المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرق بين التصوف السني والبدعي


عبدالله الأحد
2015-04-28, 04:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله
التصوف السني :
والمراد بهذا النوع من التصوف هو ما كان قرين الزهد والتقلل من متاع الدنيا وملذاتها وهو امتداد لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وإن كان هذا الزهد لم يعرف باسم التصوف إلا في أواخر القرن الثاني الهجري فإن أصله ومعناه وحقيقته
كان معروفاً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حث على ذلك القرآن الكريم في كثير من آي الكتاب الحكيم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}[فاطر:5].
وقال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[العنكبوت:65].وكذلك كثر ذكر الزهد في كتب الحديث والسنن وكثرت أبوابه، والناظر فيها يجدها قد اشتملت على أبواب كثيرة مثل باب الزهد في الدنيا ، باب فضل الجوع ، باب القناعة والعفاف، باب فضل البكاء من خشية الله …… والناظر في هذه الكتب يجد كثيراً من الأحاديث والآثار الواردة في الزهد ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك)) .
لذا لم يكن مستغرباً أن يزهد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم في دنياهم، ولا تابعوهم والسلف الصالحين.
ولم يكن الزهد عن قلة المال وإنما الزاهد هو من جاءه المال فزهد فيه وأنفقه ولم يجعله كل همه.
مصادر التصوف السني:
1- القرآن الكريم:
والقرآن الكريم هو الأساس الذي يستمد منه كل علم شرعي شرعيته، وعليه يعتمد أهل الحـق فـي التمسك بحقهم. كما أن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم وهو الكامل الشامل كما قال تعالى : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ٌ}[المائدة:3].
لذلك لم يهمل القرآن الدعوة إلى الزهد والتقلل من متاع الحياة الدنيا التي يضرب لها مثلاً بقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[يونس: 24].
وقال أيضاً: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف:45- 46].
2- السنة النبوية:
والمصدر الثاني من مصادر هذا الدين هو السنة النبوية ، لذا فإن الناظر في كتب السنن وفى شمائل النبي صلى الله عليه وسلم يجدها مليئة بالدعوة إلى الزهد وإليك بعض المختارات من بستان النبوة الذي يعج ويحفل بوصف الدنيا ودنوها لطالبيها وأنها مزرعة الآخرة ولا تغنى عن الآخرة شيءاً.قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) .وقال: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)) .وقال مبيناً تعاسة من تمسك بها وشغل نفسه بها: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وان لم يعط لم يرض)) . و قال: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) .وكان يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالم ومتعلم)) ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا ، كيف لا وقد كانت تأتيه مرغمة فيردها إلى من هو دونه وينفقها، وقد قال: ((لو كان لي مثل أحد ذهباً لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء أرصده لدين)) .ويقـول النعمـان بـن بشيـر رضي الله عنه يصـف حـال النبـي صلى الله عليه وسلم كمـا ذكـر ذلك عنه قال: ((لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وما يجد من الدقل (رديء التمر) ما يملأ به بطنه)) .وفى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام على حصير فأثـرّ فـي جنبـه فقـال له أصحابه رضى الله عنهم: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً. فقـال: " ما لى وللدنيـا ؟ مـا أنـا فـي الدنيـا إلاّ كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليالٍ حتى قبض)) . وفي رواية أخرى ((ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض)) .و((ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ، ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)) .
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا أن نتأسى به ونقتفي أثره {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}[الممتحنة:6].
3- آثار الصحابة والتابعين:
عند الرجوع إلى أحوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين نرى فيهم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم بترك متاع الدنيا وزخرفها.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين وليَّ الخلافة دفع كل ما له في بيت مال المسلمين، فلما سئل عن ذلك قال: كنت أتجر فيه فلما وليتموني شغلتوني عن التجارة وحين وليَّ الخلافة خرج إلى السوق ليعمل فقال له الصحابة رضي الله عنهم: نفرض لك ففرضوا له قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأوكسهم، فكان له برداه للصيف والشتاء إن أخلقهما " أي قَدِمَا " وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر ، ونفقته على أهله كما كان ينفق عليهما قبل أن يُستخلف، فقال أبو بكر رضي الله عنه قد رضيت .
وكان عمر رضي الله عنه على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه فحين فتحت عليه الدنيا كلمتاه عائشة وحفصة رضي الله عنهما في تغيير جبته التي كانت فيها اثنتا عشرة رقعة ويقدم له طعام يأكل منه وأضيافة، فأبا وقال إن له أسوة بصاحبيه فلا يجمع بين أُدمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل شهر ينقضي ما انقضى من القوم ولما قدم له ما ء قد شيب بعسل فقال: إنه لطيِّب وقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا}[الأحقاف:20]. فأخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا فلم يشربه " .
وفي البداية والنهاية لابن كثير أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج بسيفه إلى السوق وقال: من يشتري مني سيفي هذا فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزاراً ما بعته .
ورضي الله عن أبي الدرداء إذ يقول: والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتاً على باب المسجد ، لا يخطئني فيه صلاة ، أربح فيه كل يوم أربعين ديناراً وأتصدق بها كلها في سبيل الله. قيل له: يا أبا الدرداء وما تكره في ذلك؟ قال: شدة الحساب .
والمتبع لقصص الصحابة في (الحلية) ، و(كنز العمال) ، و(البداية والنهاية) ، وكتب السنن يجد الشيء الكثير من ذلك وكذلك قصص التابعين.
من أعلام التصوف السني:
1- إبراهيم بن أدهم (199) بن منصور البلخي التميمي كنيته أبو اسحق، كان أبوه من ملوك خراسان وكان موسراً ، وعاش مترفاً منعماً ، وقد خرج إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه للصيد فسمع صوتاً يناديه فالتفت إليه فلم ير شيئا وتكرر ذلك معه ، ثم قال له المنادى: ما لهذا خلقت ولا بذا أمرت فعزم أن لا يعصي الله تعالى بعد ذلك ورجع إلى بيته فترك فرسه وعمد إلى أحد رعاة أبيه فأخذ منه جبةً وكساءً وتخل عن ثيابه وترك المتع.
خرج إلى العراق وإلى الشام طلباً للعمل وللرزق الحلال وتجول فيها وكان يأكل مـن عمل يده ، كان يعمل بالحصاد وجني الثمار وحفظ البساتين والحمل والطحن ، وكان إذا أنهي عملـه قبـل أن ينـام ينادي في الناس من يريد أن يطحن ؟ فيأتيه الناس فيطحن لهم بلا كراء.
أخذ عن كثير من علماء العراق والحجاز ، وكان قد تفقه ، وكان يشترك مع الغزاة في قتال الروم. وكان يتكلم الفصحة ولا يلحن في العربية ، وكان إذا وقف سفيان الثوري في مجلسه يعظ أوجز مخافة الزلل.
كان يلبس في الشتاء فرواً لا قميص تحته، وفى الصيف لا يتعمم ولا يحتذي، وكان يصوم في السفر والإقامة.
ولمـا سئل كم لك في الشام ؟ قال: أربعة وعشرون عاماً ، ولما سئل ما جاء بك إليها قال: لأشبع من خبز الحلال.
عمل في أحد البساتين سنين ، فجاءه صاحب البستان وطلب منه رماناً حلواً فجاءه به فوجده حامضاً فقال له: تأكل فاكهتنا سنين ولا تميز الحلو من الحامض. فأقسم أنه ما أكل فاكهتهم ولا يميز الحلو من الحامض.
وجاءه عبد لأبيه يحمل له عشرة آلاف درهم ، ويخبره أن أباه قد مات في بلخ وخلف له مالاً كثيراً، فأعتق العبد ووهبه الدراهم ولم يعبأ بمال أبيه.
هذا هو إبراهيم بن أدهم الذي ترك الدنيا ومتاعها طلباً لبحبوحة الجنة وقد توفي رحمه اللهسنة 161هـ –778م.
وأخباره كثيرة وفيها اختلاف في مسكنه ونسبته ووفاته.
2- عبد الله بن المبارك (200):
هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء التميمي المروزي ، يكنى بأبي عبد الرحمن وهو شيخ الإسلام ، كان من الربانيين في العلم الموصوفين بالحفظ المذكورين بالزهد وقد جمع الحديث والفقه والعربية ، وأيام الناس والشجاعة والتجارة، والمحبة عند الفرق، كان من سكان خراسان ولد سنة 118 هـ، سمع سفيان الثوري وشعبه والأوزاعي والليث بن سعد، أفنى عمره في الأسفار حاجاً وتاجراً ومجاهداً ، كان سخياً ، وكان يقضي الدين عن المدينين، ويسعى في فك المحبوس، له كتاب في الجهاد وهو أول من صنف فيه.
مات بهيت على الفرات منصرفاً من غزو الروم سنة 181هـ.
قال الأوزاعى: لو رأيت ابن المبارك لقرت عينك.
وقال سفيان الثوري: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر.
