المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفريق بين مسائل العقيدة ومسائل الأحكام في مسألة التكفير وموانعه


الفهداوي
2015-04-17, 04:10 PM
ما ذكرنا من الأعذار التي تصرف الكفر عن صاحب العمل المكفر يصطدم بأمر نراه كثيراً يتردد على ألسنة بعض طلاب العلم ، وهو أن الإعذار والرحمة والتأني في التبديع والتكفير للمخالف إنما هو في أبواب الفقه لا العقيدة، فالخلاف في أبواب الفقه يقبل الاجتهاد والاعتذار، بينما مسائل الاعتقاد لا يسوغ فيها خلاف، ولا يصح فيه إعذار.
وقالوا: إذا عذرنا المسلم في قضايا الاعتقاد، فما بالنا لا نعذر الكافر بمثل عذره، وهذا يؤدي إلى عذر كل أحد.
والحق أن اختلاف المسلمين في مسائل الاعتقاد كالخلاف في مسائل الفقه سواء بسواء، منه ما يسوغ، وهو ما يتعلق بفروع المسائل التي لم يرد دليل قطعي الدلالة على وجه من وجوهها.
ومنه ما لا يسوغ، وهو ما يتعلق بالمسائل الأصولية التي دلت عليها الأدلة القطعية الدلالة من الكتاب والسنة. فالخلاف في بعض المسائل الفرعية - من أي نوع كانت - لا يجيز الحكم بهلكة الآخرين وبطلان أعمالهم.
والتفريق بين مسائل الاعتقاد والفقه تفريق اصطلاحي، لا أثر له في أحكام الشريعة، وأهل البدع هم الذين فرقوا في الأحكام بين النوعين.
يقول شيخ الإسلام: "قالوا : والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره.
قالوا : والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلاً، فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائلأصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة .. " (منهاج السنة (5/ 88))
ويقول رحمه الله: " المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية.

وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم". (منهاج السنة (5/ 239 - 240)).
ثم ذكر رحمه الله بعض الأمثلة التي تثبت وقوع الاختلاف بين السلف في مسائل الاعتقاد، ولم يكفر بعضهم بعضاً، بل عذروا مخالفيهم فيها كما عذروهم في مسائل الأحكام فقال: "وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة".
ويكمل شيخ الإسلام بذكر مواضع أهم من الخلاف بين السلف في مسائل الاعتقاد، فيقول: "وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بل عجبتُ} (الصافات: 12)، ويقول: إن الله لا يعجب ... فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة.

وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروفاً من القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} (الرعد: 31) وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} (الإسراء: 23).، قال: إنما هي: ووصى ربك.

وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر يكتب سورة القنوت، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر .. ". (مجموع الفتاوى (12/ 492 - 493))
ويقول وهو يذكر صوراً أخرى من الاختلاف في مسائل العقيدة خالف فيها بعضهم مذهب الحق ولم يكفرهم أهل السنة، لأن "الخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية .. كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى لقوله: {لا تدركه الأبصار} (الأنعام: 103)، ولقوله: {وما كان لبشرٍ أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجابٍ} (الشورى: 51). نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى، وفسروا قوله {وجوه يومئذٍ نّاضرة - إلى ربّها ناظرة} (القيامة: 22 - 23). بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح ...

وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به .. وكالذي قال لأهله: ((إذا أنا مِتّ فأحرقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين)). وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط". (المصدر السابق (20/ 33 - 36)) .
ونقل رحمه الله عن العلماء من السلف أنهم كانوا "لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً، لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواءإلا الخطابية، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلي خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية [فقهية] ولا علمية [اعتقادية] ". (منهاج السنة (5/ 87)).
وقال شيخ الإسلام: " فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماهير أئمة الإسلام". (مجموع الفتاوى (23/ 346)).
وعليه نجمل فنقول بأن ما ذكرنا عن الإعذار بالجهل أو التأويل أو الإكراه وغيرها هو رحمة من الله يتفضل بها على عباده الذين ما قصدوا محادّته، ولا عمدوا إلى مخالفة أمره، وهي فضل يشمل قضايا المعتقد والفقه بلا تفريق، فالتفريق بينها عند أهل العلم: في باب التعليم والتدريس، لا الأحكام، فإنّ من أخطأ - مع استفراغ الوسع والجهد - في باب من أبواب المعتقد كان كمن أخطأ في مسائل الفقه والأحكام سواء بسواء، فعفو الله ورحمته تنال الجميع.
منقول مكمل لموانع التكفير


روابط ذي صلة


الجهل مانع من موانع تكفير المعين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=23866&highlight=%C7%E1%CC%E5%E1+%E3%C7%E4%DA)

:15:

العذر بالتأويل مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26139)
:15:
الخطأ مانع من موانع التكفير مع سلامة القصد (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=24100&highlight=%C7%E1%CC%E5%E1+%E3%C7%E4%DA)
:15:
العذر بالإكراه مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26197)

:15:

العذر بالتقليد مانع من موانع التكفير بضوابطه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26343)

الحياة أمل
2015-04-18, 01:03 AM
زآدكم الله من فضله
ونفع بكم ...~

الفهداوي
2015-04-18, 10:58 AM
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم