد من عباد الله مخاطبون بمثل قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56] ليسو أرباباً، ولا يجوز دعاؤهم من دون الله.

أسأل الله أن يهديني وإياك سبل السلام..

وصلى اللهم على محمد وآله

عبدالله الأحد
2015-03-30, 05:52 PM
الأعياد بين السنة والبدعة



الشيخ صالح السحيمي



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. وبعد:

فبالنظر إلى أعياد الكفار وما يحدث في أثناء الاحتفال بها نجد أنها مشتملة على ما يجرح الأدب وما يفضي إلى الحرمات وما يدعو إلى الانحلال ونبذ الأخلاق، كل هذا مباح عند أربابها بحجة أنها أيام أعياد وأيام فرح وسرور، فلا وازع ديني يمنعهم ولا خلقي يردعهم.



فضلاً عن عدم وجود ضابط لتلك الأعياد لدى الأمم والشعوب، حيث تنوعت من عهد إلى عهد ومن عصر إلى آخر، وكانت تقل وتكثر ويزاد فيها وينقص لعدم ثباتها على أصل ولمجاراة الأهواء فيها، فتتغير أسماؤها وتتعدل مواقيتها ومراسم تقاليدها، والاحتفال بها بتطور الزمن وتغير الأفكار.



وذلك أن جلها من وضع البشر القاصر، حيث نجدها تفتقر إلى وجود العبادة والأخلاق النبيلة فيها، ومع هذا فهي أعياد ضيقة محدودة في إطار معين؛ لأن أصل قيامها على حب الهوى والشهوة، أو الأساطير والخرافة، ويتجلى ذلك في عنايتها بالجانب المادي فقط.



فجل الأعياد غير الإسلامية تعتني بالجوانب المادية، وإشباع اللذات الحسية وعدم العناية بالجانب الروحي الذي ينمي الأخلاق، ويزرع الصفات الحسنة النبيلة، حيث نجد أن أصحاب هذه الأعياد والمحتفلون بها، قد وقعوا في براثن الرذيلة فسايروا في احتفالاتهم شهواتهم، وطلبوا إشباعها بدون ضابط، فاتسمت بالمادية وأفرطت في الأنانية والبعد عن المصلحة العامة، التي فيها التكافل والرفعة للفرد والمجتمع، فضلاً عن الطاعة والعبادة لله.



وهذا هو حال الأعياد التي قبل الإسلام، أو التي ابتدعت على غرار تلك الأعياد.

وبنظرة يسيرة على الأعياد الشرعية نجد أنها تتميز على غيرها بجوانب، وذلك أن مصدرها عن طريق الوحي الكتاب والسنة الذي قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: {تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي}.



من أجل هذا تنفرد الأعياد الشرعية بخصائص تميزها عن سائر الأعياد الأخرى منهـا:



1- الثبات في العدد والتسمية:

من المعلوم أن الأعياد غير الشرعية لا تثبت على عدد معين ولا على اسم واحد، بل تتغير وتتبدل ويزاد فيها وينقص بحسب أصحابها، ومن يحتفل بها من زمن إلى آخر.



أما الأعياد الشرعية فهي ثابتة من ناحية العدد والاسم؛ لأنها بوحي من الله فعددها ثلاثة وأسماؤها هي: [عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الجمعة].



ويلحق بعيد الأضحى أيام التشريق، ويوم عرفة، فالأعياد الشرعية إذاً سبعة أيام فقط كما دلت على ذلك النصوص الشرعية الصحيحة التي تقدم بيانها. وماعداها فلا أصل له في الشريعة فيكون محدثاً مبتدعاً.



فالأعياد الشرعية إذاً ثابتة العدد فلا تزيد ولا تنقص، ثابتة الأسماء فلا تتغير ولا تبدل، وهي باقية على ذلك كما شرعها الله لعباده.



ومن هنا ندرك سر قلق الأعياد غير الشرعية وعدم ثباتها لعدم قيامها على وحي من الله، فهذا الثبات وعدم الاضطراب في الاسم والعدد أحد خصائص ومميزات أعيادنا الشرعية.



2- الثبات في الأزمنة:

مما تتميز به الأعياد الشرعية كونها في زمن محدد معلوم، وهذا ما تفتقر إليـه كثير من الأعياد الأخرى.



فنجد أن عيد الفطر: يكون في أول يوم بعد شهر رمضان أي في اليوم الأول من شهر شوال.

وعيد الأضحى: في العاشر من شهر ذي الحجة.

وعيد الجمعة: هو العيد الذي يتكرر في كل أسبوع ويقع في يوم الجمعة.



وبناءً على هذا يتضح أن الأعياد الشرعية زمنها محدد، حيث تأتي في وقت معلوم، فيحتفل بها العالم الإسلامي أجمع كما أنها تأتي في جميع فصول السنة، وذلك لأنها مبنية على التوقيت القمري الذي يختلف موقعه من فصول السنة فلا يقتصر الاحتفال والبهجة بالعيد على موسم دون موسم، أو فصل دون فصل، بل يشمل جميع المواسم وجميع الفصول.



وفي ذلك يقول العقاد: وذلك أن التوقيت بالأشهر القمرية في حساب العيدين الإسلاميين كان له أثر في تنزيه هذين العيدين عن كل صلة بالعقائد الجاهلية التي سبقت فى دعوة الإسلام، فلا ارتباط لهما اليوم بمواقيت عبادة الطبيعة، أو عبادة الكواكب، وليس لهما قوام من الذكريات المادية أو المعاني النفعية، فقد يعود الصيام في أشهر الصيف كما يعود في أشهر الشتاء، وقد يجب الحج مع أوان المرعى والسقاية كما يجب مع كل أوان، وهو عدل في توزيع أيام الفرائض يناسب العدل في تكاليف الدين وأعباء الواجبات.



ويناسب العدل في أحوال الأمم التي تؤدي الفرائض وتنهض بتلك الأعباء، ومنها أمم الرعاية والزراعة وأمم التجارة والصناعة وأمم تقيم في كل مناخ وكل إقليم.



3- الثبات في الاحتفال بها:

بالتأمل في طريقة الاحتفال بالأعياد نجد أنها تختلف من شعب لآخر ومن عصر لعصر؛ وذلك حسب العادات والتقاليد الخاصة بالاحتفال بالعيد، والأعياد مظهر من مظاهر الأمم والشعوب يتضح من خلالها قيمة ذلك الشعب وتلك الأمة، من حيث الرقي والانحطاط ومن حيث الرشد والضلال والاستقامة والانحراف.



فيتفاوتون في كيفية الاحتفال وغالباً ما يحكم ذلك سبب هذا الاحتفال فقوام الاحتفالات غير الشرعية اللهو المحرم، والمجون الذي يخدش الحياء ويزيل المروءة.



كما قد يكون سبب هذا العيد ولادة ملك أو وفاة عظيم أو وجود حادثة كونية، أو غير ذلك من الأسباب التي يعتز بها ذلك الشعب، أو تلك الأمة، وهذه هي حال احتفالات الأمم السابقة من اليهودية، أو النصرانية أو المجوسية، وكذلك حال الأعياد المبتدعة.



ومن أغرب العادات والتقاليد في الاحتفال بالأعياد ما يحكيه اليعقوبي عن الصينيين في أحد أعيادهم حيث قال: ولهم أعياد لأصنامهم، أعظمها عيد في أول السنة، يقال له: الزارار، يخرجون إلى مجمع، ويعدون فيه الأطعمة والأشربة، ثم يأتون برجل قد حبس نفسه على ذلك الصنم العظيـم، وعلى جميع شهواته، وتمكن من كل ما يريد، فيتقدم إلى ذلك الصنم، وقد صبر على أصابع يده شيئاً يشعل النار، ثم يحرق أصابعه بالنار ويسرجها بين يدي ذلك الصنم حتى يحترق، ويقع منها ميتاً فيقطع، فمن نال منه شظية، أو خرقة من ثيابه، فقد فاز ثم يأتون برجل آخر يريد أن يحبس نفسه للصنم للسنة الجديدة، فيقف موضعه ويلبس الثياب ويضرب عليه الصنوج، ثم يفترقون، فيأكلون ويشربون ويقيمون أسبوعاً وينصرفون.



أما الأعياد الشرعية فقد بين الله سبحانه وتعالى كيفية الاحتفال بها، حيث جعلها مشتملة على ما يغذي الروح والبدن من الصفات العليا والقيم المثلى، التي تعود على المجتمع بالخير والصلاح والتي تقوي صلة العبد بربه.



فطريقة الاحتفال بالأعياد الشرعية ثابتة وهادفة لا تختص بفرد دون فرد ولا إقليم دون إقليم، بل تشمل جميع الأمة الإسلامية.



لأنها لا صلة لها بعظيم من العظماء ولا بولايته أو ولادته ولا بحياته أو موته، فلا ارتباط لها بشخص من الأشخاص أو فعل من الأفعال أو ظاهرة كونية أو حادثة وطنية من الحوادث، بل إنها تسمو عن ذلك كله فشعار الاحتفال بالأعياد الشرعية إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والصلاة والصدقة والبر والإحسان والتكافل بين المجتمع صغيرة وكبيرة غنية وفقيرة.



وذلك لارتباطها بعبادات عظيمة وتشريعات جليلة، فعيد الفطر يعقب صوم رمضان وشرعت فيه صدقة الفطر، وعيد الأضحى يأتي عقب الحج وشرعت فيه الأضحية، وعيد الجمعة عقب الصلوات المفروضة ويستحب فيه الصدقة.



فهذه بعض ما تتميز به الأعياد الشرعية على غيرها، فهي تواد وتراحم وتعاطف وتكافل، متع حلال، وفرح وسرور مع شكر الله عز وجل وإخلاص العبادة له.



وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم منقول

عبدالله الأحد
2015-03-30, 05:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
المفهوم الصحيح للعبادة ومظاهر انحرافه وضعفه
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
يواصل الأخ الكاتب وفقه الله وقفاته الإيمانية التربوية عند بعض الآيات القرآنية في دراساته ( وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم)، وهذه وقفته العاشرة عند آية (( إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ )) حيث تطرق لمعاني هذه الآية الكريمة وما ورد فيها من أحاديث، مع لمحات علمية وتوجيهات دعوية، سنختار بعضاً منها ؛ لما انطوت عليه من دراسة وتحقيق وإيضاح لمفاهيم انحرف معناها في حس الكثير من المسلمين.
- البيان - ما العبادة ؟
- اختلفت أقوال العلماء في مفهوم العبادة وتعريفها، وهذا الاختلاف هو من اختلاف التنوع لا التضاد، أي: إن هذه التعريفات يكمل بعضها بعضاً، والإلمام بكل هذه الأقوال ينتج عنه المفهوم الصحيح للعبادة، ومن هذه الأقوال: قول ابن القيم (رحمه الله تعالى): ( أصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحبه، وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها: فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه) [1].
وقوله في موطن آخر: ( العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع) [2].
ويعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) فيقول: (العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [3].
وعلى ضوء ذلك: لا يكون العبد متحققاً بوصف العبودية إلا بأصلين عظيمين: 1- الإخلاص لله (جل وعلا)
2- متابعة الرسول.
ومما سبق بيانه من النقولات وغيرها يتضح لنا جليّاً معنى العبادة الحقة التي أمرنا الله (عز وجل) أن نتعبد له بها، ويمكن تلخيص هذا المعنى العظيم وتلك الحقيقة الضخمة فيما يلي: * العبادة الحقة تعني تمام المحبة مع تمام الخضوع والتذلل لله (عز وجل) الذي يعني طاعته (سبحانه) والانقياد لأمره، ومحبة ما يحب، وبغض ما يكره، واتباع رسوله -صلى الله علييه وسلم- فيما أمر ونهى وما سن وما شرع، من غير زيادة ولا نقصان ؛ وإلا..
فما قيمة محبة وخضوع لايثمران طاعة واتباعاً وقبولاً والتزاماً ؟
* العبادة الحقة تفرض على العبد أن يكون في كل أوقاته وتحركاته وسكناته مصبوغاً بصبغة العبودية، لا يخرج عنها في أي لحظة من اللحظات.
* ومن صرف شيئاً من العبادة لغير الله (تعالى) فهو مشرك تجب البراءة منه ومن شركه، ولا تصح العبادة إلا بهذه البراءة.
بعض مظاهر الضعف والانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها: بعد أن اتضح لنا مفهوم العبادة الحقة كما عرضناها من فهم العلماء الربانيين للكتاب والسنة: فلابد بعد ذلك من عرض هذه المفاهيم العظيمة والحقائق الضخمة على واقعنا نحن المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة.
وهل هذا الفهم الصحيح للعبادة هو السائد اليوم بين المسلمين ؟ أم أن هذا الفهم قد اعتراه من الضعف والانحراف الشيء الكثير ؟
إن المتأمل في حال المسلمين الأليم، والغربة التي يعيشها أهل الإسلام اليوم: ليجد كثيراً من المفاهيم العقدية قد انحرفت عند كثير من عامة المسلمين إلا من رحم الله (عز وجل)، فهناك انحراف في معنى التوحيد والعبادة، وانحراف في عقيدة اليوم الآخر، وانحراف في عقيدة القضاء والقدر، وانحراف.. وانحراف..
ولقد ساهم في هذه الانحرافات غزو أعداء المسلمين لديار المسلمين بثقافاتهم الكافرة وأفكارهم المنحرفة، وقابل هذا الغزو من الأفكار جهلٌ عند كثير من الأجيال المسلمة بدينها وعقيدتها، وعجز عند أكثر علماء الأمة عن تعليم الناس والوقوف في وجه هذا الغزو، (فوافق الغزو قلباً خالياً فتمكنا).
من هنا سيتوجه التركيز على بعض مظاهر الانحراف والضعف في مفهوم العبادة، فمن ذلك ما يلي: 1- الانحراف في تطبيق شرطي العبادة: من مظاهر الانحراف في العبادة فهماً وتطبيقاً ما هو منتشر بين أهل البدع والخرافة في القديم والحديث من ترك لأحد شرطي العبادة أو كليهما واللذين لا تصح العبادة إلا بهما، ألا وهما: الإخلاص والمتابعة...
المراد هنا: إيضاح الانحراف الذي يترتب على ترك هذين الشرطين أو أحدهما ؛ فترك الإخلاص في العبادة نتج عنه صرف العبادة التي هي لله وحده إلى غيره من الخلق ولو كانوا أنبياء أو ملائكة أو أولياء وهذا صرف للعبادة عن مستحقها، وحجتهم الداحضة عند ربهم: أنهم يؤمنون بأن الله الخالق الرازق بيده الضر والنفع، ولكنهم يتوسلون بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ؛ وهذا هو الشرك الأكبر الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، فترى هؤلاء يصرفون العبادة بأنواعها المختلفة من ذبح، ونذر، وخوف، ورغبة..
وغير ذلك من أصناف العبادة إلى غير الله (عز وجل)، وهذا من أشد مظاهر الانحراف في العبادة ؛ لأنه شرك أكبر يضاد الإخلاص لله (عز وجل)، الذي هو شرط من شروط كلمة التوحيد وقبول العبادة..
ومحل الكلام عن هذا الشرك وأنواعه مبسوط في كتب التوحيد والعقائد [4].
أما ترك الشرط الثاني لصحة العبادة (وهو المتابعة) فينتج عنه انحرافات كثيرة في العبادة وتطبيقاتها، حيث ظهرت ألوان وصور من العبادات التي لم يأذن بها الله (عز وجل)، ولم يشرعها الرسول لأمته، وبخاصة بين المتصوفة الذين يعطون لمشائخهم حق التشريع، وبعتبرون أقوالهم وأفعالهم مصدراً من مصادر الاستدلال، فظهرت بذلك هيئات وصور متعددة للعبادة والأوراد والأذكار، كلها مبتدعة، سواء أكان ذلك في كيفيتها، أو كمها، أو هيئتها، أو طريقة أدائها، أو زمانها، أو مكانها، وهذه كلها مردودة على أصحابها، لأنها تشريع لم يأذن به الله، قال (تعالى): (( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) [الشورى: 21]، ولقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [5].
2- الانحراف في مفهوم العبادة: وهو النظر إلى العبادة على أنها أداء للشعائر التعبدية من: صلاة، وصيام، وحج، وذبح، وقراءة قرآن.. فحسب، وأن ما سوى ذلك من معاملات، وأخلاقيات، ومباحات.. وغيرها، كل ذلك لايدخل في العبادة.
نعم إن هذا المفهوم هو السائد عند بعض المسلمين، سواء أقالوه بلسان مقالهم أم بلسان حالهم وأعمالهم، ولا أدل على ذلك من أننا قد نجد ذاك العبد المصلي، الصائم، القارئ للقرآن، بعد فراغه من هذه الشعائر التعبدية لا يتورع أن يغشّ، أو يرابي، أو يظلم، أو يملأ بيته من آلات اللهو ووسائل الإفساد ما الله به عليم، وكذلك قد نرى المرأة المصلية الصائمة لا تتورع عن التصرف في نفسها بما يخالف الشرع، من سفور، أو زينة محرمة، أو اختلاط.. أو غيره.
وإذا نصح مثل هؤلاء الناس، قالوا: إنهم من المصلين العابدين، وقد انتهى وقت العبادة ! وهكذا تنحرف الغايات، وتنشأ اللوثات، وتفسد النيات، وذلك كمن يفصل أمر تعليمه وتعليم أولاده عن غاية العبادة لله (عز وجل)، ويربط ذلك بالشهادة والمال والوظيفة، بل يستخدم أي وسيلة توصله إلى ذلك.