قال ابن المبارك: زيادة دنياكم بنقصان آخرتكم ، وزيادة آخرتكم بنقصان دنياكم. وكان يقول: أحب الصالحين ولست منهم ، وأبغض الطالحين وأنا شرٌ منهم.
وقال: الصمت أزين للفتـى من منطق في غيـر حينه ، والصدق أجمل بالفتى في القول عندي من يمينه.
وسئل ابن المبارك مَنْ الناس ؟ قال العلماء: فمن الملوك ؟ قال: الزهاد. فمن سفلة الناس ؟ قال: الذين يعيشون بدينهم.
3- الفضيل بن عياض (201):
الفضيل بن عياض التميمي من بني يربوع ولد بخراسان ، قدم الكوفة وهو كبير كان ثقة ثبتاً فاضلاً عابداً ورعاً ، وكان من شدة الخوف نحيفاً.
كان كثير الحديث وسمع الحديث من منصور بن المعتمر وغيره ، وروى عنه ابن المبارك والشافعي وبشر الحافي وغيرهم. ثم تعبد وانتقل إلى مكة وكان لا يقبل هدايا الدولة.
وتوفى بمكة المكرمة سنة 187هـ في خلافة هارون الرشيد وكان ذلك يوم عاشوراء، وقد نيف على الثمانين عاماً. قال هارون الرشيد: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك ولا أورع من الفضيل. وقال إبراهيم بـن الأشعت: كان الفضيل إذا ذكر الله ، أو
ذُكر عنده ، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن وفاضت عيناه وبكي حتى يرحمه من بحضرته. وقال: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة يعظ ويذكر ويبكي كأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة فإذا وصلنا المقبرة جلس كأنه بين الموتى.
قال عبد الله بن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن.
وللفضيل أقوال كثيرة في كتب التراجم منها:
" من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة "
" ليس من عبد أُعطي شيئا من الدنيا إلا كان نقصاناً له من الدرجات في الجنة "
" ليست الدار دار إقامة وإنما أُهبط آدم إليها عقوبة "
" لو خيرت لاخترت أن أعيش كلباً وأموت كلباً ولا أرى يوم القيامة "
وكان رحمه الله يكثر من صلاة الليل فيلقى إليه حصيـر فإذا غلبته عيناه استلقى عليه ثم يفيق يصلي ……
4- معروف الكرخي (202):
هو معروف بن فيروز " الفيرزان " الكرخى أبو محفوظ ولد في كرخ بغداد ونشأ فيها، كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدبهم فكان يقول له: قل ثالث ثلاثة فيقول: بل هو الواحد فيضربه معلمه ضرباً مبرحاً فهرب وأسلم على يد على بن موسى الكاظم. وكان أبواه يقولان ليته يرجع على أي دين فنتبعه فرجع إليهما مسلماً فأسلما. وكان مولى من موالي علي بن موسى الكاظم وكان يحجبه فكثر الزحام فضغطه الناس فتكسرت أضلاعه فمات ببغداد سنة 200هـ.
لما حضرته الوفاة قيل له: أوصى. فقال: أوصى بقميصي إذا مت فتصدقوا به أريد أن أخرج منها عرياناً كما دخلتها.
وقبره ببغداد مشهور ويزار ويستشفع به ويتبرك به ويستسقى به " وهذا لا يصح " وكان رحمه الله مشهوراً بالصلاح مستجاب الدعوة حريصاً على الحق ، ذات يوم مر بسقاء يقول رحم الله من يشرب وكان صائماً فشرب طمعاً ببركة دعائه. قال رجل لمعروف الكرخى: ما شكرت معروفي. فقال: وقع معروفك من غير محتسب عند غير شاكر. وقال معروف الكرخى: " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق ".
التصوف البدعي :
وهذا التصوف خليط من التصوف الإسلامي والتصوف الجاهلي، وقد يكون رجاله أهل علم وأصحاب نوايا حسنة ، وأثرت فيهم العادات السائدة في عصرهم وخاصة ما فيها من بدع.
بعضهم حاول إصلاح الطرق فلم يستطع فاضطروا إلى تأويل أعمالهم التي هي في الظاهر مخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليوهموا الناس بأنها لا تعارض النصوص الشرعية وليسلموا من الطعون والانتقادات الموجهة إليهم.
وهؤلاء القوم ليس لهم تطلع لإقامة دين الله تعالى في الأرض بل هم يشغلون أنفسهم بأمور أهمها:
1- الاشتغال بالأذكار والأوراد وغالباً مـا تكـون طريقتهـم فـي الذكـر غير مطابقة للسنـة بـل تشتمـل على بعض البدع ، كأن يكون الذكر بصورة جماعيـة ، ويسبق بعضهـم بعضـاً ممـا يجعـل المسبـوق يتـرك بعض الكلمات التـي تخـل بالمعنى، إضافـة إلى الحركات المصطنعـة التي يحدثونها أثنـاء الذكـر مـن التمايـل والقفـز والتراقص.
كما أن أورادهم غالباً ما تشتمل على الاستشفاع والتوسل بالأولياء والصالحين والاستعانة بالمقبورين ، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بالدعاء.
2- التربية والتزكية عن طريق النوافل، فهم غالباً يحرصون على الإكثار من صيام التطوع فبعضهم يتحرى صيام المندوبات والبعض يصوم زيادة على ذلك. وكذلك الصلوات فهم يكثرون من صلاة النافلة وقيام الليل بل يجعلوا لكل ليلة قيامًا مخصوصاً وتلاوة مخصوصة، ولا يجوز تخصيص يوم أو ليلة بعبادة مخصوصة إلا بدليل.
3- البيعة يهتم كثير من أصحاب الطرق الصوفية البدعية بأخذ البيعة من المريد وتكون البيعة على الطاعة المطلقة لشيخه، دون الاعتراض عليه.والطاعة المطلقة لا تصح إلا للمعصوم عليه السلام وكل بيعة لغيره يجب أن تكون مقيدة في حدود عدم المعصية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنه ((لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)) .
أبرز ما يميز هذا النوع من التصوف هو الوقوع في البدع.
أقسام البدعة:
البدعة تنقسم إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة:
1- البدعة الحسنة أو السنة الحسنة وهي تكون في الجوانب الحياتية والتقدم العلمي التجريبي وفى الأمور التي تخضع للمصالح المرسلة "المصالح العامة التي لا نص فيها " كعمل صندوق للصدقات وبناء المستشفيات والمدارس التعليمية وما شابه ذلك. 2- البدعة السيئة وهي كل محدثة في دين الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة)) .
وقد وقع الصوفية في كثير من البدع والشركيات منها.
ما يكون من غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت فيقضون الحاجات ويفرجون الكربات وينصرون من دعاهم ويحفظون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية
والذين يجعلون مع الله نداً يدعونه كما يدعو الله تعالى ويسألونه الشفاعة كما يسألون الله تعالى ، ويحبونه كما يحبون الله تعالى .وقد حذر صلى الله عليه وسلم مما هو أدنى من ذلك فحين قيل له عليه السلام " ما شاء الله وشئت ". قال: ((أجعلتنى لله عدلاً (نداً) بل ما شاء الله وحده)) .ومن ذلك أيضاً التبرك بالأماكن والأشخاص والأشجار وغير ذلك ، وقد طلب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم شيئا من ذلك وهم حديثوا عهد بكفر وذلك حين خرجوا لغزوة حنين فمروا " بشجرة " بسدرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قالوا: اجعل لنا شجرة كذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}[الأعراف:138] إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم)) .
ومن ذلك الذبح للأولياء والصالحين ، وتقديم القرابين لهم ، والذبح عند قبورهم. وقد نهي الله تعالى عن ذلك وحذر من الوقوع في ذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام:162-163]وقال تعالى : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2]وقال صلى الله عليه وسلم ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والده ، ولعن الله من آوى محدثاً ، ولعن الله من غير منار الأرض)) .وقد نهي صلى الله عليه وسلم عن الذبح عند الأوثان أو في أماكن يقام فيها عيد جاهلي وذلك حين سُئل عن رجـل نذر أن يذبح إبلاً بأحد الأماكن فقال صلى الله عليه وسلم: ((هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد)) فقالوا: لا، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟)) قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)) .
ومنها الاستعاذة بالمقبورين والصالحين من الأولياء الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. والاستعاذة معناها الالتجاء والاعتصام والتحرز والهرب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه .
وقد أمرنا المولى عز وجل أن نستعيذ به قال تعالى : {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[فصلت:36]وقال أيضاً: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ}[المؤمنون:97- 98] وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}[الفلق:1]و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}[الناس:1].
ومنها الاستغاثة بغير الله تعالى والاستغاثة طلب الغوث لإزالة الشدة كالاستنصار طلب النصرة ، والاستغاثة تمتاز عن الدعاء بأنها لا تكون إلا من المكروب قال تعالى : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}[الأنفال:9]
فقد وقع كثيرٌ من الصوفية والعوام في ذلك فمنهم من يدعو شيخه عند اشتداد الكروب فيقول: يا علي ، ويا عبد القادر ، ويا بدوي …… وأدى الغلو إلى أكثر من ذلك منهم من يسألهم الجنة وغفران الزلات …… حتى زعم أحدهم أن شيخة يجلس عند النار فلا يدع أحداً استغاثه يدخلها …… ونسجوا كثيراً من القصص المكذوبة فزعموا أن فلاناً استغاث شيخه فأغاثه ، أو دعا الولي الفلاني فأجابه أو فرج كربته {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ الْقِيَامَةِ}[الأحقاف:5].
وممن وقع في ذلك البوصيري حيث قال:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به

