المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم التوحيد


عبدالله الأحد
2015-05-05, 04:23 PM
علم التوحيد



إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.



ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ï´¾ [آل عمران: 102] ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ï´¾ [النساء: 1].



ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ï´¾ [الأحزاب: 70-71][1].



أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.



علم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء، وفائدته تصحيح العقيدة، والسلامة في العواقب، ونيل السعادة في الدارين[2].



إنَّ علم التوحيد أشرفُ العلوم، وأجلُّها قدرًا، وأوجبُها مطلبًا؛ لأنه العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وحقوقه على عباده، ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه.



ولذا؛ أجمعت الرسل على الدعوة إليه، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [سورة الأنبياء: 25]. وشهد لنفسه تعالى بالوحدانية، وشهد بها له ملائكته، وأهل العلم، قال الله تعالى: ï´؟ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [سورة آل عمران: 18].



ولما كان هذا شأن التوحيد؛ كان لزامًا على كل مسلم أن يعتني به تعلُّمًا، وتعليمًا، وتدبُّرًا، واعتقادًا؛ ليبني دينه على أساس سليم، واطمئنان، وتسليم، يسعدُ بثمراته، ونتائجه[3].



و(من الأسماء المعتبرة لعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة: العقيدة، والإيمان، والسنة، وأصول الدين، والشريعة، والفقه الأكبر).



(ومن خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة: التوقيفية؛ وتعني الاعتماد على الكتاب والسنة في تلقي العقيدة بفهم الصحابة، والتسليم لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف، أو تأويل، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد، وسد باب الابتداع والإحداث في الدين).



و[أما أنواع أدلته المرضية فهي: صحائح المنقول، والإجماع المتلقى بالقبول، والعقل السليم، والفطرة السوية][4].



التوحيد في اللغة:

التوحيد لغة مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحداً.



[ووَحَّدَه تَوْحِيداً: جعَلَه وَاحِداً][5].



[والتَّوْحِيدُ: الإِيمانُ بِاللَّه وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ.



[وَالله] الوَاحِدُ الأَوْحَدُ الأَحَدُ والمُتَوَحِّدُ ذُو الوَحْدَانِيَّةِ][6].



[وَفِي التَّهْذِيب: وأَما قولُ الناسِ تَوَحَّدَ الله بالأَمْرِ وتَفَرَّدَ، فإِنه وإِن كَانَ صَحِيحا فإِني لَا أُحِبّ أَن أَلْفِظَ بِهِ فِي صِفَةِ الله تَعَالَى فِي المَعْنَى إِلاَّ بِمَا وَصَفَ بِه نَفْسَه فِي التَّنْزِيلِ أَو فِي السُّنَّةِ، وَلم أَجِد المُتَوَحِّدَ فِي صِفَاتِه وَلَا المُتَفَرِّدَ، وإِنّمَا نَنْتَهِي فِي صِفَاته إِلى مَا وَصَفَ بِهِ نَفَسَه وَلَا نُجَاوِزُهُ إِلى غيرِه لمَجَازِه فِي العَرَبِيَّةِ][7].



[التَّوْحِيدُ تَوْحِيدَانِ: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة، وتَوْحِيدُ الإِلاهيَّة.

فصاحِبُ تَوْحِيد الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَد قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِه يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِه وَحْدَه، فَلَا خالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْيِيَ وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِراً وباطِناً غيرُه، فَمَا شاءَ كانَ، وَمَا لم يَشَأْ لم يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلاَّ بإِذْنِه، وَلَا يَجُوز حادِثٌ إِلا بِمَشِيئَتِه، وَلَا تَسْقُط وَرَقَةٌ إِلاَّ بِعِلْمِه، وَلَا يَعْزُب عَنهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذلك وَلَا أَكْبَرُ إِلاَّ وَقد أَحْصَاهَا عِلْمُه، وأَحاطتْ بهَا قُدْرَتُه، ونَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُه، واقْتَضَتْهَا حِكْمَتُه.

وأَمّا تَوْحِيدُ الإِلاهِيَّة، فَهُوَ أَن يُجْمِعَ هِمَّتَه وقَلْبَه وعَزْمَه وإِرادَتَه وحَرَكاتِه على أَداءِ حَقِّه، والقيامِ بِعُبُودِيَّتِه][8].





التوحيد في الاصطلاح:

التوحيد هو: [إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به][9].



أو [إفراد الله بما تفرد به، وبما أمر أن يفرد به؛ فنفرده في ملكه وأفعاله فلا رب سواه ولا شريك له، ونفرده في ألوهيته فلا يستحق العبادة إلا هو، ونفرده في أسمائه وصفاته فلا مثيل له في كماله ولا نظير له] [10].



أو [الاعتقاد والشهادة بأن الله سبحانه وتعالى منفرد بذاته وصفاته وربوبيته وإلهيته وعبادته لا شريك له في ذلك كله][11].



وعليه فيمكن تعريف التوحيد بأنه: إفراد الله بالربوبية، وماله من الأسماء والصفات، والإخلاص له في الألوهية والعبادة.



الدليل على التوحيد من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين:

دلَّت نصوص الكتاب والسنة على التوحيد، وأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في إلهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته.



وقد اجتمعت في قوله تعالى: ï´؟ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ï´¾ [مريم: 65].



وفي السنة النبوية الشريفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حديث معاذ: "لَمَّا بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" [12]، فقد أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله عز وجل، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم.



وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يعذب ناس من أهل التوحيد في النار، حتى يكونوا فيها حمما، ثم تدركهم الرحمة، فيخرجون و يطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة" [13].



عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فو الله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين]، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه]، فإذا هو [قائم] في قبضة الله، فقال الله عز وجل: يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك [وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم]، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد] [14].



وجاء في قول الصحابي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: "فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّوْحِيدِ [لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ].



"وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا "وفي رواية: فتشرفنا" فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه قوله ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحًا فيه ماء ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها فقال: "يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا"، قلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته"[15].



وقال الامام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: "والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء"[16].