إن العبادة بهذا المفهوم المنحرف تجعل المسلم في انفصال وانفصام بين حياته في مسجده وخارج مسجده، لأنه لو كان مفهوم العبادة التي يريدها الله (عز وجل) كما فهمها هذا الصنف من الناس لكانت عبثاً، ولبقي أكثر الأوقات غير معمور بعبادة الله (عز وجل)، وهذا لا يرضاه الباري (جل وعلا) ؛ ذلك لأن أوقات الصلوات لا تتعدى ساعتين أو ثلاث في اليوم والليلة، فماذا يكون شأن الساعات الباقية ؟ هل تنفق في غير عبادة ؟ ! كلا..
فإن الله (سبحانه) لا يرضى لعباده هذه الحال.
إذن: فالواجب على كل مسلم أن يعلم أنه ما خلق إلا للعبادة، وأن وقته يجب أن يكون في عبادة ؛ سواء ما كان منه في الشعائر التعبدية، أو ما كان منه في المعاملات، أو ما كان منه في المباحات، كل ذلك يجب أن يمارسه العبد وشعور العبادة لله (عز وجل) يصاحبه، فيراقب ربه في كل أعماله، وينوي بها التقرب إليه (عز وجل) والاستعانة بها على طاعته.
إن هذا الشعور وهذه النية تجعل العبد في كل أعماله حتى في مباحاته ولذاته عبداً لله، مسلماً وجهه لربه (عز وجل) [6]، (( قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ )) [الأنعام: 162، 163].
3- الانحراف في التطبيق: وقد ترتب على ذلك الانحراف في مفهوم العبادة انحراف آخر في تطبيق العبادة، فحتى الشعائر التعبدية التي حُصرت العبادة فيها بحسب، هي الأخرى نالها ما نالها من الضعف والميل بها عن حقيقتها وغايتها، وهذه نتيجة متوقعة وبدهية معروفة ؛ فالانحراف في الفهم لابد أن ينتج عنه انحراف في التطبيق، ويوضح الأستاذ محمد قطب (وفقه الله) هذا الانحراف، فيقول: ( حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة، وانحصرت (العبادة) كلها في هذا الأمر، كان حريّاً بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت..
ولو كان أداءً آليا بغير روح، أو أداء تقليديّاً يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله.
وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار).
4- الانحراف في مصدر التلقي: ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطراً وأسوأ أثراً، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصراً على مستوى الفرد، بينما هذا الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين اليوم، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها، وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية، ولسان مقالهم أو حالهم يردد تلك المقولة الجاهلية، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا: ما للدين وحجاب المرأة وعملها ؟ ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين والإعلام والتعليم ؟.
!! إلخ، الدين: أن تعبد الله في المسجد، وتقرأ القرآن، وتذكر الله...
هكذا يزعمون ! ! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها..
إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور.
إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان، قال الله (عز وجل): (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَاًمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ )) [هود: 87].
إنهم يقولون: يا شعيب: ما دخل عبادتك وصلاتك في حياتنا الاقتصادية، وفي اتباعنا لآبائنا وطاعتهم فيما كانوا يعبدون..
سبحان الله ! ما أشبه قلوبهم بقلوب الجاهلين في زماننا هذا، وما أشبه مقولتهم بمقولة العلمانيين المنافقين [7].
والحاصل مما سبق: إذا حصرت العبادة في الشعائر التعبدية فحسب، فما معنى قوله (تعالى): (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ )) [التوبة: 31]، وما معنى قوله (تعالى): (( وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ )) [الأنعام: 121]، وقد علق العلامة الشنقيطي (رحمه الله) على هذه الآية، فيقول: ( فهي فتوى سماوية من الخالق (جل وعلا) صرح فيها بأن متبع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) [8].
إذن: فإن من أخص خصائص العبادة: الطاعة، والاتباع، والخضوع، والانقياد، فكما أن العبادة تأتي بمعنى الدعاء والنسك، فهي تأتي أيضاً بمعنى الطاعة والاتباع، ولكن الجاهلين أو المتجاهلين يريدون حصرها فقط في الشعائر التعبدية والعبادات الخاصة، ثم لا دخل بعد ذلك للعبادة في شؤون الحياة وتسيير دفتها.
وإن الذين يرون هذا الفصل المشين والفصام النكد بين الدين والحياة على قسمين: * إما أن يكونوا جهلة بحقيقة الدين وحقيقة العبادة في الإسلام، إذ لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي ينير بصائرهم، وإنما غاية ما عندهم ثقافات مشوهة من الغرب أوالشرق تسربت إلى قلوبهم على حين غفلة وخواء، فتمكنت منها، وهؤلاء وأمثالهم من الذين انحرفوا بمفهوم العبادة عن معناها الصحيح بسبب جهلهم، وقد نرى بعضهم من المصلين، الصائمين، التالين للقرآن الكريم ! وعلاج هذا الصنف من الناس يكون بالعلم الشرعي، والرفق بهم حتى يفقهوا هذا الدين بمعناه الصحيح.
* والأخطر من أولئك هم الذين يفهمون حقيقة العبادة وحقيقة دين الإسلام، ولكنهم يستكبرون عن الانقياد لهذا الفهم، وينطلقون بخبث وغرض سيء لإثارة الشبهات، وصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه هذه المفاهيم في نفوسهم، وهؤلاء إن صلوا أو قاموا ببعض الشعائر فهو نفاق وزندقة.
والحذر من هؤلاء يجب أن يكون على أشده، كما أن فضح أفكارهم وخططهم هو المتعين، فهم من المنافقين الذين جاء الأمر الإلهي بمجاهدتهم، قال (تعالى): (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ )) [التحريم: 9].
5- الانحراف في المفهوم والتطبيق: ومن مظاهر الانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها ما عرف عن بعض غلاة المتصوفة وزنادقتهم من أن أداء العبادات والطاعات مرتبط بحصول اليقين المطلق هكذا زعموا فإذا وصل العبد إلى هذا المستوى سقط عنه التكليف ولم يعد في حاجة إلى العبادة التي هي من منازل العامة !، أما الخاصة، ومن يسمونهم بالأبدال والأقطاب: فقد بلغوا درجة اليقين التي ترفع عنهم التكاليف والعبادات (نعوذ بالله من هذه الحال)، ونبرأ إلى الله (عز وجل) من أهل الزندقة والإلحاد [9].
هذا... ومن شطحات الصوفية في مفهوم العبادة أيضاً: المقالة المشهورة عن بعضهم من أنهم (لا يعبدون الله خوفاً من ناره، ولاطمعاً في جنته، وإنما حبّاً له وشوقاً إليه).
وواضح ما في هذا الكلام من تكلف وانحراف عن طريق الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وسؤالهم الله (عز وجل) جنته وتعوذهم به من النار، يقول شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى) في معرض رده على هذه المقالة: ( كان أفضل الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سأل بعض أصحابه عما يقول في صلاته، قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: (حولها ندندن) [10] [11].
وقال من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (أي خارجي) ؛ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد).
إذن: فالعبادة الحقة هي التي تجمع بين المحبة والخوف والرجاء والذلة والخضوع، كماسبق ذلك في تعريف العبادة وحقيقتها.
________________________