سواك عند حلول الحادث العمم
ولا يضيق رسول الله جاهك بي
إذ الكريـم تحلـى باسم منتقم
فإن لـي ذمـة منه بتسميتي
محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي
فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

فقد وقع البوصيري بأخطاء كثيرة في أشعاره هذه منها: -
1- إنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الخطوب إلا الرسول عليه السلام وليس ذلك إلا لله.
2- تضـرع للرسـول عليـه السلام وناداه ودعاه وطلب منه أموراً لا تطلب إلا من الله عز وجل.
3- طلب منه الشفاعة عندما يريد الله تعالى الانتقام ولا يمنع ذلك أحد. قال تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ}[الزمر:19].
4- ادعى أن له ذمة لأن اسمه محمد وهذا غير صحيح لأنه ليس بين الرسول عليه السلام ومن اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، وكم من الطغاة من سماه أهله بمحمد.
5- زعم أنه لا خلاص له إلاّ إذا تفضل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ بيده يوم القيامة، والخلاص والنجاة يوم القيامة تكون بفضل الله عليه.
وكذلك البرعي وقع في شيء من ذلك في قوله:
أرجوك في سكرات الموت أن تشهدني

كيما يهون إذ الأنفاس في صعد
وإن نزلتُ ضريحــاً لا أنيس بــه
فكـن أنيس وحيـد فيه منفرد


وقال أيضاً:
يـا سيـدي يا رسول الله يا أملي

يـا موئلـي يا ملاذي يـوم يلقاني
هبني بجاهـك مـا قدمت من زلل
جوداً ورجح بفضل منك ميزانــي
واسمع دعائي واكشف ما يساورني
من الخطوب ونفّس كل أحزانــي
فأنت أقرب من ترجـى عواطفـه
عندي وإن بعدت داري و أوطاني
فقد وقع البرعي بأبياته هذه في أخطاء عدة منها: -
1- أنه يستغيث بالرسول عليه السلام ويطلب حضوره عند موته ليهون عليه سكرات الموت وهذا ليس إلا لله عز وجل.
2- وطلب من الرسول عليه السلام أن يؤنس وحشته في قبره وليس للعبد أنيس إلا العمل الصالح.
3- وطلب منه أن يرجح ميزانه يوم القيامة ولا يرجح الميزان إلا الإخلاص والعمل الصالح
4- وطلب منه عليه السلام أن يكشف عنه الضر والكربات ويهون عليه الحزن والخطوب.
5- وهو الذي يرجو عاطفة الرسول صلى الله عليه وسلم مهما بعدت الدار … والرسول صلى الله عليه وسلم لا يرجى بعد موته.
6- زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أقرب من يرجى، والله تعالى هو القريب المجيب وليس الحبيب محمد عليه السلام بعد وفاته.
ومن الأخطاء التي وقع فيها القوم التوسل . والتوسل هو اتخاذ الوسيلة وهي الطريقة التي توصل إلى المطلوب " المرغوب".
الوسائل نوعان كونية وشرعية:
1- الوسيلة الكونية: وهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله بها ويؤدي إلى المطلوب بما أودعه الله فيه من سنن كالماء فهو الوسيلة إلى ري الظمآن والطعام هو الوسيلة لحصول الشبع للجائع ، والملابس تحفظ الإنسان من حرارة الشمس وبرد الشتاء، واستعمال الزراعة والري للحصول على الغذاء والزواج وسيلة لحصول الذرية وهي مشتركة بيـن المؤمن والكافر من غير تفريق … ويشترط لاستعمالها شرطان أن تكـون مباحةً شرعاً، وثبت بالتجربة وغالب الظن تحقق المطلوب بها.
2- والوسيلة الشرعية: وهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى وبينه في كتابه وسنة نبيه وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
- فالوضوء والغسل والتيمم وسيلة لحصول الطهارة ، والامتناع عن الطعام وسيلة لحصول الصيام والنطق بالشهادتين والعمل بمضمونها وسيلة لحصول مرضاة الله تعالى والفوز برحمته ودخول الجنة، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل الشفاعة، وصلة الرحم وسيلة لطول العمر وسعة الرزق. ويشترط فيها ثبوتها بالشرع الحنيف.فهذه القضايا السابقة تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم والتجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه)) .
التوسل المشروع لا يتم إلا بأحد أنواع ثلاثة: -
1- التوسل باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته.
2- التوسل بعمل صالح قام به الداعي.
3- التوسل بدعاء رجل صالح .
النوع الأول: التوسل باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته: قال الله تعالى : {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}[الأعراف:180]ومنه ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أحد أدعيته ((اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) .وفي الحديث من كثر همه فليقل ((اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعـل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي " إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجاً)) وفي الحديث ، ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني)) .
النوع الثاني: التوسل إلى الله بصالح الأعمال:
وهو أن يتوسل الإنسان بصالح أعماله إلى الله عز وجل لأن هناك مناسبة بين توسل الإنسان إلى الله وبين عمله الصالح الذي أخلص به لوجه الله تعالى والدليل على صحة ذلك ما ورد في القرآن الكريم قال تعالى : {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[آل عمران:16] وقال تعالى : {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}[آل عمران:53].
وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((انطلق ثلاثة رجال ممن كان قبلكم ، فآواهم المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار.
فقالوا: والله لا ينجينا من هذه الصخرة إلا أن ندعوا الله بصالح أعمالنا.
فقال أحدهم: كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً ، فعاقني طلبُ يوماً ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما ، فجئتهما به فوجدتهما نائمين ، فتحرجت أن أوقظهما ، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فقمت والقدح بيدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما..
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
وقال الثاني: " اللهم لقد كانت لي ابنة عم ، كانت أحب الناس إلى ، فراودتها عن نفسها فامتنعت ، حتى ألمت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها ، قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فتحرجتُ من الوقوع عليها وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلى ، وتركت المال الذي أعطيتها إياه.
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
ثم قال الثالث: " اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم ، غير رجل واحد منهم ، ترك أجره وذهب ، فثمرت أجره ، فجاءني بعد حين ، فقال يا عبد الله أدِّ إلى أجرتي، فقلت له: إن أجرتك هي كل ما ترى من الإبل والغنم والبقر والرقيق ، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي ، فقلت: إني لا أستهزئُ بك ، ورويت له القصة ، فأخذ ذلك كله فاستاقه ، ولم يترك منه شيءاً.اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا من الغار يمشون)) … وهذا حديث صحيح.
وهذا الحديث يدل على صحة أعمالهم فيها وإن الله قبلها وقبل دعاءهم وتوسلهم بصالح أعمالهم.
النوع الثالث: التوسل بدعاء الصالحين:
وهو كأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تعالى فيحب أن يتقرب إلى الله بسبب قوي، فيذهب إلى رجل حيث يعتقد فيه الصلاح والتقوى والعلم والفضل فيطلب منه أن يدعو له ربه أن يكشف عنه الضر ويفرج كربه. ومن ذلك توسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدعاء العباس رضي الله عنه والاستسقاء به حيث قال: (اللهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا ، وإنّا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون) .
والمراد أن عمر رضي الله عنه كان يقول للعباس رضي الله عنه قم فاستسق لنا ربك فيدعو لهم فيسقيهم الله تعالى .
ومن ذلك أن معاوية رضي الله عنه دعا يزيد بن الأسود يستسقي لهم فدعا لهـم ودعا الناس فسقاهم الله.وأما الشفاعة فهي شبيهة بالتوسل وليس لأحد أن يشفع عند الله تعالى إلا بإذنه لقوله تعالى : {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[البقرة:255] ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن شفاعته بأن الله عز وجل يحد له حداً ويقول له اشفع في هؤلاء فيشفع …… وأما الشفاعة في الدنيا فيجوز للإنسان أن يشفع شفاعة حسنة. ولا تصح الشفاعة في ظلم ولا في حد من حدود الله لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد مستنكراً ((أتشفع في حد من حدود الله ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)) .
والشفاعة في الآخرة لا تطلب إلا من الله تعالى فليس لأحدنا أن يطالب أو يرجو الشفاعـة مـن أحد حتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يطلب ذلك من الله تعالى فيقول اللهم ارزقنا شفاعته.
وأما ما ورد في حديث الضرير حين توضأ وصلى ركعتين ، وكان من دعائه بعدهما عن محمد صلى الله عليه وسلم اللهم شفع فيَّ محمداً وشفعني فيه، فالمراد من قوله اللهم تقبل دعاءه لي ودعائي له ، فيكون المراد أيضاً طلب استجابة دعاء كلٍ منهما من الله عز وجل.
وأما الأحاديث الأخرى الواردة وتشمل على السؤال بحق النبي ، أو بجاه النبي أو بحق السائلين فلا يقوى منها حديث لدرجة الصحة ، فكلها بين الضعيف والموضوع.
من أبرز رجال التصوف البدعي:
البوصيري:
هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري كنيته أبو عبد الله ولقبه شرف الدين ، وهو شاعر مليح المعاني حسن الديباجة. والبوصيري نسبة إلى " أبو صير " من أعمال بني سويف بمصر ، وأمه منها ، وأصله من المغرب ، وتوفى بالإسكندرية. عاش بين عامي 608– 696هـ ، 1212– 1296م. له ديوان شعر وأشهر أشعاره البردة.
وسميت البردة بهذا الاسم – كما زعموا - لأن البوصيري أصيب بشلل نصفي ، فأنشدها فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام فألقى عليه بردته فبرئ ، وكان بعض الفقراء إذا مرض قرأ البردة فبرئ والله أعلم . وهذا لا يصح شرعاً لاشتمال البردة على مغالطات شرعية وعقدية ولا يصح عقلاً.
البرعي:
وهو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني ، وهو شاعر متصوف من سكان اليمن ، درس العلم وأفتى ودَرَّسَ ، له ديوان شعر مطبوع أكثره في المدائح النبوية ، ينسب إلى برع بتهامة ، توفيَّ سنة 803هـ – 1400م .
مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص59- 70