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:18 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:

أيها المؤمنون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله - تعالى - ومراقبته في السر والعلانية، فإن تقوى الله - جل وعلا - هي خير زاد يبلِّغ إلى رضوان الله.



ثم اعلموا - رحمكم الله - أن خير الكلمات وأجلَّها على الإطلاق، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهي الكلمة التي لأجلها قامت الأرض والسماوات، وخُلقت جميع المخلوقات، وبها أُرسلت الرُّسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع، ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفُجَّار، وهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وعنها يسأل الأولون والآخرون يوم القيامة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأساس الدين، وأصله ورأس أمره؛ ï´؟ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [آل عمران: 18]، وكم لهذه الكلمة العظيمة، من الفضائل الجليلة، الكريمة والمزايا الجمَّة، مما لا يمكن استقصاؤه ولا الإحاطة به.



عباد الله:

إن الواجب على كل مسلم أن يعلم أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي هي خير الكلمات وأفضلها وأكملها، لا تكون مقبولة عند الله بمجرد التلفُّظ بها باللسان فقط، دون قيام من العبد بحقيقة مدلولها أو تطبيق لأساس مقصودها؛ من نفي الشرك، وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمَّنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلمًا حقًّا، وبذلك يكون من أهل لا إله إلا الله.



عباد الله:

وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سوى الله أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، ومنتهى الضلال؛ قال الله - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ï´¾ [الأحقاف: 6]، وقال - تعالى -: ï´؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ï´¾ [الحج : 62]، وقال - تعالى -: ï´؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ï´¾ [لقمان: 13]، وقال - تعالى -: ï´؟ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ï´¾ [البقرة: 254]، والظلم - عباد الله - هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا ريب أن صرف العبادة لغير الله ظلم؛ لأنه وضعٌ لها في غير موضعها، بل إنه أظلم الظلم، وأخطره على الإطلاق.



عباد الله:

إن لـ(لا إله إلا الله) هذه الكلمة العظيمة مدلولاً لا بد من فَهْمه، ومعنًى لا بد من ضبطه؛ إذ غير نافع بإجماع أهل العلم النطق بها من غير فَهم لمعناها، ولا عمل بما تقتضيه، كما قال الله - سبحانه -: ï´؟ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ï´¾ [الزخرف: 86]، ومعنى الآية كما قال أهل التفسير؛ أي: إلا مَن شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم؛ إذ إن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق وتقتضي العمل بذلك، وبهذا - عباد الله - يتبين أنه لا بد في هذه الكلمة العظيمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون، ويكون بالعلم والعمل والصدق من أهل صراط الله المستقيم من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.



عباد الله:

إنَّ لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد بذلك وعمل به، أما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد، فهو المنافق، وأما من قالها وعمل بضدها وخالفها من الشرك، فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها، فإنها لا تنفعه، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله؛ كالدعاء والذبح والنذر، والاستغاثة والتوكل والإنابة، والرجاء والخوف والمحبة ونحو ذلك، فمن صرف ما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى ومدلول هذه الكلمة.



عباد الله:

إن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحقٍّ إلا إله واحد، وهو الله وحدَه لا شريك له، والإله في اللغة هو المعبود، ولا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله، كما قال الله - تعالى -: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [الأنبياء: 25]، مع قوله - تعالى -: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾ [النحل : 36]، فتبيَّن بذلك أن معنى الإله هو المعبود، وأن لا إله إلا الله معناها إخلاص العبادة لله وحدَه، واجتناب عبادة الطاغوت، ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكفار قريش: ((قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ï´؟ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ï´¾ [ص : 5]، وقال قوم "هود" لنبيِّهم لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، ï´؟ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ï´¾ [الأعراف: 70]، قالوا ذلك، وهو إنما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنهم فهموا أن المراد بها، نفي الإلوهية عن كل مَنْ سوى الله، وإثباتها لله وحدَه لا شريك له، فلا إله إلا الله، اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كلِّ ما سوى الله - تعالى - فكل ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلاً عن غيرهم، فليس بإله وليس له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده؛ بمعنى: أنَّ العبد لا يؤَلِّه غيره؛ أي: لا يقصده بشيء من التألُّه: وهو تعلُّق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك.



عباد الله:

فليست لا إله إلا الله اسمًا لا معنى له، أو قولاً لا حقيقة له، أو لفظًا لا مضمون له، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقول له معنى جليل هو أجلُّ المعاني، وحاصله البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال على الله وحده، خضوعًا وتذللاً وطمعًا ورغبًا، وإنابة وتوكلاً، وركوعًا وسجودًا، ودعاءً وطلبًا، فصاحب لا إله إلا الله لا يسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو غير الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، ويَكْفُر بجميع ما يُعبد من دون الله، ويبرأ إلى الله من ذلك، فهذا - عباد الله - هو صاحب لا إله إلا الله حقًّا، وهو المحقِّق لها صدقًا.



اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله. اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله. اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله.

اللهم أحيينا عليها وتوفَّنا عليها. اللهم وفقنا للقيام بها حق القيام وأدخلنا اللهم بها الجنة دار السلام.



أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله - تعالى - حق التقوى، وراقبوه مراقبة مَن يعلم أن ربَّه يسمعه ويراه.



عباد الله:

إن النصوص الواردة في فضل كلمة التوحيد لا إله إلا الله كثيرة لا تُحصى وعديدة لا تُستقصى، وهي تدلُّ على عِظَم شأن هذه الكلمة وجلالة قدرها، ورِفعة شأنها وكثرة خيراتها، وبركاتها على أهلها، لكن على العبد أن يعلم أن لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة لا بد لها من شروط لتحقيقها، وضوابط عظيمة لا بد من القيام بها، دلَّ عليها كتاب الله العزيز وسُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل وهب بن منبه - رحمه الله - وهو من أجلة التابعين، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة، قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يفتح، يشير بذلك إلى شروط لا إله إلا الله.



وقيل للحسن البصري - رحمه الله - وهو من أجلة التابعين، قيل له: أليس مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال: بلى، مَن أدَّى حقَّها وفرضها دخل الجنة، والشاهد - عباد الله - أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله لها شروط لا بد من ضبطها والعناية بها والاهتمام بتحقيقها، والعلماء - رحمهم الله - لما استقرؤوا كتاب الله وسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - تبيَّن بهذا الاستقراء أن لا إله إلا الله لها شروط سبعة لا تقبل إلا بها.