عبدالله الأحد
2015-03-30, 06:02 PM
من حضرة صاحب الفضيلة الشيخ/ محمد القوصى رئيس محكمة أسيوط الشرعية بما صورته ما حكم الشريعة الغراء في الأموال التي ينذرها أصحابها لبعض الأولياء فيضعونها في الصناديق الموجودة بأضرحتهم، هل تصح المطالبة بها من أي شخص يدعى بأن له فيها حقاً لانتسابه إلى هذا الولي؟ وإذا كان للضريح أو المسجد ناظر معين لإدارة شئونهما من قبل القاضي فهل يكون هذا الناظر حراً في توزيع النذور حسب إرادته؟
وإذا سبق لهذا الناظر عمل اتفاق مع بعض أشخاص على توزيع هذه النذور بطريقة مخصوصة، فهل يكون ملزماً بتنفيذ هذا الاتفاق أم يكون له حق العدول عنه؟ وإذا توفى من حصل الاتفاق بينهم وبين الناظر أو بعضهم فهل يكون لأحد غيرهم الحق في التمسك بهذا الاتفاق بصفته وارثاً لمن حصل هذا الاتفاق معه؟.
أجاب: قال في البحر صحيفة 320 ج 2 نقلاً عن الشيخ قاسم في شرح الدرر ما نصه: (وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة ضرورية، فيأتي بعض الصلحاء فيجعل سترة على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا، أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه:
- منها أنه نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق.
- ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون اللّه تعالى، واعتقاده ذلك كفر، اللّهم إلا إن قال: يا اللّه إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة، أو الفقراء الذين بباب الإمام الشافعي، أو الإمام الليث، أو اشترى حصراً لمساجدهم أو زيتاً لوقودها، أو دراهم لمن يقوم بشعائرها إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله عز وجل.
وذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده أو جامعه فيجوز بهذا الاعتبار.
إذ مصرف النذر الفقراء، وقد وجد المصرف ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني غير محتاج، ولا لشريف ذي منصب؛ لأنه لا يحل له الأخذ ما لم يكن محتاجاً فقيراً، ولا لذي النسب لأجل نسبه ما لم يكن فقيراً، ولا لذي علم لأجل علمه ما لم يكن فقيراً.
ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد ولا تنشغل الذمة به ولأنه حرام بل سحت.
ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه ولا أكله ولا التصرف فيه بوجه من الوجوه إلا أن يكون فقيراً وله عيال فقراء عاجزون عن الكسب، وهم مضطرون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، فأخذه أيضاً مكروه ما لم يقصد به الناذر التقرب إلى اللّه تعالى، وصرفه إلى الفقراء، وبقطع النظر عن نذر الشيخ.
فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليهم فحرام بإجماع المسلمين، ما لم يقصدوا صرفها للفقراء الأحياء قولاً واحداً.
وحسن الظن بالمسلمين يقتضى حمل أعمالهم على ما يطابق أحكام شريعتهم، فوضعهم للأموال في الصناديق الموجودة بأضرحة الأولياء إنما يقصدون به التصدق على الفقراء الموجودين بذلك الضريح، لا تمليك صاحب الضريح لجزمهم بموته، ولأن عقيدة المسلمين أن الضار والنافع هو اللّه سبحانه وتعالى، ومتى علم أن هذه النذور صدقات للفقراء فحكمها حكم الصدقة لا تملك إلا بالقبض ولا يختص بها أشخاص من الفقراء بأعيانهم، فيستوي فيها القريب من صاحب الضريح والأجنبي عنه، وإذا كان للضريح والمسجد ناظر معين لإدارة شئونهما من قبل القاضي، وكان من مشمولات نظره تقسيم ما يرد بصندوق النذور وتوزيعه فله تقسيمه وتوزيعه على الفقراء مطلقاً بحسب ما يراه في كل وقت، ولا يقيده اتفاق سابق حصل منه مع آخرين، والله أعلم.