المطلب الثالث: التصوف الفلسفي (الباطل)
وهو التصوف الذي اختلط بالفلسفات القديمة حتى غلبت عليه أفكار الفلاسفة كالفلسفة الإشراقية والزرادشتية وهو أيضاً يشتمل على رهبانية النصاري ، ودردشة الهنادكة ، ودخل إليه الشرك أيضاً عن طريق تأثره بالفلسفة اليونانية والرومانية والفارسية.
وأصحاب هذا النوع من التصوف تحللوا من شريعة الإسلام ومبادئه ووقعوا في جاهلية عمياء حيث وقعوا في الخرافات والأكاذيب وابتعدوا عن الدعوة إلى الله والوعظ والإرشاد وانقطعوا لاستقبال الهبات والنذور من جهلة القوم . وأبرز الأفكار التي ظهرت عند هؤلاء القوم هي وحدة الوجود والحلول والاتحاد والاعتماد على العلوم الكشفية.
والملاحظ أن هذا النوع من التصوف لا يستمد أصوله وأفكاره من مصادر إسلامية لذلك قوبل بمعارضة شديدة من العلماء والأئمة كالغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) ، ابن تيمية في (فتاويه) ، ابن القيم في (مدارج السالكين)، وابن الجوزي في (تلبيس إبليس).
من أبرز رجال التصوف الفلسفي:
1- الحلاّج (240):
هو الحسين بن منصور الحلاج الفارسي ولد بفارس سنة 244هـ البيضاوي البغدادي ، جدهُ زاردشتي ، صوفـي متكلم وله اتصال بالقرامطة له شطحات كثيرة ، وأقوال سقيمـة منهـا قوله " مـا فـي الجبة إلا الله " " وأنا الحق " ولا يؤمن بفريضة الحج يقول أبو بكر بن الصولي عنه رأيت الحلاج وخاطبتـه فرأيـت جاهـلاً يتعاقل وغبياً يتبالغ وفاجراً يتزاهد …… وكان مع جهله خبيثاً ، وكان متشدداً وعنيداً ومغالياً ويكتنفه كثير من الغموض وقد قتل مصلوباً بفتوى من علماء عصره سنة 309هـ.
2- ابن الفارض (241):
هو عمر بن علي بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري ولد سنة 576هـ ، شاعر صوفي لقب بسلطان العاشقين اشتغل بفقه الشافعية أخذ الحديث عن ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المنذري ، حبب إليه سلوك طريق الصوفية كان يعتزل الناس ويأوى إلى المساجد المهجورة والأماكن الخربة.
توفى بالقاهرة سنة 632هـ ، وله ديوان شعر وشعره ينعق بالاتحاد الصريح.
3- ابن عربي (242):
هو محيي الدين بن محمد بن على بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي ، الحاتمي ، صوفي ومتكلم وفقيه وأديب ومفسر ، ولد بالأندلس سنة 560هـ كان يلقب بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، له أراء سقيمة أنكرها عليه كثيرٌ من أهل عصره واتهموه بالزندقـة وعمل بعضهم على قتله خاصة في مصر، وحرم الشيخ جلال الدين السيوطي النظر في كتبه، له مؤلفات كثيرة منها الفتوحات المكية ، وفصوص الحِكَم ، من أقواله: الوجود كله واحد ، وجود المخلوقات عين وجود الخالق ، وجود الله هو الوجود الحقيقي ، وجود العالم هو الوجود الوهمي، ويبني ابن عربي على وحدة الوجود وحدة الأديان وغير فكرة التوحيد بقوله ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله ولا معبود في الواقع إلا الله وقد قال عن نفسه كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت. وكانت وفاته عام 638هـ بدمشق ودفن فيها وله قبر يزار في أيامنا هذه.
4- ابن سبعين (243):
هو عبد الحق بن محمد بن نصر الاشبيلي المرسى القرمطي ، ولد سنة 614 وتوفى سنـة 669 هجريـاً ، وتوفـى منتحراً ، قيل أنه فصد الدم من يديه وتركه ينزف حتى تصفى فمات.
وهو صوفي وحكيم درس العربية وآدابها بالأندلس.
من أقواله السقيمة " لقد كذب ابن أبي كبشة حين قال لا نبي بعدي.
ومن مؤلفاته أسرار الحكمة – الحروف الوضعية في الصور الفلكية – جواهر السر المنير.
ولا تخلو مؤلفاته من الأقوال الباطلة كان يكثر من القول بوحدة الوجود في مؤلفاته ومواعظه.
5- شهاب الدين السهروردي (244):
هو أبو الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي، الملقب بالشيخ المقتول، ولد عام 549هـ في مدينة ميديا المعروفة باسم سهرورد من أعمال زنجان من فارس (العراق العجمي)، تنقل في البلدان، تتلمذ على يد عبد الكريم الجيلي " الجيلاني " شيخ فخر الدين الرازي، طالع كتب ابن سينا وتصوف وتقرب من الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين الأيوبي وحضر مجالسه.
اختلف الفقهاء مع السهروردي لقوله (إن الله قادر على أن يخلق نبياً بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأمر صلاح الدين ابنه الملك الظاهر بقتله لانحلال عقيدته، وكان ذلك عام 587هـ ، كان مستوى القامة يميل إلى سماع الموسيقى، يحتقر من يتقرب إلى السلطان والأبهة الدنيوية، سليط اللسان، لا يحترم الفقهاء والشيوخ، وكان أحياناً يرتدي الخرقة الصوفية والثياب المهلهلة؛ وكان رديء الهيئة ذريء الخلقة لا يغسل له ثوباً ولا يقص ظفراً ولا شعراً.
وكان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، علمه أكبر من عقله، من أقواله حرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات.. اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف.
وله كثير من المؤلفات بعضها مطبوع مثل: هياكل النور، رسالة في اعتقاد الحكماء، حكمة الإشراق وبعضها مخطوط مثل: المشارع والمطارحات، التلويحات، مقامات الصوفية.
وذكر ابن خلدون الاختلاف في اسمه هل هو يحيى أم أحمد أم عمر والمترجم عنده أنه يحيى وذلك لأن جماعة من أهل الفن كتبوه بهذا الاسم.

عبدالله الأحد
2015-04-28, 04:31 PM
تصوُّف الزُّهد الذي يُروى في كتب الصُّوفيَّة ، أو كتب الرقائق ، عن الحسن البصري أو غيره من السلف والأئمة ، ممن لهم لسان صدق في الأمة ، المقصود به:
العناية بباب الأخلاق والزهد والرقائق ، وما أشبه ذلك ، بحيث يكثر الإشارة إلى ذلك ، بل والعبارة عنه ، في أقوالهم ، ومأثورات أخبارهم وأحوالهم . وقد نُقِلَ في ذلك عن الحسن البصري الشيء الكثير الطيب النافع ، وهذا سرُّ وجود بعض أقواله في كتب الصُّوفيَّة.

والتصوُّف بهذا المعنى هو من دين الإسلام ، وهو أمر حسن مطلوب ، كما هو ظاهر

التصوُّف الفلسفي هو المآل الذي انتهى إليه تطور خطوات الإحداث والابتداع في المفاهيم والتصورات التي دخلت إلى طريق التصوف ، وواكبت التطور والإحداث المسلكي ؛ فحاصل انحراف طريق التصوف ، عن الطريق السلفي الأول : إحداث مسالك تعبدية مبتدعة ، خارجة عن السنن الأول ، وما كان عليه السلف الصالح .
والثاني : إدخال مسائل علمية ، وتصورات ومفاهيم ، هي مسالك علمية مبتدعة ، نشأت من جراء اتصال الحركة العلمية بالفلسفات اليونانية والوثنية بصفة عامة ، ومذاهب الباطنية والغنوصية .
فقد بدأ التصوُّف كـ"حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري ، كنزعاتٍ فردية ، تدعو إلى الزُّهد وشدة العبادة كردِّ فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري ، ثم تطوَّرت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرق مميزة معروفة باسم الصوفية ، ويتوخّى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة ، لا عن طريق اتباع الوسائل الشرعية!! ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية : الهندية والفارسية واليونانية المختلفة " .
انتهى من " الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة "(1/ 249).

وهذا التصوُّف الفلسفي يتفاوت في بعده عن السنة بقدر ما يحصل فيه من العقائد والسلوكيات المخالفات للكتاب والسنة ، ومنهج الصحابة والسلف في الزهد والتقلل من الدنيا ، حتى يصل الأمر ببعض فرق الصوفية إلى ارتكاب نواقض مخالفة لأصل الديانة وصحيح الاعتقاد .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية ، وأبو القاسم القشيري في الرسالة : كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ، ومذهب أهل الحديث ، كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم ، وكلامهم موجود في السنة ، وصنفوا فيها الكتب .
لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ، ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة .
وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين ، فصارت المتصوفة : تارة على طريقة صوفية أهل الحديث ، وهم خيارهم وأعلامهم . وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام ، فهؤلاء دونهم . وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة ، كهؤلاء الملاحدة " انتهى من "الصفدية" (1/267) .
منقول

عبدالله الأحد
2015-04-28, 05:41 PM
الحمد لله
لم يعرف الإسلام اسم الصوفية في زمن الرسول وصحابته والتابعين حتى جاء جماعة من الزهاد لبسوا الصوف فأطلقوا هذا الاسم عليهم ، وقيل مأخوذ من كلمة صوفيا ومعناها الحكمة باليونانية وليست مأخوذة من الصفاء كما يدعي بعضهم لأن النسبة إلى الصفاء صفائي وليست صوفي .
وظهور هذا الاسم الجديد والطائفة التي تحمله زاد الفرقة في المسلمين ، وقد اختلف الصوفية الأوائل عن الصوفية المتأخرة التي انتشرت فيها البدع بشكل أكبر وعمّ فيهم الشرك الأصغر والأكبر وبدعهم مما حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. رواه الترمذي وقال حسن صحيح
وفيما يلي مقارنة بين معتقدات الصوفية وطقوسها وبين الإسلام المبني على القرآن والسنّة :
الصوفية : لها طرق متعددة كالتيجانية والقادرية والنقشبندية والشاذلية والرفاعية وغيرها من الطرق التي يدعي أصحابه أنهم على الحق وغيرهم على الباطل والإسلام ينهى عن التفرق ويقول الله تعالى { ...ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون } ( سورة الروم الآيات 31-32).
الصوفية : عبدوا غير الله من الأنبياء والأولياء الأحياء والأموات فهم يقولون ( يا جيلاني ويا رفاعي ويا رسول الله غوثاً ومدد ، ويا رسول الله عليك المعتمد ) .
والله ينهى عن دعاء غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو ويعدّه شركاً إذ يقول { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك من الظالمين } سورة يونس ،آية 106 .
الصوفية : تعتقد أن هناك أبدالاً وأقطاباً وأولياء سلّم الله لهم تصريف الأمور وتدبيرها والله يحكي جواب المشركين حين يسألهم :{ ومن يدبر الأمر فسيقولون الله } سورة يونس : 31 . فمشركو العرب أعرف بالله من هؤلاء الصوفية .
والصوفية يلجأون لغير الله عند نزول المصائب والله يقول : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } .
بعض الصوفية : يعتقد بوحدة الوجود فليس عندهم خالق ومخلوق فالكل خلق والكل إله .
الصوفية : تدعو إلى الزهد في الحياة وترك الأخذ بالأسباب وعدم الجهاد والله تعالى يقول { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } ( سورة القصص ،آية 77).
{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ( سورة الأنفال ،آية 60) .
الصوفية : تعطي مرتبة الإحسان إلى شيوخهم وتطلب من المريدين أن يتصورا شيخهم عندما يذكرون الله حتى في صلاتهم وكان بعضهم يضع صورة شيخه أمامه في الصلاة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". رواه مسلم .
الصوفية : تبيح الرقص والدف والمعازف ورفع الصوت بالذكر والله تعالى يقول { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( سورة الأنفال ، آية 3 ) .
ثم تراهم يذكرون بلفظ الجلالة : الله فقط فيقولون الله ، الله ، الله وهذه بدعة وكلام غير مفيد لمعنى شرعي بل يصلون إلى حدّ التلفظ بكلمة ( أهـ ، أهـ ) . أو هو ، هو . والإسلام والسنة أن يذكر المسلم ربّه بكلام مفيد صحيح يُؤجر عليه كقوله : سبحان الله والحمد له ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو ذلك .
الصوفية تتغزل باسم النساء والصبيان في مجالس الذكر فيرددون اسم الحب والعشق والهوى وغيرها وكأنهم في مجلس طرب فيه الرقص وذكر الخمر مع التصفيق والصياح وكلّ هذا من عادة المشركين وعبادتهم قال الله تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } سورة الأنفال آية 35 .( المكاء : الصفير ، والتصدية : التصفيق ) .
بعض الصوفية يضرب نفسه بسيخ حديد قائلاً ( يا جداه ) فتأتيه الشياطين ليساعدوه على فعله لأنه استغاث بغير الله ، قال الله تعالى : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين } سورة الزخرف ، آية 36 .
الصوفية : تدعي الكشف وعلم الغيب والقرآن يكذبهم : قال عزّ وجلّ : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } . ( سورة النمل آية 65 ) .
الصوفية : تزعم أن الله خلق الدنيا لأجل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يكذبهم قائلاً { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (سورة الذرايات آية 56) .
وخاطب الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } سورة الحجر آية 99).
الصوفية : تزعم رؤية الله في الدنيا والقرآن يكذبهم حين قال على لسان موسى :{ رب أرني أنظر إليك قال لن تراني } (سورة الأعراف ، آية 143) .
الصوفية : تزعم أنها تأخذ العلم من الله مباشرة بدون واسطة الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة فهل هم أفضل من الصحابة ؟
الصوفية : تزعم أنها تأخذ العلم من الله مباشرة بدون واسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون : حدثني قلبي عن ربي .
الصوفية : تقيم الموالد والاجتماع باسم مجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهم يخالفون تعاليمه حينما يرفعون أصواتهم في الذكر والأناشيد والقصائد التي فيها الشرك الصريح . وهل احتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمولده أو أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ والأئمة الأربعة وغيرهم فمن أعلم وأصحّ عبادة هؤلاء أم الصوفية .
الصوفية : تشد الرحال إلى القبور للتبرك بأهلها أو للطواف حولها أو الذبح عندها مخالفين قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " متفق عليه .
الصوفية : تتعصب لشيوخها ولو خالفت قول الله ورسوله ، والله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } سورة الحجرات آية 1 .
الصوفية : تستعمل الطلاسم والحروف والأرقام لعمل الاستخارة والتمائم والحجب وغير ذلك .
الصوفية : لا تتقيد بالصلوات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بل يبتدعون صلوات فيها التبرك الصريح والشّرك الفظيع الذي لا يرضاه الذي يصلون عليه .
أما السؤال عن صحة اتصال مشايخ الصوفية فهي صحيحة لكنها مع الشياطين وليس مع الله
فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه } الأنعام (112) . وقال تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم } الأنعام /121) .
وقال تعالى : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ) الشعراء 121/222) . فهذا هو الاتصال الذي يحدث حقيقة ، لا الاتصال الذين يزعمونه زوراً وبهتاناً من اتصالهم بالله ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، يُنظر معجم البدع : 346- 359
واختفاء بعض مشايخ الصوفية فجأة عن أنظار أتباعهم هو نتيجة لهذا الاتّصال مع الشياطين حتى لربما حملوهم إلى أماكن بعيدة وعادوا بهم في اليوم نفسه أو الليلة نفسها إضلالا للبشر من أتْباعهم .
ولذلك كانت القاعدة العظيمة أننا لا نزن الأشخاص بالخوارق التي تظهر على أيديهم وإنما بحسب بعدهم وقربهم والتزامهم بالكتاب والسنّة ، وأولياء الله حقّا لا يُشترط أن تظهر لهم خوارق بل هم الذين يعبدون الله بما شرع ولا يعبدونه بالبدع ، أولياء الله الذين ذكرهم ربنا في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في الصحيح 5/2384 عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " . والله الموفق والهادي إلى طريق الصّواب .
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد

عبدالله الأحد
2015-04-28, 06:25 PM
السؤال:

أود أن أعرف إذا ما كان أويس القرني، حسن البصري ، الإمام الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلاني من أئمة الصوفية ؟ وإذا كانت الإجابة بـ(نعم) فهل قاموا بوعظ الناس للدخول في الصوفية باعتبارها جزءا من الإسلام ؟ وإذا كانت الإجابة بـ(لا) فلماذا يستشهد بهم الصوفيون كثيرا ؟ حيث ورد ذكرهم كثيرا في غالبية كتب الصوفية ، وتم الاستشهاد بالكثير من أقوالهم . أرجو التوضيح .

الجواب :
الحمد لله
أولا :
لفظ التصوف من الألفاظ الحادثة في الإسلام ، لم يكن معروفا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عهد أصحابه ، بل ولم يشتهر ذكره في القرون المفضلة الثلاثة الأولى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" أَمَّا لَفْظُ " الصُّوفِيَّةِ " فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ التَّكَلُّمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ نُقِلَ التَّكَلُّمُ بِهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (11/5) .
وجاء في "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة" (1/249) وما بعدها :
" خلال القرنين الأولين ابتداءً من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين حتى وفاة الحسن البصري، لم تعرف الصوفية سواء كان باسمها أو برسمها وسلوكها، بل كانت التسمية الجامعة: المسلمين، المؤمنين، أو التسميات الخاصة مثل: الصحابي، البدري، أصحاب البيعة ، التابعي.
لم يعرف ذلك العهد هذا الغلو العملي التعبُّدي أو العلمي الاعتقادي إلا بعض النزعات الفردية نحو التشديد على النفس الذي نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة .. "
" البداية والظهور: ظهر مصطلح التصوف والصوفية أول ما ظهر في الكوفة بسبب قُربها من بلاد فارس، والتأثُّر بالفلسفة اليونانية بعد عصر الترجمة، ثم بسلوكيات رهبان أهل الكتاب .
وقد تنازع العلماء والمؤرخون في أول مَن تسمَّ به. على أقوال ثلاثة:
1 ـ قول شيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقه: أن أول من عُرف بالصوفي هو أبو هاشم الكوفي ت150هـ أو 162هـ بالشام بعد أن انتقل إليها، وكان معاصراً لسفيان الثوري ت 155هـ قال عنه سفيان: "لولا أبو هاشم ما عُرِفت دقائق الرياء". وكان معاصراً لجعفر الصادق وينسب إلى الشيعة الأوائل، ويسميه الشيعة مخترع الصوفية.
2 ـ يذكر بعض المؤرخين أن عبدك ـ عبد الكريم أو محمد ـ المتوفى سنة 210هـ هو أول من تسمى بالصوفي، ويذكر عنه الحارث المحاسبي أنه كان من طائفة نصف شيعية تسمي نفسها صوفية تأسست بالكوفة. بينما يذكر الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع أن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة الذين زعموا أن الدنيا كلها حرام، لا يحل لأحد منها إلا القوت، حيث ذهب أئمة الهدى، ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل، وإلا فهي حرام، ومعاملة أهلها حرام.
3 ـ يذهب ابن النديم في الفهرست إلى أن جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق والمتوفى سنة 208هـ أول من تسمى بالصوفي، والشيعة تعتبره من أكابرهم، والفلاسفة ينسبونه إليهم " انتهى .