وهي: العلم بمعناها المنافي للجهل، واليقين بها المنافي للشك والريب، والصدق المنافي للكذب، والإخلاص المنافي للشرك والرياء، والمحبة المنافية للبُغض والكره، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للردِّ.



فهذه شروط سبعة لهذه الكلمة العظيمة، دلّ على كل واحد منها عشرات الأدلة في كتاب الله - عز وجل - وسُنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - والواجب علينا - عباد - الله أن يكون اهتمامنا بهذه الكلمة أكبر الاهتمام وأعظمه وأجلُّه، وأن يكون اهتمامنا بها أعظم من اهتمامنا بأيِّ شيء آخرَ، ونسأل الله - عز وجلّ - أن يوفقنا وإياكم للعمل بهذه الكلمة العظيمة، وتحقيق شروطها والقيام بحقوقها، وأن يدخلنا وإياكم بها الجنة، وصلُّوا وسلُّموا - رحمكم الله - على محمد بن عبدالله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 56]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى عليّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)).



اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.



وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين؛ أبى بكر وعمر وعثمان وعلي.

وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين. واحم حوزة الدين يا رب العالمين.

اللهم أمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ربّ العالمين.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتِّباع سُنة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - واجعلهم رأفة على عبادك المؤمنين.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعِفة والغنى. اللهم إنا نسألك الهدى والسداد.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نسألك من الخير كله؛ عاجله وآجله، ما علمنا منه، وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله؛ عاجله وآجله، ما علمنا منه، وما لم نعلم.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - ونستعيذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم.



وأن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيرًا.



اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم اهدنا إليك صراطًا مستقيمًا.

اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وأموالنا وذرياتنا وأزواجنا، واجعلنا مباركين أينما كنا. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين عليك بها، قائلين بها، وأتمَّها علينا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دقّه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعللنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتُبْ على التائبين.



اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتبْ على التائبين، واغفر لنا أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:32 PM
خطبة في حماية التوحيد واجتناب الشرك

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له؛ إله الأولين والآخرين، وقَيُّوم السموات والأرض، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:

معاشر المؤمنين، عباد الله:اتقوا الله؛ فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.



معاشر المؤمنين:

لقد قامت دعوة نبيِّنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - على النصح للعباد، وبيان دين الله - تبارك وتعالى - على التمام والكمال، لقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - رسولاً أمينًا، ونبيًّا رحيمًا، ومعلِّمًا مشفقًا، كما قال الله - عز وجل -: ï´؟ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 128].



فبلَّغ - صلواته وسلامه عليه - البلاغ المبين، وما ترك خيرًا إلا دلَّ الأُمَّة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، ترك أُمَّته على البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، أقام الحجة، وأبان المحجة، وأوضح السبيل - صلواتُ الله وسلامه وبركاته عليه.



عباد الله:

ولما كان مقام التوحيد أعظم المقامات والشّرك أخطرَ الأمور وأعظمها، فهو الذنب الأكبر والجرم الذي لا يغفر، لما كان شأن التوحيد كذلك، وشأن الشرك كذلك، كان بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - للتوحيد أعظم البيان، ونهيه وتحذيره عن الشرك أعظم النهي - صلوات الله وسلامه عليه - فهو - صلى الله عليه وسلم - أبان التوحيد وحمى حِماه، وأوضح الشرك وحذَّر منه وسدَّ ذرائعه؛ نصحًا للأُمَّة، وشفقة على العباد.



عباد الله:

وعندما نتتبع السُّنَّة، سنة نبيِّنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - نجد الأحاديث المتكاثرة والنصوص المتضافرة، في بيان التوحيد وتعلية شأنه، والتحذير من الشرك، وبيان خطورته وسد الذرائع الموصِّلة إليه.



عباد الله:

ومن نصح النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام الخطير نهيه الأمة عن الغلو في الدين، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في حديث بن عباس - رضي الله عنهما -: ((إيّاكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))، ونهي - عليه الصلاة والسلام - عن التنطُّع كما في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((هلك المتنطِّعون))، والتنطع - عباد الله - أوَّلُ سهام الغلو، ونهى - عليه الصلاة والسلام - عن إطرائه والمبالغة في مدحه؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))، ولما كان - عليه الصلاة والسلام - قد كَمَّل مقام العبودية، أتمَّ تكميل، كره المِدْحة - عليه الصلاة والسلام - كره أن يُمدح؛ تتميمًا لهذا المقام، وصيانة للأمة من التمادي في المدح والغلو؛ جاء في مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: إنّ أُناسًا قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، أنت سيّدنا وابن سيدنا، وخيّرنا وابن خيرنا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((قولوا بقولكم، ولا يستهوينَّكم الشيطان؛ فإني لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)).



عباد الله:

ولما كان ما يتعلق بالقبور أخطر ما يكون على الناس في الوقوع في الشرك والانزلاق في مزالقه، كانت الحِيطة وسدّ الذرائع في هذا الباب عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - متكاثرة، ففي بَدء الإسلام نهى - عليه الصلاة والسلام - عن زيارة القبور مُطلقًا؛ حماية لحمى التوحيد، وصيانة للأمة عن الشّرك، ثم لما قوي التوحيد في القلوب، شرع ذلك وأباحه، وأبان الحِكمة منه - عليه الصّلاة والسلام - فقال في حديثه الصحيح: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها؛ فإنّها تُذكِّركم الآخرة)).



وجاءت عنه - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة فيها الاحتياط في هذا الباب وسد الذرائع، ومن ذلكم نهيه - عليه الصلاة والسلام - أن يُبنى على القبر، أو أن يجصص، والحديث في صحيح مسلم، ونهى - عليه الصلاة والسلام - أن يُصلى إلى القبور؛ صيانة للتوحيد، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها)).



وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - النهي الشديد والوعيد - عليه الصلاة والسلام - في اتخاذ القبور مساجد؛ بأن تُقصد لغرض الصلاة والدّعاء، والعبادة وطلب البركة؛ تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها وأرضاها -: لما نُزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ أي: لما نزل به ملائكة الموت، طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها، ثم قال - وهو في هذه الحال -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: يحذروا مما صنعوا.



عباد الله:

ولما كان تعلُّق الناس بالأنبياء والصالحين، وحبهم لهم بابًا قد يفضي بالناس إلى الغلو، وإلى التعلُّق بالصالحين، وإلى الخلط في باب الشفاعة؛ جاء عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة؛ صيانة للأُمّة في هذا الباب، جاءه رجل وقال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أعنِّي على نفسك بكثرة السجود))، فربطه بالعبادة والإخلاص لله - جل وعلا - ولما قال له أبو هريرة - رضي الله عنه -: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله، قال: ((أسعد الناس بشفاعتي مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه))، فربطهم بكلمة التوحيد - عليه الصلاة والسلام - والحديث في صحيح البخاري، وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنّ لكل نبي دعوة مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأُمتي، وإنها نائلة - إن شاء الله - مَن لا يشركْ بالله شيئًا))، فجعل نيل شفاعته - عليه الصلاة والسلام - مرتبطًا بالإخلاص، والبُعد عن الشرك، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الغلول يومًا، وعظَّم أمره وعظَّم شأنه، ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا ألفينَّ أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعيرٌ له رُغاء، يقول يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته صامت؛ أي: الذهب والفضة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك)).



تأمَّلوا - عباد الله - هذا النصح العظيم، والبيان الوافي من الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - فدعوته - صلى الله عليه وسلم - كلُّها ربط بالله وبعبادة الله والتوكّل على الله، والالتجاء إلى الله، لا بالتعلُّق بالأنبياء أو الصالحين أو غيرهم، فإن النافع الضار المعطي المانع، الذي بيده أَزِمَّة الأمور هو الله وحدَه، ونبيُّنا - عليه الصلاة والسلام - وسائر عباد الله ليس لهم من ذلك شيء، وقد أنزل الله على نبيِّه: ï´؟ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ï´¾ [آل عمران: 128].



وتأمّلوا - رعاكم الله - في هذا المقام حرص نبيِّنا - عليه الصلاة والسلام - على هداية عمِّه أبى طالب، فجاءه عند موته، وقال: ((يا عمّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله))، ومات وهو يقول: بل على مِلَّة عبدالمطلب، وحزن - عليه الصلاة والسلام - وأنزل الله في تسليته: ï´؟ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [القصص: 56].



وتأمّلوا في هذا المقام لما ركب ابن عباس - رضي الله عنه - مع نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - على دابته وهو غلام، فالتفت عليه - صلى الله عليه وسلم - وقال: ((يا غلام، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك)).



ومن حمايته لحِمى التوحيد وسدِّه لذرائع الشرك - عليه الصلاة والسلام - أنه كان في كل مقام إذا سمع ألفاظًا تخدش التوحيد، أو تخل بجنابه، أو توقع قائلها في الشرك، ولو في شرك الألفاظ، غضب غضبًا شديدًا، وحذَّر من ذلك أشد التحذير، والنقول في هذا المعنى كثيرة، ومن ذلكم أنه - عليه الصلاة والسلام - سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فغضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: ((أجعلتني لله ندًّا؟! قُلْ ما شاء الله وحدَه)).



وسمع امرأة تنشد، فتقول: وفينا رسول الله يعلم ما في غدٍ، فغضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: ((لا يعلم ما في غدٍ إلا الله)).



والأحاديث في هذا المعني كثيرة والمقام لا يسع بالبسط بأكثر من هذا.



ألا فلنتقي الله - عباد الله - ولنتأمل في هذا المقام العظيم مقام التوحيد، ولنحذر أيضًا من الشرك الذي هو أخطر الذنوب وأعظمها، ولنحذر منه ومن وسائله وأسبابه، ونسأل الله - عز وجلّ - أن يحفظ علينا أجمعين إيماننا وتوحيدنا، وأن يعيذنا من الشرك كلِّه؛ صغيره وكبيره، وأن يوفقنا لكل خير يحبُّه ويرضاه؛ إنه - تبارك وتعالى - سميع الدّعاء، وهو أهل الرّجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.



الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.



عباد الله:

اتقوا الله - تعالى - واعلموا أن تقواه - عز وجل - أساس السعادة، وسبيل الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.



عباد الله:

إننا حينما نتأمل في هذه النصوص العظيمة والدلائل المباركة في حماية نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - لحِمى التوحيد وسدِّه لذرائع الشرك والباطل، إننا حين نتأمل هي هذه الأحاديث - عباد الله - نأسف أشد الأسف، ونتألم أشدَّ الألم لواقع أقوام ينتسبون إلى دينه - عليه الصلاة والسلام - ويخالفونه في هذا المعني أشد المخالفة، فيستغيثون بغير الله، ويستنجدون بالأنبياء والأولياء والمقبورين، ويتعلقون بالقباب والأضرحة والأتربة وغير ذلك، إذا التجؤوا، التجؤوا إلى غير الله، وإذا استغاثوا، استغاثوا بغير الله، وإذا طلبوا الغَوْث، طلبوا الغوث من غير الله، يقول قائلهم، أغثني يا رسول الله، أو يقول المدد، يا رسول الله، إن لم تدركني يا رسول الله، فمن الذي يدركني؟! إن لم تأخذ بيدي، فمن الذي يأخذ بيدي، أنا مستجيرٌ بك، مستغيث بجنابك، إلى غير ذلك من الدّعوات الآثمة والكلمات الشركيّة الناقلة من مِلَّة الإسلام، فأين قائل هذه الكلمات من هذه الأحاديث المباركة والنصح العظيم من رسولنا الكريم - عليه الصلاة والسلام؟ فهو - عليه الصلاة والسلام - كما أخبر لا يملك شيئًا؛ فالملك بيد الله، والأمر لله من قبل ومن بعد، ورسولنا - عليه الصلاة والسلام - عبدٌ لا يُعبد، بل رسول يُطاع ويُتَّبع، فالواجب - عباد الله - أن يكون أهل الإسلام على حَيطة وحذر وصيانة لدينهم وتوحيدهم من أن يخالطه الشرك، أو أن يدخلوا في ذرائعه ووسائله المفضية إليه، وهو باب - عباد الله - لا بد فيه من حيطة شديدة وحذر بالغ؛ ليسلم المسلم - بإذن الله - طالما كان ملتجئًا إلى الله، مفوِّضًا أمره إليه، معتنيًا في هذا المقام أتمَّ العناية.