الشيخ/ عبد الرحمن قراعة
مولده ونشأته:
ولد رحمه الله في بندر أسيوط سنة 1279هـ، وهو ابن العلامة الشيخ "محمود قراعة" قاضي مديرية أسيوط. وهو من أسرة لها القدح المعلى في العلم بالشريعة الإسلاميـة.
حفظ القرآن الكريم وجوده على يد والده ولم يتجاوز التاسعة من عمره، ثم أخذ يتلقى العلوم، ثم أرسله والده إلى الأزهر فاغترف من بحر العلوم من أجلاء العلماء، فقد تتلمذ على المشايخ: "إبراهيم السقا"، "وعليش"، "ومحمد الأشموني"، "والإمام الأكبر الشيخ العباسي".
ولم تقتصر اطلاعاته على كتب الأزهر، بل كان يطلع على كتب الأدب، والمعاجم اللغوية، فكان رحمه الله من السابقين الأولين العاملين في النهوض باللغة العربية، وأصبح من كبار الكتاب وأفراد الشعراء.
مناصبه:
اشتغل بالتدريس في الأزهر، وأصبح من المشتهرين بالتدريس، ثم حانت له فرصة مكنته من العناية برواية الأحاديث بالأسانيد العالية ومعرفة الرجال وطبقاتهم، وفي سنة 1897م تقلد الإفتاء بمديرية جرجا، فأقام دستور العدل، وعمل على نشر الفضيلة.
وفي 30 من ربيع الآخر سنة 1339هـ الموافق 9 من يناير سنة 1921م عُين مفتياً للديار المصرية، وظل يشغل منصب الإفتاء حتى 30 يناير سنة 1928م، وأصدر حوالي (3065) فتوى.