وبهذا يتبين أن نسبة أويس القرني والحسن البصري إلى التصوف ، بالمعنى الاصطلاحي الذي عرف عند المتأخرين ، نسبة باطلة غير صحيحة ؛ فإن التصوف ـ بالمعنى المفهوم ـ لم يكن قد نشأن في وقت الحسن البصري ، فضلا عن أويس القرني الذي هو أقدم من الحسن البصري .
وينظر جواب السؤال رقم (118693) .
وأما الجيلاني ، والغزالي ، فقد سبق الحديث عنهما في جواب السؤال رقم (143615) ورقم (13473) .

ثانيا :
وأما ورود ذكر أويس القرني والحسن البصري كثيرا في كتب التصوف ، فلأمرين :
الأول : أن كتب التصوف تعنى أول شيء بباب الأخلاق ، والزهد والرقائق ، وما أشبه ذلك ؛ وقد نقل في ذلك عن الحسن البصري الشيء الكثير الطيب النافع ، وهكذا نقل من أحوال أويس القرني ، وبعض أقواله ، ما هو نافع مفيد في هذا الباب ، فمن الطبيعي أن يرد ذكرهما في كتب التصوف .
الثاني : أن تقديم هذين العلمين : أويس القرني ، والحسن البصري ، رحمة الله عليهما ، والإشادة بذكرهما ، والقبول العام لهما في الأمة ، يجعل ورود ذكرهما في كتب التصوف شيئاً منطقيا ومفهوماً ، فالمصنفون لهذه الكتب من هذه الأمة التي تلقت هذين الشخصين بالقبول . وفي ضوء ذلك ـ أيضا ـ نفهم : لماذا ينتسب الصوفية لهما ، ولأمثالهما من السلف الصالحين في الأمة ؛ فإن كل مذهب يبحث عن سند تاريخي مقبول على وجه العموم في الأمة ، من أجل إثبات مشروعيته ، والترويج له بين الناس .

وإذا كانت أقوال هذين العلمين ، وأحوالهما ، منقولة في كتب أهل السنة المصنفة في الفقه ، وكتبهم المصنفة في الأخلاق والرقائق ، تبين أن مجرد ورود هذه الأقوال في كتب التصوف ، لا يعني أنهما من الصوفية ، بل يرجع إلى ما ثبت عنهما ، وعن غيرهما من السلف ، بالأسانيد الصحيحة ، ويضم ذلك إلى معرفة تاريخ نشأة التصوف ، وبه يتبين أن نسبتهما إلى التصوف ـ بالمعنى الاصطلاحي ـ نسبة باطلة.

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب

عبدالله الأحد
2015-04-28, 06:29 PM
لله رب العالمين، والصلاة والسلام عـلـى الـمبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فـلا يخفـى أن الغلو في القبور بشتى صوره وأنواعه قد عمّ وطم في غالب البلاد، وتلبس بهذه المظاهر الشركية وطرائقها الكثير من الناس، وصارت هذه القبور مزارات و (مشاعر) يقصدها الناس، ويشــدون إليها الرحال من سائر الأمصار؛ وسدنة هذه الأضرحة وعلماء الضلالة يزيّنون الشرك للعامة بشتى أنواع الدعاوى والشبهـات، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله ـ تعالى ـ.
إن على المنتسبين للعلم والدعوة واجباً كبيراً تجاه هذا التيار الوثني، وفي هذا المقالة نورد بعض المسالك الرئيسة التي تسهم في حل وعلاج انحرافات القبوريين وشبهاتهم.
أ- المسلك الدعوي: ويتمثل هذا المسلك من خلال عدة أمور:
1- أن يُعنى العلماء والدعاة بتقرير التوحيد في تلك المجتمعات المولعة بتعظيم القبور والغلو فيها، وأن يجتهدوا في تجلية مفهوم التوحيد ـ من خلال القصص القرآني وضرب الأمثال ـ وضرورة تعلق القلب بالله ـ سبحانه وتعالى ـ، وأن الله ـ عز وجل ـ هو المتفرد بالنفع والضر والخلق والتدبير، ومن ثَمّ فهو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وخشية ورجاءاً.
وأن يضمّن هذا التقرير بيان عجز المخلوقين وضعفهم، وأنهم لا يملكون لأنفسهم ـ فضلاً عن غيرهم ـ نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
وأن يسعى إلـى تحبيب هذا التوحيد إلى الناس من خلال الحديث عن فضائل التوحيد وبيان ثمراته وآثاره، وأخـبـار الأنبياء ـ عليهم السلام ـ والصالحين الذين حققوا التوحيد، كما ينبغي الاهتمام بإظهار أثر التوحيد على الحياة العامة.
2- أن تربى الأمة عموماً ـ وهذه المجتمعات المعظمة للقبور خصوصاً ـ على أهمية التسليم لنصوص الكتاب والسنة والتحاكم إليها وانشراح الصدر لها.
يقول سبحانه: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء: 65].
وإذا كان طواغيت هذا العصر يفرضون على الناس احترام الشرعية الدولية والإذعان والتسليم لقرارات الأمم المتحدة؛ فإن علينا ـ معشرَ الدعاة إلى الله ـ أن ندعو المسلمين إلى ما أوجبه الله عليهم من التسليم والانقياد لنصوص الوحيين وعدم معارضتها بأي نوع من المعارضات سواءً أكان تقليداً، أو معقولاً، أو ذوقاً، أو سياسة أو غيره؛ فالإيمان مبني على التسليم لله ـ تعالى ـ والإذعان لشرعه(1).
يقول أبو الزناد ـ رحمه الله ـ: (إن السنن لا تخاصم ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي، ولو فـعـــل الناس ذلك لم يمضِ يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزَم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه)(2).
3- أن يدعى الناس إلى الالتزام بالشرع والعمل بالسنة؛ فإن إظهار السنن والتمسك بها يستلزم زوال البدع واندثارها، وكذا العكس فإنه ما ظهرت بدعة إلا رفع مثها من السنة، والنفوس إن لم تـشتغل بسنة وتوحيد؛ فإنها ستشتغل ببدعة وشرك؛ فالنفوس خلقت لتعمل لا لتترك(3).
وقد تتثاقل النفوس تجاه الالتزام بالأحكام الشرعية، وتنشط تجاه ما أحدثته من بدع ومحدثات، ومن ثم يتعين على دعاة الإصلاح أن يأخذوا على أيدي هؤلاء ويذكّروهم بفضل التمسك بالشرائع، وأن هذه الشرائع غذاء وروح، وقرة عين وسرور قلب(4). يقول أبو الوفاء ابن عقيل ـ متحدثاً عن تلك النفوس المتثاقلة تجاه الشرائع:
(لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع، مـثـل: تعظـيـم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، ومن: إيقاد النيران، وتقبيلها، وخطاب الموتى بالألــواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا...)(5).
4- دعوة المخاطبين إلى تدبر آيات القرآن الحكيم، وحثهم على التأمل والتفكـر في معاني القرآن، كما قال ـ سبحانه ـ: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)) [ص: 29].
وقال ـ عز وجل ـ: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)). [النساء: 82].
وإن من أعظم أسباب الضلال واستفحال الشرك: الإعراض عن تدبر آيات القرآن، والاقتصار على مجرد قراءته دون فهم أو فقه.
فإذا نظرنا ـ مثلاً ـ إلى مسألة إفراد الله ـ عز وجل ـ بالدعاء والاستغاثة، فإنها من أوضح الواضحات في كتاب الله، فقد تحدث عنها القرآن في ثلاثمائة موضع(6)، ومع ذلك فما أكثر الذين يتلون هذه الآيات بألسنتهم وينقضونها بأفعالهم وأحوالهم.
يقول العلاّمة حسين بن مهدي النعمي ـ رحمه الله ـ (ت/1187هـ) متحدثاً عن ضلال القبوريين:
(لا جرم لما كان ملاك أمر الجميع وحاصل مبلغهم وغايتهم هو التلاوة دون الفقه والتدبر والاتباع، خفي عليهم ذلك، وعموا وصموا عنه، وأنّى لهم ذلك؟ وقد منعهم سادتهم وكبراؤهم من أهليهم، وممن يقوم عليهم ويسوسهم، وقالوا: كتاب الله حجر محجور، لا يستفاد منه، ولا يقتبس من أنواره، ولا ينال ما فيه من العلم والدين..
فلعمر الله للخير أضاعوا، وللشر أذاعوا، وإلا فلولا ذلك لكانت هذه المسألة [ إفـراد الله بالدعاء] من أظهر الظواهر، لما أن العناية في كتاب الله بشأنها أتم وأكمل، والقصد إلـيها بالتكرير والتقرير والبيان في كتاب الله أكثر وأشمل)(7).
ويقول الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن حسن ـ رحمه الله في هذا المقام ـ:
(فمن تدبر عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه، والوعيد على فعله، والثواب على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه)(8).
وعلينا أن نتواصى بتطهير القلوب وتزكيتها لكي يحصل الانتفاع بمواعظ القرآن وأحكامه.
يقول ابن القيم عند قوله: ((لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ)) [الواقعة: 79]. (دلّت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوّث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي)(9).
5- مخاطبة عقولهم، ودعوتهم إلى التفكير والتأمـل؛ فإن الولوع في تقديس الأضرحة والغلو فيها لا يظهر إلا عند أقوام ألغوا عقولهم، وعطلوا تفكيرهم، وأشربوا حبّ التقليد ومحاكاة الآباء دون حجة أو برهان.
وقد عني القرآن بمخاطبة ذوي الألباب وأثنى عليهم، وحضّ على التفكر والنظر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، كما تضمن القرآن أدلة عقلية وحججاً برهانية في تقرير التوحيد والنبوة والمعاد.
ومــن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ))[سبأ:22،23]
يقول ابن القيم عند هذه الآية الكريمة: (فتأمل كيف أخذتْ هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه؛ فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود ـ لما يرجو من نفعه ـ وإلا فلو لم يرجُ منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً ومعاوناً له، أو وجيهاً ذا حرمة، وقد يشفع عنده؛ فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت، انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى ـ سبحانه ـ عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له، فيقول المشرك: قد تكون ظهيراً ووزيراً ومعاوناً، فقال: (وما له منهم من ظهير)، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه)(10).
ومــــــن الأجوبة العقلية في الرد على دعوى القبوريين في أنهم ينتفعون بهذه الأضرحة ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: (عامة المذكور من المنافع كذب؛ فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر، ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير فيستجاب للواحد بعد الواحد، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم تكن تسقط لهم دعوة إلا لمانع، بل الواقــع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون إذا فعله المخلصون، لم يُرَد المخلصون إلا نادراً، ولم يُستجب للمقابريين إلا نادراً، والمخلصون كما قال النبي: (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ول قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجـل اللـه دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله! إذن نكثـر. قال: الله أكثـر)(11) فهم في دعائهم لا يزالون بخير.
وأما المقبريون فإنهم إذا استجيب لهم نادراً، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون)(12).
6- من الجوانب الدعوية المهمة أن نميّز بين مراتب الشر والانحراف؛ فالغلو في القبور والافتتان بها له مراتب متعددة ومتفاوتة، فمنها ما يكون شركاً بالله ـ تعالى ـ في توحيد العبادة كالاستغاثـة بأرباب القبور، ومنها ما يكون أشنع من ذلك كأن يستغيث بالأموات معتقداً فيهم الضر والنفع والتصرف في الكون، ومن الغلو في القبور ما يكون محرماً ووسيلة إلى الشرك كالصلاة عند القبور وتحري الدعاء عندها.
ويخطئ بعض الدعاة فلا يفرقون بين هذه المراتب من جهة الحكم عليها، كما قد يخطئون فلا يميّزون من جهة ترتيبها وأولويتها في الإنكار، والمتعيّن أن تميّز هذه الانحرافات وفق ما جاءت به الأدلة الشرعية، وكما نهتم بآكد الأمور تقريراً ونقدمها، فكذا علينا أن نُعنى بأشنعها تحذيراً... فيحذّر ابتداء من الشرك في الربوبية؛ فالشرك في الإلهية، ثم ينظر إلى وسائل الشرك وذرائعه فما كان أشدها حرمة وأعظمها وسيلة للشرك فيشتغل بمنعها، ثم ينتقل إلى ما دونها.
يقول شيخ الإسلام في هذه المسألة: (والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن من لم يعرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين، لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح)(13).
7- من الوسائل الوقائية النافعة تجاه هذا الانحراف: العمل بقاعدة سدّ الذرائع؛ فكل ما كـان وسيلة أو ذريعة تؤول إلى الشرك فينبغي التحذير منها ومنعها حماية لجناب التوحيد؛ فالتهاون في هذه الوسائل يفضي إلى الوقوع في الشرك بالله ـ عز وجل ـ والخروج عن الملة، فمثلاً الصلاة عند القبور والبناء عليها أمور حرمها الشارع؛ لأنها طريق ووسيلة تفضي إلى الشرك بالله ـ تعالـى ـ، وقد أشار العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ إلى أن البناء على القبور سبب رئيس في عبادة القبور فقال: (فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور ووضع الستور عليها وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسن؛ فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بـنيت عـليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة، والسرج المتلألئة، وقد سطعتْ حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشدّ وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله ـ سبحانه ـ، فيصير في عداد المشركين)(14).
ب- المسلك العلمي:
وهذا المسلك يقوم به أهل العلم وطلابه تجاه دعاوى القبوريين وشبهاتهم، وسنعرض لجملة من الأجوبة العلمية على النحو الآتي:
1- إذا كان أهل السنة ينطلقون من منهج متين أصيل في التلقي والاستدلال، فإن القبوريين يعوّلون في تلقيهم واستدلالهم على المنامات والأحاديث المكذوبة والحكايات المزعومة.
فـيحتجون بأحلام شيطانية على تجويز شركهم وكفرهم بالله ـ تعالى ـ، ومن ذلك أن أبا المواهب الشاذلي يقول: (رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فأنذر لنفيسة الطاهرة ولو فلساً؛ فإن حاجتك تقضى)(15).
فهذا حلم شيطاني، ودعوة صريحة للشرك بالله ـ عز وجل ـ، ونقض التوحيد، وتنقّص لمقام سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- الذي مكث ثلاثاً وعشرين عاماً يدعو إلى إفراد الله ـ تعالى ـ بالعبادة، ويسد كل طريق يفضي إلى الشرك.
وعلى كلّ؛ فالمنامات لا يمكن ضبطها، وصاحبها ليس نبياً معصوماً، ومن ثم فلا يعتمد عليها؛ فكـيــف إذا كانت حلماً شيطانياً وخالف الأحكام الشرعية، بل وخالفت الأصل الأصيل وهو إفراد الله ـ تعالى ـ بجميع أنواع العبادة؟
يقول شيخ الإسـلام: (وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رُئِيَ في المنام هناك؛ ورؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى بإجماع المسلمين، وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب)(16).
ويحتجون بأحاديث مكذوبة مثل: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور).
(فهذا الحديث كذب مفترى على النبي -صلى الله عليه وسلم-، بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة)(17).
وأشار ابن القيم ـ رحمه الله ـ إلى أن هذا الحديث من الأحاديث المختلَقة التي وضعها أشباه عبّاد الأصنام من المقابرية على رسول الله (18).
كما يعتمدون على حكايات في تجويز الغلو في القبور والاستغاثة بها، وأن الدعاء عندها هو الترياق المجرّب..
وغالب هذه الحكايات من اختلاق الدجّالين الأفاكين الذين لا يهمهم إلا أكل أموال الناس بالباطل والصدّ عن دين الله ـ تعالى ـ (19).
وقد أشار ابن تيمية إلى أن هذه الحكايات (إما كذب، أو غلط، أو ليس حجة)(20)، كما ذكـر أن إجابة الدعاء، قد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى(21).
وقد تكون تلك الحكايات صحيحة، ولكنها من الشيطان، فإنه قد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، ويتسمى باسمه، وقد تقضي الشياطين بعض حوائج من استغاث بالأموات..
يقول ابن تيمية: (وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة؛ فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت.. ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهـواء ودفع عنه بعض ما يكره، أو كلّمه ببعض ما سأله عنه.. وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصوّرت على صورته لتضله، وتضل أتباعه، فتحسّن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله)(22).
فيـتـعيـن على أهل العلم كشف عوار مسلك القبوريين وبيان تهافته، وفساد التعويل على المنامات والأحلام، والأحاديث الموضوعة، والحكايات المزعومة، مع تقرير المنهج الصحيح في التلقي والاستدلال كالاعتمـاد على الكتاب والسنة الصحيحة، واعتبار فهم السلف الصالح ونحو ذلك.
2- ومن الأجوبة المجملة المحكمة ما ذكره إمام الدعوة ـ رحمه الله ـ في الرد على شبهات القبوريين بقوله: (جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل.

