المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة كتابي ( نبذ من آداب الطلب في ضوء مؤلفات ابن رجب )


أبو الحسن العراقي الأثري
2015-04-10, 11:19 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة

الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْقُدْرَةِ وَالْجَلَالِ، وَالنِّعَمِ السَّابِغَةِ وَالْإِفْضَالِ، الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهِ، وَهَدَانَا إِلَى الْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، السَّامِي بِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْعَالَمِينَ، الطَّاهِرِ الْأَعْرَاقِ، الشَّرِيفِ الْأَخْلَاقِ، الَّذِي قَالَ اللَّهُ الْكَرِيمُ مُخَاطِبًا لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم: 4] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ، وَأَزْلَفَ مَنْزِلَتَهُ لَدَيْهِ، وَعَلَى إِخْوَانِهِ وَأَقْرَبِيهِ وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ وَتَابِعِيهِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، دَائِمًا أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ([1] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn1)):
الله سبحانه وتعالى المسؤول المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبداً.فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.وبعد:
فإن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه – عز وجل- الفقه في دينه ، وهو من علامات رضى الله على العبد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين)) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((..وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا...))([2] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn2)) ؛ لهذا يجب على المسلم الحرص على التفقه في دين الله عز وجل وخصوصاً في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمحن التي لا سبيل إلى الخلاص منها إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أهل القرون الأولى ، ولا يكون هذا إلا بطلب العلم الشرعي على هدي السلف الصالح رضي الله عنهم. ومن أعظم الأمور التي كان يهتم بها السلف الصالح ويحرصون عليها في جميع أحوالهم : التأدب بأدب الطلب([3] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn3)).
قال الإمام مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الآجري رحمه الله (ت :360ه) في طلاب العلم : ((لِهَذَا الْعَالِمِ صِفَاتٌ وَأَحْوَالٌ شَتَّى , وَمَقَامَاتٌ لَابُدَّ لَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهَا , فَهُوَ مُسْتَعْمِلٌ فِي كُلِّ حَالٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. فَلَهُ صِفَةٌ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ: كَيْفَ يَطْلُبُهُ؟ وَلَهُ صِفَةٌ فِي كَثْرَةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ عِنْدَهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فَيُلْزِمَهُ نَفْسَهُ. وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا جَالَسَ الْعُلَمَاءَ: كَيْفَ يُجَالِسُهُمْ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: كَيْفَ يَتَعَلَّمُ؟ وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا نَاظَرَ فِي الْعِلْمِ: كَيْفَ يُنَاظِرُ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا أَفْتَى النَّاسَ: كَيْفَ يُفْتِي؟ وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يُجَالِسُ الْأُمَرَاءَ , إِذَا ابْتُلِيَ بِمُجَالَسَتِهِمْ؟ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَالِسَهُ , وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ عِنْدَ مُعَاشَرَتِهِ لِسَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لَا عِلْمَ مَعَهُ. وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؟ قَدْ أَعَدَّ لِكُلِّ حَقٍّ يَلْزَمُهُ مَا يُقَوِّيهِ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ , وَقَدْ أَعَدَّ لِكُلِّ نَازِلَةٍ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنْ شَرِّهَا فِي دِينِهِ , عَالِمٌ بِمَا يَجْتَلِبُ بِهِ الطَّاعَاتِ , عَالِمٌ بِمَا يَدْفَعُ بِهِ الْبَلِيَّاتِ , قَدِ اعْتَقَدَ الْأَخْلَاقَ السَّنِيَّةَ , وَاعْتَزَلَ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ ))([4] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn4))

وإني رأيت في هذا الزمان تقصيراً واضحاً في هذا الجانب- إضافة إلى جانب التقاعس عن طلب العلم -، ويجب علاج هذا الامر بالتوجيه الشرعي الصحيح ، ومن أفضل الوسائل التي أهتم بها أهل العلم وطلابه-قديماً وحديثاً- تصنيف الكتب؛ لعظيم أثره وتعدي نفعه ودوامه([5] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn5)) ...
ثم يسر الله تعالى لي –وأنا اليافع الشاب- أن أكتب في هذا الموضوع المهم –محجماً ومتردداً- ، فتأملت بعض ما كُتِب في هذا الباب ، فقلت : لعلي أن أكتب كلمة تكون سبب نجاتي من النار([6] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn6))، فأحببت أن أُثري هذا الباب بشيء جديد ؛ فقررت أن أطرح الموضوع من جانب إيماني تربوي ، ومن خلال إطلاعي على كتب أهل العلم وجدت كلاماً متيناً جميلاً للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى ، لكنه متفرقاً ،فاستعنت بالله –عز وجل- على جمع هذا المتفرق لكن في مصنف واحد ، تسهيلاً على طلاب العلم ومن رام أن يجد مظان كلام الحافظ في هذا الباب...
وبعد جمعي للمادة العلمية ، رجعت إلى جملة من كتب أهل العلم في هذا الباب ؛ لأرتب المادة العلمية ، فمن تلك المراجع :
"أخلاق العلماء " للإمام أبي بكر الآجري([7] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn7))رحمه الله (ت : 360ه)([8] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn8)) ،
و"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للإمام أبي بكر أحمد بن علي الشهير بالخطيب البغدادي رحمه الله([9] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn9)) (ت :436ه) ،
و"جامع بيان العلم وفضله" للإمام الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله([10] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftn10)) (ت :463ه) ،
و "حلية طالب العلم" للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله (ت :1429ه) .
وختاماً اقول : إن هذا الجمع وإن قد حوى من الخير الكثير –الذي أسأل الله أن يقبله مني- فما كان فيه من صواب فمن الله وحده فهو المحمود والمستعان وما كان فيه من خطأ فمن مصنفه ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله وهذه بضاعة مؤلفة المزجاة تساق إليك وسلعته تعرض عليك فلقاريه غنمه وعلى مؤلفة غرمه وبنات أفكاره تزف إليك فإن وجدت حرا كريما كان بها أسعد وإلا فهي خود تزف إلى عنين متعد.

[1] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref1))) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغداي (1\75) ، ت : د. محمود الطحان ، ط : مكتبة المعارف - الرياض

[2] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref2))) مجموع الفتاوى (28/80)

[3] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref3))) ((قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رحمه الله :" لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُزَيِّنْ عَمَلَهُ بِالْأَدَبِ" رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : "طَلَبْت الْعِلْمَ فَأَصَبْت فِيهِ شَيْئًا، وَطَلَبْت الْأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا")) [الآداب الشرعية لابن مفلح (3/552)].

[4] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref4))) أخلاق العلماء للحافظ أبي بكر الآجري ص47 ت: الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ، ط: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – السعودية
v قال العلامة بكر بن عبد الله : ((لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلي بمحاسن الأدب، ومكارم الأخلاق، والهدى الحسن، والسمت الصالح: سمة أهل الإسلام، وأن العلم - وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر - لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه، المتخلي عن آفاته، ولهذا عناها العلماء بالبحث والتنبيه، وأفردوها بالتأليف، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن الكريم، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا ...)) [حلية طالب العلم ص138 ، مطبوع ضمن المجموعة العلمية]

[5])) يلوح الخط في القرطاس دهرًا ... وكاتبه رميم في التراب
خرجت من التراب بغير ذنب ... وعدت مع الذنوب إِلَى التراب

[6] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref6))) ((كان الإمام أحمد بْن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول هذه سرج الإسلام وكان هو يحمل المحبرة عَلَى كبر سنه فَقَالَ لَهُ رجل إِلَى متى با أبا عَبْد اللَّهِ فَقَالَ المحبرة إِلَى المقبرة))

[7] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref7)) ) ((هو الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، القُدْوَةُ، شَيْخُ الحَرَمِ الشَّرِيْفِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ الآجُرِّيُّ، صَاحبُ التَّوَالِيفِ، مِنْهَا: كِتَابُ (الشَّريعَةِ فِي السُّنَّةِ) كَبِيْرٌ، وَكِتَابُ (الرُّؤْيَةِ) ، وَكِتَابُ (الغُرباءِ) ، وَكِتَابُ (الأَرْبَعينَ) ، وَكِتَابُ (الثَّمَانِيْنَ) ، وَكِتَابُ (آدَابِ العُلَمَاءِ) ، وَكِتَابُ (مَسْأَلَةِ الطَّائِفينَ) ، وَكِتَابُ (التَّهَجُّدِ) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ)[سير أعلام النبلاء (16\133-134) ط : الرسالة ]

[8] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref8))) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : ((وقد صنَّفَ أبو بكر الآجري -وكان من العُلَمَاء الربَّانيين في أَوائلِ المائةِ الرابعة- مصنفًا في "أخلاق العُلَمَاء وآدابهِم" وهو من أجلِّ ما صُنِّف في ذلك، ومن تأمَّله علمَ منه طريقة السَّلفِ من العُلَمَاء، والطرائقَ التي حَدَثَتْ بعدهم المخالفةَ لطريقتهم)).[مجموع رسائل ابن رجب (1\72)]

[9])) ((هو الإِمَامُ الأَوْحَدُ، العَلاَّمَةُ المُفْتِي، الحَافِظُ النَّاقِدُ، مُحَدِّثُ الوَقْتِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثَابِتِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مَهْدِيٍّ البَغْدَادِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، وَخَاتمَةُ الحُفَّاظ)).[سير أعلام النبلاء (18\270)]

[10] (http://www.sunnti.com/vb/#_ftnref10))) ((هو الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، حَافظُ المَغْرِبِ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عُمَرَ يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ البَرِّ بنِ عَاصِمٍ النَّمَرِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، القُرْطُبِيُّ، المَالِكِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ الفَائِقَة))[سير أعلام النبلاء (18\153)].

* ملاحظة : الكتاب سيطبع قريباً بإذن الله

الفهداوي
2015-04-10, 11:26 PM
جزاكم الله خيرا ونسال الله لكم التوفيق

الحياة أمل
2015-04-11, 10:10 AM
مآشآء الله
كتب ربي أجركم ونفع بكم الإسلآم والمسلمين ...~