عبدالله الأحد
2015-03-30, 06:10 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
* فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت فيهم الشركيات والبدع والخرافات، ومن ضمن هذه الشركيات التي انتشرت بشكل كبير تعظيم بعض المسلمين لمن يسمونهم بالأولياء والصالحين ودعاؤهم من دون الله واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون، فعظموهم وطافوا حول قبورهم.
* ويزعمون أنهم بذلك يتوسلون بهم إلى الله لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولو أن هؤلاء الناس الجهلة رجعوا إلى القرآن والسنة وفقهوا ما جاء فيهما بشأن الدعاء والتوسل لعرفوا ما هو التوسل الحقيقي المشروع ؟
* إن التوسل الحقيقي المشروع هو الذي يكون عن طريق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وعن طريق التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهذا هو الطريق الموصل إلى رحمة الله ومرضاته.
* أما التوسل إلى الله عن طريق : الفزع إلى قبور الموتى والطواف حولها، والترامي على أعتابها وتقديم النذور لأصحابها، لقضاء الحاجات وتفريج الكربات فليس توسلا مشروعا بل هذا هو الشرك والكفر بعينه والعياذ بالله .
* فكل من غلا في حيٍ ، أو رجل صالح، أو نحوه، وجعل له نوعا من أنواع العبادة مثل أن يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الرب والتي لا تصلح إلا الله تعالى، فقد أشرك بالله شركا أكبر، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر.
* والذين كانوا يدعون مع الله آلهةً أخرى مثل اللات والعزى وغيرها لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، وإنما كانوا يعبدونها ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.
* فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) [الإسراء: 56] وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ :22] فأخبر سبحانه: أن ما يُدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به.
* ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته:{ لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا} وكان ذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك فإن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان بسبب تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.
* وأما ما جاء في توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، الذي قد يحتج به البعض، فإن عمر توسل بدعاء العباس لا بشخصه، والتوسل بدعاء الأشخاص غير التوسل بشخصهم بشرط أن يكونوا أحياء؛ لأن التوسل بدعاء الحي نوع من التوسل المشروع بشرط أن يكون المتوسل بدعائه رجلا صالحا. وهذا من جنس أن يطلب رجل الدعاء من رجل صالح حي ثم يطلب من الله أن يقبل دعاء هذا الرجال الصالح الحي له.
* أما الميت الذي يذهب إليه السائل ليسأل الله ببركته ويطلب منه العون قد أصبح بعد موته لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فكيف ينفع غيره؟! ولا يمكن لأي إنسان يتمتع بذرة من العقل السليم يستطيع أن يقرر أن الذي مات وفقد حركته وتعطلت جوارحه يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فضلا عن أن ينفع غيره، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة الإنسان على فعل أي شيء بعد موته فقال: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له} فتبين من الحديث أن الميت هو الذي بحاجة إلى من يدعو له ويستغفره له، وليس الحي هو الذي بحاجة إلى دعاء الميت، وإذا كان الحديث يقرر انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، فكيف نعتقد أن الميت حي في قبره حياة تمكنه من الاتصال بغيره وإمداده بأي نوع من الإمدادات؟ كيف نعتقد ذلك؟! وفاقد الشيء لا يعطيه والميت لا يمكنه سماع من يدعوه مهما أطال في الدعاء قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمٍْ) [فاطر:13،14] فنفى الله عنهم الملك وسماع الدعاء ومعلوم أن الذي لا يملك لا يعطي، وأن الذي لا يسمع لا يستجيب ولا يدري، وبينت الآية أن كل مدعو من دون الله كائنا من كان فإنه لا يستطيع أن يحقق لداعيه شيئا .
* وكل معبود من دون الله فعبادته باطلة، قال تعالى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) [الآية يونس: 106،107] ويتبين من هذه الآية أن كل مدعو من دون الله لا ينفع ولا يضر، فإذا ما الفائدة من عبادته ودعائه، وهذا فيه تكذيب لأهل الخرافة الذين يقولون ذهبنا للقبر الفلاني أو دعونا الولي الفلاني وتحصل لنا ما نريد، فمن قال ذلك فقد كذب على الله، ولو فرض أن حصل شيء مما يقولون فإنه حصل بأحد سببين:
1- إن كان الأمر مما يقدر عليه الخلق عادة فهذا حصل من الشياطين لأنهم دائما يحضرون عند القبور، لأنه ما من قبر أو صنم يعبد من دون الله إلا تحضره الشياطين لتعبث في عقول الناس.
* وهؤلاء المتوسلون بالأولياء لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان قديما فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان وقد يكون بعض ذلك صدقاً، ولكن أكثره كذب، وقد تقضي بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهون مما يقدر عليه البشر عادة، فيظن هؤلاء السذج أن الشيخ، أو الولي هو الذي خرج من قبره وفعل ذلك، وإنما هو في الحقيقة الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم.
2-أما إن كان الأمر مما لا يقدر عليه إلا الله كالحياة والصحة والغنى والفقر، وغير ذلك مما هو من خصائص الله، فهذا انقضى بقدر سابق قد كتبه الله ولم يحصل ذلك ببركة دعاء صاحب القبر كما يزعمون.
* فينبغي على الإنسان العاقل ألا يصدق مثل هذه الخرافات، وأن يعلق قلبه بالله وينزل حاجته به حتى تقضي ولا يلتفت إلى الخلق لأن الخلق ضعفاء مساكين فيهم الجهل والعجز، وكيف يطلب الإنسان حاجته من مخلوق مثله؟ وقد يكون ذلك المخلوق ميتا أيضا لا يسمع ولا يرى ولا يملك شيئا، ولكن الشيطان يزين للناس ما كانوا يعملون.


الكرامات المزعومة
* لقد اختلطت الأمور على كثير من الناس اختلاطا عجيبا جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماما لرسالته إلى الناس وتأييدا لرسله أو إكراما لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل .
* ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا بجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.
* ونقول لهؤلاء : إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذلك كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالا فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس.
* ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاما بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج!! لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلا عن الأموات! فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذه الخرافات؟
* إن العقول المستنيرة والفطرة السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية. قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 79،80]


المشركون قديما وحديثا
* إن الكثيرين من الناس من مرتادي القبور والمزارات يقولون: إن المشركين في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، أما نحن فلا أصنام عندنا نعبدها، بل لدينا قبور لبعض المشايخ والصالحين لا نعبدها ولكننا فقط نسأل الله أن يقضي حاجاتنا إكراما لهم، والعبادة غير الدعاء.

* ونقول لهؤلاء : إن طلب المدد والبركة من الميت هو في الحقيقة دعاء، كما كانت الجاهلية تدعو أصنامها تماما ولا فرق بين الصنم الذي يعبده المشركون قديما وبين القبر الذي يعبد الناس ساكنه حديثا، فالصنم والقبر والطاغوت كلها أسماء تحمل معنى واحدا وتطلق على كل من عبد من دون الله سواء كان إنسانا حيا أو ميتا أو جمادا أو حيوانا أو غير ذلك، ولما سئل المشركون قديما عن سبب توسلهم بالأصنام ودعائهم لها كان جوابهم: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) [الزمر:3] أي وسطاء بيننا وبين الله لقضاء حاجتنا، ومن ذلك يتبين أنه لا فرق بين دعوى الجاهلية الأولى وبين عباد القبور الذين ينتسبون إلى الإسلام اليوم فغاية الجميع واحدة وهي الشرك بالله ودعاء غير الله.
شرك المحبة
* إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا الله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم له انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى.
* ومن غلوهم يهم أيضا أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع أحدا يسب شيخه لغضب لذلك غضبا شديدا أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه) [البقرة:165]
الله قريب من عباده
* إن الله تعالى قريب من عباده( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة: 186] فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم مالا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه.
* بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأن يكون معتقدا تمام الاعتقاد أن الله تعالى هو المعز المذل المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، قال صلى الله عليه وسلم : {واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك} فالفرد سواء كان حيا أو ميتا من باب أولى لن ينفع ولن يضر أحد إلا بشيء قد كتبه الله.
* لذا فيجب على كل من ابتلي بمثل هذه الشركيات وهذه البدع والخرافات من طواف حول القبور وتعظيمها وسؤال أصحابها الحاجات وتفريج الكربات أن يتوب إلى الله من هذا العمل الفاسد الذي هو في الحقيقة شرك بالله وصاحبه مخلد في النار والعياذ بالله . قال تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) [المائدة 72 ] وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له في كل شأن من شؤون حياته وأن يعبد الله بما شرعه إن كان صادقا في إسلامه وألا يلتفت لأحد من الخلق كائنا من كان لا في دعاء ولا غيره مما لا يقدر عليه إلا الله وأن يلتزم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وألا يخالط أهل البدع وأهل الشرك لئلا يتأثر بهم ويقلدهم فيهلك معهم ويخسر الدنيا والآخرة والله أعلم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

منقول