عباد الله:

ولقد تكاثرت في هذا الزمان الدِّعايات المغرضة التي تستهدف خلخلة إيمان الناس وتوحيدهم، وصرفهم عن عبادة الله، وربط قلوبهم بالأسباب لا بمسببها، فالواجب علينا - عباد الله - أن نرعى للتوحيد مقامه، وأن نعرف له شأنه، وأن نكون على أشد الحذر من الشرك، وتأملوا هنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان خطورة الشرك وتسلله للناس، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لَلشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل))، فقال أحد الصحابة: أوليس الشرك أن يُتخذ لله ندٌّ وهو الخالق، فقال - عليه الصلاة والسلام -: والذي نفسي بيده، لَلشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل، أَوَلاَ أدلكم على شيء إذا قلتموه، أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونعوذ بك مما لا نعلم)).



وهي دعوة - عباد الله - مباركة ينبغي علينا المحافظة عليها والإكثار منها: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونعوذ بك اللهم مما لا نعلم.



هذا وصلوا سلموا - رعاكم الله - على الناصح الأمين والرسول الكريم؛ محمد بن عبدالله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 56].



وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى عليَّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)).



اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.



وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين؛ أبى بكر وعمر وعثمان وعلي. وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسُنة نبيِّك محمّد - صلى الله عليه وسلم. اللهم عليك بأعداء الدّين؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

اللهم وفِّق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك. اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لما تحبُّه وترضاه.

اللهم آتي نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفة والغنى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه؛ دِقَّه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات. اللهم إنَّا نستغفرك؛ إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مِدرارًا.

اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تأثر علينا. اللهم إنا رحمتك نرجو؛ فلا تكلنا إلا إليك.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحُسني وبصفاتك العليا، وبأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، يا من وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، أن تسقينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من اليائسين. اللهم إنا نسألك غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا نافعًا، غير ضار، عاجلاً غير آجل. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وديارنا بالمطر. اللهم سُقْيَا رحمة، لا سُقْيَا هدم ولا عذاب ولا غرق.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:35 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (1)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم



الناقض الثاني:

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: [من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً].



الشـرح:

المسألة الأولى: المقصود بهذا الناقض.

ما ذهب إليه بعض المشركين من أن معبوداتهم التي أشركوا بها مع الله تملك بعض التصرف في الكون، فطائفة أشركوا بتعظيمهم للموتى وأهل القبور، وطائفة بالنجوم والكواكب وطائفة بالأصنام فسوّل لهم الشيطان أنها وسائط وشفعاء يشفعون لهم عند الله في قضاء الحوائج وكشف المُلمّات وتفريج الكربات فيدعونهم ويسألونهم الشفاعة ويتوكلون عليهم، وهذا الناقض هو الذي وقع فيه مشركو قريش، حيث جعلوا مع الله وسائط تقربهم إلى الله زلفى قال الله تعالى عنهم: ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] وقال تعالى ï´؟ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ï´¾ [يونس: 18] مع أنهم يقرون بربوبية الله فيقرون أنه الخالق ولا يقدر على الخلق والرزق والأحياء والإماتة إلا الله، ومع هذا لم يصيروا مسلمين موحدين بل كانوا مشركين.



وهذا الناقض أيضاً وقع فيه كثير ممن ينتسب للإسلام في هذا العصر فجعلوا بينهم وبين الله وسائط كما فعل كفار قريش فعظموا الأضرحة والمزارات وتقربوا إليها بالذبح وسألوها قضاء الحوائج لتشفع لهم عند الله زاعمين أن هذه الأضرحة والمزارات وسائط بينهم وبين الله تعالى، قال تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ï´¾ [سبأ: 22-23] ومن عَظَّم هذه الوسائط فذبح لها ودعاها بأن سألها قضاء الحوائج فجعلها وسائط بينه وبين الله فقد وقع في الكفر والشرك لأنه شبه الخالق بالمخلوق.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (1/126): " وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم والناس يسألونهم، أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج. فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أنداداً ".



المسألة الثانية: ما الفرق بين الناقض الأول والناقض الثاني؟

الناقض الثاني نوع من أنواع الناقض الأول، وداخل فيه، فالأول عام والناقض الثاني خاص وخصّه الشيخ بالذكر لكثرة وقوعه ممن ينتسب للإسلام من عبادة الأضرحة وعبادة القبور والأولياء والصالحين.



قول المصنف رحمه الله: [من جعل بينه وبين الله وسائط].



المسألة الثالثة: الوسائط تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: بمعنى تبليغ الرسالة.

وهي أن تجعل بينك وبين الله واسطة في تبليغ الرسالة، وهم الرسل من الملائكة والبشر فهم واسطة بين الناس والرب في تبليغ شرع الله تعالى، ومن أنكر هذه الواسطة فقد كفر بإجماع العلماء، فمن قال لا حاجة إلينا بالملائكة والرسل الذين يأتون بشرع الله نحن نتصل بالله بدونهم كما تقوله الصوفية أنهم يأخذون عن الله مباشرة بلا واسطة فهذا كفر بالإجماع لأنهم أنكروا أن شرع الله يأتي بواسطة الملائكة والرسل وقالوا نحن نأتي به مباشرة من دون واسطة.



والحق أننا لا نعرف ما جاء عن الله تعالى إلا بواسطة الرسل من الملائكة والبشر قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ï´¾ [الحج: 75] فهؤلاء الذين اصطفى الله هم واسطة بيننا وبين الله في تبليغ الرسالة.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، إثبات الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ï´¾ [الحج: 75] ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل " [انظر مجموع الفتاوى 1/122 بتصرف].