عبدالله الأحد
2015-04-28, 06:33 PM
أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله ـ تعالى ـ: ((هُوَ الَذِي أَنـزَلَ عَـلَـيْــكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاًوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ)) [آل عمران:7]. وقــد صــح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فـأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) أخرجه البخاري ومسلم.
مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الشـفـاعـة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- يُستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى هذا الكلام الذي ذكره فجاوِبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ـ تعالى ـ ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء، مع قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهذا أمر محكم بيّن لا يقدر أحد أن يغير معناه.
ومــا ذكرته لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا أعرف معـنـاه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخالــف كلام الله ـ عز وجل ـ، وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به)(23).
فـهـذا جواب سديد وحجة ظاهرة تجاه كل شبهة. وقد ساق المؤلف جواباً في توضيح هذا الجواب، فإقرار مشركي العرب بتوحيد الربوبية وأن كفرهم بسبب اتخاذهم وسائط بينهم وبين الله ـ تعالى ـ، يسألونهم ويدعونهم يُعَدّ أمراً محكماً ظاهراً لا اشتباه فيه ولا التباس، وأما احتجاج المبتدع لباطله ببعض النصوص الشرعية فهو أمر مشتبه ومشكل لا يُعلم معناه ـ بالنسبة لذلك الموحد ـ ولا يترك المحكم الواضح ويتبع المتشابه إلا أهل الزيغ؛ مع يقيننا أن أدلة الحق لا تتناقض سمعية كانت أو عقلية؛ فالنصوص الشرعية يصدّق بعضها بعضاً، فما كان متشابهاً فيردّ إلى ما كان محكماً، بل نجزم أن أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم(24).
وهؤلاء القبوريون من أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، ليس نظرهم في الدليل نـظــر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد له(25).
وشبهاتهم التي احتجوا بها ـ إن صحت ـ من المتشابهات التي يتعين ردّها إلى المحكمات من الآيــــات والأحاديث الدالة على وجوب إفراد الله ـ تعالى ـ بالدعاء والاستغاثة وسائر أنواع العبادة والنهي عن الشرك وذرائعه.
3- وإذا انتقـلـنـا إلى الجواب عن شبهاتهم، فنقول ابتداءً: لا يوجد لدى القبوريين دليل صحيح صريح في تجويز استغاثتهم بالقبور، وما قد يصح من شبهاتهم إنما قد يُستدل بها ـ عند البعض ـ على جواز التوسل إلى الله ـ تعالى ـ بالذوات، فلا تدل على جواز الاستغاثة بالقبور. والتوسل إلـى الله ـ تعالى ـ بالذوات بدعة محدثة، بينما الاستغاثة بالقبور كفر وردة، فالفرق بينهما ظاهر.
يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب موضحاً الفرق بين التوسل والاستغاثة: (وبينهما فرق عظيم أبعد مما بين المشرق والمغرب.. فالعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بملائكتك، أو بالصالحين، أو بحق فلان وغـيـر ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، ولا يسألونها وينادونها؛ فإن المستغيث بالشيء طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه، ولا يسأل وإنما يطلب به، وكل أحد يفرّق بين المدعو به وبين المدعو والمستغاث، ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم أن من قال: أتوسل إليك برسولك أو أتوجه إليك برسولك؛ فقد استغاث به حقيقة، فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، فيفرّقون بين المسؤول وبين المسؤول به)(26).
ومع ذلك فالتوسل إلى الله ـ تعالى ـ بالذوات أو الجاه قد صـار ذريعة إلى دعاء القبور والتعلق بها، وما قد يُستدل به على التوسل إلى الله بالذوات أو الجاه، فإما أن يكون صريحاً لكنه لا يصح ولا يثبت، وما قد يكون صحيحاً فلا يدل على مرادهم، وإنما يدل على التوسل المشروع كالتوسل بأسماء الله وصفاته والعمل الصالح كما بسط في موضعه (27).
وأمر آخر وهو أن القبوريين قد لبّسوا على العوام وأشباههم بهذه الألفاظ المجملة المشتركة، فصاروا يطلقون لفظ (التوسل) ـ مثلاً ـ على الاستغاثة بالقبور ودعائها، فـيظــن البعض أن مرادهم التوسل إلى الله بالذات أو الجاه.. فيقع اللبس والإشكال.
والتحقـيــق أن هذه الألفاظ المجملة يتعين تفصليها وبيانها، وقد بيّن أهل العلم ما يحمله لفظ (التوسـل) من الإجمال والاشتراك، ومن ذلك ما قاله الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (إن لفظ التوسل صار مشتركاً، فعبّاد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله ودعـائـه رغباً ورهباً، والذبح والنذر والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق.
وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة، فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة.. ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر (الهيثمي))(28).
ومن شبهات القبوريين قولهم: إن مشركي العرب لم يكونوا يعترفون بالربوبية لله ـ تعالى ـ ونحن نعترف بأن الله ـ تعالى ـ هو الرب المدبّر الخالق.
فالجـواب عن هذه الشبهة: أن مشركي العرب مقرون بتوحيد الربوبية، فلم ينازعوا فيه، بل إن هــــذا الـتـوحيد لم ينازع في أصله أحد من بني آدم(29)، والدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستحل دماءهم كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الــرازق المدبّر لقوله ـ سبحانه ـ: ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)) [يونس: 31].
قال قتادة ـ رحمه الله ـ: (إنك لست تلقى أحداً منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته)(30).
وقال ابن جرير ـ رحمه الله ـ عند قوله ـ تعالى ـ: ((فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)) [يونس: 31]: (أفلا تخافون عقاب الله عـلـى شرككم وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئاً ولا يملك لكم ضراً ولا نفعاً)(31).
فالإقـرار بربوبية الله ـ تعالى ـ لا يتحقق به التوحيد المطلوب، فمشركو العرب مقرون بتوحيد الربوبية، ومن ذلك قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واستحل دماءهم حتى يفردوا الله ـ عز وجل ـ بجميع أنواع العبادة.
ومن شبهاتـهــم: دعــواهم أن الآيات القرآنية نزلت فيمن يعبد الأصنام والأحجار.. فلا تشملهم.
وجوابها: أن الشرك بالله أن يجعل لله نداً في العبادة سواءً كان صنماً أو حجراً أو نبياً أو ولياً.
ومما قاله العلامة محمد بن علي الشوكاني ـ رحمه الله ـ جواباً عن هذه الشبهة: (الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئاً يختص به ـ سبحانه ـ سواءً أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية ـ كالصنم والوثن ـ أو أطلق عليه اسماً آخر ـ كالولي والقبر والمشهد ـ)(32).
وإن أراد القبوريون بمقولتهم: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، بأنه لا يجوز تنزيل هذه الآيات على من عمل عملهم؛ فهذا من أعظم الضلال.
يقـول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ عن هذه المقولة: (فهذا ترس قد أعدّه الجـهـــال الضلاّل لردّ كلام، إذا قال لهم أحد: قال الله كذا، قالوا: نزلت في اليهود، نزلت في النصارى، نزلت في فلان...
وجواب هذه الشبهة (الفاسدة) أن يقال: معلوم أن القرآن نزل بأسباب، فإن كان لا يُستدل به إلا فـي تلك الأسباب بطل استدلاله، وهذا خروج من الدين، وما زال العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم يستدلون بالآيات التي نزلت في اليهود وغيرهم على من يعمل بها)(33).
ومن شبهاتهم: أن سؤالهم أرباب القبور من أجـل طلب الشفاعـة، فهـؤلاء الموتى شفعـاء بينهـم وبين الله ـ تعالى ـ.
والجواب: أن الله قد سمى اتخاذ الشفعاء شركاً، فقال ـ سبحانه ـ: ((وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس: 18].
وأمر آخر أن الشفاعة كلها لله ـ تعالى ـ كما قال ـ سبحانه ـ: ((قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)) [الزمر: 44]، وقال ـ عز وجل ـ: ((وَلا يَمْلِكُ الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ)) [الزخرف: 86].
يقول ابن تيمية: (فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكاً لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقاً ورباً.
قال ـ سبحانه ـ: ((وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)) [سبأ: 23] فنفى نفع الشفاعة إلا لـمـن استثناه، لم يثبت أن مـخـلـوقــاً يملك الشفاعة، بل هو ـ سبحانه ـ له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك)(34).
وجواب ثالث: أن الله ـ تعالى ـ أعطى الأنبياء والأولياء الشفاعـة، لكن نهانـا عن سؤالهـم ودعائهـم، فقال ـ سبحانه ـ: ((وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإن فَعَـلْــتَ فَـإنَّـكَ إذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ)) [يونس: 106]، والشفاعة نوع من الدعاء(35)، ولا يكون الدعاء إلا لله ـ تعالى ـ وحده.
كمـا أن إعطاء الله الأنبياء والأولياء الشفاعة ليس تمليكاً مطلقاً، بل هو تمليك معلّق على الإذن والـرضــا، وسيد الشفـعـاء -صـلـى الله عليه وسلم- لا يشفع حتى يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفّع)(36).
والحــديث عن شبهات القبوريين والرد عليها طويل جداً، وإنما ذكرنا بعضاً منها، وقد صُنفت مصنفات نافعة تتضمن الرد على شبهات القبوريين، مثل قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، والرد على البكري والرد على الأخنائي كلها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وإغاثة اللهفـان في مصايد الشيطان، لابن القيم، والصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي، وكشف الشبهات، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد للصنعاني، والنبذة الشرعية النفيسة في الرد على القبوريين لحمد بن معمر، والدر النضيد في إخـــلاص كلمة التوحيد، لمحمد ابن علي الشوكاني، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان لمحمد بشـير السهسـواني، وتطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران، لأحمد بن حجر آل بوطامي، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، لمحمد ناصر الدين الألباني، والدعاء ومنزلته في العقيدة الإسلامية لجيلاني بن خضر العروسي، وغيرها كثير.
منقول من موقع الصوفية