المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرع من قبلنا هل هو شرع لنا / بحث أصولي


الفهداوي
2015-04-01, 11:38 PM
شرع من قبلنا
:111:


شرع من قبلنا هو : الأحكام الفرعية التي شرعها الله جل وعلا في ما مضى لمن قبلنا من الأمم، وهي لا تمس العقيدة.

فالله جل وعلا أمر اليهود بالصلاة, وشرع لهم كيف يتوضأون أو يغتسلون أو يتطهرون, فهذه كلها أحكام شرعية فرعية.

كذلك يقول الله جل وعلا : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً )

( التوبة:103) , كل هذه أحكام فرعية.

أما العقائد : فواحدة عند جميع الأمم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث : ( الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى ) أخرجه البخاري 3/1270.

اختلاف العلماء في الأخذ بشرع من قبلنا

اختلف العلماء في العمل بشرع من قبلنا من الأمم السابقة ؛ فمنهم من رده مطلقاً ، ومنهم من عمل به مطلقاً ، والصواب التفصيل ، فما وافق شرعنا أخذنا به ، وما رده شرعنا رددناه، ويشبه هذا قول الصحابي ، فما اختلفوا فيه لا حجة لواحد منهم على الآخر، وما أجمعوا عليه فهو حجة ملزمة لنا

اختلف العلماء في شرع من قبلنا على أقوال ثلاثة :

القول الأول : أنه شرع لنا مطلقاً.

القول الثاني : ليس بشرع لنا مطلقاً.

القول الثالث : التفصيل.

القول الأول : شرع لنا مطلقاً
:111:


القول الأول : شرع من قبلنا من الأحكام التي أنزلها الله على الأمم السابقة هي شرع لنا مطلقاً.

واستدلوا بأدلة من الأثر وهي :

الدليل الأول : قول الله تعالى : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ) ( الأنعام:90 ) ، فهذا دليل واضح ناصع على أن الله تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بموسى وإبراهيم وعيسى.

الدليل الثاني : قول الله تعالى: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ) ( المائدة:45 ) الآية , ولما تحاكم أنس للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : (يا أنس ! كتاب الله القصاص )، أي : أن السن بالسن ؛ فدل ذلك على أنه حكم بشرع من قبلنا , وهو:( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ) ( المائدة:45 ) أي : في التوراة : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)

( المائدة:45) ، إلى أن قال: ( وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ) ( المائدة:45)

أي : أن السن بالسن راجع إلى هذه الآية التي تبين لنا حكم السن في التوراة ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) ( الشورى:13) إلى آخر الآية .

الدليل الثالث : قوله في الحديث : (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها, ثم قرأ قول الله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (طه:14) , وهذه الآية خاصة بموسى عليه السلام ؛ فقرروا أن كل رسول جاء من عند الله تعالى جاء بشرائع حقة , وعلى النبي أن يتبع ما جاء به هؤلاء من الشرائع.

القول الثاني : ليس بشرع لنا مطلقاً

القول الثاني : أنه ليس بشرع لنا مطلقاً, واستدلوا على ذلك بأدلة :

الدليل الأول : قول الله تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ( المائدة:48) , اليهود لهم شرعة ومنهاجاً, والنصارى لهم شرعة ومنهاجاً, وشرعة محمد جاءت ناسخة لكل ما كان قبلها من الشرائع السماوية.

الدليل الثاني : أن هذا يلزم منه أن جميع الأمة لابد أن تتعلم شرع من قبلنا, ويكون هذا العلم فرض كفاية علينا، فيتعلمه أحدنا حتى يعلمنا ونعمل به, ويكون شرع من قبلنا حجة علينا.

الدليل الثالث : وهو من الأدلة القوية : أنه لو كانت شرائع من قبلنا حجة علينا ما انتظر النبي صلى الله عليه وسلم نزول الوحي عليه في مسألة من المسائل النازلة؛ لأن في شرع من قبلنا الحكم؛ فيحكم ويعمل به, وهذا دليل قوي.

القول الثالث: التفصيل
:111:


القول الثالث : التفصيل ، وهو الراجح والصحيح , وهو:

أن شرائع من قبلنا أنواع.

الأول : ما قرره شرعنا ، وهذا بالاتفاق شرع لنا.

مثال ذلك : قول الله تعالى: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ ) , وأتى شرعنا يقره, كما في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) ( البقرة:178) ,فنقتل من قتل, ونكسر من كسر, ونشج من شج, وزيادة على هذا تخفيفاً على هذه الأمة: لنا أن نأخذ الدية, وولي الدم بخير النظرين في ذلك.

أيضاً من الأحكام التي جاء الشرع بموافقتها : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) ( طه:14) ، وشرعنا يقر ذلك.

كذلك : جاء شرعنا يقر بوضوح ما عند اليهود والنصارى من أن السن بالسن ، كما في قوله تعالى: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ( البقرة:194 )؛ فإذا كسر السن نكسر سنه, وهذا من شرعنا؛ فجاء الدليل من شرعنا يقر ما في التوراة, قال تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ( البقرة:194 ).

وفي قصة عائشة لما غضبت وكسرت الإناء قال : (غارت أمكم غارت أمكم؛ طعام بطعام وإناء بإناء).

الثاني : ما نسخه شرعنا، وهذا باتفاق ليس بشرعٍ لنا.

مثال ذلك : السجود للمعظّم تكريماً له لا عبادةً , كسجود إخوة يوسف عليه السلام له، ولما ذهب معاذ إلى قيصر وكسرى ورآهم يصنعون ذلك له, عاد وسجد للنبي عليه الصلاة والسلام تكريماً له وتعظيماً, فقال النبي عليه الصلاة والسلام : (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ) , وهذا ناسخ لما ورد عن يعقوب عليه السلام.