القسم الثاني: بمعنى الطلب والمعاونة والإعاذة وطلب الغوث والشفاعة.

كأن يجعل العبد له واسطة بينه وبين الله فيطلبه بما لا يقدر عليه إلا الله كطلب الرحمة والمغفرة ودخول الجنة وطلب الشفاء والرزق من غير الله، وطلب الشفاعة من الأموات فكل هذا من الشرك الأكبر ومن أثبت هذه الواسطة فقد كفر بإجماع العلماء وهي المقصودة في قول المصنف في هذا الناقض، قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ï´¾ [الأحقاف: 5-6] وقال تعالى: ï´؟ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ï´¾ [الرعد: 14].



قال ابن تيمية: " فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ". [انظر مجموع الفتاوى 1/124].



وملخص المقصود بالوسائط أنها على قسمين:

أ- وسائط من أنكرها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهي الوسائط التي بمعنى تبليغ الرسالة، وهي أن تجعل بينك وبين الله واسطة في تبليغ الرسالة، وهم الرسل من الملائكة والبشر، كما سبق بيانه.



ب- وسائط من أثبتها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهي الوسائط من المخلوقين التي يجعلها بعض الناس بينهم وبين الله فيسألونهم الشفاعة ويتوكلون عليهم ويدعونهم، وهي مراد المصنف رحمه الله، وهذا كفر بإجماع المسلمين.

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:42 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (2)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم


المسألة الرابعة: من جعل بينه وبين الله وسائط لا يعبدها وإنما جعلها أسباباً تقربه إلى الله.

كالذي يتخذ الوسائط لا يدعوها ولا يعبدها ولا يذبح لها ولا ينذر لها ولا يصرف لها أي نوع من أنواع العبادة فهو ليس كالذين قال الله عنهم: ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] بل يعتقد أن العبادة لله ولا يعبد إلا الله لكنه يتخذ الوسائط على أنها سبب تقربه إلى الله بزعمه فيطلب من الميت عند قبره أن يدعو له فهل هذا يُعدُّ شركاً أكبر؟.



القول الأول: أنه يُعدُّ من الشرك الأكبر.



والقول الثاني: أنه لا يُعدُّ من الشرك الأكبر بل هو وسيلة إليه وهي وساطة بدعيَّة، وأصحاب هذا القول لم يجعلوها من الشرك الأكبر لأن طلب الدعاء من الآخرين ليس خاصاً بالله وسبق أن في تعريف الشرك الأكبر أنه مساواة غير الله بالله في شيء من خصائص الله، فقالوا: إن طلب الدعاء من الآخرين ليس خاصاً بالله، لأنه يجوز طلبه من الحي ولو كان خاصاً بالله لما جاز طلبه من الحي لكونه خاصاً بالله، فطلبه الدعاء من الميت ليس شركاً أكبر على هذا القول واختاره ابن باز رحمه الله.



قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في تعليقه على الفتح (2/575) عند قول مالك الدار - وكان خازن عمر - أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتي الرجل في المنام فقيل له: " ائت عمر...... " الحديث قال ابن باز رحمه الله: " وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك ".



وقال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه تصحيح الدعاء ص (250): " سؤال حي لميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له، مثل قول عباد القبور مخاطبين لها: يا فلان ادع الله لي بكذا وكذا. أو: أسألك أن تدعو الله لي بكذا وكذا، فهذا لا يختلف المسلمون بأنها وساطة بدعية، ووسيلة مفضية إلى الشرك، ودعاء الأموات من دون الله، وصرف القلوب عن الله تعالى، لكن هذا النوع يكون شركاً أكبر في حال ما إذا أراد الداعي من صاحب القبر الشفاعة والوساطة الشركية على حد عمل المشركين ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] أ.هـ.



إلا أن كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم ممن يجعلون وسائط بينهم وبين الله لا يجعلونها مجرد وسائط بل يعبدونها وينذرون ويذبحون لها ويتبركون بترابها وأعتابها ويحجون إليها في أوقات معينة ويعكفون عندها، ويأتون بقطعان الأنعام فيذبحونها في ساحات الأضرحة يتقربون بها إلى أصحاب الأضرحة بزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله وكل هذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة وقد وقع هؤلاء فيما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم من حديث جندب: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " فوقع هؤلاء بما وقع فيه اليهود والنصارى من قبل من البناء على القبور وكان هذا ممنوعاً في الصدر الأول من هذه الأمة في عصر القرون المفضلة حتى جاءت دولة الفاطميين الشيعة، واستولوا على مصر وغيرها من البلاد فبنوا المشاهد على القبور في مصر وغيرها، ثم تكاثرت الأضرحة في بلاد المسلمين بسبب هؤلاء الشيعة قبحهم الله فهم أول من بنى على القبور كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.



المسألة الخامسة: شبهة وردُّها.

وهؤلاء الذين يتخذون وسائط بينهم وبين الله عز وجل يدعونهم ويتوكلون عليهم ويطلبون منهم الشفاعة لهم شبهة يرددونها ويتمسكون بها مستدلين بها على اعتقادهم الخاطئ، ومن أبرز شبههم العريضة التي يتشبثون بها ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا قال: فيُسْقَون " ففهموا من هذا الحديث أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس بن عبد المطلب وجعله واسطة بينه وبين الله عز وجل وهذا يدل على أن اتخاذ الوسائط جائز بدليل توسل عمر بجاه ومكانة العباس عند الله سبحانه وتعالى.



والرد على هذه الشبهة من وجوه عدة:

الأول: إن من القواعد المهمة في تفسير الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا وإذا نظرنا إلى توسل عمر بالعباس نجد أننا أمام أحد معنيين إما أن يكون عمر توسل بجاه العباس ومكانته عند الله سبحانه كما فهمه أصحاب هذه الشبهة وإما أن يكون أن المعنى أن عمر توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب وهو الاعتقاد الصحيح كما سيأتي، وبالنظر إلى ما جاءت به السنة من بيان طريقة توسل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم فأي المعنيين أقرب حينما أجدبوا وقحطوا هل كانوا يدعون ويقولون: [ اللهم بنبيك محمد وحرمته عندك ومكانته لديك أسقنا الغيث ] أم أنهم كانوا يطلبون منه الدعاء بنزول الغيث وزوال القحط؟ مما لا شك فيه أن المعنى الأول ليس له وجود إطلاقاً في السنة النبوية ولا في عمل الصحابة رضوان الله عليهم.



وأما المعنى الثاني فكتب السنة مستفيضة به والأحاديث الواردة الثابتة كثيرة أيضاً فإنهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه أن يدعو لهم ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي قام وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الجمعة وقال: " يا رسول الله هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا " فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فسقوا فلما كانت الجمعة الأخرى جاءه أعرابي وقال " رسول الله تهدم البناء وهلكت المواشي وغرق المال فادع الله لنا " فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بإمساك السماء، ومن ذلك أيضاً ما جاء في السنن عن عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه " ثم دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن هدي الصحابة في توسلهم إنما هو طلب الدعاء لهم ويشهد لذلك أيضاً قول الله تعالى: ï´؟ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ï´¾ [النساء: 64].



الثاني: لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس رضي الله عنه استجابة لأمر عمر رضي الله عنه فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني رحمه الله في الفتح حيث قال: " قد بين الزبير بن بكار في [الأنساب] صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس.



قال الألباني: في هذا الحديث:

أولاً: التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره وفي هذا ردّ واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس فيدعو بعد عمر دعاء جديدا.



ثانياً: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا صلى الله عليه وسلم في حياته وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس ومما لاشك فيه أن التوسلين من نوع واحد: توسلهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوسلهم بالعباس وإذا تبين للقارئ - مما يأتي - أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم إنما كان توسلاً بدعائه صلى الله عليه وسلم فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما كان توسلاً بدعائه أيضاً بضرورة أن التوسلين من نوع واحد. أما أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم إنما كان توسلاً بدعائه فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: " كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر.... " فذكر الحديث نقلته من الفتح (2/399) فقوله: " فيستسقي لهم " صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي (النهاية) لابن الأثير: " الاستسقاء استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم والاسم السقيا بالضم واستسقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك " إذا تبين هذا فقوله في هذه الرواية: " استسقوا به " أي بدعائه وكذلك قوله في الرواية الأولى " كنا نتوسل إليك بنبينا " أي بدعائه فلا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا. ويؤيده:

ثالثاً: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى لما ترك عمر التوسل به صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى لأن هذا ممكن لو كان مشروعاً فعدول عمر عن هذا إلى التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه أكبر دليل على أن عمر رضي الله عنه والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم " أ - هـ. [مسألة التوسل للشيخ الألباني بتصرف يسير].



وملخص الكلام أن الرد على هذه الشبهة من وجوه: -

1- أن الثابت عن الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم حين يصيبهم القحط وتمسك السماء أن يذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم و يطلبوا منه الدعاء كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فطلب منه الدعاء وكذلك حديث عائشة عند أبي داود، فهم يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بجاهه وكذلك هو المقصود بالتوسل بالعباس فإنه توسل بدعائه لا بجاهه لأن عمر ذكر في الحديث توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتوسلهم بالعباس ومما لاشك فيه أن التوسلين من نوع واحد وإذا ثبت أن توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان بدعائه فلا بد أن يكون المقصود بتوسلهم بالعباس توسل بدعائه لا بجاهه ومكانته.



2- بينت الروايات الأخرى المقصود بتوسل عمر بالعباس حيث فسرت ذلك ونقلت دعاء العباس استجابة لعمر حين طلبه مما يدل أنه طلب الدعاء منه كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري.



3- أن لفظ الحديث كما في قول أنس رضي الله عنه هو: " أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب.... " ولفظ الاستسقاء يدل على طلب السقيا من الله فهذا يدل على أن المقصود به الدعاء.



4- لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس وجاهه لما ترك عمر التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى وعدول عمر عن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بدعاء العباس دليل على أن عمر والصحابة لا يرون التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم.

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:46 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (3)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم
(الشفاعة وما يتعلق بها)



قول المصنف: [يدعوهم ويسألهم الشفاعة].

المسألة السادسة: الشفاعة وما يتعلق بها.

الشفاعة لغة: اسم من شفع يشفع إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر.

واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.



ومقصود المؤلف هنا الشفاعة المتعلقة بالآخرة: كطلب المغفرة والتجاوز عن الذنوب وهي على نوعين:

النوع الأول: الشفاعة الخاصة، وهي التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم وتكون كذلك لأناس معينين يشفع لهم، وهي ثلاثة أقسام:

الأولى: الشفاعة الكبرى:

وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندما يؤخر الله عز وجل محاسبة العباد فيأتي الناس إلى الأنبياء وكل واحد منهم يقول: (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري) حتى تصل إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء أزكى الصلاة وأتم التسليم، فيقوم فيشفع للناس عند ربه عز وجل.



ويدل على ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه الطويل وساق فيه حال الناس وإتيانهم الأنبياء حتى يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم بعدما يقع ساجدًا تحت العرش.



وأيضًا روى ابن عمر رضي الله عنه: " أن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " رواه البخاري.



الثانية: الشفاعة لأهل الجنة في دخول الجنة:

ويدل على هذا: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك " رواه مسلم.



الثالثة: شفاعة الرسول لعمه أبي طالب:

ويدل على هذا: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه".



وفي رواية: " ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " متفق عليه، فالشفاعة له أن يخفف عنه العذاب لا أن يخرج من النار لأنه مات كافرًا.



النوع الثاني: الشفاعة العامة:

وهي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولجميع المؤمنين، وهي خمسة أقسام:

الأولى: الشفاعة لأناس من أهل الإيمان قد استحقوا الجنة أن يزدادوا رفعة ودرجات في الجنة:

مثال ذلك: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لأبي سلمة فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين" رواه مسلم، وقد يستدل لهذه الشفاعة ما سيأتي في أدلة القسم الثاني.



الثانية: الشفاعة لأناس قد استحقوا النار في أن لا يدخلوها:

وقد يستدل لها: بما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه ".



ووجه الدلالة: أن هذا الحديث عام يدخل فيه كل رجل صلّى عليه هذا العدد بهذه الصفة ويدخل في هذا العموم من استوجب النار فلم يدخلها لشفاعة هؤلاء المؤمنين.



الثالثة: الشفاعة لأناس قد دخلوا النار أن يخرجوا منها:

ويدل عليها: ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا... فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط " رواه مسلم.



وأيضًا يستدل لها: بحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخلون الجنة يسّمون الجهنميين " رواه البخاري.



الرابعة: الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم حتى يدخلوا الجنة، وقد يستدل لهذه الشفاعة بحديث ابن عباس عند مسلم وسبق في الشفاعة الثانية.



الخامسة: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة من الباب الأيمن:

ويدل عليها: حديث أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه - فذكر الحديث إلى أن قال - " فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب " متفق عليه، وقيل أن هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.



فأصبح عدد الشفاعات جميعًا ثماني شفاعات.



والنوع الثاني من الشفاعة وهي الشفاعة العامة لها من شروط:

1- رضا الله عن المشفوع له.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ï´¾ [الأنبياء: 28].



2- رضا الله عن الشافع.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ï´¾ [النجم: 26].



3- إذن الله للشافع أن يشفع.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ï´¾ [البقرة: 255]. وأيضًا الآية السابقة.



4- أن لا يكون الشافع من اللعانين.

ويدل عليه: ما رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا: " إن اللعانين لا يكونوا شفعاء ولا شهداء يوم القيامة " رواه مسلم.



• ومقصود المؤلف في الشفاعة في هذا الناقض: أن الطلب من المخلوقين بعد وفاتهم أن يشفعوا عند الله وجعلهم واسطة بينهم وبين الله تعالى محرم وشرك، لما في ذلك من وصفهم بصفات الخالق سبحانه لأن من صفاته سبحانه أنه هو الحي الذي لا يموت.



المسألة السابعة: الأعمال الموجبة لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:

قول (لا اله إلا الله) خالصة من القلب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال: "ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: (لا اله إلا الله) خالصًا من قلبه" رواه البخاري.



قول الذكر الوارد بعد الأذان:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة "رواه البخاري.



الصبر على جدب المدينة و لأوائها:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يثبت أحد على لأواء المدينة وجدبها إلا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" رواه مسلم.



الموت في المدينة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.



يشفع النبيون والملائكة والشهداء والصالحون على قدر مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم فالشهيد مثلًا يشفع في سبعين من أهل بيته كما ورد عند أبي داود وابن حبان.



المسألة الثامنة: الشفاعة المتعلقة بالدنيا:

وهي التي بوسع العباد القيام بها كطلب مال أو نكاح أو أي منفعة.



قال الشوكاني: " وأما التشفع بالمخلوق، فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز كطلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا " [انظر الدر النضيد: ص16].



وهذه الشفاعة في أمور الدنيا سواءً سميت شفاعة أو (واسطة) كما هو المصطلح الشائع عند الناس اليوم فإنها لابد لها من شرطين:

الشرط الأول: أن تكون في شيء مباح.



ويدل على ذلك: قوله تعالى: ï´؟ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ï´¾ [المائدة: 2].



أما إذا كانت في شيء محرم فإن هذه الشفاعة لا تجوز لقوله تعالى: ï´؟ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ï´¾ [المائدة: 2].



مثال ذلك: كأن يشفع شخص لآخر وجب عليه حدّ من حدود الله أن لا يقام عليه الحد فيتوسط له عند القاضي أو السلطان، وفي الحديث عن عائشة: " أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله؟ فكلم رسول الله فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " رواه البخاري.



الشرط الثاني: أن لا يكون فيها تعدّ وتجاوز وظلم لأناس آخرين.



فإذا تحقق الشرطان فالسنة أن يشفع الإنسان لأخيه لقوله صلى الله عليه وسلم: " اشفعوا فتؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء " رواه البخاري.



أما إذا كانت الشفاعة الدنيوية فيها هضم لحقوق أناس آخرين وتعدّ عليهم فإن هذا من الظلم وتكون هذه الشفاعة محرمة لعموم الأدلة التي تحذر من الظلم وهضم حقوق الآخرين وهي كثيرة مستفيضة.

عبدالله الأحد
2015-05-05, 05:50 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (4)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم
(الشفاعة وما يتعلق بها)




المسألة التاسعة: الشفاعة في الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين:

الأولى: شفاعة منفية.

وهي التي تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهي شفاعة مردودة نفاها الله وأبطلها.



ويدل على ذلك: قوله تعالى: ï´؟ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ï´¾ [المدّثر: 48].



وقوله تعالى: ï´؟ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ï´¾ [الشعراء: 100-101].



الثانية: شفاعة مثبتة.



وهي التي تُطلب من الله وحده، وهي التي أذن الله فيها وهي لأهل الإيمان والتوحيد خاصة، وهي شفاعة مقبولة بالشروط السابقة في شروط الشفاعة العامة وقد سبقت بأدلتها فلتراجع.



قال المصنف: [يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم].



المسألة العاشرة: التوكل.



تعريفه:

التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير.



وشرعاً: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها.



وعلى هذا التعريف.



فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ويكون قادحاً في كفاية الله، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبوا إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.



ومن جعل أكثر اعتماده على الله ملغياً للأسباب فقد طعن في حكمة الله، لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله اعتماداً مجرداً كان قادحاً في حكمة الله، لأن الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها. [انظر القول المفيد لشيخنا ابن عثيمين 2/228].



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/137): " ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه، فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب، كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات، قال تعالى: ï´؟ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ï´¾ [البقرة: 164]، وكما جعل الشمس والقمر سبباً لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك، مثل صلاة المؤمنين على جنازة الميت، فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

أحدهما: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.



الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلاً، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ".



الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يُعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة، وإن ظن ذلك، فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة ".



وقال ابن القيم في المدارج: " فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته إلا على ساق التوكل ".

منقول