كذلك : استقبال القبلة ، فقد جاء شرعنا فأقر استقبال بيت المقدس، ثم جاء في شرعنا ما نسخه, فهذا أيضاً ليس شرعاً لنا.

كذلك : في التوراة كان في شرعهم لإزالة النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم أن يطهرها بالمقاريض، أما في شرعنا فيكفيه أن يغسله حتى تذهب عنه.

فهذا ناسخ لشرع من قبلنا.

كذلك : كان في شرعهم أن الغنيمة حتى تقبل تنزل ناراً من السماء فتحرقها , ولما غل أحد بني إسرائيل منها لم يقبلها الله تعالى حتى أعاد ما أخذه منها, , أما في شرعنا فإن الغنيمة توزع على أسهم بينها الله في كتابه, وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (وأحلت لنا الغنائم) , وهذا ناسخ لما قبله.

الثالث : ما سكت عنه شرعنا .

والقول الصحيح والراجح : أنه ليس بشرع لنا.
:111:


والله تعالى أعلى وأعلم

جمعه أبو أحمد

ياس
2015-04-02, 12:04 AM
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل
وجعل هذا التنسيق والتفصيل
في ميزان حسناتك لكن هناك ترجيحان
في الموضوع ،لكن ماعليه اهل الحديث واغلب الاصولين
هو التفصيل والله اعلم .

ياسمين الجزائر
2015-04-02, 12:16 AM
بارك الله فيكم شيخنا على هذا البحث القيم
كتب ربي اجركم و نفع بكم و جعله في موازين حسناتكم
فقط لي سؤال بسيط شيخي ، وهو عن حديث أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني"
حديث صحيح رواه أحمد (3/387) عن جابر بن عبد الله، وحسنه الألباني في الإرواء (1589).
هل يمكن أن نستدل بهذا الحديث في هذا البحث ؟؟

و جزاكم الله خيرا

الفهداوي
2015-04-02, 12:44 AM
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل
وجعل هذا التنسيق والتفصيل
في ميزان حسناتك لكن هناك ترجيحان
في الموضوع ،لكن ماعليه اهل الحديث واغلب الاصولين
هو التفصيل والله اعلم .




جزاكم الله خيرا اخي استاذ ياس وبارك الله فيك على تكرمك بالاطلاع على الموضوع ، ومهما كان التنسيق جميلاً فليس هو بأحسن من تنسيقاتك وتفنناتك ( ابتسامة ) الممتعة شكر الله لك ، اما عن موضوع الترجيح نعم فالأمر فيه واسع لكن كما تفضلت فان الذاهبين الى التفصيل أقرب الى الصواب من غيرهم والله تعالى أعلم ..
:111:

الفهداوي
2015-04-02, 12:59 AM
بارك الله فيكم شيخنا على هذا البحث القيم

كتب ربي اجركم و نفع بكم و جعله في موازين حسناتكم

فقط لي سؤال بسيط شيخي ، وهو عن حديث أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني"
حديث صحيح رواه أحمد (3/387) عن جابر بن عبد الله، وحسنه الألباني في الإرواء (1589).

هل يمكن أن نستدل بهذا الحديث في هذا البحث ؟؟

و جزاكم الله خيرا


وجزاكم وبارك فيكم واحسن اليكم وشكرا على الاضافة القيمة والاستحضار لهذا الدليل الذي هو من اقوى الادلة في الاستدلال على ان شرع من قبلنا ليس بلازم لنا ، وهوا يدل : على أن تلك الشريعة لم تكن لازمة لنا، لولا ذلك لما نهاه عن النظر فيها وعن تعلمها.
فإن قيل : إنما نهاه عن ذلك لأن اليهود قد بدلت وغيرت، فلم يأمن أن نتبع منها ما قد بدلوه.
قيل له : لو كان هذا مراده لقاله له، فلما عدل عن ذكر ذلك إلى قوله: (لو كان حيا لما وسعه إلا أن يتبعني) ، دل ذلك: على أن شريعة موسى - عليه السلام - لم تكن قائمة ثابتة الحكم في ذلك الوقت، لأنها لو كانت باقية ثابتة لما كان ممنوعا من البقاء عليها، ما لم يبق عليها.. والله اعلم
أعجبني فطنتك وانتباهك لهذا الدليل .. شكر لك ..

ياسمين الجزائر
2015-04-02, 01:10 AM
العفو شيخي و منكم نتعلم و نستفيد
جزاكم الله خيرا على هذا التفصيل و التبيان و شاكرة ردكم و شرحكم الممتع
شكرا لكل ما تقدموه لنا من مواضيع قيمة بهذا المنتدى المبارك
كتب ربي اجركم و نفع بكم الاسلام و المسلمين

الحياة أمل
2015-04-02, 01:57 AM
~.. http://www.sunnti.com/vb/islamicstyle_by_biaarq/rating/rating_5.gif ..~

مآشآء الله .. بحث مهم وتنسيق جميل
بآرك الرحمن فيكم شيخنآ وزآدكم من علمه
بوركت جُهودكم ...~

الفهداوي
2015-04-03, 08:36 PM
جزاكم الله خيرا

الساجد لله
2015-04-03, 09:05 PM
مجهود رائع بارك الله فيكـم شيخنا ولا حرمك الأجر
دمت برضى الله وفضله

الفهداوي
2015-04-03, 09:46 PM
مجهود رائع بارك الله فيكـم شيخنا ولا حرمك الأجر
دمت برضى الله وفضله



سلمكم الله ايها الاخ الكريم وبارك فيك وفي عملك ولا حرمك الله الاجر
وفقكم الله ... شكرا لك :15: